العقوبات الكنسية – 4

القوانين الكنسية
العقوبات الكنسية [4] 1
نتحدث عن القوانين الكنسية القديمة، المعروفة منذ أقدم العصور في المسيحية، والمعروفة في أيام المجامع المسكونية والمكانية إلى منتصف القرن الخامس الميلادي حينما كانت الكنيسة حاسمة جدًّا وفي منتهى الحزم في معاملة المؤمنين، وفي معاقبتهم على خطاياهم الثقيلة بعقوبات علنية.
مصدر سلطان العقوبة
سلطان الكنيسة في العقوبة هو سلطان إلهي، قال فيه الرب: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ”، وقال أيضًا عن الخاطئ: “وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ” والعشار” (مت18: 17، 18).
وهذا السلطان الكنسي قد مارسه القديس بطرس الرسول في معاقبته لحنانيا وسفيرة (أع5)، كما مارسه القديس بولس الرسول في معاقبته لخاطئ كورنثوس (1كو5:5)، وفي لعنته التي صبها على عليم الساحر (أع11:13)، كذلك عقوبة الحرم التي فرضها على كل من يخطئ في التعليم.
وكان القصد الإلهي من العقوبة أن تحتفظ الكنيسة بقدسيتها. وأن يرتدع الخطاة. وكذلك يكون عند الباقين خوف (1تي20:5 – أع11:5). وللعقوبات الإلهية جذورها الممتدة في العهد القديم منذ خطية آدم وحواء، كما مارس الآباء والأنبياء فرض هذه العقوبات أيضًا وتنفيذها بسلطان إلهي.
درجات وأنواع العقوبة
العقوبات الكنسية على درجات، تختلف باختلاف نوعية الخطية ومدى تكرارها. فهي تقع على من يخطئ، وعلى من يقصر في واجباته الروحية، وكل خطأ له وزنه وقدره. وقد وضع الآباء قاعدة قانونية هامة وهي: “لا يجوز فرض عقوبتين على خطية واحدة”.
ويستثنى من هذه القاعدة الهرطقة والبدعة، وكل انحراف عن الإيمان السليم. فهناك خطية عقوبتها بالنسبة إلى العلماني الفرز، وأما بالنسبة إلى الكاهن فتكون عقوبته عليها هي إسقاط درجته الكهنوتية مع عدم فرزه من جماعة المؤمنين.
ولكن إذا وقع الكاهن في هرطقة، تفرض عليه العقوبتان معًا، فيسقط ليس فقط من درجته الكهنوتية، إنما من كل درجات الكهنوت مهما بلغ علوه فيها، وكذلك يفرز من جماعة المؤمنين، وهكذا حدث مع أريوس القس ومع كل من تبع هرطقته من الأساقفة والقسوس والشمامسة، وهكذا حدث مع نسطور بطريرك القسطنطينية ومن قبله مع مقدونيوس بطريرك القسطنطينية. ومع الراهب يمكن أن يسقط من كهنوته ورهبنته معًا، إذا هرطق، ويفرز من جماعة المؤمنين، أي توقع عليه ثلاث عقوبات.
فماذا يحدث مثلاً إذا تزوج شماس أو قس بعد ترمله؟
في هذه الحالة يسقط الشماس من درجه الشماسية ويسقط الكاهن من درجة القسيسية. ولكن يبقى كلاهما داخل جماعة المؤمنين. وإذا تزوج قس راهب، فإنه يسقط من درجة الكهنوت، ويسقط من طقس الرهبنة، ولكن لا يفرز من جماعة المؤمنين بل يدخل في قانون توبة، ولا يتناول ككاسر نذر، حتى تنتهي مدة عقوبته، أما متى تنتهي وكيف؟ فهذا سنتحدث عنه بمشيئة الله في مناسبة أخرى.
الطرد من جماعة المؤمنين Excommunication وهي كلمة مشتقة من جزئين: Ex بمعنى خارج أو خارجًا Community بمعنى الجماعة، فيكون معنى العقوبة هو طرد المخطئين خارجًا من جماعة المؤمنين.
