الضمير الجزء الاول

| الكتاب | الضمير والعوامل المؤثرة عليه |
| المؤلف | قداسة البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، مارس 2022م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 23648/2021م |
| الترقيم الدولي | 978-977-86014-2-8 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا روحيًا وأدبيًا وكنسيًا ربما لم تشهده أجيالٌ كثيرة قبلاً. وفي نفس الوقت هذا التُراث لم نحصره تمامًا حتى الآن.
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت الأدبي:
الجزء الأول – الضمير والعوامل المؤثرة عليه
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية.
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث إصدار موسوعات البابا شنوده الثالث، وهذه الموسوعة الخامسة في موضوع "اللاهوت الأدبي". عند بدئنا في قسم التحرير والنشر بمركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث، لتقسيم تراث البابا إلى موسوعات، ما كنا نظن أنه تكلّم بهذا الكم في موضوعات تخصّ اللاهوت الأدبي، لأننا كنا بالأكثر نصنف معظم كتاباته تحت موضوعات في اللاهوت الروحي أو الطقسي أو فكر الآباء... وعندما ذُكر موضوع موسوعة اللاهوت الأدبي كنا نظن أننا سنجد بضع مقالات في هذا السياق، غير ما أصدره من كتب، ولكن عندما قام القس هوشع عبد المسيح – المكلف بتجميع مقالات موسوعة اللاهوت الأدبي – بجمع المادة المطلوبة فوجئنا أنه يوجد لقداسة البابا شنوده مئات من العظات تخص: الضمير، الإرادة، الحرية، المعرفة، الحق، القوة، الفكر، الشهوات والرغبات... الخ. وللحقيقة أننا كثيرًا ما نُفاجئ ونحن نعمل في تراث قداسة البابا بموضوعات ما كنا نتوقع أنه تتطرق للحديث عنها، وأحيانًا لأفكارٍ له، ما كنا نتخيل أنه يمكن لعقل بشري يقدر أن يسمو ليتأمل فيما تأمل فيه أو يكتشف بواطن أمور أخفيت عن كثيرين من الكتّاب العاديين.
وبين يديك الكتاب الأول من هذه الموسوعة "الضمير والعوامل المؤثرة عليه". هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة مقالات لقداسة البابا شنوده الثالث، نشرها في صحف الكرازة، وطني، والأهرام، والجمهورية، وأخبار اليوم. وقد قمنا بتجميع كافة المقالات التي كتبها قداسته عن موضوع "الضمير".
كما أضفنا فصلاً آخر يشمل المقالات التي تحدث فيها: عن العوامل المؤثِّرة على الضمير. وقد شرح قداسته باستفاضة كلّ عامل من هذه العوامل وكيف أنه يؤثِّر على الضمير.. بأن يجعله يميل إلى الخير أو يميل نحو الشر. كما شرح ما هو الضمير، وفَرَّق بين الضمير وبين صوت الله أو الروح القدس.. فقال: "إن الضمير ليس هو صوت الله، وليس هو الروح القدس. وذلك لأن الضمير يخطئ أحيانًا... وأحيانًا أخرى يجهل، ويتغيَّر.. ولا يمكن أن ينطبق الجهل والتغيير والخطأ على صوت الله، حاشا". وصحَّح هذا الخلط وعرَّف الضمير قائلاً: "إن الضمير ليس هو صوت الله، ولكنه صوت من الله، إن كان ضميرًا سليمًا". واستكمالًا لهذا الكتاب، عرض مقالات قداسته التي تتعرض للعوامل التي تؤثر على الضمير.. نقدم الشكر الجزيل لجناب القس هوشع عبد المسيح كاهن كنيسة الشهيد مار جرجس أرض اللواء – الجيزة، على مجهوده الرائع الذي بذله في تجميع هذه المقالات لتخرج لفائدة القارئ الكريم. نتمنى لكم أوقات مباركة بشفاعة العذراء مريم والدة الإله، والبابا شنوده الثالث.. وبصلوات قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
مقدمة عامة لموسوعة اللاهوت الأدبي
تعريف علم اللاهوت الأدبي
علم اللاهوت الأدبي هو العلم الذي يبحث في علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقة الإنسان بالكون، وذلك من الناحية الأدبية والأخلاقية. كما يَدرس هذا العلم موقف المسيحية في موضوعات الخير والشر، الفضائل والرذائل، الجائز وغير الجائز... ومن المشكلات الأخلاقية في المجتمع[1].
أي أن علم اللاهوت الأدبي بصورة عامة يعلن موقف الكنيسة المسيحية من العديد من السلوكيات والعلاقات والأخلاقيات داخل المجتمع، وفي المِهن المتعدِّدة.
من ثم فإن علم اللاهوت الأدبي له علاقة بالأخلاق المسيحية مباشرة. لذلك فإن الكنائس تطلق على فرع علم اللاهوت الذي يتناول الجوانب الأخلاقية والأدبية مصطلح "علم اللاهوت الأدبي"، لكونه تعبير مفهوم في الإطار المجتمعي والفكر الفلسفي.
وقد تناول مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث في كتاباته وعظاته العديد من الموضوعات التي تندرج تحت مفهوم علم اللاهوت الأدبي، وإن كان لم يُطلق عليها هذا المصطلح. من ذلك على سبيل المثال كتب قداسته:
- مَن هو الإنسان؟
- الإنسان الروحي.
- حياة الفضيلة والبر.
- الغضب.
- الإدانة.
- عشرة مفاهيم.
- الوصايا العشر.
- تأملات في العظة على الجبل.
- الإنسان صورة الله.
بالإضافة إلى المقالات التي كتبها قداسته ونُشرت بالجرائد والمجلات (مجلة الكرازة – جريدة الأهرام - جريدة الجمهورية - جريدة أخبار اليوم - جريدة وطني..)، وأيضًا المحاضرات التي ألقاها على الشعب.
وسوف نتناول في هذه الموسوعة مقالات البابا شنوده الثالث التي تخص اللاهوت الأدبي الحديث، من خلال عدة محاور رئيسية وفرعية حول:
أولاً: الضمير
ما هو الضمير؟ وكيف نشأ؟ وما هي المؤثِّرات التي تؤثِّر على الضمير مثل الإرادة، المعرفة، الحرية، القوة، الفكر، الشهوة، الحق، لوم ومحاسبة النفس؟
ثانيًا: الإنسان
ويتحدث فيه عن الجسد، وهل هو مصدر كل خطية؟ وأيضًا روح الإنسان وأهميتها وقوتها، والعقل البشري وأهميته وأنواعه، وما الذي يقود الإنسان إلى الاهتمام بالغير. وأيضًا الآخر مَن هو؟ وما علاقتك بالآخر.. إلخ.
ثالثًا: المسئولية الأدبية
فيشمل موضوعات عن القيم والمبادئ، الجدية والتدقيق، الالتزام، الشعور بالمسئولية، هدوء الطبيعة والساكن.. إلخ.
رابعًا: الفضائل والرذائل
الفضيلة، تعريفها ومصادرها، أعماق حول الفضيلة، فضائل تنقصها الحكمة، خطايا تتنكر في زي فضائل، نتائج الجهل وعدم الفهم، عوائق الفضيلة... إلخ.
خامسًا: الوصايا العشر والعظة على الجبل
ويتحدث فيه عن الوصايا العشر في ضوء العهد الجديد. وكيف تتحول الوصايا إلى حياة، أنواع من السرقات، أنواع من القتل.. إلخ.
سادسًا: القضايا الاجتماعية المعاصرة
ويتحدث فيه عن البطالة، نتائجها وعلاجها، العدالة الاجتماعية؛ العولمة، فوائدها وتأثيرها وأضرارها؛ أطفال الأنابيب؛ الهندسة الوراثية؛ وثيقة حقوق الإنسان... إلخ.
وبين يديك الكتاب الأول من موسوعة اللاهوت الأدبي عن "الضمير والعوامل المؤثرة عليه".
القس هوشع عبد المسيح حنا
مركز معلِّم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
[1] من كتاب علم اللاهوت الأدبي الجزء الأول (الإنسان، الضمير، المسئولية)، للقمص بولا عطية، مطبعة الكرمة بالفيوم، الفصل الثاني، صـ43
الفصل الأول الضمير
الضمير[1]
إن الله منذ البدء أوجد الضمير في الإنسان، لكي يُميز بين الخير والشر.
والضمير موجود قبل الشريعة المكتوبة، وأول شريعة مكتوبة كانت أيام موسى النبي سنة 1400ق. م. ولكن الضمير كان موجودًا قبل الشريعة. بدليل أن قايين حينما قتل أخيه هابيل عاقبه الرب. وقال له: "مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ" (تك4: 11). وبدليل أن يوسف الصديق لما عُرضَ عليه الزنا من امرأة سيده، قال: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك39: 9). فمن أين عرف أن هذا الأمر شر عظيم؟ إنه عرف ذلك من الضمير.
ودليل آخر أن يعقوب أب الآباء لما أغرته أمه أن يتحايل على أبيه ويقول له: أَنَا عِيسُو ابنك، ودبَرت لهذا الأمر، أجابها أنه يخشي أن يكشفه أبيه فيجلب لنفسه لعنة لا بركة (تك 27: 12)! فكيف عرف أن الغش والكذب يجلبان اللعنة لا البركة؟ عرف هذا من الضمير قبل أن توجد شريعة تقول: لا تكذب..
والضمير على أنواع...
يوجد ضمير واسع يبلع الجمل، يبرِّر كلَّ شيء. ولا يكون حساسًا نحو الخطأ. وربما يقول هذا شيء بسيط. ويوجد ضمير ضيِّق (ضمير موَسوِّس). يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويرى الخطأ حيث لا يوجد خطأ، أو يكبِّر من قيمة الأخطاء فوق حجمها. ويوجد إلى جوار هذين النوعين ضمير صالح يحكم حكمًا سليمًا، لا يزيد ولا ينقص. وفي ذلك قال بولس الرسول: "بكل ضمير صالح قد عشت لله..." (أع 23: 1)؛ "أنا أيضًا أدرب نفسي ليكون لي دائمًا ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس" (أع24: 16).
ويوجد ضمائر مقيَّدة[2].. إنَّ الضمير الحر لا يخضع لشي إلا للحقِّ وحده، وبالتالي للخير وحده. أما الضمير المقيَّد، فهناك علاقات وأوضاع خارجية تُقيِّد أحكامه، وربما هناك أشخاص يوجهون هذا الضمير في النهج الذي يريدونه. والضمير المقيَّد يتحول إلى ضمير مجامل للغير، أو ضمير خاضع للغير، أو ضمير متأقلِم مع أوضاع جديدة. وقد رأيتُ في طريق الحياة أشخاصًا لهم صداقة معينة يراعون شعورها وحدها، وآخرين لهم قيادة خاصة يهمهم الخضوع لها لترضى عنهم. وقد صار ضميرهم هو ضمير تلك الصداقة، أو ضمير تلك القيادة!!
والضمير أوسع مجالاً من القانون وأعلى منه.
الضمير ممكن أن يحكم على الفكر الخاطئ ويوبخه ويمنعه، أما القانون فلا يمكن أن يحكم على الفكر. الضمير أيضًا يحكم على النيّة، يحكم على ما ينوي الإنسان أن يفعله قبل أن يفعله، أما القانون فلا يحكم إلاَ على الفعل، ولا شأن له بنيّة الإنسان. والضمير يحكم أيضًا على الشهوة، أو الرغبة. بينما القانون لا يمكن أن يحكم على رغبة القلب أو شهواته، القانون لا يحكم إلاَ على العمل الذي تم، وليس الذي كان ينوي الإنسان أن يعمله. الضمير أيضًا يحكم على خطأ الحواس. إذا نظر الإنسان نظرة شريرة، يحاكمه عليها. أو سمع أشياء لا يليق به أن يسمعها، مثل فكاهات بذيئة، أو أغنيات رديئة، أو يسمع أي شيء رديء، كل هذا الضمير يوبخه عليه، أو يمنعه عنه.
الضمير أيضًا يدخل في منطقة أوسع.
فبينما القانون يحكم على الأخطاء التي تمَّت، نرى أن الضمير له اتجاه أعظم بكثير، لأنه يحكم على عدم فعل الخير. يحكم على عدم إعطاء مساعدة لإنسان محتاج مثلاً، وعلى عدم إنقاذ مَن يحتاج إلى إنقاذ. والقانون لا يحكم على شيء من هذا، لا شأن له بعدم فعل الخير. مجاله فقط هو الحكم على عمل الشر.
القانون في محاسبته يحتاج إلى أدلة يُثبت بها حكمه. وما أكثر الناس الذين حكم القانون ببراءتهم لعدم ثبوت الأدلة، أو كفاية الأدلة. أما الضمير فإنه لا يحتاج إلى أدلة مادية، لأنه يعرف خفيات الإنسان... لذلك نحن دائمًا نُخاطب ضمائر الناس، ونريد أن تكون أكثر حساسية لعمل الخير.
أيضًا هناك أخطاء لا يحاسب عليها القانون.
مثال ذلك التدخين، فلا يوجد قانون يحاسب على شرب السجائر، لكن الضمير يحاسب عليه، وكذلك شرب الخمر. وأخطاء اللسان لا يحاسب عليها القانون، مثل التهكم على شخص معين أو إتخاذه مجالاً للسخرية، أو مسك سيرة الناس. كل هذا لا يحاسب عليه القانون، بل يحاسب عليه الضمير، وكذلك الأعصاب والنرفزة، والافتخار الباطل، ومحبة المديح والكرامة... كل ذلك لا يحاسب عليه القانون لكن يحاسب عليه الضمير.
إن الضمير يوبِّخ ويبكِّت على الأخطاء. وربما إنسان لا يستطيع أن يحتمل توبيخ ضميره له. ولكن ممكن أن الناس يخالفون ضمائرهم ويتعرضون للتوبيخ ولا يهمهم، أو لا يتعرضون! وقد قيل: إنَّ الضميرَ قاضٍ عادل، ولكنه يعجز كثيرًا عن تنفيذ أحكامه. على أن كلمة عادل تحتاج أيضًا إلى مناقشة.
فالضمير يمكن أن يخطئ أحيانًا...
مثال ذلك الذين يأخذون بالثأر. ضمير الواحد يقول له: لا بد أن تقتل مَن قتل أباك، وإلا تكون عاجزًا ولعبة في أيدي الناس! وإذا لم يأخذ بثأره يُتعبه ضميره. أو أخ وقعت أخته في زنا، فضميره يقول له أن يقتل هذه الأخت لكي يمسح عار الأسرة! وحينما يقتلها يكون ضميره مستريحًا. وإن لم يقتلها يُتعبه ضميره. بينما هو يقتلها قبل أن تتوب عن خطيئتها فيضيّعها في الأرض وفي السماء.
ويحدث هذا أيضًا في كثير من الأحوال التي يمكن أن نصفها بالقِبَلِّية. مثل شخص يدافع عن قريب له مهما كانت خطيئته، ويكون مخالفًا لضميره.
أو آخر يدافع عن جمعيته أو فريقه أو الهيئة التي ينتمي إليها، مهما كانت حتى لو خالف ضميره، ولا يهمه قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15). ومثل آخر يخطئ فيه الضمير، وهو مثل أب يربي أولاده بطريقة العنف، ويضرب ويهين، وضميره مستريح يقول له: لا بد أن تفعل هكذا لكي تربي أولادك.
وكثير من الناس يكون لهم هدف طيب، ووسيلة خاطئة. وضميرهم يشجعهم من أجل الهدف الطيب مهما كانت الوسيلة خاطئة!
في أمور الزواج مثلاً يخالف الزوج ضميره وأحيانًا يشجعه ضميره أن يحبس زوجته ويمنعها من الذهاب إلى هنا أو هناك أو لمجرد الابتسامة لنكتة قالها شخص حتى لو كانت تضحِك الحجر، لكن يقول للزوجة لو ضحكت عليها تكونين منجذبة إلى قائلها! إن هذا ظلم وعنف في المعاملة، وعنف في السماح بالدخول أو الخروج، أو في المعاملات أو في الزيارات. ولكن ضمير مثل هذا الإنسان يشجعه على ما يفعله.
هنا ونسأل:
ما هي العوامل المؤثِّرة على الضمير؟
أول عامل هو المعرفة.
لأنه توجد خطايا يمكن أن نسميها خطايا جهل، يرتكبها الشخص وهو لا يدري أنها خطايا. لكن حينما يعرف أنها خطأ يبدأ في التوقف عنها. فالمعرفة إذًا يمكن أن تُنَمِّي الضمير وتزيد حساسيته.
وهكذا يكون التعليم أيضًا.
وحسبما يتعلم الإنسان، يؤثِّر هذا الأمر على ضميره. فالطفل حسبما يقولون له إن هذا الأمر صح، أو لائق، أو ذلك الأمر خطأ يتحرك ضميره الطفولي في الاِتجاه الذي قيل له عنه. ويزداد التعليم خطورة إذا كان صادرًا من المرشد الروحي أو الأب الروحي. فالأب أو المرشد يمكنه أن يغيِّر. ويحوِّل في ضمائر تلاميذه. ولهذا يقول الكتاب: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!" (يع3: 1) فما أكثر الذين ضاعوا نتيجة توجيه معلميهم أو مرشديهم أو القدوات التي يعتبرونها قدوة.
من ضمن الأشياء المؤثِّرة على الضمير أيضًا نوعية العقل.
فهناك عقل يناقش كل فكرة تُعرض عليه ليرى أين الحق في هذه أو تلك. وهناك عقل بسيط يأخذ كل الأمور بتسليم دون أن يدري. وهذا النوع يمكن أن يخطئ ضميره عن غير قصد. ولكن كلما كان العقل ذكيًا وحكيمًا، ففي هذه الحالة يمكن للضمير أن يدرك الخير بطريقة جادة، ويعرف الشر بطريقة واضحة.
ومن المصادر التي تؤثِّر على الضمير وصايا الرب تبارك اسمه.
فالدين يغذي الضمير ويقول له أين الخير وأين الشر، وما هو اللائق وغير اللائق كما قال الرب في أواخر سفر التثنية: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ.. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ" (تث30: 15-19). ومن الناحية المضادة قال الرب: "يا شَعْبِي، مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12).
أحيانًا أيضًا يتأثَّر الضمير بالبيئة ... أو بالاتجاه العام للمجتمع.
وكثير من الناس ينجرفون في التيار العام، ويعذرون أنفسهم بقولهم: (كل الناس كده، هو احنا اللي هانشذ!!) وهنا الضمير لا يكون مصدره مبادئ ثابتة إنما يتمشّى مع التيار كقول الشاعر:
كريشةٍ في مهبِّ الريحِ طائرة |
| لا تستقرُ على حالٍ مِنَ القلقِ |
فالتيار العام يجذبه يمينًا أو يسارًا دون دراية منه.
لكن من أهم الأشياء التي تؤثر على الضمير.. الذات.
فمثلاً رغبات الذات يحاول الضمير أن يبرر لها كل رغبة، وإذا تضايق شخص من إنسان يحاول الضمير أن يبرر له تضايقه، في هذه الحالة الذات تتحكم، والمُثل تختفي، والوصايا تُنسى، والضمير يظل حائرًا.
الضمير وما يؤثِّر عليه[3]
(صلاحيته - عناصره - أنواعه - تأثراته)
الضمير هو طاقة أوجدها الله في الإنسان للتمييز بين الخير والشر، والحلال والحرام، واللائق وغير اللائق وما يجوز وما لا يجوز. لذلك دُعِيَ بالشريعة الطبيعية أو بالشريعة الأدبية غير المكتوبة.
وقد كان هو الحَكَم الداخلي في الإنسان قبل زمن الأنبياء، قبل الوحي والشريعة المكتوبة. وبه كمثال تسامَى يوسف الصديق عن الخطأ مع امرأة سيده حين طلبت ذلك منه. بينما عاش يوسف قبل موسى النبي بمئات السنين، وقبل أن يأمر الله في الوصايا العشر قائلاً: "لاَ تَزْنِ" (خر20: 14) ولكن كان هناك الضمير..
ولكن لما ضلَّ الضمير، حينئذ أرسل الرَّب وصاياه الإلهية لتُرشد الإنسان وتكون ميزانًا يزن به أفعاله ونواياه. وسنضرب أمثلة للدلالة على أن الضمير قد يضل: ذلك الشخص الذي يقتل ابنته أو أخته إذا سقطت وفقدت عفتها، ألا يرَى بضميره أنه يمحو عار الأسرة ويرد شرفها؟! بل إن البعض في الريف قد يتعبه ضميره إن لم يقتل هذه الفتاة!!
كذلك الشخص الذي يفجِّر نفسه أو يفجِّر سيارة، ويقتل بذلك مجموعة من الأبرياء، ويدمِّر بعض الأماكن، ألا يعتبر نفسه شهيدًا، وأنه قام بعمل وطني يُسجَل له بالفخر؟! وقد شجعه ضميره على ذلك!!
يمكننا إذًا أن نقسِّم الضمائر إلى أنواع
منها الضمير الصالح الذي يحكم حكمًا خيِّرًا ونيِّرًا، ودقيقًا. وهو مثل ميزان الصيدلي لا يزيد في تركيب الدواء ولا ينقص..
وهناك ضمير واسع يبلع الجمل، وهو يقبل أمورًا خاطئة عديدة، لا يوبخ عليها إطلاقًا، بل قد يجد لها تبريرًا يريحه!
بينما هناك أيضًا ضمير ضيِّق أو موَسوَّس أو متشدِّد. يظن الخطأ حيث لا يوجد خطأ، أو يضخم كثيرًا من قيمة الأخطاء. وهو بهذا يضيِّق على الناس بأحكامه ويغلق أمامهم أبواب السماء!
على أن هناك أنواعًا أخرى من الضمائر كالضمير الغائب، أو الضمير النائم أو الضمير الميت الذي يوصف صاحبه بأنه بلا ضمير!!
مثال ذلك القاتل الذي تَعَوَّدَ القتل، أو السارق الذي تَعَوَّدَ السرقة، أو الظالم الذي يصبح الظلم جزءًا من طبعه!
وكذلك القاسي القلب، وكل مِن هؤلاء يرتكب الخطايا ولا يشعر أنه قد أخطأ ومثلهم أيضًا الكاذب الذي تَعَوَّدَ الكذب، والفاجر الذي تَعَوَّدَ الفجور..
هؤلاء تصير خطاياهم شيئًا طبيعيًا في نظرهم، لا يبكِّتهم عليها ضمير، ولا يندمون كلما أخطأوا..!
أما الضمير السليم أو الضمير الصالح، فله وظائف مهمة.
منها التشريع، والمحاكمة، وإصدار الحكم.. ففي التشريع يعلن ما كان ينبغي أن يقال أو أن يفعل طبقًا لوصايا الله وتمشيًا مع المبادئ السليمة والمُثُل. ومن جهة المحاكمة يقول للشخص ماذا فعلت؟ ولماذا فعلت؟ وكيف فعلت؟ وكيف جرؤت أن تفعل؟ وأين خشية الله في قلبك؟ ومن جهة إصدار الحكم يحكم الضمير باللوم أو بالتوبيخ.
وقد يصل الأمر إلى تعذيب الضمير، وقد يحكم بوجوب تصحيح ما قد فعله وعلاج نتائجه..
والضمير لا يحكم فقط على الفعل، إنما حتى على النية والغرض. ويحكم على المشاعر الباطنية، وعلى الفكر.
ومن هنا كان الضمير أوسع دائرة، وأعمق أثرًا من القوانين الموضوعة وما أكثر الأمور التي لا يحكم عليها القانون. ولكن يحكم عليها الضمير، ويكون حكمه غير قابل للنقض.
ونطاق الضمير يشمل ما قبل الفعل وما بعده...
فهو من جهة النواحي الطيبة، يستحث ويدفع ويشجع. أما من جهة الأمور الرديئة، فهو يمنع أو ينذر ويبصِّر بالعواقب.
كما أنه لا يتناول الفعل فقط، إنما يحكم أيضًا على تأثيره ونتائجه ومقدار ردود هذا الفعل.
على أن الضمير قد يصطدم بالإرادة التي ربما تقف ضده!
