العمق فى الحياة

في هذه العظة الروحية العميقة يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في المزمور القائل: “من الأعماق صرخت إليك يا رب”. ويشرح أن الله يسمع الصوت الخارج من العمق الحقيقي، لا من الشفاه فقط بل من القلب والعاطفة والإيمان والاحتياج الصادق.
الفكرة الأساسية
يركّز قداسته على أن الصلاة الحقيقية ليست بطولها أو بكثرة كلماتها، بل بعمقها. فالله يسمع الصوت الخارج من عمق الحب، وعمق الإيمان، وعمق الانسحاق، وعمق الثقة، وعمق الحاجة. الإنسان الذي يصرخ من أعماقه، مثل الغريق الباحث عن النجاة، يكون صوته أكثر قبولاً عند الله من مَن يردد كلمات بلا إحساس.
أمثلة كتابية
يستشهد البابا شنوده بأمثلة كثيرة:
-
يونان النبي الذي صلى من بطن الحوت، فكانت صلاته من الأعماق.
-
العشار الذي قال جملة واحدة لكنها خرجت من قلب منسحق.
-
اللص اليمين الذي في لحظة موته نطق صلاة قصيرة من عمق إيمانه فقبلها المسيح.
-
إيليا الذي صلى بعمق فنزلت نار من السماء.
-
القديس إبراهيم الذي قدّم ابنه بإيمان وطاعة عميقة.
البعد الروحي
العمق هو سر كل علاقة حقيقية مع الله — في الصلاة، في الصوم، في الخدمة، في العطاء، وفي التوبة.
العمق هو أن تكون الكلمة التي نقرأها أو نصليها خارجة من القلب، وأن تدخل كلمة الله إلى أعماقنا فتُثمر تغييرًا في حياتنا.
العمق في التوبة
التوبة الحقيقية هي التي تغيّر مجرى الحياة بلا رجوع إلى الخطيئة. القديسون الذين تابوا بعمق — مثل موسى الأسود ومريم القبطية وأغسطينوس — لم يرجعوا إلى ماضيهم بل صاروا قديسين. التوبة التي فيها دموع وندم وانسحاق هي التوبة التي تُعيد الإنسان إلى حياة النعمة.
العمق في الخدمة
الخدمة العميقة لا تُقاس بعدد الأنشطة بل بمدى تأثيرها في النفوس. من يخدم بعمق يسكب حب الله في القلوب ويجذب الناس إليه بكلمة حارة صادقة. هذا ما فعله الرسل والقديس بولس الذي تعب وجاهد واحتمل لأجل الكرازة.
العمق في المحبة والإيمان
المحبة الحقيقية لا تسقط أبدًا لأنها نابعة من عمق القلب، مثل محبة داود ليوناثان. والإيمان العميق هو الثابت أمام كل التجارب مثل إيمان دانيال في الجب والثلاثة فتية في النار.
الخاتمة
يدعو البابا شنوده المؤمنين أن يعيشوا كل جانب من حياتهم بعمق — في العبادة، في الخدمة، في التوبة، وفي المحبة — لأن الله لا ينظر إلى الكثرة أو المظاهر بل إلى ما في الداخل. ويختم بقوله: “من عمق قلبي طلبتك، من الأعماق صرخت إليك يا رب.”