وهي غير الحرم anathema (أناثيما) التي توقع على الهراطقة.
ومن أمثلتها الاثني عشر حرمًا التي أوقعها القديس كيرلس الكبير على نسطور وكل من يقع في هرطقاته بالتفصيل، ومن أمثلتها أيضًا قول القديس بولس الرسول: “إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أو مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا” (غلا9،8:1).
والشخص المحروم من الكنيسة يقال عنه Anathematize أما الكاهن الذي يسقط من درجته الكهنوتية فيقال عنه Depose والقطع من الكهنوت يسمى Deposal إيقاف الكاهن. نذكر كل هذه التعبيرات، لكي نفرق بين كل هذه الأنواع من العقوبات، لأن كثيرًا من العوام لا يعرفون غير كلمة محروم، كما أنه يحدث أحيانًا أن كاهنًا في حالة غضب، يصدر حكمه على أحد المؤمنين فيقول له أنت محروم! وذلك دون أن يحدد معنى أو نطاق هذا الحرم!!
هل هو حرمان من التناول مثلاً؟ أم حرمان من دخول الكنيسة؟ أم حرمان من جماعة المؤمنين؟ وهل هو حرمان لمدة معينة؟ أم حرمان دائم؟ ولا يفهم الإنسان المعاقب معنى هذا الحرمان، وربما لا يكون في ذهن الكاهن معنى محدد لهذا الحرم!! ولكنها كلمة في ساعة غضب، وطبعًا المفروض أن يعتمد الحرم على قوانين وعلى إجراءات معينة.
ولا يجوز أن تستخدم كلمة الحرم عبثًا، بدون سبب كنسي يوجبها حسب القوانين الكنسية، ولا يجوز أن تكون عامة، مبهمة بغير تحديد للمقصود منها، وإلا يقع الناس في بلبلة وفي شك، وقد يفقدون الثقة في السلطان الكنسي.
العقوبات الكنسية ونظام الخوارس
كانت العقوبات الكنسية قديمًا مرتبطة بنظام الخوارس وطريقة بناء الكنيسة، فلم يكن صحن الكنيسة يمثل مسطحًا واحدًا إنما كان مقسّمًا إلى أقسام، تسمى خوارس، يفصل كلا منها عن الآخر حاجز بباب أو نوع من الدرابزين.
القسم الأول: الأكثر قربًا من الهيكل، هو خورس المؤمنين، وأحيانًا كان يسمى خورس
القديسين، وهو مكان المؤمنين الذين لهم الحق في حضور كل صلوات القداس، وفي التناول أيضًا. كما أن لهم الحق أيضًا في تقديم قرابينهم، أي عطاياهم، التي تذكر في أوشية القرابين، وهذا الخورس كان يسمح بدخوله أيضًا للتائبين الذين هم في آخر مرحلة للتوبة، بحيث يسمح لهم بمجرد مشاركة المؤمنين في حضور صلوات القداس. ولكن لا يسمح لهم بالتناول من الأسرار المقدسة حتى تنتهي المدة المفروضة عليهم في توبتهم، كذلك لم تكن الكنيسة تسمح لهؤلاء بتقديم قرابين أو عطايا، أي لا تقبل منهم. إنهم مجرد مشاركين في الصلاة.
كانت الكنيسة لا تقبل قرابين أو عطايا الخطاة المحكوم عليهم.
وذلك عملاً بقول الوحي الإلهي في المزمور “زَيتُ الخَاطئِ لاَ يَدهنُ رَأسي” (مز 140). وكقول الكتاب “لاَ تُدْخِلْ أُجْرَةَ زَانِيَةٍ… إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ” (تث18:23)، وبنفس الوضع لا تقبل الكنيسة قرابين أو أموال أو عطايا ممن يكتسب ماله عن طريق خاطئ، فالمرابي الذي يقتطع أموالًا من أفواه الفقراء والمساكين، وصانع تماثيل الأصنام، والذي يكتسب بالغش أو بالظلم أو عن طريق الملاهي، كل ذلك لا تقبل الكنيسة قرابينهم. كذلك الخاطئ المحكوم عليه من الكنيسة، الممنوع من التناول، لا تقبل قرابينه، إلى أن تنتهي مدة عقوبته. وبذلك يشعر بثقل ذنبه.