فضمير الشخص قد يقول له إن هذا الأمر واضح الخطأ ومع ذلك فإنه يفعله!! كالتدخين مثلاً: يقول له الضمير إنه يضرّ صحتك وصحة الذين حولك.. وفيه تفقد مالك وتفقد إرادتك. ومع ذلك لا يمتنع الإنسان عن التدخين، لأن إرادته لا تستطيع!
ومن هنا قال البعض عن الضمير: إنه قاضٍ عادل؛ غير أنه ضعيف، والضعيف يقف ضد تنفيذ أحكامه..
أما لماذا هو ضعيف، فذلك لأن هناك مؤثَّرات أخرى كثيرة تضغط عليه.. وقد لا يستطيع مقاومتها.
الضمير يتأثَّر بالشهوة.. وكلما كانت الشهوة قوية، يضعف أمامها الضمير. والشهوة على أنواع: منها شهوة الجسد، وشهوة المناصب والارتفاع، وشهوة العظمة، وشهوة السيطرة، وشهوة الانتقام، وغير ذلك.. وحينما تشتد الشهوة فإنها تطرح الضمير جانبًا فيفقد سلطانه.
وتتولَّى الشهوة قيادة الموقف، بلا ضمير، وتدبر الأمر حسب هواها.. ومن هنا أيضًا كانت المصالح الشخصية هي من الأمور الضاغطة على الضمير أو السيطرة عليه، أو التي تحل محله، سواء بالنسبة إلى ضمير الفرد أو ضمير الدول. حتى لو كانت النظرة إلى المصالح الشخصية نظرة غير سليمة.
إذًا الدوافع أيًا كانت لها سيطرة على الضمير..
مما يؤثِّر على الضمير أيضًا مقدار المعرفة ودرجة الذكاء.
فقد يخطئ الضمير في حكمه نتيجة للجهل أو لنقص المعرفة أو لخطأ في الأمور المعروضة عليه، وعلاج ذلك هو التوعية والإرشاد السليم.
وقد يخطئ الضمير، أو تختلف أحكام الضمائر، باختلاف العقول وتنوُّع درجات الذكاء فيها. فضمير الإنسان الحكيم العاقل غير ضمير الإنسان العادي، أو الأقل ذكاء أو البسيط في تفكيره.
وعلاج نقص العقل أو المعرفة هو الاسترشاد. وكما قال الشاعر:
فخذوا العلم على أربابه .:. واطلبوا الحكمة عند الحكماء
ومن الناحية المضادة قد يخطئ الضمير نتيجة للإرشاد الخاطئ إن كان خاضعًا لإرشاد يضلِّله. وكما يقول المثل: "أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 14).
مما يؤثِّر على الضمير أيضًا: العُرف والبيئة وحماس الجماعة: فهناك عادات متوارثة وعُرف سائد وتأثيرات للبيئة قد يتبعها الإنسان دون أن يفكر أو يحلِّل.. وبهذا تحلّ محلّ ضميره!
كما تؤثِّر على الضمير مشاعر الجماعة واقتناعها أو حماسها. مثال ذلك في بعض مظاهرات الطلبة قد ينقاد بعضهم وراء هتافات الجماعة وحماسها، دون أن يفكر ما هو الخير. ولكنه إذا خلا إلى نفسه، أو إذا قُبِض عليه وجلس في الحبس منفردًا، ربما يناقش الأمر بضمير آخر، قد تخلَّص من تأثير المظاهرة وهتاف الزملاء..
ونفس الوضع لمن يكون تحت تأثير ما تنشره بعض الصحف، أو ما توحي به بعض دُور الإعلام. في كل ذلك وما يشبهه يكون الضمير تحت تأثير خارجي، يستمر إلى أن يوجد ما يتوازن معه.
الضمير أيضًا قد يتأثَّر بالمبدأ الميكياڤيلي: "الغاية تبرِّر الوسيلة"، فقد يقبل وسيلة خاطئة، إن كانت في نظره توصِّل إلى هدف يراه سليمًا، وكثيرًا ما تستخدم هذه الفكرة عند الوصوليين الذي هدفهم هو مجرد الوصول إلى ما يريدون أيًا كانت الوسائل!!
والعجيب أن هؤلاء يبرِّرون وسائلهم الخاطئة اعتمادًا على أهداف وحجج وأسباب تكون حكيمة في أعينهم!
وقد قال أحد الآباء الروحيين: "كثيرًا ما يكون طريق جهنم مفروشًا بالأعذار والتبريرات". والمقصود هو التبريرات التي تغطي على حكم الضمير.
الضمير ومدى صلاحيته..[4]
الضمير ومدى صلاحيته وتأثير ذلك على الحياة الروحية..
الضمير ليس صوت الله في الإنسان. لأن الضمير يمكن أن يخطئ، وأن ينحرف، وصوت الله لا يمكن أن يخطئ.. الضمير داخل الإنسان كالعقل والروح، فالعقل يمكن أن يخطئ، وكذلك الروح وكذلك الضمير.
وتوجد أمثلة كثيرة تُظهر إمكانية خطأ الضمير وانحرافه.
قال السيد المسيح لتلاميذه: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ"! (يو16: 2)؛ ولا شك أن الضمائر التي تظن قتل الرسل خدمة لله، هي ضمائر منحرفة. بنفس الوضع عُبَاد الأوثان، الذين كانوا يظنون قتل المسيحيين تطهيرًا للأرض من كفرهم.. ضمائرهم أيضًا كانت ضالة.
مثال ذلك أيضًا: أهل الجاهلية الذين وقعوا في وأد البنات، وأيضًا الناس الذين يوزعون السجائر في الجنازات على ضيوفهم، وضميرهم يتعبهم إذا لم يقدموها!! وكذلك أيضًا الذين يستخدمون الميكرفونات بطريقة تتعب الناس، وتؤذي المريض، وتعطِّل الطالب عن مذاكرته، وتزعج النائم المحتاج إلى راحة...
إن الضمير قاضٍ يحب الخير، ولكنه ليس معصومًا من الخطأ. كما أن الخير يختلف مفهومه عند كثيرين. والضمير أيضًا يقع تحت تأثيرات كثيرة، نذكر في مقدمتها: المعرفة.
المعرفة تؤثِّر على الضمير
المعرفة السليمة تجعل الضمير يستنير بالفهم، لأنه ما أكثر الذين يخطئون عن جهل، وإذا عرفوا يمتنعون عن الخطأ.
شاول الطرسوسي كان أحد الأتقياء الذين أخطأوا عن جهل...
ولذلك نراه يقول: "أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو15: 9)؛ "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل" (1تي1: 13). ولكن الجهل لا يمنع من أن الخطية خطية.
ونحن نصلي في الثلاثة تقديسات ونطلب من الله أن يصفح لنا عن خطايانا التي فعلناها بمعرفة، والتي فعلناها بغير معرفة، وفي العهد القديم كان الذي يفعل خطية سهوًا (بجهل): إذا أعلموه بها، يقدِّم عنها ذبيحة لإثمه لتُغفر له (لا 4).
ما أعمق قول الرب: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو4: 6).
لهذا أرسل الرَّب الأنبياء والرسل والمعلمين والكهنة والمرشدين، لكي يعرفوا الناس طريقه، لأن ضمائرهم لم تعد كافية لإرشادهم، أو لأن ضمائرهم قادتهم في طريق خاطئة.
والكتاب المقدس أيضًا، هو لإنارة الضمير، ولهذا قال داود: "لو لم تكن شريعتك هي لذَّتي، لهلكتُ حينئذ في مذلتي" (مز119: 92).
ولأن ضمير الإنسان قد لا يكون كافيًا لإرشاده الروحي، أوجد الله آباء الاعتراف، المرشدين الروحيين، لأنه "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإنسان مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم16: 25)...
كما أن الشيطان قد يحاول أن يتدخل لكي يرشد الإنسان إلى طريق منحرف، كما فعل مع أمنا حواء في القديم.
المعرفة إذًا تؤثِّر في الضمير، صالحة كانت أم خاطئة.
المعارف الخاطئة يمكن أن تقود الضمير أيضًا. ألم تكن الفلسفة الأبيقورية المبنية على اللذة تقود ضمائر تابعيها؟ وكذلك الفلسفات الإلحادية، ألم تؤثر على ضمائر مَن اعتنقها، وتحرِفه عن طريق الإيمان كله وتؤثِّر على سلوكه؟
الذين يعترفون بخطاياهم تأثَّرت ضمائرهم بالإيمان السليم الذي تعلَّموه. والذين يرفضون الاعتراف من الشيع البروتستانتية تأثروا هم أيضًا بالمعرفة التي تلقَّنوها ضد الاعتراف.
هناك معلِّمون يدعون تلاميذهم إلى الجدية الكاملة، وعدم الضحك إطلاقًا، لأنه "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3). ومعلِّمون آخرون يدعون تلاميذهم إلى البشاشة وحياة الفرح، لأنه "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا3: 4). وحسب نوع المعرفة، يتأثر الضمير... هناك من يقولون إن تحديد النسل خاطئ، فيتعب ضمير من يحدد نسله. وآخرون يقولون إنه محلَّل، فيستريح الضمير بذلك...
لكل هذا، ينبغي وجود وحدة في التعليم في الكنيسة، حتى لا تتبلبل ضمائر الناس بما تسمعه من تعاليم متناقضة...
ولهذا قام التعليم في الكنيسة على التسليم، لكي يحتفظ التعليم بنقاوته، وليحتفظ بوحدته. فقال بولس الرسول: "تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا" (1كو11: 23) وقال لتلميذه تيموثاوس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ" (2تي2: 2).
المعرفة تقود الضمير، لذلك اشتُرِط في الأسقف أن يكون صالحًا للتعليم (1تي3)، ولذلك أيضًا وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين لأن تعليمهم كان يضلِّل ضمائر الناس. ولهذا أيضًا تكلَّم الكتاب عن "معلِّمين كذبة" وقال لإسرائيل: "مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12).
إن ضمائر الناس تتأثَّر بمعرفة ما هو الخير والشر، وتتأثَّر أيضًا - من جهة الإيمان - بالمعلومات العقائدية.
وربما تكون المعرفة من الكتب، والنبذات، أو من الاجتماعات. ولهذا يحسُن أن يدقِّق الشخص في الكتب التي يطلع عليها، وفي نوعية الاجتماعات التي يحضرها...
تأثُّر الضمير بالجماعة
في وسط الجماعة يتأثَّر الإنسان بالانفعال وبضمير الجماعة. وقد يقترف أمرًا، إذا خلا إلى نفسه، يوبِّخه ضميره عليه.
مثل شاب يندفع وسط مظاهرة يهتف ويخرِّب. فإذا قُبِض عليه وأُلقيَ في السجن، فأنه وهو وحده في هدوء السجن، يفكر بطريقة أخرى غير هتافه وسط الجماعة. وأيضًا قد يعبث شاب ويلهو وسط جماعة من أصدقائه، دون أن يصحو ضميره أو يوبِّخه. فإن خلا إلى نفسه، وبَّخه ضميره.
في وسط الجماعة صاحت جموع اليهود: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!" (لو23: 21)، مخالفين ضمائرهم، أو انسياقًا دون دراية بخطورة ما يفعلون. ولذلك قال الرَّب على الصليب: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو33: 34)، لأن ضميرهم تعطِّله دوامة الجماعة.
وفي وسط الجماعة، قد تقود الضمير الشائعات والإثارات. وقد يصدِّق ما يقولون ويتصرف متأثرًا بما سمعه.
إن مريم المجدلية مثالٌ واضح لتأثير الجماعة على الضمير.
لقد رأت المسيح، وأمسكت بقدميه، وسجدت له (مت 28) وسمعت منه قوله: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يرَوْنَنِي" (مت28: 10). ومع ذلك لما اندمجت وسط الجماعة، وسمعت الشائعات التي نشرها الكهنة عن سرقة الجسد المقدس، ذهبت إلى بطرس ويوحنا وقالت لهما: "أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!"؛ وقالت نفس الكلام للملاك (يو20).
الضمير قد يتشجَّع إذا أثَّرت عليه جماعة صالحة، وقادته إلى الخير. ولكنه قد يتراخى وينام في وسط جماعة منحلَّة، أو قد تتغيَّر مبادؤه، ويحكم على الأمور حكمًا مختلفًا. وهذا ما نلاحظه في بعض من يتركون بلادهم لمدة طويلة...
ولهذا فإننا نرى ضمائر السُوّاح والمتوحِّدين، تختلف اختلافًا كبيرًا عن ضمائر العلمانيين، في حساسيتها، وأحكامها، واستنارتها، بل قد تختلف عن ضمائر كثير من رهبان المجامع...
على أن هناك ضمائر قوية، قد لا يطغى عليها تيار المجتمع، وإنما هي التي تؤثِّر فيه. مثال ذلك الأنبياء والمصلحون...
إنهم لم يتأثَّروا بفساد جيلهم، بل تولّوا قيادته، وغيَّروه إلى أفضل. ولكن ليس كل إنسان أقوى من الجماعة...
هؤلاء الأقوياء يتَّصفون بالصلابة والصمود وعدم الانقياد. إنهم يذكِّرونني بالجنادل الستة التي اعترضت مجرى النيل، ولم تؤثِّر فيها كل تياراته ومياهه وأمواجه على مدى آلاف السنين...
الضمير يتأثَّر بالقادة
الضمير أيضًا يتأثَّر بالقادة والمرشدين والمعلِّمين والمشهورين والآباء.
وكثيرًا ما نجد إنسانا صورة طبق الأصل من أبيه الروحي أو الجسدي، في أسلوبه، في أفكاره، في طباعه، بل حتى في حركاته. يعتنق كل مبادئه، ويتأثَّر بها ضميره، وتصير جزءًا من طبعه، وبخاصة بالنسبة إلى المبتدئين، والذين في فترة تكوين مثالياتهم.
ولكني أعرف إنسانًا قديسًا، وقف ضد هذا التيار...
إنه بولس الرسول، الذي وقف ضد بطرس الرسول أحد الثلاثة المعتبرين أعمدة في الكنيسة (بطرس ويعقوب ويوحنا)، وأحد الذين وضعوا عليه اليد وأرسلوه للخدمة (أع13: 3). ومع ذلك لما تصرَّف القديس بطرس تصرُّفًا يُلام عليه، قال القديس بولس: "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا" (غلا2: 11). وقال له: "إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟" (غل2: 14).
هذا هو تصرف الضمير صاحب المبادئ، الراسخ في معرفته للحقِّ والخير، الذي لا تغيِّر موازينه تصرفات الناس الكبار...
الضمير تؤثِّر عليه الرغبات
الرغبات والعواطف، حبًا كانت أم كرهًا، تؤثِّر على الضمير في أحكامه وفي سلوكه، إذ يندُر أن يوجد من يحكم في شيء حكمًا مجردًا تمامًا عن الرغبات وعن العواطف.
يقع إنسان في مشكلة، يرى أنها لا تُحل إلا بالكذب، فتراه يسمي الكذب ذكاءً أو دهاءً، وإن أدان تصرفه، فإنه يخفف حكمه عليه جدًا، ويلتمس له ألف عذر، ولا يشتد بنفس الشدة التي يحكم بها على تصرفات الآخرين.. وقد يسمي البعض الكذب "بالكذب الأبيض"، أو يسميه مزاحًا..
وقد يحب إنسانًا، فيدافع عن كل تصرفاته، مهما كانت خاطئة، دون أن يتعبه ضميره! بل قد يتعبه ضميره إن لم يدافع! ويُسمَّى هذا الدفاع الخاطئ لونًا من الوفاء أو الواجب. وربما يدعو غيره أن يسلك مسلكه، ويتكلَّم بحماس شديد وانفعال، يتعطَّل معهما عمل الضمير، وينسى قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 5).
إن الذي يبرئ المذنب، هو إنسان ضد الحق، وضد العدل. ولا يستطيع أن يعتذر عن هذا، بالعطف أو الرحمة... إذ يمكنه أن يعترف بأن هناك ذنبًا، ثم يطلب لهذا الذنب العطف والرحمة أما تبرئة الذنب، فهي اختلال في الضمير...
أخطاء الضمير[5]
ما أكثر ما يُخطئ الضمير... وما أكثر المؤثِّرات التي يخضع لها
هناك سؤال حيوي في موضوع الضمير، وهو: هل يقودك ضميرك، أم أنت الذي تقوده؟!
أي هل أنت تخضع لهذا الصوت الداخلي، أم تحاول أن تشكِّله بحسب رغباتك، وبحسب التأثيرات الواقعة عليك؟
وهنا نقول: إن الضمير يختلف من شخصٍ لآخر.
فإن حدث خلاف بين الزوجة وحماتها، يكون ضمير الزوجة غير ضمير الحماة، حُكم هذه غير حكم تلك. كل منهما تقول إنها على حق، والأخرى مخطئة. وفي تلك الخلافات الزوجية أيضًا، يكون ضمير أم الزوج غير ضمير أم الزوجة. حُكم كل منهما يختلف عن الآخر.
وعمومًا في الشكاوى، يكون ضمير المشتكي غير ضمير المشتكَى ضده. وفي كل الخصومات والمنافسات يكون ضمير الواحد مختلفًا عن ضمير الآخر. كل واحد يحكم حسب ضميره. ولكن ضمير هذا غير ضمير ذاك. ضمير الدفاع، غير ضمير الهجوم.
وأحيانًا يختلف الضمير في الشخص الواحد نفسه.
فيكون له ميزانان: واحد يحكم به على نفسه، وآخر يحكم به على الناس غيره، في نفس العمل. فبينما يدين غيره، يُبَرئ نفسه ويلتمس لها الأعذار، بنفس الضمير، وعلى نفس العمل!
فالضمير على أنواع... هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق يضيق عن البعوضة.
ونحن بصفة عامة، لا نؤمن بعصمة الضمير العادي.
كما أن الضمير عُـرضة للتغيير...
ضمير بولس الرسول غير ضميره وهو شاول الطرسوسي. لقد شعر بأنه كان قبلًا: "مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا". وقال عن ذلك: "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي1: 13).
إذًا الضمير يتغيَّر بالمعرفة، ويتغيَّر بالإيمان.
الضمير يتغيَّر بالثقافة الروحية، ويتغيَّر بالوعظ والتعليم. يشعر بأن أعماله الأولى كانت مخطئة، بينما لم يكن يشعر بذلك من قبل...
لذلك فإن الكتاب يحدثنا عن "الضمير الصالح" (أع23: 1)، وعن "الضمير الطاهر" (1تي3: 9)، و"ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ" (أع24: 16).
هناك إذًا ضمير صالح، وضمير آخر منحرف.
فالضمير المنحرف هو الذي يفعل الخطية، ولا يحكم بأنها خطية! إما أنه لا يشعر أنها خطية ويمرِّرها. وإما أنه يشعر أنها خطية، ويبرِّرها، بحيث يتلمَّس لها أسبابًا يريح بها ضميره...
وهناك أيضًا ضمير غائب، وضمير مستتر، وضمير ميت، وضمير مخدَّر. أي أن الإنسان يخدِر ضميره لكي لا يؤلمه.
وهناك طرق كثيرة لتخدير الضمير وللتغطية عليه. فما هي؟
قد يركز الشخص على مصالحه الشخصية، فتقوده مصلحته وليس ضميره. يركن ضميره جانبًا، ويقول لنفسه "أفعل ما فيه منفعتي وربحي"! ويفعل ذلك مهما كانت الأخطاء، دون أن يتحرك ضميره الذي يكون في ذلك الوقت مخدرًا، بسبب ما يظنه نفعًا! أو بسبب التخلُّص من أعباء معيَّنة: من عبء الضرائب أو الجمارك أو ضغط بعض القوانين... أو التهرُّب من واجبات عليه... وفي كل ذلك يجامل نفسه.
وقد يعطِّل ضميره، لتقوده الشهوة أو اللذة...
شهوة المال، أو شهوة الجسد، أو شهوة العظمة أو السيطرة. أو لذة الشماتة في سقوط عدو، أو لذة التلصُّص على معرفة أسرار الغير، وبخاصة الأسرار التي تشين وتعيب. وفي كل ذلك لا يكون ضميره متحكِّمًا في الموقف، بل يكون مخدَّرًا.
وقد يحاول أن يخدع ضميره ويغيِّر حكمه.
بأن يأتي بآيات معيَّنة من الكتاب يخطئ في تفسيرها أو في مناسبتها للموقف، أو بأقوال أو قصص آباء قيلت في مجال آخر... المهم أنه يحاول أن يريح ضميره، وأن يبرِّر ما يفعل بأسلوب لا حقّ فيه.
وقد يغير حُكم ضميره، بسبب القرابة أو الصداقة أو مساعدة الغير.
كتلميذ يغشِّش زميله في الامتحان بحجة العطف، أو كطبيب يكتب شهادة مرضية غير حقيقية بنفس السبب، أو كدفاع باطل عن صديق لتبرئته، أو كإجهاض لفتاة خاطئة قد حملت، بحجة إنقاذها من الفضيحة. وما إلى ذلك من الحالات المشابهة.
وفي كل ذلك يكون حكم الضمير هو العطف أولاً، والحقّ أخيرًا!
بينما الحقّ هو الله (يو14: 6). فمَن يبعد عن الحقِّ، فبالضرورة هو يبعد عن الله. والكتاب يقول: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15). وربما يكون الدفاع عن المذنب ومحاولة تبرئته، سببًا في استمراره في الخطأ، بينما المحبة الحقيقية له، هي في قيادته إلى التوبة بإقناعه أنه يسلك سلوكًا غير سليم.
وقد يستند الضمير إلى أدلة لتبرير خطأ المذنب.
إما بسبب السن أو الجهل، وأنه لا يعرف ولا يدرك! أو بسبب النية، وأنه لا يقصد ما فعل! أو بسبب الظروف المحيطة به، والضغوط الواقعة عليه! أو بسبب أخطاء غيره، وعدم خبرته بتقليد هذا الغير! أو بسبب الرحمة، وحرام أن نحكم على هذا الضعيف، ولا يجوز لنا أن نقسو هكذا! إلى سائر الأسباب. بينما يكون السبب الحقيقي، هو التعاطف بسبب الصداقة أو القرابة...
وقد يتطوَّر الدفاع عن المخطئ إلى الهجوم على المبدأ.
كأن يقول ضمير المدافع عن قريبه: مَن قال إن الذي فعله هو خطأ؟! أي خطأ في هذا؟! والخطورة في هذا تكمن في ضياع القيم والمبادئ... مثلما يدافع أحدهم عن أب قاس بقوله: هوذا مكتوب "أَدِّبِ ابْنَكَ.." (أم19: 18). وينسى كل ما في الكتاب من آيات وقصص عن الحنو والعطف والرأفة..! وقد يبرِّر الإنسان كسرهِ للقانون، بمهاجمته للقانون نفسه!
ما أكثر الأمثلة لأخطاء الضمير وتنوّعها
سواء صدرت هذه الأخطاء من أفراد أو جماعات أو شعوب...
ففي الحروب مثلاً، وقتل الأبرياء وتشريدهم وهدم منازلهم: أين يوجد الضمير هنا؟! أو يوجد ضمير يبرِّر القتل والخراب؟! فيما بعد، حكمت المؤسسات الدولية بإدانة "مجرمي الحرب". ولكن أثناء الحرب، هل كان لأولئك ضمير يحكم عليهم بأن ما يفعلونه جريمة؟! أيضًا حالات التعذيب الرهيبة كما كان يحدث من الدولة الرومانية الوثنية ضد المسيحية. أما كانت ضمائرهم تشجعهم على ذلك غيرةً منهم على عبادة الأصنام واستبقائها... مهما كانت وسائلهم تتنافَى مع الإنسانية!
وكذلك وسائل التعذيب التي يلجأ إليها بعض المحققين بغية الوصول إلى اعترافات من المذنبين، دون أن تتحرك ضمائرهم لآلام المعذبين!
كذلك هناك ضمائر تبرِّر الإجهاض.
سواء ضمير الأم، أو ضمير الطبيب الذي يُجري هذه العملية... بينما الإجهاض هو جريمة قتل، ولا يُسمح به إلا في حالة تعرض أم الجنين إلى الموت إن ولدته. وبنفس الضمير كان العرب في الجاهلية يقومون بوأد البنات، أي قتلهم بالحياة بعد ولادتهن!
للأسف الشديد، هناك ضمائر في الغرب تبرر الشذوذ الجنسي!
إما باعتباره جزءًا من الحرية الشخصية! بينما ليس الإنسان حرًا في أن يرتكب الخطية. إنما الحرية الحقيقية هي التحرُّر من الخطية..! والبعض يبرِّرون الشذوذ بأن البعض خُلقوا هكذا... لدرجة أن بعض القضاة في الغرب حكموا بجواز أن يتزوج رجل برجل!
وقد قلت في حوار مع بعض كنائس الغرب: لا يجوز لنا أن نُشَرِّع الخطأ. فإن كان الشذوذ بسبب خُلُقّي (أخلاقي)، علينا أن نقود صاحبه إلى التوبة. وإن كان بسبب خَلْقي، علينا أن نعالجه.
التطرُّف أيضًا، توجد ضمائر تبرِّره.
سواء من مرتكبيه، أو من الذين يرشدونهم ويقودونهم. وهكذا يرتكز الضمير على سبب عقيدي، أو جهل بالعقيدة...
الضمير المنحرف أيضًا يبرِّر الهندسة الوراثية.
وفيها يوجد بنك للبويضات المخصبة، تستطيع أن تذهب إليه أية امرأة لكي تنتقي الصنف الذي تريد أن تنجبه، ابنًا أو بنتًا، بأي طول، أو لون للبشرة أو الشعر أو للعين، ونوع العقلية والطبع! وضمير أولئك يبرر الهندسة الوراثية بأنها نمو في العلم، وقدرة على التحكُّم في الچينات..! بينما هو تحكم في خليقة الله...
هناك مَن يقول إن الضمير هو قاضٍ عادل، ولكنه ضعيف. وهذا الضعف يُعجزه عن تنفيذ أحكامه.. ولكنني أقول إن الضمير ليس قاضيًا عادلاً في أحكامه، فكثيرًا ما يخطئ في حكمه...
ليس كل ضمير ضميرًا صالحًا. فما أسهل أن تتدخَّل في أحكامه عوامل كثيرة. هو يتأثر بدرجة معرفته، وبنوع عقله، وهو يتأثر أيضًا بشهوات الإنسان ورغباته ونوعية نفسيته. ويتأثر أيضًا بالبيئة والوسط الذي يعيش فيه، وبالظروف والضغوط المحيطة.
والضمير المخطئ يحتاج إلى تقويم وإلى توعية.
من أجل هذا كان الوحي الإلهي، وأرسل الله الأنبياء والرسل، وأوجد الوعظ والتعليم والإرشاد. ونسمع في كل هذا عن "يقظة الضمير" وعن أناس "نُخِسوا في قلوبهم" بما سمعوه (أع2: 37).
وإلى جوار الوعظ والتعليم، يوجد عمل الروح القدس في الضمير، يمنحه استنارة أكثر وشفافية وحكمًا سليمًا وتأثُّرًا.
وهناك عوامل أخرى تؤثر في الضمير وتُنخسه: مثل بعض التجارب والتطبيقات، وبعض الأمراض الشديدة، وموت بعض الأحباء.
على أن الضمائر تختلف في مدى تأثُّرها.
فهناك ضمائر لا تتأثر إطلاقًا، حتى بالإنذارات الإلهية: ومثالها الشعب قبل الطوفان الذي لم يبال بإنذار نوح لهم، وغرقوا جميعهم. ومثلهم أيضًا أهل سدوم الذين لما أنذرهم لوط البار "فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ" (تك19: 14). وهلكوا بنار غضب الرَّب عليهم.
وهناك من يتأثُّر وقتيًا ويزول التأثُّر بعد حين.
مثل فيلكس الوالي الذي ارتعب لما تحدَّث بولس عن الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ. ولكنه قال للقديس بولس: "أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ" (أع24: 25). ومثل أغريباس الملك الذي قال لنفس القديس: "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" (أع26: 28). ولم نسمع عنه أنه صار مسيحيًا.
وهناك ضمائر تتأثَّر تأثُّرًا عميقًا يغيِّر حياتها.
مثل المرأة السامرية (يو4). ومثل كثير من الخطاة الذين تحولوا إلى قديسين: كموسى الأسود، ومريم القبطية، وبائيسة، وأغسطينوس.
على أن البعض على ضمائرهم غشاوة تمنعهم من التأثُّر.
كالمهتم بكرامته وعزة نفسه، وكالشاب الغني الذي "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 22).
وكالمتعصِّبين لأفكارهم: مثل الكتبة والفريسيين والصدوقيين. ومثل بيلاطس الذي منعه جُبنه، على الرغم من تأثُّر ضميره أولاً..!
الضمير أمام الضباب أحيانًا[6]
هناك أمور كثيرة تكون واضحة جدًا أمام الضمير، لا يوجد في الحكمِ عليها أية صعوبة على الإطلاق.. بينما أمور أخرى يحيط بها ضباب كثيف، يقف أمامها حائرًا جدًا لا يدري بماذا يحكم، ولا يدري أين الخير وأين الحق؟ وأين النافع وأين الضار؟!
وفي هذه الحالة، ربما لا يكتفي الضمير بذاته، فيستعين بضمير أحد المرشدين، وقد يقف هذا المرشد أيضًا في حيرة، لأن الخير ليس واضحًا أمامه، فيقول: "نصلِّي وننتظر، لعل الله يكشف الأمر لنا"..
لذلك يُخَيَل إليَّ أن الطريق الروحي أحيانًا يشبه عسكري مرور يقف فيه وبيده عَلَمان. أحدهما أخضر والآخر أحمر، فيسمح لهذا الأمر أن يمرّ، ولا يسمح لذلك بالمرور، واضعًا حدودًا بين الحلال والحرام، وبين الجائز وغير الجائز.. نقول هذا، لأن أسئلة عديدة تدور حول بعض أمور منها:
ما هي الحدود الروحية بين الصمت والكلام؟
متى ينبغي للإنسان أن يصمت، ويكون في صمته حكمة، ويقول: "أنا مالي، خليني في حالي"؟! ومتى يجب عليه أن يتكلم، لأننا في بعض الأحيان نُدان على صمتنا؟ متى يرَى الخطأ في ضميره. فيوبِّخ وينتهر؟ ومتى يقول: "لا جدوَى من التوبيخ غير فقدان سلامنا مع الآخرين"؟!
أيضًا متى يسمح بالمزاح مع الآخرين؟ ومتى لا يجوز ذلك؟ وما هو الحد الفاصل بين المزاح المقبول، والمزاح غير المقبول؟ وأيهما أفيَد الروح الجادة أم المرحة؟ وما حدود هذه وتلك؟
كذلك ما حدود الشكوى؟ وما حدود العتاب؟ ومتى يجوز للإنسان أن يشكو ويطالب بحقه؟ ومتى يجعل الشكوى لله وحده، ومتى يتنازل عن حقه ولا يطالب به، ولا يدخل في نزاعٍ مع آخرين؟
ومتى يرى العتاب مفيدًا، يصفّي به حساباته مع المسيئين؟ ومتى يبعد عن العتاب لئلا تسوء الأمور بالأكثر، حسبما قال الشاعر:
ودع العتاب فرُبَ شر .:. كان أوله العتابا
وما الحكم على المنتحر؟
هل نعتبره قاتل نفس. لأنه لا يملك نفسه ليقتلها؟ أم نقول عنه: أنه لم يكن يملك قواه العقلية في أثناء انتحاره؟ وإلى أي حد؟.. وبنفس المنطق ما مدى الأحكام على الأطفال إن أخطأوا: هل هم لا يدرون ماذا يفعلون؟ أم نحاسبهم على تصرفاتهم؟ وفي أي مرحلة من العمر؟ وإن حاسبناهم، هل نحاسب معهم البيئة التي عاشوا فيها، ونوعية التربية والتوجيه؟..
هناك أسئلة أخرى قد تقف أمام الضمير: ما هي الحدود الفاصلة بين الراحة والكسل، وبين الحزم والقسوة. وبين الحب والشهوة، وبين الحرفية والتدقيق، وبين الحرية والتسيب، وبين النقد والتجريح، وبين الحب والتدليل، وبين التواضع وصِغَر النفس؟؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات فاصلة، وإلى مزيد من الشرح والتوضيح، وسنحاول أن نتناولها أو بعضها بشيء من التفاصيل.
إن مسائل الصمت والكلام والتوبيخ والعتاب والشكوى وما أشبه، كلها تحتاج إلى حكمة من الضمير في حُكمَهُ، فليس كل صمت أو كلام يكون فضيلة أو خيرًا في ذاته، إنما يتكلَّم الإنسان حين يجب عليه ذلك، ويصمت حين يحسُن الصمت..
أما عن المزاح، فيشترط فيه أن يكون بريئًا، ولا يتدنَى ولا يهبط في أخلاقياته، وعمومًا الشخص المرح يكون محبوبًا من الناس لأنه يشيع جوًا من البشاشة والفرح، وأنا باستمرار أقول: "اضحكو مع الناس"، ولا مانع من المزاح بشرط أن المازح لا يتهكَّم على غيره، أو يجعله مجالاً للسخرية والتندُّر. بل في كل فكاهات، عليه أن يحتفظ باحترامه للغير..
أما مطالبة الإنسان بحقه – إذا لحقه ظلم – فهذا من حقه تمامًا، ولا يمنعه عنه دين ولا قانون ولا عُرف، ولكن إن كان من الزاهدين وتنازل عن حقه، فهذه درجة سامية، ليست في مستوى الجميع، ولا يمكن أن يطالب الكل به، والدفاع عن الحقِّ لازم إن كان الأمر يخص الجماعة وليس مجرد فرد، فالذي يمثِّل هذه الجماعة لا يحق له أن يتنازل عن حقوقها، أما من جهة حقوقه هو، فإنه حرٌ أن يطالب بها أو يتنازل عنها.
ونفس الكلام ينطبق أيضًا على الشكوى، فمن حقِّ الإنسان أن يشكو لوالديه أو مرشديه أو رؤسائه، وحتى إلى المحاكم أيضًا، ولكني هنا أذكر قول أحد الرهبان في تأملاته الروحية: "حينما أشكو يا رب، لمن أشكو إلاَ لله؟ وحينما أشكو، مَن أشكو إلاَ نفسي"، إنها درجة روحية عالية، ولا يستطيع الكل أن يصلوا إليها..
أما من جهة الفرق بين الحب والشهوة...
فقد سُئِلت هذه السؤال منذ أكثر من 35 عامًا، فكان جوابي: "الشهوة تريد دائمًا أن تأخذ أما الحب فهو يريد دائمًا أن يعطي وأن يبذل"..
فإن أحب شاب فتاة وأصرّ على أن يشغلها، فضيَّعَ بذلك وقتها، وربما ضيَّع دراستها أيضًا، وبكثرة اللقاءات ضيَّع سمعتها، وربما ضيّع أيضًا عفتها، أترَى نسمي هذا حبًا أم نسميه شهوة، لأن الذي يحب فتاة حبًا حقيقيًا، إنما يحرص عليها حرصه على أخته..
ما الفرق بين النقد والتجريح؟
ليس كل تجريح يسمَّى نقدًا، فالنقد يقتصر على الناحية الموضوعية، أما التجريح فيتناول إهانة الشخصية، والفارق الآخر أن النقد هو لون من التحليل، يذكر النقاط التي تمدح، ومن جهة النقاط التي يعترض عليها فإنه يحلِّلها ويشرح الأخطاء التي فيها دون أن يمس صاحبها بسوء.
أما عن الفروق بين الحزم والقسوة، وبين الحب والتدليل، فالحزم هو الوضع المتوسط بين القسوة والتدليل، فهو لا يقسو بحيث ينفر منه الصغير، ولا يدلِّل الصغير بحيث يتلف بدون تربية، إنما يكون حازم في رفق، ومُحِب في حكمة.
ولعل هذا يذكِّرني بالمثَل الفرعوني القائل: "لا تكن يابسًا فتُكسَر، ولا لينًا فتُعصَر"، إنها نفس الوسطية التي نطلبها أيضًا ما بين الحرفية والتدقيق، بحيث يدقِّق الإنسان بالروح التي تتطلَّبها القيم والأوامر دون الخضوع لحرفيتها بدون حكمة وتصرف.
راحة الضمير، وراحة القلب[7]
راحة الضمير
الراحة الحقيقية هي الراحة الداخلية: راحة القلب وراحة الفكر، المبنية على راحة الضمير.
حيث يمكن أن ينام الإنسان ليله مُستريحًا، دون قلق ولا اضطراب، ولا خاطر يزعجه، ولا شعور داخلي بأن هناك شخصًا يشكوه إلى الله.. فالضمير المستريح لا يقلقه شيء...
أما الإنسان الذي يخطئ خطيئة تُتعب الضمير، فإن خطيئته تطارده: هل يمكن أن تنكشف؟ وكيف؟ هل ترك أثرًا يؤدي إلى ذلك؟ هل سيخونه البعض ويكشفونه؟ هل ستتعقبه أيدي الحُساد أو أيدي الرقباء، وتفحص وتدقِّق وتستنتج؟ وهل ستترتب على خطيئته نتائج تدل عليها؟ وماذا يكون الحال وقتذاك؟ وكيف يواجه الموقف؟ وماذا يقول الناس عنه؟
ويصبح ذهنه ميدانًا لجمهرة من الأسئلة، تروح وتجيء، وتقف حينًا ثم تعود. ويضطرب لها فكره، ولا يجد له راحة.
وقد يقول البعض أن هناك نوعًا من الضمائر ما أسهل أن تظل نائمة، فتريح وتستريح!
ألم نسمع ما يقوله علماء النحو عن ضمير غائب وضمير مستتر؟! طبعًا قيل هذا في معنى آخر. ولكننا هنا نستعير نفس الصفة...
نعم، ما أكثر العوامل التي تساعد الضمير على النوم، وعلى الاختفاء من الساحة: فلا يقوم بعمله كرقيب، ولا بعمله كمنذِر وموبِّخ.
فالمتعة أو اللذة قد تغطي على الضمير وتنيِّمه، وكذلك الرغبة أيًا كان نوعها. والطموح الخاطئ كثيرًا ما يُلقي ضبابًا أمام الضمير، ولا يجعله يرى كما ينبغي. وحب العظمة وحب السلطة والنفوذ، وحب الظهور... كل ذلك يزيح الضمير من طريقه حتى لا يعطل وصوله!
الضمير إذا وقف عقبة أمام إنسان يريد تحقيق رغباته، فمن السهل إسكاته. وحينئذ يقف العقل ليقدِّم الحجج والبراهين!
ولكن إسكات الضمير ما هو إلا مخدِّر له مفعول محدود الزمن، توقظه ضمائر الآخرين، وتحل محله، وتزعجه.
إن الضمير الحي اليقظ، يجد راحته في أداء رسالته والقيام بواجبه...
وأن يقوم بذلك على أحسن وجه، مهما كلفه الأمر من جهد ومن تعب الجسد. فهو لا يهتم بتعب جسده في سبيل إكمال عمله وفي تحقيق هدفه الصالح. وكلما كانت آماله عالية، كلما تعب بالأكثر، ووجد راحة في تعبه. وكما قال الشاعر:
كلما كانت النفوس كبارًا .:. تعبت في مرادها الأجساد
وبعكس ذلك الذي يستريح جسديًا، ويتعب ضميره
كأي إنسان يهمل في أداء واجبه، ويتحمل في ألم نتائج هذا الإهمال. وكما قال الشاعر:
إذا أنت تزرع وأبصرت حاصدًا .:. ندمت على التفريط في زمن البذر
والضمير الحي الذي يبحث عن راحته، لا يجامل ذاته، كما لا يجامل الآخرين!!
إن مَن يكذب ليخرج من مأزق، قد يريح نفسه ويتعب ضميره. وبالمثل مَن يلجأ إلى خدعة توصِّله إلى غرضه. وفي هاتين الحالتين كلتيهما، لا يجامله ضميره على الرغم من وصوله إلى غرضه. كذلك مَن لا يلوم نفسه ويحاسبها على أخطائها، بل مَن لا يعاقب نفسه أيضًا. هذا لا يستريح ضميره. ولا يقبل الضمير الحي أن يبرِّر أخطاءه، لكي تستريح نفسه راحة زائفة!
وأيضًا لا يجد الضمير راحته في أن يجامل إنسانًا مخطئًا، ليكسب رضاه إن كان أكبر منه مقامًا، أو لكي يحتفظ بمودته، إن كان صديقًا له. لأن المجاملة في الباطل هي ضد الحقّ. والضمير لا يريحه أن يقف ضد الحق. بينما هناك قاعدة روحية هامة وهي:
إن لم تستطع أن تبكِّت الخطأ، فلا تبرِّره ولا تجامله...
ذلك لأن كل من يبرِّر الخطأ – على سبيل المجاملة – إنما يشترك في المسئولية معه.
والضمير لا يجد راحته فقط في البعد عن الشر والخطأ، إنما يجد راحته بالأكثر في عمل الخير. فلا يخدع إنسان نفسه بقول: "أنا لم أفعل شرًا في حياتي"! فهذا بلا شك اتجاه سلبي من جهة فهم الفضيلة. أما الاتجاه الإيجابي فهو عمل الخير. وهو العنصر الأساسي اللازم لحياة البر.
كن كالوردة الزكية الرائحة التي عملها هو أن تهب الناس عِطرًا، أيًا كان نوعهم.
العطاء هو طبيعتها، لكل من يمر عليها، بل لكل من يقطفها أيضًا، بل لمن يفركها بين يديه: تظل تعطيه من عطرها، فهذا هو مبدأ العطاء عندها. كجزء من الطبيعة نقتدي به.
لذلك كل يوم يمر عليك، دون أن تعمل فيه خيرًا، هو يوم يبكِّتك عليه ضميرك، لكي يستريح.
لقد خلقك الله لكي تعمل خيرًا. وبهذا الخير يكون لحياتك وزن، وتكون لها قيمة، بل يكون لها أيضًا هدف. وعندما توزن حياتك من المجتمع الذي تعيش فيه، يكون وزنها بمقدار الخير الذي فعلته، الذي به يستريح ضميرها، وينتفع الناس..
أما الحياة بدون خير، فهي كالهباء، عاشت متطفِّلة على الدنيا. لكي يستريح ضميرك إذًا، جاهد لكي تفعل خيرًا، على قدر ما تستطيع، وعلى قدر ما وهبك الله من طاقة. وإلاَ فبكِّت نفسك.
أسئلة حول الضمير
السؤال: هل الضمير هو الروح القدس؟[8]
ما هو الضمير؟ هل الضمير هو صوت الله؟ هل هو الروح القدس؟ وإن لم يكن كذلك فما علاقته بالله وروحه القدوس؟
الجواب: الضمير ليس هو صوت الله، وليس هو الروح القدس.
وذلك لأن الضمير يخطئ أحيانًا... وأحيانًا أخرى يجهل، ويتغيَّر.. ولا يمكن أن ينطبق الجهل والتغيير والخطأ على صوت الله، حاشا.
والدليل على خطأ الضمير أحيانًا هو قول الرب: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2).. فهؤلاء ضميرهم يبرِّر القتل، بل يشجِّعهم عليه، وهو ضمير خاطئ، مثل ذلك الريفي الذي يدفعه إلى قتل أخت له قد أخطأت مع رجل، بدلاً من أن يدفعه إلى قيادتها للتوبة.
ومن أمثلة هذا الأمر شاول الطرسوسي قبل إيمانه بالمسيحية... فقد كان يجر رجالاً ونساءً من المسيحيين إلى السجن، ويظن أن تلك غيرة مقدسة... فلما آمن، ندم على ما فعله قبلاً، وقال: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي1: 13).
وهذا التغيير في ضميره، يثبت أن الضمير ليس هو صوت الله.
لأن الله "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17)... والضمير قد يدركه التغيير نتيجة لنوعية الثقافة التي تقنعه بأن هذا خير أو شر، ونتيجة أيضًا لتأثير المجتمع والبيئة.. ومع كل ذلك نقول:
إن الضمير ليس هو صوت الله، ولكنه صوت من الله، إن كان ضميرًا سليمًا.
هو صوت بشري داخلي، يهدي الإنسان إلى الخير، ويبّكته على الشر، ولكنه يتأثَّر بالعقل وبالعاطفة، ويعلو ويهبط تبعًا لاقتناعه وتأثُّراته.. ويحتاج الضمير أحيانًا إلى هداية وإلى توعية... وهو ينام أحيانًا ويحتاج إلى إيقاظ.. ولكنه في حالته السليمة المثالية يمكن أن يُسمَّى بالشريعة الأدبية أو الشريعة الداخلية. وكان يحكم البشرية قبل الشريعة المكتوبة الإلهية.
والضمير ليس هو الروح القدس، على الأقل لسببين:
1- لأنه يوجد في جميع الناس، مؤمنين أو غير مؤمنين.. أما الروح القدس فهو في المؤمنين فقط... وقد يدفع غير المؤمنين إلى الإيمان، ولكنه غير ساكن فيهم.
2- لو كان الضمير هو الروح القدس، ما كان يخطئ.
غير أن الضمير البشري يستنير بالروح القدس.
فالإنسان المؤمن الذي يعمل فيه الروح القدس، يكون ضميره أعمق إدراكًا، وأكثر فهمًا في التمييز بين الخير والشر، ويكون تبكيته على الخطية أقوى تأثيرًا على النفس والإرادة... كما أن الروح القدس يمكن أن يهدي الضمير.
السؤال: متى نشأ الضمير؟[9]
قرأت رأيًا لـ "ماكنتوش" يقول: إنه لم يكن للإنسان ضمير قبل السقوط، إذ لم يكن له عِلم بالشر، لأن الشر إنما عُرِفَ بعد السقوط... وآدم لما خلقه الله كان في حالة من الطهارة لا يعرف فيها الشر. إذًا الضمير وُجِدَ بالسقوط ومنذ السقوط، وصار للإنسان ضمير يميز بين الخير والشر. وكانت باكورة أثمار الضمير أن آدم اختبأ وراء الأشجار من الخوفِ. فهل صحيح أن الإنسان كان بغير ضمير قبل السقوط؟
الجواب: أولاً: "ماكنتوش" هو من زعماء الإخوة البلاميس.
ولذا، فإن كلامه ينبغي أن يؤخذ بحذر. وكَون أن الإنسان لم يعرف الشر إلاَ بعد السقوط، هذا لا اعتراض لنا عليه. ولكن الضمير له فوائد كثيرة لا تقتصر على معرفة الشر. وسنناقش معًا ما ذكره "ماكنتوش".
1- الشر ليس له وجود ذاتي، بقدر ما هو انعدام الخير المقابل له.
فالكذب هو عدم الصدق. والزنا هو انعدام العفة. والقسوة انعدام الرحمة والشفقة. والكراهية هي عدم الحب. فالشر كله سلبيات. والإنسان الأول لم يكن على دراية بهذه السلبيات.
2- لكن الإنسان كان على الأقل يعرف أن كلام الحية عكس كلام الله.
فالله يمنع الأكل من الشجرة قائلًا: "وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا.." (تك2: 17). بينما الحية تُغري بالأكل من الشجرة. الله يقول: "يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك2: 17). والحية تقول: "لَنْ تَمُوتَا!" (تك3: 4). إذًا واضح أن هناك تناقضًا بين كلام الحية وكلام الله. وأن ما تدعو إليه الحية هو ضد كلام الله ومخالفةً له.
أيًا كان اسم هذه المخالفة مما لم يكن يعرفه آدم وحواء، ولكنه على أية الحالات مخالفة.
صحيح أن آدم وحواء ما كانا يعرفان كل تفاصيل الشر الذي في الدنيا، ولكنهما على الأقل كانا يعرفان أن الله نهَى عن الأكل من الشجرة، بل إن حواء رددت الوصية بتفصيل أكثر فقالت: "تَأْكُلاَ مِنْهُ (وَلاَ تَمَسَّاهُ) لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3: 3). إذًا كانت تعرف أن الأكل من تلك الشجرة عصيان لله.