والآن لننظر إلى درجات العقوبات وموقعها من الخوارس.
درجات العقوبات وأماكنها في الخوارس
كان الخاطئ يحكم عليه بفترة عقوبة، قد تمتد إلى سنوات طويلة، تتوزع حسب توبته على خوارس متعددة حتى يصل أخيرًا إلى درجة التائبين المشاركين في الصلاة مع المؤمنين. فما هي درجات العقوبات هذه؟ إنها:
1- درجة الباكين أو النائحين خارج الكنيسة.
هؤلاء لم يكن يسمح لهم بدخول الكنيسة مطلقًا، بل يقفون في الفناء الخارجي، يبكون على خطاياهم، ويتضرعون إلى الداخلين والخارجين أن يصلوا لأجلهم. وبعضهم أو كلهم كانوا يلبسون المسوح متذللين، وذلك عملاً بقول الكتاب “بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ” (مز 92).
فإذا قضى الخاطئ التائب هذه الفترة كما ينبغي، ينتقل إلى:
2-خورس السامعين أو خورس الموعوظين.
وهو عبارة عن دهليز في آخر الكنيسة. يصرح له فيه أن يستمع إلى القراءات الكنسية من فصول البولس والكاثوليكون وأعمال الرسل والإنجيل، وكذلك يستمع إلى العظة، ثم يخرج بعد ذلك فلا يسمع صلوات القداس.
وفي هذا الخورس كان يُسمح أيضًا بدخول اليهود والأمم وباقي الموعوظين وقبل رفع الأبروسفارين وبداية القداس يقف شماس ويقول: “لا يقف هنا موعوظ أو غير مؤمن”… ويخرج كل من في هذا الخورس.
3- خورس الراكعين.
وهو أقرب الخوارس إلى مكان المؤمنين، وهؤلاء ما كان يُسمح لهم بحضور القداس الإلهي، ولا بتقديم القرابين، ولكنهم من أجل تقدمهم عن غيرهم في التوبة، يتقدم موضعهم. ويحضرون ما يُسمح به للموعوظين راكعين، أو يقال إنهم كانوا قبل خروجهم يركعون ويصلي الأسقف أو الكاهن صلاة عليهم ويصرفهم، فلا يحضرون قداس القديسين، ولكنهم بعد أن يقضوا فترتهم يتدرجون إلى درجة المشاركين في الصلاة.
4- درجة التائبين المشاركين في الصلاة.
وهي آخر فترة يقضيها التائب في قانون توبته وفي فترة عقوبته. فإذا انتهى منها يُسمح له بالتناول، وتسمح الكنيسة بقبول قرابينه، كما سبق فشرحنا.
انتهاء العمل بقانون العقوبات هذا.
حاليًا لا يُعمل بنظام العقوبات هذا، في كل كنائس العالم لم يعد أحد من الناس يحتملونه كما أنه كان علنيًا، وكان يتفق مع انسحاق القلب في التوبة وفي علانيتها، مما لا نجده الآن، بل كان الناس يحتملون عقوبات تمتد أحيانًا إلى سبع سنوات، وإلى عشر سنوات، وإلى عشرين سنة، من يستطيع أن يحتمل هذه العقوبات الآن؟! لا أحد.
لذلك ألغت الكنيسة الكاثوليكية هذه العقوبات الموجودة في القوانين القديمة. ألغتها من زمن طويل. كما ألغتها الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية أو اليونانية منذ القرن الحادي عشر… وألغت معها وظيفة المؤدب، والمؤدب الكبير، وكذلك نظام الخوارس انتهى من كل أبنية الكنائس منذ زمن طويل.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 19-7-1987م



![القوانين الكنسية العقوبات الكنسية [5]](https://popeshenouda.org.eg/wp-content/uploads/2010/02/مقالات-قداسة-البابا-150x150.webp)