3- وهنا أحب أن أبدي ملاحظتين:
أ- لو كان الإنسان لا يميز إطلاقًا بين أمر الله وغواية الحيّة. ما كان قد عاقبه الله:
فعقوبة الله لآدم وحواء تدل على أنهما كانا يعرفان. وواضح هذا في قول الرب لآدم: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا..." (تك3: 17). إذًا هو يعاقبه هنا لأنه عصَى أمره. إذًا آدم كان يعرف أنه لم يطع الله وأنه تعرض كعقوبته.
ب- لو كان الإنسان الأول لا يميز إطلاقًا، لقلنا إنه لم يكن له عقل:
وهذا غير مقبول إطلاقًا، لأنه كان على صورة الله ومنها العقل... والعقل أحد عناصر الضمير الذي به يميز. ولو كان بدون عقل، ما كان أيضًا قد عوقب. وفاقد التمييز لا يعاقب. وواضح عقل آدم وتمييزه من قوله بعد خلق حواء: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ" (تك2: 23).
بالعقل إذًا كان الإنسان يُميز أن الأكل من الشجرة هو عدم طاعة الله:
وما دام له عقل، إذًا له فهم، إذًا له تمييز.
وهو في كلامه مع الله، لم يقل: ما كنت أعرف، لأنه كان يعرف...
وعندما اختبأ، لم يكن ذلك لأن ضميره قد وُلِدَ وقت ذلك، فأدرك أنه قد أخطأ!! كلا، وإنما قال: "لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك3: 10).. وكيف عرف أنه عريان؟!
بأكلِهِ من الشجرة، هبط من المستوى الروحي إلى المستوى المادي والجسدي، فعرف أنه عريان...
وبأكلِهِ من الشجرة وعصيانه لله فقَد الصورة الإلهية التي خُلِقَ على شبهها، فعرف أنه عريان. أو فلنقل أن الطبيعة البشرية، إذ دخلتها الخطية، بدأت تفسد، وهكذا فقد بساطته الأولى، فعرف أنه عريان.
إذًا فمعرفته أنه عريان، ليست دليلاً على مَولد الضمير، إنما هي دليل على بدء فساد الطبيعة البشرية.
والدليل على هذا الفساد، أنه من الناحية النفسية، بدأ يخاف، ومن الناحية الجسدية بدأ يعرف أنه عريان. كذلك فإنه من الناحية الروحية، بدأ يهرب من الله...
أما عن الضمير الذي يُمَيز، فمن قبل الخطيئة كان يستطيع أن يميز أن الأكل من الشجرة هو ضد وصية الله. ولا بد أنه كان يعرف أن سماعه لصوت امرأته في ذلك هو أيضًا ضد الوصية الإلهية، لذلك بدأ الله عقوبته له بعبارة: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ..." (تك3: 17).
كان إذًا له ضمير يميز، ولكن دائرة ذلك الضمير كانت ضيقة، لقلة المعرفة.
الإنسان حاليًا يعرف شرورًا لا تُحصى. أما آدم فما كان يعرف شيئًا منها. وأيضًا الآن يعرف الإنسان شرورًا عن طريق العمل والممارسة والخبرة، وآدم لم تكن له هذه المعرفة إطلاقًا، لأنه كان نقيًا وبسيطًا. كل ما كان يعرفه هو وصية الله بعدم الأكل من الشجرة.
الضمير البشري حاليًا اتسعت دائرته جدًا، بازدياد معرفته...
وأصبح يمارس خصائص في التمييز على نطاق كبير. وكذلك خصائص في التوبيخ والعقاب. ولا شك أن تأنيب الضمير لم يكن موجودًا عند آدم قبل السقوط، لأنه لم تكن له خطيئة يبكته عليها ضميره. كذلك الضمير يحث على الخير. والإنسان الأول كان يفعل الخير تلقائيًا بسبب قداسته. فلما سقط بدأ الضمير يمارس مهمته في الحثِ على الخير.
كان للإنسان ضمير، وخواص كامنة فيه، استخدمت حينما دعت الحاجة إليها..
ومثال ذلك الطفل، يولد بطبيعة بشرية كاملة. ولكنها تنمو في المعرفة، وتتسع فيها بالوقت دائرة العقل والضمير. ولها خواص لا يستخدمها الطفل إلا حينما يكبر، أو تدعو الحاجة إليها...
إن وجود الضمير شيء، واستخدامه على نطاق واسع شيءٌ آخر..
وكلما تزداد أنواع الخطية في العالم، تتسع تبعًا لذلك الدائرة التي يعمل فيها الضمير، وكذلك كلما تزداد المعرفة بألوان جديدة من الخير. واستخدام الضمير عند البالغ، أوسع من استخدامه عند الطفل. ولكن الضمير هو الضمير. أما كونه يقوَى في عمله أو يضعف، يضيق عمله أو يتسع، فهذا شيءٌ آخر. ومهما ضاق عمله، فهذا لا يمنع وجوده. وكذلك كثير من طاقات الإنسان...
وفي ذلك كله، لا نستطيع أن نقول إن الإنسان قد خُلِقَ بغير ضمير: التعبير نفسه ثقيل على السمع!
________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 5/2/2010م، ونشر قداسته مقال بعنوان "الضمير وما يؤثر عليه" في جريدة الأهرام، بتاريخ 21/8/2011م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا المقال.
[2] من "خبرات في الحياة" نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 22/7/1994م
[3] مقال نُشر في جريدة أخبار اليوم، بتاريخ 15/10/2005م، ونُشر أيضًا في مجلة الطريق، يناير 2006م، ونشر قداسته مقال بعنوان "ضمير الإنسان والعوامل المؤثرة عليه" في مجلة الكرازة، بتاريخ 5/8/1994م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا المقال.
[4] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8/9/1978م
[5] جزء من مقال "الضمير"، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 27/7/1997م
[6] مقال نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 4/11/2007م
[7] جزء من مقال "راحة الضمير وراحة القلب"، نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 23/7/2002م
[8] سؤال وجواب، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2/12/1988م
[9] سؤال وجواب، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26/11/1993م
الفصل الثاني: العوامل المؤثرة على الضميرة أولاً: الإرادة
الضمير والإرادة[1]
تكلمنا عن الضمير وعدم عصمته، والمؤثرات التي تقع عليه من المعرفة، والبيئة، والإرشاد، والقيادة، والتقاليد. ونتكلم عن "الضمير والإرادة"...
الضمير كأي جهاز من أجهزة الإنسان، يمكن أن يضعف وأن يقوَى؛ يمكن أن يستنير بالروح القدس وبأقوال الآباء والوعظ والتعليم وبالحياة الروحية... كما أنه يمكن أن يضعف وأن ينام، وتطغَى عليه المصلحة، وتطغَى عليه الإرادة.
ما أسهل أن يختل الضمير، وتتغيَّر أحكامه، وتنقلب موازينه، كالمدرس الذي يدفعه ضميره إلى تغشيش تلميذ، أو كالطبيب الذي شفقة على امرأة يجهضها، أو يعمل عملية ليستر فتاة فقدت بكارتها، أو يكتب شهادة مرضية لغير مريض ليساعده... أو كالأم التي تستر على أولادها لكي تنقذهم من عقوبة أبيهم، فتغطي أخطاءهم بأكاذيب...
والعجيب في كل هؤلاء أن ضمائرهم لا تتعبهم ولا تبكِّتهم. بل على العكس يشعرون أنهم عملوا شيئًا حسنًا، يُفرح قلوبهم...
إن عدم تبكيت الضمير على الخطأ، يدل على خلل فيه. أما كونه يفرح بالخطأ، فهذا يدل على انقلاب في كل موازينه!!
إن الضمير يمكن أن يتشكَّل حسب مبادئ الإنسان ومثالياته. ويتغيَّر تبعًا لتغيُّر هذه المثاليات. لهذا لا يكون حكمه سليمًا باستمرار، ولهذا تختلف وتتنوَّع ضمائر الناس. فما يراه أحدهم صوابًا يراه غيره شرًا، والعكس بالعكس.
والعواطف قد تتدخل في أحكام الضمائر وتكييفها.
فالذي يحب إنسانًا، قد يكذب ويبالغ في مديحه، وهو مستريح القلب. وقد يكذب كثيرًا لإنقاذه من ورطة، وضميره المريض يشجِّعه، على اعتبار أنه يؤدّي خدمة لصديق... وبالتالي ما أسهل أن يقع كثيرون في مبدأ (الغاية تبرِّر الوسيلة). وتقبل ضمائرهم وسائل كثيرة خاطئة، بحجة أن الغرض نبيل!!
الضمير قد يمرض من جهة أحكامه، ومن جهة عواطفه، فلا يبكَّت في حالات تستحق التبكيت، أو يوبِّخ بأسلوب هادئ جدًا في أمور خطيرة. وقد قال البعض: "إنَّ الضمير قاضٍ عادل، ولكنه ضعيف. وضعفه واقف في سبيل تنفيذ أحكامه". ولكن الصعوبة الكبرى أن يكون الضمير ضعيفًا، وفي نفس الوقت يكون أيضًا غير عادل..!
لذلك لا تعتمد على ضميرك وحده. بل الجأ إلى تحكيم ضمائر أخرى سليمة ومحايدة، بعيدة عن التأثُّر بالأغراض والبيئة والقيادة...
فالإرشاد الروحي هو ضمير واحد، يُقوِّم مسيرة ضمير المعترف. وكما قال الكتاب: "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإنسان مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم16: 25).
هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيِّق يصفِّ عن البعوضة.
الضمير الواسع يمكن أن يجد تبريرًا لأخطاء كثيرة. أما الضمير الضيِّق فهو ضمير موسوِّس، يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويضخِّم من قيمة الأخطاء، ويقع في (عقدة الذنب)، ويرى نفسه مسئولاً عن أمور لا علاقة له بها إطلاقًا، وتملكه الكآبة أحيانًا واليأس، ويظن أنه لا فائدة من كل جهاده، وأنه هالك، وقد وقع في التجديف على الروح القدس!!
أما الضمير السليم فإنه يشبه ميزان الصيدلي، الزيادة فيه تضر، والنقص يضر. وما أجمل قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 5). فلا تحسبها فضيلة منك أن تدافع عن مذنب بمحاولة إثبات أنه لم يذنب!! الحق هو الحق. أما طلب الرأفة فلا يمنع الاعتراف بأن هناك خطأ...
وإلا نكون قد فقدنا التمييز بين الخير والشر، بحجة عدم الوقوع في الإدانة، أو لمجرد الرأفة على المخطئين!
والضمير في طريقه، قد يصطدم بأمور عديدة، أوَّلها الإرادة.
فإذا مالت الإرادة نحو الخطية، وأرادت تنفيذها، وحاول الضمير منعها، فإنها تعمل على إسكات هذا الضمير أو الهروب من صوته. ويقوم صراع بين الضمير والإرادة: إما أن ينتصر فيه الضمير، وإما أن تنتصر فيه الإرادة، وتنفِّذ الخطأ.
إن الضمير هو مجرد صوت يوجِّه الإرادة نحو الخير، ويُبعدها عن الشر. ولكنه لا يملك أن يرغمها...
يكفي أن يكون مجرد صوت، يصيح باستمرار في عقل الإنسان وفي قلبه: إن هذا الأمر خطأ، فيشهد للحق...
يوحنا المعمدان لم يرغم هيرودس على الخير، بل كان مجرد صوت يصيح في وجهه، أنه لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك زوجة. ولم يسمع هيرودس للمعمدان، ولكن ذلك النبي العظيم بقى ضميرًا للشعب كله، يصيح في وجه الملك الفاسد: لا يحل لك.
والإرادة قد تحاول إسكات الضمير، بحجة سلامها النفسي..!
إنها لا تريد أن يكون هذا الضمير سببًا في تعكير صفوها الداخلي، فيُفقدها سلامها ويُتعب نفسيتها. لذلك تُسكته.
هذه الإرادة المريضة يهمَّها راحة النفس، وليس راحة الروح، فالروح تستريح في طاعة الرب وفي نقاوة القلب، وترحِّب في هذا بالتوبيخ، بعكس النفس التي يتعبها التوبيخ...
وقد تهرب الإرادة من الضمير، ولا تعطيه فرصة...
تهرب من محاسبة النفس، وتهرب من توبيخ الضمير، بالمشغولية المستمرة. وإن أتاها صوت الضمير من مصدر خارجي، من أب أو صديق أو معلِّم، تحاول أن تغيِّر مجرى الحديث، إلى موضوع آخر، لأن صوت الضمير يتعبها، فتهرب منه.
وقد يجد الضمير أنه لا مجال له، فيستكين ويصمت...وبمضي الوقت يتعوَّد الصمت، ولا يتدخَّل في أعمال الإرادة...
وتبقى الإرادة وحدها في الميدان، تعمل ما تشاء، وتتفرَّغ لرغباتها، ولا تعطي فرصة للضمير... فيصبح ضميرًا غائبًا، أو ضميرًا مستترًا، أو ضميرًا نائمًا، ويتعطَّل عمله في الإرشاد...
وتساعد الضمير على السكوت، وسائل التسلية المتعددة، ووسائل الترفيه، وطغيان لذة الخطية، والمشغولية المستمرة، وعدم جدوى التوبيخ، ويأس الضمير من إمكانية العمل، أو الوعد المستمر بتأجيل التوبة. وهكذا يبدو أمام الضمير أنه لا فائدة، وتنتصر الإرادة على الضمير، وتبقى في الخطية. لأن الضمير مجرد مرشد، لا يرغم الإرادة على قبول مشورته.
الضمير مثل إشارات المرور في الطريق، قد تضيء باللون الأحمر لكي يقف السائق، ولكنها لا ترغمه على الوقوف!
ما أسهل أن يخالف السائق إشارة المرور الحمراء، ويستمر في سيره، وتكتب له مخالفة، ولا يبالي...
إن الضمير مجرد مرشد، أما التنفيذ ففي يد الإرادة.
فهل إذا انحرفت الإرادة، وأسكتت الضمير، يهلك الإنسان؟
هنا تتدخل إرادة الله، ويرسل نعمته، ليخلص الإنسان من إرادته...
ما دام ضمير الإنسان ضعيفًا، والإرادة المنحرفة مسيطرة، إذًا لا بد من قوة خارجية تتدخل لإنقاذه. هنا يدخل روح الله القدوس، وهنا تظهر ثمار صلوات الملائكة والقديسين، وتعمل النعمة، لكي توقظ الإنسان الغافل، وتلين قلبه القاسي...
مثال ذلك ما حدث لمريم القبطية، وهي في عمق الخطية، لا تفكر إطلاقًا في التوبة، بل تشتاق إلى خطايا جديدة، يسقط فيها كثيرون...
ولكن النعمة اجتذبتها في مدينة القُدس، وسرعان ما استجابت لعمل النعمة، وتابت، بل صارت قديسة عظيمة، استحقت أن تبارك القس زوسيما...
النعمة قد تتدخَّل وحدها، بافتقاد من روح الله القدوس. أو تتدخَّل بناء على صلاة تطلب معونة الله.
وقد تكون الصلاة من شخص الخاطئ نفسه، يصرخ إلى الله قائلاً: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18). وربما تكون من أحبائه المحيطين به، المصلِّين من أجل خلاصه. وقد تكون الصلاة من أرواح الملائكة القديسين الذين انتقلوا.
إذًا الأمر يحتاج منا إلى صلوات لتتدخَّل المعونة الإلهية.
إن الناس لا تنقذها مجرد العظات. فالعظات قد تحرِّك الضمير، وربما مع ذلك لا تتحرَّك الإرادة نحو الخير..!
نحن محتاجون إلى قلوب تنسكب أمام الله في الصلاة، لكي يعمل في الخطاة، ويجذبهم إلى طريقه.
فالرسول يقول: "الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 18، 19).
هناك عبارة جميلة وردت في سفر زكريا النبي عن يهوشع الذي كان واقفًا بملابس قذرة، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فجاء واحد من طغمة الأرباب، وقال للشيطان: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ. أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 2). وأنقذ الرب يهوشع.
ومع تدخل النعمة، يبقى الإنسان أيضًا حرًا... يستجيب للنعمة، أو لا يستجيب. يفتح للرب الذي يقرع على بابه. يقبل عمل الروح، أو يُحزن الروح. أو يُطفئ حرارة الروح، أو يقاوم الروح!!
النعمة والإرادة[2]
النعمة تعمل في الإنسان، وتعمل مع الإنسان.
ووجود الله في حياة الإنسان، لا يلغي وجود الإنسان.
إن الله لا يلغي إرادة الإنسان لكي تبقى إرادته الإلهية هو، ولا يلغي شخصية الإنسان وحريته، وإلاّ وقعنا فيما يشكو منه الوجوديون قائلين إن وجود الله يلغي وجود الإنسان!! ولو حدث هذا، لأصبح الإنسان مُسَيَّرًا..!
إن عمل النعمة في الإرادة، ليس هو إرغام الإرادة على عمل الخير، إنما هو مساعدة الإرادة على التحرُّر من أخطائها.
على أن تكون عملية التحرُّر عملية إرادية تمامًا. فالنعمة تشجِّع الإنسان على محبة الخير، وتعطيه قوة للتخلُّص من ضعفه. وهكذا تشجِّع الإرادة على اختيار الخير وتنفيذه.
غاية ما تصل إليه النعمة، أن تكون إرادة الإنسان مطابقة لإرادة الله، ورغبته هي رغبة الله.
وهكذا يفعل الإنسان الخير بكامل إرادته، بدون وقوع تحت أي لون من ألوان الإرغام. فإذا عمل الخير تكون هذه هي مشيئته الخاصة، وفي نفس الوقت تكون هذه مشيئة الله. وهكذا يدخل الإنسان في حياة الشركة مع الله، ويكون "عاملًا مع الله".
حينئذ توجد وحدة في المشيئة بين الإنسان والله
وإذا تمت هذه الوحدة، فإن الإنسان لا يستطيع أن يخطئ كما قال القديس يوحنا الرسول (1يو3: 9) وهكذا يلبس الإنسان إكليل البر، أي يتكلَّل بالبر الذي لا يخطئ.
هذه الطبيعة البارة التي لا تستطيع أن تخطئ، هي التي ستكون لنا على الدوام في الأبدية...
وإلى أن نصل إلى الأبدية، فالنعمة تطهِّر وتقوّي. ونتمتع نحن بوحدة المشيئة هنا في فترات، تطول كثيرًا عند القديسين. ويصيبها الضعف عند المبتدئين الذين يجاهدون لكي تكون لهم الإرادة الإلهية.
النعمة تقوّي وتشجِّع، ولكنها لا تُرغِم. وإلاَ فإن الإنسان لا يستحق المكافأة، إذ لم يفعل الخير بإرادته. وفي نفس الوقت يكون قد فقد حريته. وهكذا يهبط مستواه كإنسان خُلق على صورة الله، بما فيها الحرية والإرادة.
النعمة التي تقودنا إلى البر، لا تُفقدنا نعمة الحرية
فالله لا يعطينا نعمة، بسلب نعمة أخرى منا. النعمة إذًا تعمل فينا، لكي نختار الخير بكامل إرادتنا، ولكي نعمل الخير بكامل حريتنا، وبمحبة، ومن القلب.
والنعمة تصحُب الإنسان باستمرار ولا تتخلَّى عنه..
حتى أثناء الخطية. لأنه لو تخلَّت النعمة عنا، ونحن في الخطية، ما أمكننا أن نتوب إذ أننا نتوب بعمل النعمة فينا، بعمل الروح القدس الذي يُبكِّتنا على خطية، والذي يحثنا على التوبة، كما يقول إرميا النبي: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18).
ولكن يوجد أحيانًا ما يمكن أن يُسمَّى بالتخلِّي الجزئي.
وهو ما قال عنه الكتاب: "لُحَيْظَةً تَرَكْتُكِ" (إش54: 7) أو ما قالت عنه عذراء النشيد "طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي" (نش5: 6) وغالبًا ما يكون هذا التخلِّي لأحد سببين: الكبرياء أو التراخي.
إذ تتخلى النعمة لحيظة على الإنسان، حتى إذا ما سقط، يشعر بضعفه، فيكون أكثر احتراسًا في المستقبل، وأكثر اتضاعًا، ويطلب الرب ومعونته في كلِّ حين، فتقوَى صلواته.
النعمة قد تتخلَّى إلى حين، ولكنها تقف وترقب عن بعد، كالأم التي تعلِّم ابنها المشي، فيقع ويقوم ويتعلَّم، وهي ترقبه. فإن وجدته محتاجًا إلى معونة، أسرعت إليه للتو بلا تأخير.
وهذا التخلِّي الجزئي لا يمنع الحب مطلقًا، بل هو نوعٌ من التدبير الإلهي لصالح الإنسان ولمنحه فضائل أكثر.
نعمة الله قد تتخلَّى جزئيًا، لا لكي يختبرنا الله، فالله يعرفنا تمامًا، وإنما لكي نختبر نحن الله، ونختبر أنفسنا، ونعرف مقدار ضعفنا، وننسحق، وننجو من المجد الباطل..
أحيانًا نظن أن النعمة بعيدة عنا. ولا تكون هي التي بعدت عنا، إنما نحن الذين بعدنا. فإن طلبناها وجدناها.
نحن أحيانًا نطلب النعمة، لا لكي تعمل معنا، إنما في الواقع لكي نحس بعملها. كما قال: "أرني يا رب رحمتك".
الإرادة كيف تقوَى وكيف تضعُف؟[3]
كلَّمتكم من قبل عن الضمير، ونواحي القوة والضعف التى يتعرض لها. وأحب أن أكلِّمكم عن الإرادة، ومركزها بالنسبة إلى الإنسان، وكيف تقوَى وكيف تضعف؟
هناك كثيرون يقولون إنهم يحبون الخير، ولكنهم عاجزون عن عمله، ولسان حالهم قول الرسول: "وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 18، 19). ويعلِّلون ذلك بأن إرادتهم ضعيفة.
وهنا نبحث الموضوع من النقاط الآتية:
1) هل تستطيع أن تقاوم الخطية أم أنت تضعف أمامها؟
2) هل بسهولة تقدر أن تعمل الخير أم بتغصُّب؟
3) عندما تكون إرادتك ضعيفة، هل تبذل جهدك لتقويتها؟
4) هل الإرادة ضعيفة أصلاً، أم بسبب إهمالك الروحي؟
إن أصل إرادة الإنسان ميَّالة للخير، كصورة الله. لذلك فإن ضعف الإرادة وعدم قدرتها على الخير، أمر دخيل على الإنسان.
الميل إلى الخير هو الأصل في الإنسان. أما الميل إلى الشر، فأمر دخيل عليه، لا بد أن نبحث عن أسبابه...
بإمكان الإنسان - وبخاصة في نِعم العهد الجديد - أن يسير في طريق الرب. فما الذي يدفعه إذًا إلى الخطية؟
حواء مثلاً: عندما خلقها الله، لم تكن فيها خطية ولكنها أخطأت حينما اشتهت. وكيف اشتهت؟ حدث ذلك لما أدخل الشيطان إلى قلبها الشك، والشهوة أن تصير مثل الله...
وبالشهوة ضعفت الإرادة. وحينئذ عجزت عن المقاومة، فأخطأت.
حينما تدخل الشهوة إلى القلب تضعف الإرادة. وكلما ازدادت الشهوة، ضغطت على الإرادة بشدة... لذلك فمن عوامل تقوية الإرادة، معالجة الشهوة وطردها من القلب.
ومما يضعف الإرادة ويقوي الشهوة، القرب من مادة الخطية.
قال أحد الآباء: وأنت بعيد عن مادة الخطية، قد تحارب من الداخل فقط. أما وأنت قريب من مادة الخطية، فإنه تقوم عليك حربان: أحدهما من الداخل، والآخر من الخارج.
لذلك على الإنسان الحكيم أن يبعد عن العثرات وعن كل أسباب الخطية، لكي لا تضعف إرادته أمام العثرات.
ومن ضمن هذه الأسباب البعد عن المعاشرات الرديئة، التي قال الكتاب إنها: "تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
مما يضعف الإرادة أيضًا عنصر المدة، والاستدامة...
إن حاربتك الخطية، فقاومتها للتو، ولم تستبقها، تجد إرادتك قوية، قادرة على طرد الخطية. أما إن تركتها ترعى في قلبك، وتدغدغ حواسك، وتلعب بعواطفك، وتغري نفسك، وتقنع عقلك، فإنها بطول المدة تقوَى عليك، وتضعف إرادتك عن مقاومتها. وإن انتصرت يكون ذلك بمجهود كبير وبتدخُّل النعمة...
فرقٌ كبير بين أن تنزع الخطية وهي عشب في الأرض، أو أن تحاول نزعها بعد أن تتأصَّل جذورها ويرتفع جذعها عاليًا في الهواء. ولهذا حسنًا قال المزمور: "طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ!" (مز137: 9) والصخرة كانت المسيح. إن أتاك فكر خاطئ، وطردته بسرعة، تكون إرادتك قوية. أما إن أخذت مع الفكر وأعطيت، واستمر الفكر فترة في ذهنك، فحينئذ يكون طرده بصعوبة.
لهذا فالسرعة لازمة. والبطؤ يساعد على إضعاف الإرادة.
حسنًا أن يوسف الصديق هرب بسرعة من وجه الخطية. وكذلك الابن الضال لم يبطئ في تقديم التوبة، وإنما قال: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي.." (لو15: 18) وقام لتوه وذهب..
وإبراهيم أبو الآباء لما أتاه الأمر أن يقدم ابنه الوحيد محرقة، لم يتباطأ ولم يعط للأفكار فرصة لمحاربته، بل بإرادة قوية "بكَّر صباحًا جدًا، وأخذ الحطب والسكين" (تك22: 3)..
كذلك أنت إن تباطأت في دفع عشورك، قد تضعف إرادتك عن دفعها، وتعطي فرصة للشيطان يخترع فيها معوقات...
لما تباطأ (لوط) في الخروج من سدوم، دفعه الملاكان، وأمراه بالإسراع. وزكا، قال له المسيح: "أَسْرِعْ وَانْزِلْ" (لو19: 5)...
إنها دفعة من النعمة، أسرع في الانتفاع بها وأنت ميَّال للخير، قبل أن يتدخَّل الشيطان ويُضعف إرادتك بأسبابه.
أية علاقة آثمة، أو أية مادة رديئة، أو أية خطية، غالبًا كانت الإرادة قوية في أولها، وكانت تقدر على التخلُّص منها ولكن بمرور الوقت، بدأت تضعف...
في قصة قايين قال له الله: "عِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ... وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك4: 7). فلما استمرت داخله، أصبحت هي التي تسود عليه.
إن محاربات الخطية تحتاج إلى عمل حاسم للتخلص منها، لأن التراخي والتباطؤ والتكاسل، يعطي فرصة لإضعاف الإرادة. إن شمشون لما طالت المدة في إلحاح الخطية عليه، ضعف أخيرًا.
إن الإنسان عبارة عن مجموعة من الأجهزة الحساسة. كل شيء يؤثر عليها بالخير أو الشر، ويزيد التأثير بالمدة...
تؤثَّر عليه الأفكار، والحواس، والمشاعر الداخلية، والأسباب الخارجية، البيئة، والمعاشرات، والسماعات... إلخ.
كثيرًا ما تضعف إرادتنا، لأننا لم نكن حازمين وحاسمين في معالجة الأسباب التي تُضعف الإرادة...
بسبب تهاوننا وتراخينا، نفقد قوتنا ونقف موقف الضعف. فليتنا نكون متيقِّظين باستمرار وساهرين على خلاص نفوسنا...
من الأسباب التي تُضعف إرادتنا أيضًا، البعد عن وسائط النعمة.
لأنه طالما نحاط بجو روحي، تكون إرادتنا قوية.
هناك عوامل روحية كالصلاة، والتأمل، والقراءة الروحية، والاجتماعات الروحية، والمداومة على التناول والاعتراف، والتأثر بالصداقات الروحية، كلها تلهب القلب بمحبة الله، وتقوّي الإرادة في الالتصاق بالرب، وتعطي مناعة أثناء مقاومة الخطية.
ولكن إذا بعُد الإنسان عن الوسائط الروحية، تضعُف روحياته، ويقل ميله نحو الخير، وتصير إرادته سهلة الانجذاب نحو الخطية. وينتهز الشيطان الفرصة فيضربها، وليس حولها سلاح روحي يقوّي عزيمتها في مقاومته، إذ تبعد عن الهاتف الداخلي الذي يدعوها إلى الله.
انظروا إلى لوط، لقد كانت نفسه البارة تتعذَّب كل يوم في سدوم لأنه فقد واسطتين روحيتين: عِشرة إبراهيم القديس، والوجود إلى جوار المذبح...
سدوم لم يكن فيها المذبح ولا إبراهيم، لذلك ضعفت إرادة امرأة لوط وهلكت، وضعفت إرادة ابنتيه ووقعتا في الخطية. ولوط نفسه لم يعد في قوته الأولى.
لأهمية الوسائط الروحية في تقوية الإرادة، يقول الكتاب عن الرجل البار أنه "كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ" (مز1: 3) أي متصلة بينابيع الغذاء الروحي باستمرار، لذلك تكون قويّة ومثمرة على الدوام.
إذًا الإرادة يمكن أن تقوَى وأن تضعف. إن منحتها أسباب القوة تقوَى. وإن عرضتها لعوامل الضعف تضعف.
بطرس وهو موجود في جو روحي مع السيد ومع التلاميذ، امتلأ بالقوة التي قال بها: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" (مت26: 35) ولو أدَّى الأمر أن أموت معك! ولكن بطرس نفسه، وهو في وسط آخر مع جواري وعبيد رئيس الكهنة، ضعفت إرادته، فسبَّ ولعن وقال: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ" (مت26: 74)!!
وأنت ما هو الوسط الذي يحيط بك؟ وهل يقوِّي إرادتك أم يُضعفها؟ هل عوامل التسلية والترفيه التي تحيط بك تقوِّي إرادتك نحو الخير؟ وتعطيك مقاومة للخطية؟ أم العكس؟ هل أصدقاؤك ومعارفك وأصحابك الذين تقضي معهم وقتك، يشجِّعونك على الالتصاق بالله.
مسأله أخرى تؤِّثر على الإرادة وهي عامل التدرُّج.
إن الخطية قد لا تحاربك دفعة واحدة بوجه مكشوف، بل قد تتدرَّج معك تدرُّجًّا طويلاً لا تشعر به حتى تقع في الهوة! وربما تكون الخطوة الأولى التي تقودك إلى الخطية، ليست في حد ذاتها خطية واضحة... وبهذا التدرُّج تسلب إرادتك شيئًا فشيئًا دون أن تحس!
من ضمن الأشياء التي تُضعف الإرادة وتقوِّيها، الفكر.
إن كانت أفكارك متعلِّقة بالله باستمرار، وبالعمل الروحي، تجد إرادتك قوية، مستعدة كل حين لعمل الخير. أما إذا انشغل فكرك بالمحاربات الشيطانية، أو حتى بالأمور العالمية والمادية، أو ظلَّ فكرك متغرِّبًا عن الله مدة طويلة، فحينئذ لا تكون إرادتك في نفس القوة التي تساعدها على المقاومة.
من العوامل الأخرى التي لها تأثير على الإرادة: التغصُّب.
هل أنت باستمرار تدلِّل نفسك، وتعطيها ما تهواه؟ أم أنت تقف بحزم وتغصِب نفسك على العمل الروحي؟ ولا تطاوع رغباتك في كلِّ شيء؟ إن كنت باستمرار تجاهد نفسك، ستقوَى إرادتك بلا شك. أما إن قادتك الرغبة وحب الراحة وإطاعة الهوَى، فإن إرادتك ستفقد كل سيطرتها...
إن أعطيت نفسك هواها، فأين إذًا الالتزام؟ وأين المبادئ والقِيم؟ وأين قوة الإرادة.
المسألة تحتاج إلى جدية، وإلى الانتصار على العقبات...
الإنسان الجاد في حياته الروحية لا يتراخي ولا يتراجع، ولا يفشل ولا ييأس، ولا يعترف بعقبات، وإنما يبذل جهده للانتصار على كل عقبة تصادفه...
داود أمام جليات كانت تقف أمامه عقبات تدعو إلى اليأس، لكنه بالإيمان تصدَّى لها وانتصر...
أهم نقطة أقولها في موضوع الإرادة هي محبة الله.
وأيضًا عمل النعمة في القلب...
إن ملكت محبة الله على القلب، ستملك الإرادة أيضًا، والمحبة تقود الإرادة إلى الخير. وحتى إن ضعفت الإرادة تقودها النعمة، بإلقاء النفس أمام الله طلبًا للمعونة.
الإرادة بين القوة والضعف[4]
كثيرًا ما يرغب الإنسان في أن يسلك حسنًا، ولكنه لا يستطيع. أو أن يعرف خطأ أو خطورة أمر من الأمور، وأنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكنه لا يقدر. والسبب في كل ذلك أن إرادته ضعيفة. كإنسان واقع تحت سيطرة عادة رديئة، ويعجز عن التخلص منها.
يعرف مثلًا أن التدخين يتعب صحته، ويضيع ماله، ويفقده إرادته، وتبقى رائحته في فمه وأسنانه، ومع ذلك لا يقدر على إبطال التدخين. يود ذلك، ولكنه لا يستطيع.. إنها حالة إنسان عاجز عن مقاومة الخطيئة، وعاجز أيضًا عن فعل الخير.. إرادته ضعيفة في الحالَيْن.
أسباب ضعف الإرادة
أول شيء يُّضعف الإرادة هو الشهوة.
ولا نقصد شهوة معيَّنة، إنما أية شهوة، سواء شهوة الجسد، أو شهوة المال والاقتناء، أو شهوة المناصب وتعظُّم المعيشة، أو شهوة الانتقام.. كلها وغيرها شهوات تتسبَّب في إضعاف الإرادة.
فعندما تدخل الشهوة إلى القلب تؤثِّر على الإرادة وتجذبها إليها. وكلما ازدادت الشهوة، تضعف الإرادة عن مقاومتها، وبتوالي ضغط الشهوة على الإرادة، ربما تنهار الإرادة تمامًا، وتستسلم للشهوة، والعلاج هو البعد عن هذه الشهوات بقدر الإمكان، وإن حورب الإنسان بها، يسرع في مقاومتها والبعد عنها.
الشهوة تُخضِع العقل لها، وتستخدمه لتنفيذ أغراضها، فيبرِّر لها الهدف، ويبحث لها عن وسائل للتنفيذ. ويجعل العقل يشتعل بالرغبة. وأمام طغيان الشهوة، وخضوع العقل والقلب لها، تصبح الإرادة أيضًا مجرد أداة مُنفِّذة لرغبات الشهوة، وهنا تصبح الإرادة ضعيفة لا تستطيع أن تقاوم الشهوة، فلا يقف إلى معونتها عقل ولا ضمير.. لذلك على الإنسان الصالح أن يقاوم أية شهوة خاطئة، من بادئ الأمر، قبل أن تقوَى وتدخل إلى القلب وتسيطر عليه، وقبل أن يخضع العقل لها...
وإن كانت الإرادة تضعف أمام الشهوة، فهي تضعف بالأكثر أمام العادات الخاطئة.
وتنهار الإرادة الخيِّرة تمامًا إن تحوَّلت العادة إلى طبع، فالإنسان – بصفة عامة – ضعيف الإرادة أمام طبعه وأمام عاداته. ولهذا لا تسمح لأخطائك أن تتطوَّر إلى عادات. والمعروف أن العادة تنتج عن عمل إرادي يتكرر، فالخطأ الذي تعمله بإرادتك اليوم، قد تجد نفسك منساقًا إلى عمله بغير إرادتك، إذا طالت المدة عليك في عمله، لذلك لا تسمح لنفسك أن تخضع لعادة معينة يصبح لها سيطرة عليك. قاوم ذلك من بادئ الأمر قبل أن يتأصَّل...
يُضعف الإرادة أيضًا الإغراء الشديد، والقرب منه.
لذلك أبعد عما يغريك، وبالتوالي يضعف إرادتك، فلا تستطيع أن تقاوم. إن الهروب من مصادر الخطيئة، والبعد عن مؤثِّراتها. أمرٌ يعتبر فضيلة في حد ذاته، لأنه يدل على رفض القلب لتلك الخطيئة..
ومن هذه المصادر الضارة التي ينبغي أن يبعد عنها الإنسان الصالح: الأماكن والأشخاص والمغريات، "فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33). وليس حقًا أن يدَّعي إنسان بأنه لا يتأثَّر! على الأقل كلما تعرَّض للأسباب، سيتأثَّر شيئًا فشيئًا، ولو قليلاً قليلاً، مما يُضعف إرادته...
تضعف الإرادة أيضًا أمام الضغوط الخارجية...
وهكذا قد يتصرف الإنسان بغير إرادته نتيجة لضغوط تُفرض عليه من والديه، أو من رئيسه في العمل، أو من إلحاح ودموع زوجة، أو من سيطرة زوج... وفي كل هذا قد يضعف ولا يملك إرادته. وفي خضوعه أو استسلامه لهذه الضغوط الخارجية، قد يتصرَّف بعكس ما يريد!!
وإن قاوم ورفض، ما أسهل أن يتهموه بالعناد وصلابة الرأي، وعدم التفاهم أو عدم الطاعة..! ويبقَى الأمر معلقًا – حسب نوعية شخصيته – هل تنتصر إرادته، أم تنتصر الضغوط الواقعة عليه...
من الجائز أن يكون الضغط الخارجي على الإرادة بسبب التيار العام.
فلا يستطيع الشخص أن يسبح عكس التيار، وإنما يجعل إرادته تتمشَّى مع الوضع السائد بقدر إمكانه. في حدود ما يرضاه ضميره..
أما المصلحون الاجتماعيون، فقد وقفوا بإرادة قوية وبعقلية مؤثِّرة ضد أوضاع مجتمعهم، واحتملوا النقد والمقاومة، ونجحوا أخيرًا، وغيَّروا أوضاعًا كانت قائمة وراسخة.. ولكن ليس الجميع بمثل هذه القوة...
مما يضعف الإرادة أحيانًا: بعض العوائق القائمة ضدها..
على أن العوائق ليست كلها موانع. وصاحب الإرادة القوية يمكنه أن ينتصر على العوائق، فلا تمنعه من تنفيذ ما يريد..
هكذا فعل العصاميون الذين شقُّوا طريقهم في الحياة بدون إمكانيات، وكأنَّهم يحفرون في صخر! وهكذا أيضًا سلك بعض الذين قاسوا من تعويقات جسدية وانتصروا عليها.. إن طه حسين مَثَل رائع في هذا المجال. لأنه وقد فقد بصره، استطاع بقوة إرادته ومثابرته وجهاده، أن يدرِس ويتفوَّق، ويصير زعيم الأدب العربي في عصره، ويصل إلى الأستاذية وإلى رئاسة جامعة الإسكندرية، وإلى منصب وزير التربية والتعليم.. بتهوفن – في الموسيقى – كان مثلاً آخر. وغير هذيْن كثيرون.
قد تضعف الإرادة أيضًا بسبب ضعف الشخصية.
كأن يكون الشخص غير قادر على البتِّ في الأمور، أو أنه يريد ولا يستطيع، أو يكون من النوع المتردِّد، المتحيِّر بين أن يفعل أو لا يفعل. أو يكون خائفًا من جهة النتائج وردود الفعل. أو يكون متحيرًا في أسلوب التنفيذ، بأية الطرق يكون؟! أو يكون الأمر غير واضح أمامه..
كل ذلك يجعل إرادته ضعيفة، مهتزَّة، غير واثقة من العمل ذاته، ولا من نتائجه..! وعلى مثل هذا الشخص أن يتروَّى، ويدرس الموضوع جيدًا. ولا يُقدِم عليه إلا بعد التأكُّد والثقة التامة.
يسأل البعض عن الأحلام التي تشمل بعض الأخطاء، وما موقف الإرادة فيها؟ وهل تعتبر أخطاؤها أعمالاً غير إرادية؟
لا يمكن أن نقول أنها غير إرادية تمامًا. لأن غالبيتها تكون عبارة عن صور أو أخبار أو رغبات، ترسبت في العقل الباطن نتيجة لأعمال إرادية سابقة. فالإرادة قائمة – ليست في موضوع الحلم بالذات – إنما فيما سبقه من أعمال إرادية كانت هي السبب فيه.
أما لو كان الخطأ الذي في الحلم غير مقبول تمامًا، وضد الإرادة والرغبة بطريقة ما، فلا بد أن الشخص يستيقظ ولا يكمل حلمه، لأنه لا يحتمله..
لذلك يمكن أن نقول عن هذه الأحلام إنها شبه إرادية. فهي ليست إرادية، وليست غير إرادية بحكم مطلق...
السرعة لازمة لتقوية الإرادة في عمل الخير أو في مقاومة الخطية
لا تتباطأ في عمل الخير ولا تؤجل ذلك، لئلا يغريك الشيطان بإعادة التفكير، وربما يحاول تغيير فكرك. فالشيطان لكي يبعد الإنسان عن فعل الخير، أو يضعف إرادته في ذلك، لا يقول له لا تفعل، بل يقول له: انتظر. فكر.. لا تندفع، ولنناقش الأمر معًا. وهكذا يدفعه في عمل الخير إلى شيء من التردد، تضعف الإرادة فيه، وبالتباطؤ يتحول قلب الإنسان من العزيمة إلى التفكير. وربما يفتح المجال أمام حرب مضادة تمنع الإنسان من فعل ذلك الخير!!
وقد يتَّسع الأمر إلى نقاش تفصيلي: لماذا فعل الخير لهذا المكان بالذات؟ ولماذا لهذا الشخص بالذات؟ ألا يوجد من هو أحق؟ ألاَ يوجد مشروع أفضل، ووسط هذا النقاش وأمثاله تتقاعس الإرادة وتضعف!
مثال ذلك: نصيب الله في مالك.
إن عزمت بسرعة على دفع نصيب الله من مالك، حالما يصل إليك مرتبك، أو أي إيراد جديد، تجد إرادتك قوية لتنفيذ الوصية الإلهية.
أما إن تباطأت، وقلت: ننتظر قليلاً حتى ندبر بعض الأمور، أو إن أخذت تفكر لمن تدفع المال؟ هل إلى بيت الله مباشرة أم إلى بعض الجمعيات الخيرية والملاجئ المحتاجة، أم إلى الطلبة الفقراء، أو إلى الأسرات المستورة، أو ربما في أثناء هذا التباطؤ قد تتردد، وتقول لنفسك: أنا أريد أن أفعل الخير، ولكني لا أدري كيف؟ وإلى مَن؟ وإلى أين؟.. وقد لا تفعل شيئًا.. وربما تنسى ما تريد أن تدفعه، وقد يضيع منك قبل أن تبت في الأمر، وتضعف إرادتك.
الإرادة يضعفها عنصر التردُّد.
سواء الإرادة في فعل الخير، أو في البعد عن الخطية، أو حتى التردُّد في القيام بالواجب. كتردُّد التلميذ في استذكار دروسه يومًا بيوم، أو التردُّد في القيام بواجب مجاملة في تعزية حزين، أو في زيارة مريض، أو في إعانة محتاج.
التردُّد يضعف العزيمة، ويضعف الإرادة في التنفيذ ويُربِك العقل في إتخاذ القرار، ويغرس الشك في القلب: هل أفعل أم لا أفعل؟ وهل الآن أم فيما بعد؟ وهل يجب أم لا يجب؟ وفي كل هذا، تضعف الإرادة وربما لا تنفذ على الإطلاق.
لذلك عالج التردُّد في نفسيتك بصفة عامة، وفي قيامك بعمل الخير بصفة خاصة، كذلك لا تتردَّد على الإطلاق في السرعة بمقاومة كل أسباب الخطية، وكل مصادرها بشرية أو مادية.
مما يضعف الإرادة في مقاومة الخطية: التدرُّج في جو الخطية.
إن الانحدار المفاجئ أو السريع هو أمر ملحوظ، ولكن الانحدار التدريجي قد لا تلحظه. ربما لا تدرك مثلاً أنك لا تنزل عشرات الأمتار في الطريق الصحراوي من وادي النطرون إلى القاهرة أو إلى البحيرة المالحة في الإسكندرية.
هكذا في الحياة الروحية: قد تنزل تدريجيًا من الحرارة الروحية، إلى الفتور، إلى البرودة فالسقوط، حيث تنهار إرادتك، وأنت لم تلحظ كيف ضعفت بالتدريج، ولم تعد إرادتك مرتبطة بالخير. احترس إذًا لنفسك... إن وجدت أنك ترفض تلقائيًا خطايا معينة، وبسرعة اعرف أن إرادتك لا تزال قوية.
ولكن إن وجدت أنك ترفض الخطأ، ولكن بعد تردُّد، اِعرف أن إرادتك للخير قد بدأت تفقد قوتها الأولى، وبدأت تضعف..
لم يعد لك: العمد المباشر للخطية، ولا البعد التلقائي عنها.. وإن وجدت أنك تسير مع فكر الخطيئة بضع خطوات ثم تستيقظ لنفسك وتمتنع عن الاستمرار، اعرف أن إرادتك ضعفت، ولكنها شعرت بذلك ولم تستمر. سقطت ولم تكمل درجات السقوط.
أما إن سقطت ولم تعرف كيف تقوم، أو لا تريد أن تقوم! فاعرف أن إرادتك قد انهارت، أصابها العجز، وأصبحت في حاجة إلى علاج قوي وسريع.
إن الخطيئة قد لا تحاربك دفعة واحدة وبوجه مكشوف، لكي لا ترفضها إرادتك الصالحة. ولكنها قد تخدع هذه الإرادة بالتدرُّج.
لهذا تتدرَّج معك تدرُّجًا طويلاً، ربما لا تشعر به. وفي كل ذلك تضعف إرادتك بقبول ذلك التدرُّج.. إلى أن توقِعك في الهوة.
وربما تكون الخطية الأولى التي تقودك إلى الخطية، ليست خطية في ذاتها، بل هي خطوة مخادعة مستترة، وبتدرُّجها تخدع إرادتك فتقبلها وتفقد هيبتك الأولى وتسلبك قوة الإرادة بالتدريج حتى تستسلم أخيرًا.
إذًا مما يضعف الإرادة عدم الحزم والحسم من أول خطوة..
وبسبب التهاون والتراخي، تفقد الإرادة قوتها، وتقف في ضعف. فينبغي على الإرادة أن تصدّ كل أسباب الخطية من بادئ الأمر، ببصيرة حكيمة تتفهَّم العواقب وتُدركها قبل وقوعها.
كيف تقوَى الإرادة؟
مما يقوِّي الإرادة أن يعيش الإنسان في جو يساعده على الخير.
سواء من جهة الأشخاص الذين يساعدونه على الثبات في عمل الخير، وبتقديم القدوة الصالحة له التي تشجِّعه أو تقوِّي إرادته، أو بتوبيخه إن مال ولو قليلاً عن الطريق الخَيِّر، وضعفت إرادته.. كذلك تقوَى الإرادة بجو الفضيلة التي تحيط بالشخص، والتي يؤمن بها قلبه.
أمامنا في ميزان الحياة كفَّتان: كفَّة الخير، وكفَّة الشر.
فإن رجحت كفَّة الخير في حياتنا تقوَى الإرادة، وإن رجحت كفَّة المغريات الشريرة، تضعف الإرادة.. تذكر أنك إنسان تتأثَّر بأشياء كثيرة حولك. وأنك أحيانًا تشبه بندول الساعة، تارة تتحرك يمينًا وتارة شمالاً، فاجعل ميلك نحو الخير هو العنصر الغالب في حياتك، تقوِّي به إرادتك.
2- مما يقوِّي الإرادة تداريب ضبط النفس.
إن لم تكن نفسك تميل بطبيعتها نحو الخير، فاضبطها بإرادة قوية. إن ضبط النفس يقوِّي الإرادة، وقوة الإرادة تضبط النفس إذا انحرفت وتعدِّل مسارها.. وذلك إن كنت في كل حين تعطي نفسك كل ما تهواه – بدون حكمة – سوف تضعف إرادتك وتقودها الشهوات والرغبات! لذلك اغصِب نفسك على عمل الخير، إن لم يكن لك ميل طبيعي نحو الخير، وكلما تغصب نفسك، تقوَى إرادتك، وتصل أخيرًا إلى محبة الخير.
إن التغصُّب هو نقطة البدء، ولكنه لا يستمر هكذا...
فالطفل الصغير حينما يرسلونه إلى المدرسة لأول مرة، قد يرفض ويبكي، لأنه سيبعد عن حضن والديه ومحبة أقربائه له، ويترك الجو الذي تَعَوَّد عليه في بيته، ويذهب إلى جو غريب عنه. ولكنه بعد قليل يجد لذة في جو المدرسة أو في الحضانة أو روضة الأطفال، ويجد تسليات كثيرة وأصدقاء جددًا وما في الجو الجديد من دروس وتعليم، فيألفه ويشتاق إليه ويذهب إليه برغبة.. وهكذا في الجو الروحي التغصُّب أولاً يوصِّل الإنسان إلى محبة الخير.
اغصب نفسك على حياة التوبة، وستجد في التوبة ما يريحك.
3- من الأشياء التي تقوِّي الإرادة: مخافة الله، ويقظة الضمير.
شعورك أن الله يراك في كل عمل تعمله، ويسمعك في كل كلمة تقولها، هذا يغرس مخافة الله في قلبك، ويقوِّي إرادتك نحو الخير، ويجعل ضميرك صاحيًا باستمرار لا ينعس ولا ينام. والضمير الحي يقوِّي الإرادة وارتباطك بالله في حياتك، وبحياة التأمُّل والصلاة، وترديد كلمات الله في فكرك، وتشبُّعَك بسِيَر الأبرار من البشر.. كل ذلك يحفظه فكرك وقلبك في جو روحي يقوِّي إرادتك نحو الخير، ويجعلك بهذه الإرادة تشمئِّز من كل ألوان الخطية، وتكون قويًا في مقاومتها.
4- لكي تقوِّي الإرادة، لا بد من قِيَم يتمسَّك بها الإنسان ويلتزم بها.
لا بد أن تكون له قِيَم معيَّنة، لو قامت الدنيا وقعدت لا يمكنه أن يتنازل عنها. فالإنسان الذي جعل الأمانة والصدق من القِيَم التي يتمسَّك بها، تكون إرادته في منتهى القوة إن حورب بإغراء ضد الأمانة.. إنه لا يستطيع أن يكون غير أمين أو غير صادق.
الشهداء مثلاً، الذين جعلوا الإيمان من القيم الثابتة في قلوبهم، هؤلاء تكون إرادتهم قوية جدًا في الحفاظ على إيمانهم مهما قوبلوا بتهديدات، ومهما احتملوا من عذابات إرادتهم لا يمكن أن تضعف.
أما الذي بلا قِيَم ملتزم بها، فهو كإنسان تائه في صحراء، لا يعرف الاتجاه الذي يسير فيه، فتكون إرادته مزعزعة.
إن إرادتنا تضعف أحيانًا، لأن بعض القيم في حياتنا قد ضعفت.
أما إن بقيت القِيَم في حياتنا قوية، وكان التزامنا بها قويًا، فإن إرادتنا تكون قوية أيضًا. هناك قِيَم مثل احترام القانون، واحترام النظام العام، واحترام الكبار. طالما توجد هذه القِيَم، تكون الإرادة قوية في الالتزام بها، فإن ضعُفت إحدى هذه القيم، تجد الإرادة منقادة إلى الثورة أو الاحتجاج والعصيان.
إن الدين يقدم لنا قِيَمًا معيَّنة، تكون الإرادة قوية في تنفيذها.
مثال ذلك الصوم، تجد الإرادة القوية أثناءه في الامتناع عن الطعام، فهو وسيلة لتقوية الإرادة، كما أن الإرادة القوية وسيلة لممارسته. كذلك يتحكَّم في إرادة الإنسان قوة وضعفًا، مدى تديُنَهُ وقربَه من الله أو بُعده.
____________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15/9/1978م
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26/12/1980م
[3] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27/10/1978م
[4] أجزاء من مقال "الإرادة لماذا تضعف، وكيف تقوى؟" بتاريخ 29/10/ 2002م في جريدة الجمهورية، ومقال "حرية الإرادة وقوة الإرادة أو ضعفها" بتاريخ 11/3/2006م، في جريدة أخبار اليوم.
ثانيًا: الحرية
مفهوم الحرية[1]
أولاً: إن الله يحب لكل إنسان أن يكون حرًا..
وقد خلق الإنسان بإرادة حرة. وقال له في آخر سفر التثنية: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ... أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ. إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلْتَصِقُ بِهِ، لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ..." (تث30: 15 – 20).
ثانيًا: يقابل الحرية حساب ومسئولية.
فالإنسان أو الكائن غير الحُرّ، لا يحاسَب على أفعاله. أم مع الحرية فيوجد حساب على كل ما يفعله الإنسان خيرًا كان أو شرًا. فينال المكافأة على أعماله الخيرة. كما تُوقًّع عليه العقوبة في أعماله الخاطئة أو الشريرة.
آدم وحواء كانا حُرَّين. وأمامهما وصية الله. يمكن أن يطيعاها أو يخالفاها. وقد خالفا الوصية. وأوقع الله على كل منهما عقوبة مسبَّبة (تك 3: 9 – 19).
والعقوبة على الخطأ الذي يفعله الإنسان بحريته، هي عقوبة مزدوجة: على الأرض وفي السماء. وقد ينجو الإنسان من عقوبة على الأرض. ولكن تبقى العقوبة في العالم الآخر قائمة، لا تُمحى إلا بالتوبة (لو 13: 3، 5).
كما أن الخير الذي يفعله الإنسان بحرية إرادته، له مكافأة مزدوجة أيضًا. وإن لم ينل الإنسان مكافأة على الأرض، فأجره محفوظ في السماء "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت 6: 4، 6).
ثالثًا: ليس من حقك إطلاقًا أن تنال حرية مطلقة.
فأنت حرّ في كل ما تفعله، بحيث أنك لا تعتدي على حقوق أو حريات الآخرين. وبحيث أنك لا تكسر وصايا الله، ولا تخالف القانون والنظام العام الذي جُعل من أجل سلامة وراحة الآخرين...
فليس من حقك مثلاً أن تركب سيارة وتخالف قواعد المرور، وتقول: أنا حر، أسير حيثما أشاء!! وليس من حقك أن ترفع صوتك في ضوضاء تزعج بها الآخرين، وتقول: أنا حر أرفع صوتي كما أشاء!! وليس من حقك أن تأخذ معك ورقة وتغِّش بها في الامتحان، وتقول أنا حر، أستعمل ما أشاء من أوراق.
كذلك كما تستخدم حريتك، بحيث لا تضُرّ الآخرين. فأنت أيضًا من حقك أن تستخدم حريتك، بحيث لا تضُرّ نفسك.
لأن نفسك ليست ملكًا لك. إنها مِلك لله الذي خلقها وفداها، ومِلك أيضًا للمجتمع الذي رعاك ورباك، وله عليك حقوق يجب أن تؤديها...
ولذلك فقتْل الإنسان لنفسه بالانتحار، جريمة يعاقب عليها الله، ولا يوافق عليها القانون. ونفس الوضع ينطبق على من يضُرّ نفسه عن طريق التدخين أو المخدرات. فليس من حقه أن يقول أنا حُرّ، أدخِّن كما أشاء، وأتعاطى المخدرات كما أشاء!! لأنه ليس من حقه أن يُهلك نفسه. وليس من حقه أن يحرِم المجتمع من وجوده مؤدِّيًا واجبه نحو المجتمع.
رابعًا: الضوابط التي توضع على الحرية، هي لفائدتك وليس لتقييدك.
ومن فائدتها أنها تمنعك من الإضرار بنفسك، ومن الإِضرار بغيرك، ومن الإِضرار بالمجتمع، ومن مخالفة وصايا الله...
النهر له شاطئان، لا يقيِّدان مجراه، وإنما يحفظانه.
وإذا لم تكن للنهر شواطئ، فإنه سينسكِب ويفيض على الجانبين، ويُغرِق الأرض، ويحوِّلها إلى مستنقعات. أترى يستطيع أي نهر أن يحتجّ على وجود شاطئين له، ويقول أنهما يقيدان حريتي؟
كذلك أنت: الشاطئان بالنسبة إليك، هما وصايا الله، وقوانين أو تقاليد المجتمع. أو الشاطئان هما الدين والتربية. وكلاهما لفائدتك. فالطفل الذي يرفض التربية، ويحسبها تقييدًا لحريته، والشاب الذي يرفض نصيحة أبويه أو معلميه أو مرشديه، ويرى ذلك تقييدًا لحريته، لا بد أنه سيفسَد، ويفقد الطريق السليم السوي، ويضلّ... فهل الضلال هو اسم آخر للحرية، أو نتيجة لها؟
خامسًا: الحرية الحقيقية هي أن يتحرَّر الإنسان من الأخطاء.
فيتحرَّر من الخطايا والسقطات، ويتحرَّر من العادات الرديئة. يتحرَّر قلبه من كل المشاعر الرديئة، ويتحرَّر عقله من الأفكار المنحرفة ومن كل خطأ فكري... يتحرَّر أيضًا من الخضوع للشيطان وكل أعوانه. ويتحرَّر من تأثير الصحبة الرديئة والمعاشرات المفسِدة. ويتحرَّر من كل قيادة تفرض سلطانها على إرادته، لتقوده حسب هواها في مسيرة منحرفة. هذه هي الحرية، التي قال عنها الكتاب: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو 8: 36).
سادسًا: الذي يتحرَّر داخله من الخطية، يمكن أن يستخدم الحرية الخارجية بطريق سليم.
فمثلاً الذي يتحرَّر من الكراهية والقسوة والعنف والظلم، يستطيع أن يستخدم حريته في التعامل مع الناس بطريق سليم.
أما إن كان ظالمًا أو قاسيًا، وقال: أريد أن أستخدم حريتي في التعامل كما أشاء... فإنه سوف يؤذي غيره بقسوته وبظلمه، أو بعدم تحرُّره من القسوة والظلم... كذلك الذي لم تتحرَّر عفته من الشهوات الجسدية، فإنه حينما يستخدم حريته لتنفيذ شهواته، لا بد سيؤذي نفسه وغيره. وفيما يظن أنه يستخدم حريته، يكون قد أضاف قيودًا جديدة على عفته ونقاوته. وأيضًا الفتاة التي تقول ألبس كما أشاء، وأضحك وألهو كما أشاء. وبهذا الأسلوب تُعثِر غيرها وتُسقِطه، وتَسقُط هي أيضًا معه.. هذه الفتاة لم تتحرَّر بعد من الداخل. لذلك تستخدم حريتها الخارجية بطريقة ضارة لها ولغيرها... والطالب الذي يلعب طول العام ويهمل دروسه، ويقول أنا حرّ!! إنما يضُرّ نفسه باِسم الحرية الخاطئة ويفقد مستقبله. لأنه لم يتحرَّر في الداخل من سيطرة اللهو عليه... إذًا نصيحتنا لك: استخدِم حريَّتك لفائدتك وفائدة غيرك. وتحرَّر أولاً من الداخل، قبل أن تمارس الحرية الخارجية.
سابعًا: يضغط البعض على نفسه، ليصل إلى الحرية الحقيقية.
فلا يعطي ذاته كل ما تطلب، لئلا يصل إلى تدليل النفس، ويفقد سيطرته على نفسه، وبالتالي يفقد حريته الحقيقية. وهكذا يدخل هذا الإنسان في تداريب روحية لضبط النفس، لضبط اللسان فلا يقع في أخطاء. لضبط الأعصاب حتى لا يثور ويفقد في غضبه معارفه وأصدقاءه. وأيضًا تداريب لضبط الفكر، حتى لا يسرح في أمور تضُرُّه. بل يدخل في تداريب لضبط الحواس، ولضبط الجسد بالصوم والسهر، وضبطه في البعد عن الشهوات حتى لا ينساب في الملاهي والملاذ الجسدية ويفقد روحياته.
هل يجوز أن يقول أسلك حسب هواي، بحريتي، ولا يضبط نفسه ويغصِبها على عمل الخير؟ وإن سلك هكذا، أيكون حرًا أم مقيدًا بشهواته؟ إنها قواعد نذكرها لك لفهم موضوع الحرية. ونحن مستعدون أن نناقش معك أي فكر..
الحرية أهميتها.أنواعها. ضوابطها[2]
لقد خلق الله الإنسان حرًا. وبالحرية ميَّزه عن مخلوقات أخرى كثيرة. وقد تغنَّى الناس بالحرية. فقال أحد أدباء الغرب: "لو أنك فقدت كل شيء، ما عدا الحرية، فأنت لا تزال غنيًا". وتجاه الحرية، يقف ذلك السؤال الشهير...
هل الإنسان مُسَيَّر أم مُخَيَّر؟
وواضح أن الإنسان مخيَّر في كل ما يفعله. ولكي لا ينحرف بحريته فيخطئ، زودَّه الله بالعقل الذي يُنير أمامه الطريق، وأيضًا بالضمير لكي يميِّز بين الخير والشر، كما زوَّده كذلك بالوصية الإلهية لكي يلتزم بها في كل تصرفات حياته.
والدليل على حرية الإنسان أن الحرية ترتبط دائمًا بالمسئولية، فإن لم يكن الشخص حُرّ الإرادة فلا مسئولية عليه وإن لم يكن حرًا، فكيف يلتزم بوصايا الله؟ وما لزوم أمور عديدة ينهاه الله عنها إن لم تكن له حرية إرادة؟ وإلاَ انطبق عليه قول الشاعر:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له .:. إياك إياك أن تبتل بالمــاء
كذلك فإن ارتكاب الخطيئة دليل على أن الإنسان مُخيَّر، لأن الله لا يسيِّر أحدًا في طريق خاطئ، إنما المخطئ يرتكب الخطأ عن طريق اختياره له. وأيضًا إن لم تكن هناك حرية فلا حساب إذًا ولا دينونة في الآخرة ولا ثواب ولا عقاب.
الإنسان إذًا مخير لا مُسَيَّر.. فهل هو مُخَيَّر في كل شيء؟
طبعًا لم يكن أي شخص مخيَّر من جهة البلد الذي وُلِد فيه، ولا من جهة الجنس الذي ينتمي إليه، ولم يكن مخيرًا في نوع شكله وملامحه وفي فصيلة دمه، وفي كثير من المواهب التي أُعطيت له أو التي حُرم منها، ولم يكن مخيَّرًا في نشأته، ولا في اختيار أسرته، ولا فيما ورثه عن تلك الأسرة من دم ومن عقل، وأمور اجتماعية..
ولكنه – على الرغم من كل هذا – هو مخيَّر في تصرفاته، ومخيَّر في أن يُصلح بقدر الإمكان من مستوى نشأته، كما في تغيير مستواه في أمور عديدة.
هنا ونسأل: هل الإنسان حُرّ في أحلامه؟
وللإجابة على هذا السؤال، نقول أن هناك أنواعًا من الأحلام عبارة عن إعلان من الله، مثل الأحلام التي فسرها يوسف الصديق لفرعون. وهناك أحلام أخرى عبارة عن حروب من الشياطين. وهذان النوعان لا إرادة للإنسان فيهما ولا حرية، وبالتالي لا مسئولية.
غير أن هناك أحلامًا ناتجة عما يُخَزنه كل شخص في عقله الباطن من شهوات أو رغبات أو أفكار أو مخاوف.. وما تجمعه الحواس من نظر وسمع.. وهذه قد تظهر له بصورة أحلام. ويبدو أنه لا حرية للإنسان فيها. ولكنها ناتجة عن حرية سابقة، فيما خزَّنه لنفسه.. وهي لا تدخل في نطاق الأمور الإرادية، إنما في شبه الإرادية أو نصف الإرادية. وعليه مسئولية تجاهها، على الأقل من جهة الأسباب التي أوصلتها إليه. ولهذا فإن كان الإنسان أمينًا على نفسه وروحياته أثناء الصحو، ستكون أحلامه أمينة له أثناء نومه.
ضوابط الحرية وحدودها
إن الإنسان فيما هو مخيَّر فيما يفعل، لكنه ليس مخيِّرًا بطريقة مطلقة، إنما تحِدُّ من حريته أمور مهمة تنطبق على الكل.
فله أن يستخدم حريته، بحيث لا يعتدي على حريات الآخرين وحقوقهم، فلا تستخدم الحرية في إهانة الغير، ولا في السبِّ والقذف، ولا أن تُبني راحته على تعب الآخرين. وليس هو حرًا في استخدام العنف ضد غيره.
وهو أيضًا حر في حدود الالتزام بالنظام العام، والالتزام بالآداب العامة، وبقوانين البلد الذي يعيش فيه. مثال ذلك فإنه في أكثر البلاد تمسُّكًا بالحرية، لا يستطيع أحد أن يكسر قواعد المرور وإشاراته، ويقول: أنا حر أفعل ما أشاء!
هو أيضًا حُرّ في حدود وصايا الله، فلا يعصاها ويسلك حسب هواه.
وهكذا فإن المؤمنين بالحرية، ينادون بالحرية المنضبطة، وليس بالحرية المطلقة. ولهذا فإن الذي يتجاوز حدود حريته، ولا يلتزم بالوضع السليم، فإن القانون يلزمه بذلك، والعقوبة تردعه.. بل إن حرية الإنسان ينبغي ضبطها منذ الصغر. وهنا يبرز لزوم التربية والتعليم. ويقوم واجب الأسرة في ضبط حرية الطفل، بحِكمة، حتى لا ينحرف. ثم واجب المدرسة أيضًا في تعليم الطلبة قواعد الحرية وحدودها وضوابطها.
كذلك ليس الإنسان حرًا في إيذاء نفسه.
فلا يقع الإنسان في إدمان الخمر أو المخدرات أو التدخين، ويتلف صحته وإرادته، ويضيع ماله فيما يضره. ويقول أنا حر!.. كلا، ليس هو حرًا فيما يجلب له الأذى. فصحته وديعة في يديه، لا يملكها وحده، بل يملكها أيضًا المجتمع الذي رباه ورعاه، والذي هو مكلَّف بخدمته وأداء واجبه نحوه.. كذلك ليس الإنسان حرًا في أن يقتل نفسه، أي ينتحر بطريقة ما. فحياته ليست ملكًا له وحده. كما أنه ليس حرًا في كسر وصية الله القائلة: "لاَ تَقْتُلْ" (خر20: 13). والتي تنطبق أيضًا عليه من جهة نفسه كما من جهة غيره.
أنواع الحرية
في نطاق الحرية المنضبطة، توجد أنواع من الحرية، منها الحرية الشخصية، حرية الإرادة، وحرية الفكر، وحرية إبداء الرأي، وحرية الاجتماع، وحرية العقيدة، والحرية السياسية.
فالإنسان من حقه أن يفكر بحُرِّية كما يشاء. ولكن بضوابط.
فليس من حريته أن يسرح في أفكار ظالمة، أو في أفكار نجسة، وإن كانت قوانين الدولة لا تردعه من جهة هذا الفكر، فإن الضمير يوبخه، ويأمره أن يضبط فكره حتى لا يدنس نفسه..
ثم هل في حريته أن يعتنق فكرًا هدامًا؟! وإن اختار بحريته هذا الفكر، فليس من حقه أن ينشره. وإلاَ فإنه يؤذي المجتمع الذي يعيش فيه. وهنا من حقِّ الدولة أن تضبط الأفكار الهدامة التي تُبلبل أذهان الناس وتقود تصرفاتهم في اتجاه ضار.
الإنسان له حرية العقيدة، من جهة الدين أو التدين، وما يتبع ذلك من حرية العبادة.
وقد تمادَى البعض في هذه الحرية، حتى وصلوا في بعض البلاد إلى الإلحاد. كما وصلوا إلى كثير من الانحرافات العقائدية وإلى تشويش أذهان الآخرين، ونشر الشكوك في الثوابت من الأمور الإيمانية. وتجرأ بعضهم في بلاد الغرب إلى مطالبتهم بعدم تدريس الدين، لأنه لا يوافق معتقداتهم. كذلك وصل بهم الأمر إلى الشذوذ الجنسي والمطالبة باعتماد قانون من الدولة. وبعض الدول سمحت لهم بهذا كما في كندا. كما ضغطوا على بعض الهيئات الدينية لاعتماد الشذوذ وطالبوا لأنفسهم بحقوق كشواذ!
أما عن الحرية السياسية فللإنسان الحقّ في اختيار النهج السياسي الذي يوافقه، والحزب السياسي الذي يستريح لمبادئه.
كما أن له حق الانتخاب وحق الترشيح في حدود القانون. ولكن الحرية السياسية ينبغي أن تكون منضبِطة أيضًا. فلا ينضم أحد إلى نهج سياسي مدمِّر، ولا ينضم إلى حزب متمرِّد على النظام، يثير الشقاق ويدعو إلى التخريب وإلى محاولة قلب نظام الحكم.
وفي نطاق الحرية السياسية، تدخل حرية الصحافة وحرية النشر.
والمفروض في هذه الحرية أن تكون منضبطة أيضًا، بحيث لا تكون أداة تشهير بالناس، وسب البعض وقذفهم بحجة حرية الرأي. ولا يجوز للصحافة أن تخرج من الناحية الموضوعية إلى النواحي الشخصية، التي تمس أعراض الناس وسمعتهم وأمورهم الشخصية.
إن الحرية سلاح ذو حدَّيْن، فهي نافعة ولازمة إن سارت في طريق سليم وإلاّ – إذا انحرفت – فإنها تضُرّ الإنسان ومن حوله.
الحرية الحقيقية
ختامًا، ما هي الحرية الحقيقية؟ ذلك لأن هناك بعض الناس يسمون أنفسهم أي متحرِّرين، وهم يسيرون حسب هواهم في طريق خاطئ، يتحرَّرون فيه من القِيَم والثوابت..! أما الحرية الحقيقية، فهي أن يتحرَّر الإنسان من كل فكر خاطئ، ومن كل طبع رديء ومن كل شهوة منحرفة، ومن كل خطيئة.
مثل هذا الإنسان – إذا منح الحرية – فإنه سيسلك فيها بأسلوب سليم نافع له ولغيره..
لذلك على طالب الحرية، أن يتحرَّر أولاً من الداخل.. وبهذا يمكنه أن يستخدم الحرية للخير.
____________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، باب الشباب تحت عنوان "مفاهيم"، بتاريخ 23/10/1992م
[2] مقال نُشر في جريدة أخبار اليوم، 27/8/2005م ونشر قداسته مقال في جريدة الجمهورية بعنوان "الحرية في وجودها، وفي حدودها" بتاريخ 27/8/2002م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال أخبار اليوم
ثالثًا: المعرفة
مفهوم المعرفة[1]
لقد أعطانا الرَّبُ عقلاً يمكنه أن يعرف، ولكنه أراد لنا أن نعرف ما يفيدنا وينفعنا.
وأيضًا ما يفيد وينفع الآخرين، أفرادًا كانوا أو جماعات غير أن المشكلة التي قابلت الإنسان منذ البدء، هي أنه أراد أن يعرف وحسب، ولو أن يعرف الشر.. كان الإنسان الأول يعرف الخير فقط. ولكنه أكل من شجرة معرفة الخير والشر.. فصار يعرف الشر أيضًا. وبهذا أضرّ نفسه.
المعرفة الضَارة
هناك معرفة ضارة جدًا، مثل التي وقع فيها أبونا آدم وأمنا حواء. وكانت النتيجة أنهما فقدا البراءة والبساطة التي كانت لهما. وعاشا في ثنائية الخير والشر، الحقّ والباطل، الحرام والحلال.. هذه الثنائية التي عاش فيها أولادهما إلى يومنا الحاضر. ولذلك ما أصدق قول الحكيم في سفر الجامعة: "وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18).
ويقصد طبعًا معرفة الإنسان بأمور تضره، ليست من صالحه. ويجمع في فكره أشياء تؤذيه. وللأسف يَدَّعي أن معرفة تلك الأمور الضارة لون من الثقافة العامة!! لذلك قال أحد الآباء الروحيين كلمة لطيفة جدًا وهي: "أحيانًا نجهد أنفسنا في معرفة أمور، لسنا نُلام في يوم الدين على جهلنا إياها".
فإن كنا لا نلام على معرفة هذه الأمور، فكم وكم يحاسبنا الله على معرفة الأمور التي تضرنا، ونتائجها السيئة علينا. ضع في ذهنك مدى نتائح تلك المعرفة الضارة.
ما يدخل في ذهنك من معارف، يؤثِّر على حواسك ومشاعرك، وقد يؤثِّر على علاقتك بالآخرين. بل الأكثر من هذا يُخَزَّن في عقلك الباطن...
ثم يخرج من عقلك الباطن، على هيئة ظنون أو أفكار أو أحلام... وإذا بهذه المعرفة التي أخذتها قد امتدت في داخلك وخارجك إلى نطاق واسع، وقد لا تستطيع أن تحِدّ انتشارها ومدى أضرارها... علينا إذًا أن نستخدم قدرة عقلنا في المعرفة، في ما ينفعنا وينفع غيرنا.
البعض يستخدم عقله في جمع معارف فانية وباطلة.
قد لا تكون في حد ذاتها خطية، ولكنها أمور تافهة تشغل عقله، وتعطِّل هذا العقل عن الانشغال بالروحيات والإلهيات، أي أنها تُعطِّل العمل الإيجابي في بناء حياتهم الروحية، وفي تعطيل ذهنهم عن التأمل النافع.
وقد ينقلون هذه المعرفة التافهة إلى الآخرين.
في أحاديثهم التي تشغل آذان الناس وأذهانهم، وبالتالي تشغل أفكارهم أيضًا، دون أية فائدة من ذلك كله إلا ضياع الوقت الذي يمكن استخدامه فيما ينفع. يا ليت عقلك لا تشغله إلا المعرفة التي تبنيه، وتكون سببًا في تقوية شخصيته، والسمو بإنسانيته ونموه الروحي... أعني المعارف التي تنفعك في أبديتك، وفي نفع الإنسانية أو المجتمع الذي تعيش فيه...
إن عقلك مثل كومبيوتر، له طاقة معيَّنة في جمع المعلومات.
فلا تشغل جزءًا كبيرًا فيه بأمور تافهة، تعطِّله عن تسجيل ما ينفعه... وهكذا لا تخَزِّن فيه إلا ما تحتاج إليه وما يلزمك في حياتك بحيث تخرج منه تلك المعرفة في الوقت المناسب، لهدف نافع... واعلم أن ما تخزِّنه في عقلك لا بد سيخرج منه أردت أو لم ترد... وربما معلومات قد خزَّنتها في عقلك الباطن منذ سنوات، تجدها تخرج من ذاكرتك في موعد لا تتوقَّعه، أو في مناسبة ما كنت تدريها.
كم من أناس بكوا بدموع بسبب معارف خزَّنوها في أذهانهم.
وقالوا يا ليتنا ما كنا عرفنا، سواء بالقراءة أو الحواس... ويحتارون كيف يمكنهم إخراج ما في ذهنهم من معلومات رسخت فيه... مثلهم في ذلك مثل الذين وقعوا في إدمان نوع من المخدرات drugs، وأصبحوا عاجزين عن الخروج من سيطرة ما قد أدمنوا عليه.
هناك ألوان من المعرفة تغيِّر نظرة الإنسان إلى كثير من الأمور، وتغيِّر نظرتهم أيضًا إلى بعض الناس.
أمنا حواء: بعد أن أخذت من الحيّة معرفة ضارة خدّاعة، تغيَّرت نظرة حواء إلى شجرة معرفة الخير والشر، التي كانت في وسط الجنة، وربما كانت تراها كل يوم... بعد ما دخل ذهن حواء من معرفة "فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ.." (تك3: 6). وبعد أن تغيَّرت نظرتها هذه إلى الشجرة، دخلت شهوة الأكل منها إلى قلبها "فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ" (تك3: 6).
مثالٌ آخر للمعرفة الضارة وهو الشك. وكما قال أحد العلماء: "سهلٌ أن يدخل الشك إلى عقل إنسان. ولكن ما أصعب خروج هذا الشك من عقله".
فإن أملت أذنك لمن يلقي في قلبك شكًا من جهة إنسان باثباتات معينة قد تكون زائفة... أو إن سمحت لنفسك أن تقرأ قراءات خطرة تشكك في الإيمان أو في الكتاب... قد تبذل جهدًا كبيرًا للخروج من هذا الشك... وقد يبقى معك فترة طويلة، إلى أن تفتقدك النعمة، فتريحك منه...
لذلك يلزم أن يدقِّق كل إنسان في اختيار مصادر معرفته.
احتفظ بنقاوة فكرك، ولا تلوِّثه بمعرفة ضارة. وينبغي أن تدقِّق كثيرًا في كل ما تقرأه، وكل ما تسمعه، وكل ما تراه. وتدقِّق أيضًا في اختيار الأصدقاء الذين يصبون معلومات في أذنيك، أو ينقلون خبرة أمور ضارة، أو أخبارًا ضارة، أو أفكارًا متعبة... ولا تسمح لكل تلك المعرفة أن تثبت في ذهنك، إلا بعد أن تتحقَّق منها تمامًا، وتعرف الحق فيها من الباطل والزيف...
ولا تظن أن الأفكار عواقر، بل ما أكثر ما تلد أفكارًا أخرى كثيرة.
بل ربما كلمة واحدة تصل إلى ذهنك، فتلد حكاية أو حكايات. وأعرف أن الوقاية من الفكر، خير بكثير من قبوله ثم محاولة التخلص منه...
واحترس جدًا من نقل المعرفة والأفكار...
ربما تصل إليك معرفة تضرُّك. وتنقلها أنت بدورك إلى غيرك فتضرُّه. ثم بعد أن تقاسي من تلك المعرفة، تحاول أن تتخلَّص منها. وربما تتخلَّص بنعمة من الرب. ولكن ما نقلته إلى الغير لا يزال ثابتًا فيه، تضرُّه معرفته... وتكون أنت مدانًا عن ضرر غيرك، لأنك كنت السبب فيه. وحينئذ لا تُتعبك خطيئتك في معرفتك، بل تُتعبك خطيئتك في نقل تلك المعرفة الضارة إلى غيرك. إنه ماضيك الذي يطاردك: المعرفة الضارة التي نشرتها.
سواء نقلتها بالكلام، أو بالكتابة، أو بطرق حسية كثيرة... ومن ذلك فإن الذين يقعون في التشهير بالغير، الذين ينقلون أخبارًا سيئة عن أخطاء الغير، أو ما يظنونها أخطاء، أو ما يخترعونها... ويل لهم إذا استيقظت ضمائرهم، وبدأت تلومهم على ما كانوا يقولونه من قبل.
ويدخل في هذا النطاق الذين يطلقون الشائعات أو ينشرونها، سواء بقصد الإيذاء، أو لمجرد التسلية الخاطئة بالتحدُّث عن أسرار الآخرين، التي يلذّ لهم الحديث عنها: إما كما هي، أو بإضافة استنتاجات، من خيالهم... وهذه الشائعات تنتشر مثل النار في القش، وتكون لها نتائجها المخرِّبة...
أنواع من المعرفة
هناك معرفة حسية تأتي عن طريق الحواس، يعرفها الناس بالنظر، أو باللمس، أو بالشم، أو بالسمع. وهناك معرفة تأتي عن طريق العقل، يعرفها بالدراسة أو الاستنتاج.
وهناك معرفة هي نوع من الكشف الإلهي أو الإعلان الإلهي.
يكشف بها الرب لقديسيه ما يريد لهم أن يعرفوه. وذلك بواسطة الروح القدس الذي قيل عنه في سفر إشعياء النبي روح الحكمة والفهم... روح المعرفة (إش11: 2). وهي التي كان يطلبها المرتِّل في صلواته قائلاً: عرِّفني طرقك، فهِّمني سبلك.
وهناك معرفة تأتي من الآخرين.
عن طريق الكتب، أو الصحف، أو الأفلام، أو وسائل الإعلام المتعددة. ومعرفة تأتي عن طريق الأصدقاء أو الزملاء.
وهناك معرفة تأتي عن طريق الشيطان.
إما يلقيها إلى أذهان الناس، كما فعل مع حواء. وقد يلقي الشيطان معرفة ما عن طريق فكر أو حلم أو بواسطة أحد جنوده... وقد تكون معرفة كاذبة. أو قد تكون صحيحة، ولكنه يستغلها من أجل غرض سيء.
وربما يسعى الإنسان بنفسه ليحصل على معرفة من الشيطان عن طريق السحر، أو استشارة الموتى أو الأرواح، أو بطرق عديدة... هذا الذي نهَى عنه الوحي الإلهي بقوله: "لاَ يُوجَدْ فِيكَ... مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ" (تث18: 10- 12). ومن أمثلة مَن وقعوا في هذا الأمر شاول الملك، حينما طلب المعرفة عن طريق صاحبة جان كانت عَرافَة في عَيْنِ دُورٍ (1صم28: 7).
ومن أمثلة هؤلاء أيضًا: مَن يلجأون إلى المنجِّمين، وإلى قارئي الكف والفنجان، وإلى ضاربي الرمل، وإلى استشارة الأرواح عن طريق التنويم المغناطيسي أو البندول، وما أشبه.. من الأمور التي وصفها الرب بأنها رِجس الأمم (تث18: 9، 12).
ما الذي تعرفه من يقينية هذه الأخبار، أو مدى استخدامها للضلالة؟! أعرف جيدًا أن الشيطان إن أعطاك معرفة ما، لا يعطيها لك مجانًا، أو بدون مقابل. ولا يعطيها بدون هدف شيطاني يريد الوصول إليه للإضرار بك، أو لجعلك تحت سلطانه أو تحت إرشاده.
معرفة من الله
إنها أعظم معرفة، هذه التي نقول عنها في القداس الغريغوري: "أعطيتني عِلم معرفتك"، هذه أيضًا التي قال عنها السيد المسيح في مناجاته للآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3). وقال أيضًا: "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ.." (يو17: 25). وقال عن تلاميذه في منحه لهم لهذه المعرفة الإلهية: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26).
إذًا هي المعرفة التي تقود إلى محبة الله، وإلى سكناه فينا.
العالم شغوف أن يبحث عن المعرفة التي تعطيه فكرة عن القمر والكواكب، بسفن الفضاء التي تكلفه أموالاً طائلة جدًا... ولكن ليس بنفس الشوق إطلاقًا إلى معرفة الله... إنه يسعد جدًا إن أحضر بعض حجارة من القمر، أو بعض صور، لأنها تعطيه بعض المعرفة عن الطبيعة التي مِن خلق الله، دون أن يسعد بمعرفة الله ذاته... ونفس الكلام يقال عن الاكتشافات التي يقوم بها الإنسان...
نوع آخر من المعرفة هو أن تعرف نفسك.
هذه الحكمة التي دعا إليها سقراط الفيلسوف: "اِعرف نفسك".
وما أعظم الفوائد التي تحصل عليها من معرفة النفس. تعرف أنك تراب ورماد، لكي تتَّضع. وتعرف خطاياك لكي تندم وتتوب وتنسحق نفسك. وتعرف طبيعتك وحروبك، لكي تنجو منها. بل تعرف مواهبك، لكي تستخدمها لتمجيد الله.
معرفة أخرى هي أن تعرف كتاب الله ووصاياه.
كما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ.." (2تي3: 15)... هذا الكتاب الذي هُوَ "... نَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ" (2تي3: 16). وهو الذي بمعرفته تعرف طريق الرب، وتعرف كيف سار فيه القديسون.
وبهذه المعرفة تدخل إلى الحكمة والتمييز.
وتعرف ما هو الخير لك، وتميِّز طريق الله وضلالة الشياطين وحِيَلهم. بل إن عرفت هذا "تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16). وبهذه المعرفة تميِّز بين الأرواح. كما قال القديس يوحنا الرسول: "لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو4: 1).
أيضًا اِعرف غيرك، لكي تعرف كيف تتعامل معه.
وهذا كما ينطبق في محيط الصداقة، وفي محيط العمل والحياة الاجتماعية، ينطبق أيضًا في محيط الأسرة. حيث يعرف كل من الزوجين طبيعة شريكه في الحياة وكيفية التعامل معه. بل ويعرف نفسية الطفل وكيف يعامله. وفي الحياة الاجتماعية يعرف نفسية المعوَّق، ونفسية العاقر، ونفسية المراهق، وكيف يتعامل مع كل هؤلاء...
اِعرف الله. واعرف أنه يراك حيثما كنت.
ويعرف أفكارك ونياتك وشهواتك وخطاياك، لكي يدركك الخجل من كل فكر شرير ومن كل شهوة بطّالة. بل ضع أمامك العبارة التي كرَّرها الرب في كل رسائله إلى ملائكة الكنائس السبع التي في آسيا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ2: 2). وبهذه المعرفة تدخل إلى قلبك مخافة الله...
تأكد من سلامة كل معرفة تصل إليك. وتأكد من فائدتها قبل أن تقبلها.
واعرف أن المعرفة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لمنفعتك. اختر إذًا هذا اللون من المعرفة.
واحترِس من المعارف التي فوق مستواك.
التي قال عنها أيوب النبي: "قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا" (أي42: 3)... فكثير من الناس يبحثون في الإلهيات فوق مستواهم فيضلون.. وكثيرون يبحثون في أمور خاصة بعالم الأرواح فتضل أفكارهم... أما أنت فتواضع.. وابحث عن الأمور التي توصلك إلى خلاص نفسك.
اهتم بمعرفة الحق. وإن عرفته اتبعه.
وما أجمل قول داود النبي في المزمور الكبير: "أرْدُدْ عَينيَّ لئلا تُعاينا الأباطيلَ" (مز119: 37). وحاول أن تعرف أيضًا احتياجات الناس، لكي تدبرها لهم. وأن تعرف طريق الخلاص، لكي تمشي فيه، وتقود الناس إليه.
المعرفة.. أهميتها وأنواعها[2]
بمناسبة ذكرى الأستاذ حبيب جرجس الذي قاد المعرفة الدينية في جيلنا، أود أن أكلِّمكم عن المعرفة: أهميتها، وأنواعها، وتاريخها، وموقفنا منها.
من أهمية المعرفة، علاقتها بالثالوث الأقدس...
فالابن هو أقنوم المعرفة، أقنوم العقل والحكمة، المذخرة فيه كل كنوز العلم والمعرفة. والروح القدس هو الناطق في الأنبياء، الذي قال عنه الابن: "يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو14: 26)، "لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20) وقال الرسول: "وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ" (يو6: 45).
الله هو مصدر المعرفة، ومن الخطأ أن نتلقَّى معرفة من غيره، فقد كانت هذه هي خطية آدم وحواء.
قبل السقوط، كانا يأخذان المعرفة من الله وحده. ثم جلست حواء مع الحية، وبدأت الحية تُعطيها معرفة من نوع آخر، غير المعرفة الصادرة من الله، التي تكلَّمت الحية ضدها قائلة: "كلا، لَنْ تَمُوتَا!" (تك3: 4).
وأكل الإنسان من شجرة معرفة الخير والشر، فعرف الشر.
كان من قبل، لا يعرف سوى الخير وحده، في بساطة المعرفة التي وضعها الله فيه. أما الآن فقد بدأ يعرف الخير والشر، أي أُضيفت إليه معرفة الشر. وكان هذا أول مثال من الكتاب عن المعرفة الضارة.
عندما خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، خلقه على صورته أيضًا في المعرفة، أراد له أن يعرف.
وهكذا وضع الله فيه الوسائط التي تساعده على المعرفة، ولعل أولها كان العقل، من صميم طبيعة الإنسان.
هذا إلى جوار المعرفة التي هي من طبيعة الروح، روح الإنسان التي تستطيع أن تفحص كل شيء، حتى أعماق الله.
وإلى جوار العقل والروح، منحه الله الضمير كمصدر للمعرفة.
وسُميَ الضمير بالشريعة الأدبية، الشريعة الداخلية، التي تعرف، وتشجع أو تمنع، ثم تحكم أيضًا. وكان ضمير الإنسان نقيًا لم يدخله الانحراف بعد...
ومنح الإنسان الوصية، كمصدر آخر للمعرفة...
وتناقل الناس الوصية عن طريق التقليد، يسلِّمها جيل لجيل.
بالتقليد (Tradition) عرف هابيل فكرة الذبيحة وقدَّم لله "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (تك4: 4) وانتقلت فكرة الذبيحة عن طريق التقليد حتى عرفتها كل شعوب العالم، وقدَّمت ذبائح، وبنت مذابح.
وعن طريق التقليد عرف العالم فكرة (بيت الله) وتدشين هذا البيت للعبادة (تك 28) وتخصيصه لله... وبالتقليد أيضًا عرف الناس الصلاة والسجود وبسط اليدين، ورفع البصر إلى السماء... وظل التقليد مصدرًا للمعرفة عبر الأجيال.
ولما ضلَّ الناس في معرفتهم، منحهم الله مصدرًا آخر هو الأنبياء، ومصدرًا آخر هو الكهنوت...
وظل الأنبياء مصدرًا قويًا للمعرفة، يحملون إلى الناس صوت الله وتحذيراته ووصاياه. أما عن الكهنوت، فقد قال الكتاب: من فم الكاهن تُطلب الشريعة "لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ" (ملا 2: 7).
وأعطى الله العالم، إلى جوار الشريعة غير المكتوبة، شريعة أخرى مكتوبة، تقرأ على الناس باستمرار، ليعرفوا ويتذكَّروا.
وكانت أول شريعة مكتوبة هي شريعة كُتبت بأصبع الله...
إن عبارة (بأصبع الله) عبارة مؤثرة جدًا وعميقة، تعطينا فكرة عن مدى اهتمام الله بالمعرفة التي يمنحها للإنسان...
وكثُرت الكتب المقدسة، تُقرأ في المجامع، وتُدرس في البيوت. وقال الله للإنسان: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ" (تث6: 6- 9).
وصار الوحي الإلهي معلِّمًا للإنسان يمنحه المعرفة وكلام الله...
لأن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ..." (2تي3: 16) والوحي كان من الروح القدس الناطق في الأنبياء.
كل هذه المصادر التي منحها الله للمعرفة، لعله من فرط محبته للبشر، لم يجدها كافية وهكذا يقول الكتاب: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عب1: 1، 2).
ليست معرفة أعمق من هذه، أن نتعلَّم من فم الله ذاته، يعِظ ويكرِز ويعلِّم، ويسمّونه عن ثقة (المعلِّم الصالح).
كان يجول في كل القرى والمدن، معلِّمًا للناس، على الجبل، على شاطئ البحيرة، وسط الحقول، في القفر، في البيوت، ينشر المعرفة اللازمة للخلاص، ويفتح أذهان تلاميذه ليفهموا.. كل هذا يدلّ على اهتمام الرب بالمعرفة وتقديمها للناس.
ومن اهتمامه بالمعرفة أن أوصى بها تلاميذه قبل صعوده.
"اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15)، "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
وبسبب المعرفة سُمِّيَ المؤمنين تلاميذًا قبل تسميتهم مسيحيين.
حتى الآباء الرسل أنفسهم، تسمّوا (تَلاَمِيذِ الرَّبِّ...).
وظل اسم (تلاميذ) هو الاسم السائد لكلِّ المؤمنين، إلى أن "دُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً" (أع11: 26).
ولهذا كله فَضَّل الرسل (خدمة الكلمة) على كل عمل.
وقالوا: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" (أع6: 4). وقال بولس الرسول: "وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16). وصار عمل الرسل أن يوصِّلوا معرفة الرب وكلماته إلى كل أحد. وهكذا تكلَّموا بكلِّ مجاهرة، و"إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" (مز19: 4)، "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا... وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ" (أع6: 7).
كان التعليم ونشر المعرفة بأسلوب الرسل، يعني نشر الإيمان. فالمعرفة الحقيقية هي معرفة الله، ومعرفة وصاياه، وخلاصه العظيم.
والربط بين التعليم والإيمان، واضح في وصية بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ.. لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 13، 16).
وقال له أيضًا: "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ..." (2تي3: 15).
إذًا هي معرفة، هدفها الخلاص...
نشر هذه المعرفة التي تقود إلى الخلاص، كان هو عمل الرسل وتلاميذهم. وكان العمل الأساسي للآباء البطاركة والأساقفة في كلِّ جيل. ويعوزنا الوقت إن تحدَّثنا عن القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس يوحنا ذهبي الفم، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس كيرلس عمود الدين، وغيرهم من الآباء البطاركة الذين كان عملهم الأول هو التعليم ونشر المعرفة اللازمة للإيمان والخلاص.
ولهذا السبب، قال الكتاب في شروط الأسقف، إنه ينبغي أن يكون "صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ" (1تي3: 2).
المعرفة الإلهية كان يطلبها داود النبي في مزاميره بقوله: "طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي..." (مز25: 4).
بهذه المعرفة يرى الإنسان كيف تتَّفِق أعماله ومشيئة الله. وهي صلاة نردِّدها جميعًا، طالبين أن يعرفنا الرب كيف نسلك... وطلبة أخرى يردِّدها داود النبي طالبًا معرفة شيء آخر: "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ" (مز39: 4)... نعم إن معرفة الموت والتأمل فيه وفي الأبدية، يجلب للإنسان الحكمة. بهذا الأمر دخل القديس الأنبا أنطونيوس في حياة الرهبنة. واقتادته حقيقة الموت إلى الزهد...
يحتاج الإنسان أيضًا أن يعرف الخير، وأن يعرف ذاته.
بهذا ينال موهبة الإفراز، ويستطيع أن يميِّز بين الحق والباطل. وإذا عرف الحق، عرف الله، لأن الله هو الحق... ومعرفة الذات هي أمر دعا إليه الفلاسفة والحكماء.
على أن أعمق لون من المعرفة، هو بلا شك معرفة الله.
قال السيد المسيح لله الآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ.." (يو17: 3).
وأصدق معرفة نعرف بها الله، هي أن يكشف لنا ذاته لنعرفه، يفتح عيوننا لكي نراه، يفتح أذهاننا لكي ندرك ما يسمح لنا بإدراكه من لا نهائيته.. هذه هي المعرفة اللازمة لخلاصنا، ويجب أن نسعى إليها.
على أن هناك معرفة أخرى خاطئة، ينبغي أن نبعد عنها.
عن هذه قال الكتاب: "وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 8).
يقصد الأمور الضارة، والأمور المعثرة، التي تعكر صفاء أذهاننا، وتدنس نقاوة قلوبنا، وتُفقدنا بساطتنا، فنقول في أسفٍ: ليتنا ما عرفنا هذا الأمر. ليتنا ما سمعنا..
وهناك معرفة أخرى باطلة، ليست خطيئة في حد ذاتها، وإنما هي مضيعة للوقت فيما لا يفيد. قال أحد الروحيين: "أليس من المؤسف أن نجهد أنفسنا في معرفة أمور، لا ندان في اليوم الأخير على جهلنا إياها".
إذًا يجب علينا أن نميِّز تمامًا بين ما ينبغي لنا معرفته، مما يبني حياتنا، وما ينبغي أن نبعد عن معرفته...
والذي ليس له هذا التمييز، عليه أن يبحث عنه عند المرشدين الروحيين. فالإرشاد مصدرٌ آخر من مصادر المعرفة، إذا ما كان المرشد روحيًا وبانيًا للنفوس. إذ ليس كل إرشاد ينفع، لأن "أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 14).
من المعارف الضارة أيضًا، حب الاستطلاع لمعرفة أسرار الناس.
والحديث عن أسرار الناس لكي يعرفها الآخرون. وكل هذا دخول في خصوصيات غيرنا، ليس من حقنا أن نخوض فيه...
ليتك تُحسن انتقاء معارفك، وتختار من المعارف ما يبنيك.
وليتك فيما تقدم للناس من معرفة، تبحث عن خلاصهم، ولا تعرفهم بشيء يضرهم أو يسيء إلى نقاوتهم.
معرفة الله ومعرفة الناس[3]
الناس في معرفتهم، يعرفون بعض الأشياء عن بعض الأشياء. أما الله تبارك اسمه فإنه يعرف كل شيء عن كل شيء، لذلك فهو الوحيد الذي نقول عنه إنه "كُلي المعرفة".
وكمثال لذلك فهو يعرف الخفيات والظاهرات: يعرف ما في القلوب من مشاعر، وما في العقول من أفكار. كذلك يعرف نِيّات الناس، ما ينوون أن يفعلوه قبل أن يفعلوه..
الناس يعرفون طبائع الأشياء بالدراسة والخبرة. أما الله فإنه يعرف طبائع الأشياء. لأنه هو الذي منحها طبائعها حينما خلقها...
ومعرفة الله عن كل شيء هي معرفة مؤكَّدة، أما معرفة الإنسان عن الشيء قد تتغيَّر وقد تتطوَّر حسبما تكشفه الأيام والدراسات.
معرفة الله بدون وسائل. وبدون تدرج. وبدون اكتشاف.
الطبيب مثلاً قد يعرف المريض بكثير من الفحوصات، ومن الأشعات، ومن التحاليل، أو من السونار. أو من علامات وظواهر تبدو على المريض، أو بطرق ووسائل أخرى. وقد يبذل جهدًا ووقتًا إلى أن يصل إلى تشخيص سليم. أما الله فيعرف كل شيء للوقت، وبدون وسائل.
شركات البترول تقوم بكثير من الحفر، وإلى أعماق معينة، وبعد دراسات، حتى تعرف الأماكن التي يُخزن فيها البترول. أما الله فلا يحتاج إلى اكتشافات لكي يعرف.. بل إنه يعرف تمامًا أين يوجد هذا البترول، لأنه هو الذي وضعه في تلك الأماكن...
نفس الكلام يمكن أن يقال عن مناجم الذهب أو الماس أو المنجنيز: الناس يبذلون الجهد لكي يصلوا إلى معرفتها. أما الله فيعرف أنه يوجد كل ذلك وغيره. لأنه هو الذي وضعه في أماكنه حين خلق الطبيعة.
الله يعرف المستقبل. ولا أحد يعرف المستقبل غيره..
ونقصد الأمور التي تحدث في المستقبل. ولا يمكن معرفتها عن طريق الدراسة أو الفراسة أو الاستنتاج.. فقد يقول الطبيب عن أحد المرضى أنه سيموت بعد أسبوع على الأكثر. ويحدث ذلك فعلاً بسبب تتبُّع الطبيب لحالة المرض وتطوّره وخطواته، وليست هذه معرفة بالمستقبل!
أو قد يقول مدرس عن أحد تلاميذه أنه لا بد سيرسب في الامتحان.
كما يقول عن آخر أنه سينجح بامتياز. ويكون كلامه هذا عن معرفته بحالة كل من التلميذين ومستواه العلمي. ولا نقول عن هذا الأمر أنه معرفة بالمستقبل!
كذلك من يتنبأ بحالة الجو، عن دراسة. ويحدث ما يقوله، دون أن يعتبر كلامه نبوءة بالمعنى الصحيح، إنما هو مجرد استنتاج أو دراسة...
الله هو الوحيد الذي يعرف المستقبل. وقد يُعلن شيئًا من هذا المستقبل عن طريق أنبيائه. ولا صحة لما يقوله بعض المنجِّمين، أو قارئي الكف، أو قارئي الفنجان، أو ضاربي الرمل، وموشوشي الودَع!!
الله - كما قلنا - هو كلي المعرفة. وهو أيضًا مانح المعرفة الحقيقية وهو يمنحنا من المعرفة، ما يفيدنا، وما يلزمنا..
وهو منحنا المعرفة عن طريق الوحي. وأيضًا عن طريق الإعلان الإلهي أو الكشف الإلهيRevelation ويكشف لنا بعض المستقبل عن طريق النبوءة. أحيانًا عن طريق الرؤى الحقيقية. أو بعض الأحلام التي من عنده وتفسيرها. كما حدث مع يوسف الصدِّيق.
والشيطان قد يتظاهر بأن عنده لونًا من المعرفة. ويقدِّم بعضها عن طريق رؤى وأحلام كاذبة. أو بواسطة معاونيه من السحرة والمشعوذين.
ولكن كل المعرفة التي يقدِّمها الشيطان وأعوانه. هي معرفة مضلِّلة وخادعة. والذي يسير في طريقها. يُصاب بضرر شديد... ويُصبح ألعوبة في أيدي الشياطين. كما أن البعض معارفهم دنسة أو كاذبة.
والمعرفة على أنواع: فهناك معرفة نافعة. ومعرفة ضارة. ومعرفة تافهة... هناك معرفة عميقة. ومعرفة سطحية...
المعرفة التافهة والسطحية
هي حشو الذهن بمعلومات لا تنفعه بشيء. بل هي ضياع للوقت. وصدق ذلك الحكيم الذي قال: "من العجب أننا نرهِّق أنفسنا لمعرفة أمور كثيرة. لسنا ندان في اليوم الأخير على جهلنا إياها!" ولعل من أنواع المعرفة التافهة. سعي البعض وراء معرفة أخبار الناس. وتداول الأحاديث في أمور لا تنفع بشيء.. أو التعليق على أمور عملية من غير المتخصصين.. في كل هذه يكون الصمت أفضل من الكلام.
أما المعرفة النافعة، فإنها لازمة. وهي على أنواع:
منها معرفة الذات. كما قال الحكيم: اِعرف نفسك. ومنها المعرفة الدينية، مثل معرفة الله ووصاياه وقواعد الإيمان. أيضًا المعرفة الثقافية. وتشمل كل ألوان المعرفة التي توسِّع مَدارك الإنسان. بكل المعلومات النافعة لحياته، والمرشدة له في علاقاته الاجتماعية. كما أنها تنمِّي فهمه وتدرِّب ذكاءه.
ولا يوجد أحد يستغنَى عن المعرفة التي تسمَّى أيضًا بالعلم. والمعرفة نور يضيء الطريق. أما الجاهل فيسلك في الظلمة.
ولنبدأ حاليًا بعبارة (اِعرف نفسك)
اِعرف أنك مخلوق من تراب الأرض. فلا تتصرَّف في عجرفة وفي خيلاء. ولا تمشِ في الأرض مرحًا، ولا تتعالَ على غيرك.. اِعرف أيضًا أنك من روح وجسد. فالجسد له ضعفاته وغرائزه، فاحترس منها. والروح لها سموّها، فأعطها مجالها، ولا تحبسها في سجن الجسد. بل أعطها غذاءها الروحي الذي تحتاج إليه.
اِعرف طباعك، وما يمكن أن يبقَى منها، وما يجب أن يتغيَّر، اِعرف نقائصك وأخطاءك. لكيما تُصلح نفسك، وتتحوَّل في كل شيء إلى أفضل. لأنك لو عشت تائهًا عن ذاتك. ستبقى حيث أنت، بلا تغيير، بنفس العيوب التي يلاحظها الناس فيك..!
اِعرف إلى أي شيء تنجذب نفسك، وبأي الأسباب تسقط أحيانًا. لكيما تحترس ولا تعاود السقوط مرة أخرى.
اِعرف مواهبك لكي تتعهَّدها بالحفظ، وتنمِّيها. وتجعلها لخيرك ولخير الآخرين.
على أنه من أهم ما يجب أن تعرفه، هو أن تعرف الله معرفة حقيقية ليست من مجرد قراءة الكتب أو سماع العظات.
تعرف جلال الله لكي تخشع أمامه في كل حين وتهابه. وتعرف قداسة الله وصلاحه، حتى لا تجرؤ أن تخطئ قدامه حيث يراك.
وتعرف عناية الله بك بتذكُّرِك لأحداث كثيرة مرت بحياتك، وكانت واضحة فيها يد الله وهي تسندك وتعمل معك، وبهذا تشكر الله من أعماقك وتقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 2). تذكَّر كل ضيقة مرَّت بك، وأنقذك الله منها..
اِعرف الله السخي في عطائه، الذي يعطي الكل حتَّى غير المستحقين. الذي يعطي دون أن نطلب، ويعطي فوق ما نطلب. ويُشبع الكل من رضاه..
اِعرف الله الديان العادل، الذي ستقف أمامه في اليوم الأخير، لكي تقدِّم حسابًا عن كل ما عملته وما نويت أن تعمله. كما تقدم حسابًا له عن كلِّ أفكارك، وكل مشاعرك. فإنك إن عرفت هذا جيدًا وتذكَّرته. سوف يكون بالضرورة محترسًا قلبًا وعقلاً وعملاً.
صلِّ في كل يوم.. وقل له: "عرِّفني يا رب طرقك. فهِّمني سبلك.. أرشدني إلى العمل بوصاياك. أنر طريقك قدامي لكي لا أضل عنك... اكشف عن عيني. لأرى سموًا في وصاياك، ومتعة في الحياة معك... وكما تعطيني علم معرفتك، أعطني أيضًا محبة الخير. وأعطني الإرادة والقوة، لكي أسلك كما ينبغي. ولا أضعف أمام المقاومات..
وأبعد عني أنواع المعرفة التي تُبعدني عنك. ذلك لأن فلاسفة كثيرين كانوا ذوي فكر. ولكنهم ضلّوا عن معرفة الله. بل أنكروا وجوده!!
كذلك أبعد عني المعرفة التي تنفُخ. التي تصيب صاحبها بالكبرياء والخيلاء، فيتخيَّل أنه يعرف أكثر من غيره. ويتباهَى بالمعرفة. ويظن أنه أكثر معرفة من غيره، وينظر في استصغار إلى غير العارفين..!".
إن مصادر المعرفة كثيرة جدًا، وبخاصة في أيامنا التي اشتهرت بثورة المعلومات. ومنها الإنترنت، والكومبيوتر، وبنوك المعلومات..
بالإضافة إلى وسائل الإعلام المتعدِّدة من الإذاعة وقنوات التليفزيون الكثيرة. وانتشار الطباعة والمطبوعات: من كتب وجرائد ومجلات ونبذات. والعديد من دوائر المعارف: بعضها عامة. وبعضها في تخصُّصات معيَّنة.. وكل علم من العلوم. وكل فن من الفنون، نشرت عنه مؤلفات وكتب. بالإضافة إلى البحوث التي تقوم بها الجامعات وكافة الهيئات العلمية.
مادة المعرفة إذًا موجودة بوفرة شديدة في كل فروعها. ولا عائق أمام طالب المعرفة. إذ يجد كل شيء معروضًا أمامه. وأحيانًا بالصوت والصورة. وما عليه إلا أن ينتقي من كل ذلك ما يشاء.. ودور العلم مفتوحة لمن يريد لونًا خاصًا من المعرفة. يدرسه أو يحصل فيه على درجة علمية، أو يقدِّم بحثًا فيه الجديد من المعرفة.. وقد انتشرت المعرفة أيضًا بحركات واسعة من الترجمات إلى عديد من اللغات، لكي تصل سهلة مفهومة إلى بلدانٍ أخرى تتكلَّم بلسان آخر غير الذي وُضعت به المؤلفات في أصلها.
والقراءة وسيلة هامة في الحصول على المعرفة...
وقديمًا كانت القراءة محصورة في المخطوطات وهي قليلة وغير متوافرة. أما الآن فإن الطباعة قد فتحت المجال واسعًا أمام القُرّاء. وأصبحت المكتبات عامرة بكل أنواع الكتب. وصارت القراءة ميسَّرة. وبالقراءة يمكن أن يتثقَّف كل مَن يقرأ، ويزداد معرفة..
إذًا الأمر الآن ليس هو مجرد المعرفة، إنما النموّ في المعرفة أيضًا. وعن طريق الـ CD يمكن أن يحصل الإنسان على أكثر من مائة من المقالات مسجَّلة أو أكثر، في كل واحدة منها. إن العالم الآن يسهِّل طريقة الحصول على المعرفة، على كل فرد يريد. في أي لون من المعرفة يشاء...
هناك وسائل أخرى للمعرفة، وهي المشورة، والخبرة..
بالمشورة يمكن الحصول على المعرفة من الآخرين، سواء من الذين اتَّصفوا بالعلم عن طريق دراساتهم وإنتاجهم الفكري، أو من الشيوخ الذين بعامل السن قد اختبروا الحياة، وعرفوا حلوها ومُرّها، ويمكنهم أن ينقلوا خبرتهم العملية إلى غيرهم. وسعيد هو مَن يسأل ويستشير، فيستفيد من خبرة غيره ومعرفته.
على أن الإنسان يمكنه – بخبرته الشخصية – أن يكتسب لونًا من المعرفة لم يكن له من قبل. وكلما ازداد في الخبرة، ازداد معرفة.
وغالبًا ما تكون الخبرة العملية أكثر عمقًا وتأثيرًا من المعرفة النظرية. ومن هنا كان المثل السائر "اِسأل مجربًا، ولا تسأل طبيبًا"...
والمعرفة شرط لازم للذين يتولون القيادة...
سواء كان ذلك في محيط الأسرة من حيث تربية الأبناء ومعرفة أساليب التربية لكل مرحلة من مراحل العمر. أو من حيث القائمين بمهنة التعليم في المدارس، أو المشرفين الاجتماعيين في مراكز الشباب. أو المعرفة اللازمة لكل مَن يتولَّى منصبًا إداريًا أو قياديًا في أية مؤسسة اجتماعية أو إداره حكومية أو عمل خاص. بالمعرفة ينال المدير احترام مرؤوسيه، وبالمعرفة يمكن أن يؤدي واجبه في العمل أداءً حسنًا بكل توفيق.
يبقَى هناك لون من المعرفة سيتم في العالم الآخر.
هو طبيعة الحياة في الأبدية. ثم التعارف بين كل الذين سوف يعيشون معًا في ذلك العالم الجديد علينا.. يخيل إليَّ ملاكًا سيتولَّى تعريف الأرواح بكل من هناك: يُعرِّفهم بالملائكة ورؤساء الملائكة، وبالأنبياء والرسل والرعاة كل واحد من هؤلاء باسمه، وما قد أَهَّلَهُ للدخول في عالم الأحياء. كما يُعرِّفهم أيضًا بأسماء الشهداء والشهيدات، وأسماء الأبرار جميعًا، وحياة كل واحد منهم على الأرض. تُرى كم من الزمن يحتاج حفل التعارف هذا؟!
معرفة الشر[4]
معرفة الشر؟ ما هي وما هي أضرارها؟
قالت الحية لأمنا حواء عن ثمر شجرة معرفة الخير والشر: "يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5). فلما أكلا من الشجرة "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ" (تك3: 7).
كان آدم وحواء - قبل الخطيئة - لا يعرفان إلا الخير وحده. فلما أكلا من الثمرة المحرَّمة أضيفت إليهما معرفة الشر.
ذلك لأنهما أكلا من شجرة معرفة الخير والشر.
فقدا بساطتهما الأولى بمعرفة الشر. وكانت أول معرفة لهما، أنهما عرفا أنهما عريانان. بينما كانا من قبل عريانين وكانا لا يخجلان (تك2: 25). ولعل هذه كانت معرفة الجنس (النوع) Gender التي قادت إلى معرفة الجنس Sex.
هناك أمور معرفتها تضرّ، أو أنها تُعثِر. أو أنها معرفة تقود إلى معرفة الشر. وصدق الكتاب حينما قال: "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18).
والمقصود بذلك: الذي يزداد علمًا بالأمور الضارة أو المُعثِرة. معرفة الشر عند الإنسان الأول كانت قليلة. أما الآن فالإنسان بدأ "يزداد علمًا" بها، أي بكل ما يُدنِّس فكره ويُعكِّر ذهنه. لأنه دخل في معرفة الشر "المُلبِس الموت" كما يقول القداس الإلهي. ونريد الآن أن نعرف من أين تأتي معرفة الشر.
مصادر معرفة الشر
تأتي هذه المعرفة من البيئة الشريرة، والقراءات المنحرفة، والصداقة الرديئة. الإنسان يمكن أن يعرف الشر عن طريق الجرائد والمجلات. ولست أقصد كلها.
ولكن البعض منها يشمل معرفة للشر، وبخاصة للذي يريد أن يبحث عن هذه المعرفة!
تأتي أيضًا عن طريق أجزاء من التليفزيون، ومن الإنترنت، ومن الكومبيوتر... وتأتي عن طريق أماكن اللهو، وبعض أفلام السينما.
وتأتي أيضًا عن طريق القصص البوليسية، وقصص الجريمة، وأفلام العنف. وتأتي كذلك عن طريق التوجيه المنحرف من قادة منحرفين. ولا أنسى تلميذًا لي منذ أكثر من خمسين عامًا سألته عن مثله الأعلى، فأجابني "أرسين لوبين"! وهو اللص البوليسي الظريف... حاليًا توجد أسماء أخرى تحل محله، بنفس الأسلوب. أسلوب اللص الذي لا يرتكب جريمة. ولكنه قد يقتحم البيوت لكي يأخذ منها أدلة تساعد على كشف جريمة...
حاليًا المعرفة - عن طريق العلم - وصلت إلى أمور عجيبة، يعرف الناس بعضها ويمارسونها.
يعرفون مثلاً بنوك "البويضات المخصبة". ويأخذون منها حسب طلبهم لكي توضع في رحم الأم لتلد حسب طلبها، على الرغم من أن البويضة لم تُخَصَّب عن طريق زوج هذه الأم!! مما نحرِّمه دينيًا، لأن الابن الذي تنجبه هذه الأم لا يعرف له أبًا! وتكون أمه مجرد حاضنة وليست أمًا!
والعلم قدَّم لنا أيضًا الاستنساخ، مما لا يوافق عليه الدين أيضًا. ولكن العلماء يستمرّون فيه، محاولين أن يتدرجوا ليس فقط من استنساخ الأغنام أو البهائم، بل الإنسان أيضًا.
في فترة مضت قدَّموا للناس معرفة المستقبل عن طريق (البندول).
وأيضًا معرفة الاتصال (بالأرواح!) عن طريق التنويم المغناطيسي. باستخدام (وسيط) يكون تحت قيادة المنوِّم المغناطيسي!
وحاليًا لا تزال هناك طرق أخرى مثل قراءة الكف، أو قراءة (الفنجان) أو معرفة المستقبل عن طريق النجوم والأبراج.
وللأسف يوجد كثيرون يؤمنون بهذه الغيبيات، ويتَّخذونها وسيلة للمعرفة، ويمارسونها ويتأثرون بها. وحتى في الزواج، تحاول الزوجة مثلاً أن تعرف هل برج طالب الزواج يتَّفق مع بُرجها أم لا! إنها معرفة توجّه بعض العقول التي تؤمن بها. ولكن المؤمن الحقيقي لا يؤمن بهذه المعرفة، ويرفضها. وإن وصلت إليه لا يقبلها.
قصة عن القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم الأسبق.
قبل القانون الذي صدر سنة 1955م بتحويل قضايا الزواج والطلاق إلى محاكم الأحوال الشخصية، كانت أمثال هذه القضايا تُعرَض على المجالس الإكليريكية التي يرأسها المطران أو الأسقف في إيبارشيته، أو المجلس الملّي في القاهرة والإسكندرية.
فحدث أن قضية أحوال شخصية خاصة بالفيوم، قام المحامي برفعها على نيافة الأنبا أبرآم القديس. وقال له "يا سيدنا إن الزوج تزوج هذه المرأة على أنها بنت فوجدها ست". فقال له الأسقف "وماله يا بني هو مش عايز ست بيت، تخدمه!" فقال المحامي "لا يا سيدنا، هناك فرق بين البنت والست. وأخذ يشرح له. وهنا قال الأسقف القديس:
"ملعون هو اليوم الذي عرفت فيه الفرق بين البنت والست".
إلى هذه الدرجة كانت نقاوة فكره ببعده عن أمثال هذه المعرفة، التي كان بعيدًا عنها في طفولته البريئة وفي رهبنته النقية. أليس حقًا أن هناك معارف تدنِّس الفكر، وتدنِّس القلب أيضًا، وإن لم يكن في ساعة معرفتها، فعلى الأقل بعد حين. وهناك معارف أخرى لا شأن لها بخلاصنا وأبديتنا. وصدق ذلك الأب الروحاني الذي قال: "هناك أمور نبذل وقتًا وجهدًا لنصل إلى معرفتها، بينما لا ندان في اليوم الأخير على جهلنا إياها".
حتى إن لم تكن معرفة للشر، فعلى الأقل هي معارف لا تنفع روحيًا، على الرغم من أنها ليست خطية... وكثير من الناس مشغولون بمعرفة أمور تافهة، ينشغلون بقراءتها أو بسماعها أو بالجدل فيها.
معرفة الشر تُعلِّم الإنسان أين توجد الخطية، وكيفية ممارستها، وأيضًا كيفية تغطيتها، أو كيفية الهروب من مسئوليتها.
منذ أكثر من خمسين سنة نشرت مجلة الاثنين مقالاً عن مدرسة لتعليم النشل، والتدرُّب على خفة اليد بوسائل متعددة: مثل نشل أشياء من جيوب جاكتة معلَّقة، وفيها أجراس كثيرة تُحدِث صوتًا إن لمس أحد تلك الجيوب.
هناك أيضًا أفلام تعلِّم العنف، وأخرى تثير بعض الغرائز البشرية، وموسيقى تحرك أيضًا مشاعر عنيفة!
وعلينا أن نربّي أولادنا بالطريقة التي يبعدون بها عن معرفة الشر، أو على الأقل عدم التأثُّر به، وعدم السعي إلى المعرفة المنحرفة بمشاعر منحرفة!
إن معرفة الخطية شيء، ومعرفة لذة الخطية شيء آخر، بممارستها!
ولا نقصد بالخطية مجرد خطايا الجسد.. أو خطايا الحواس على أنواعها. كمعرفة التدخين مثلاً وشُرب الخمر، أو معرفة الإدمان بتعاطي مواد تدمِّر المخ، أو تتلِف الجسد...
هناك خطايا أخرى تخص الفكر، مثل الشكوك!
ليس الشك فقط في المعاملات الشخصية: مثل شك إنسان في إخلاص صديق، أو شكَّه في إخلاص زوجته نتيجة ما يصل إليه من معلومات تُتلِف فكره وتقلِّل ثقته بها.
هناك شكوك أخرى تتعلق بالدين والعقيدة...
وتكون مصدرها بعض الطوائف التي تريد أن تنشر مذاهبها، أو عن طريق غواة التعليم ونشر أفكارهم الخاصة كأنها عقائد!
بينما يقول الكتاب المقدس: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ. لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 1، 2).
وهؤلاء يقدِّمون معرفة منحرِفة، قد تقود إلى الهلاك، إذا لم تقف الكنيسة ضدها وترد عليها. إنها لونٌ من معرفة الشر.
وتأتي هذه عن طريق النشرات والكتب، وبعض الاجتماعات، وعن طريق المعلمين الكذبة. وأيضًا عن طريق "أصحاب الرياسات" الذين يدَّعون أنهم قد تلقّوا رسائل من الروح القدس!! وعليهم أن يوصِّلوها إلى الناس. ونحن لا ندري من أي روح هم! لقد قال الرسول القديس "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو4: 1).
وقال هذا الرسول القديس نفسه في التحذير من أمثال هؤلاء المعلمين الكذبة الذين لهم تعليم خارج عن تعليم الكنيسة: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ (تعليم الآباء الرسل)، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو11،10).
إن التأثُّر بالبِدع شر، والاقتناع بها ونشرها شرٌ أكبر. فالبُعد عن اجتماعات هؤلاء، هو بُعد عن معرفة الشر.
ولا تقل إنني أحضر ولا أتأثَّر ولا أتغيَّر. كلا، تتغيَّر دون أن تدري، بالمداومة على السماع. وقد تتغيَّر وتدري أنك قد تغيَّرت، وتظن أن ذلك التغيُّر هو خير...
معرفة الشر قد تأتي إلى الكبار من التحقيقات في الشر.
ما أكثر ما كنا في بساطة كبيرة – ونحن صغار - نجري لكي نحصل على بركة بعض الكبار. ثم ما لبثنا في التحقيقات أن شعرنا بأن هناك أخطاء أو خطايا تلحق هؤلاء الناس، بدأت تتعب ضمائرنا، وتُشعرنا بأننا دخلنا في معرفة الشر، إن كان لا يغيِّر حياتنا.
كذلك ما أكثر الشرور التي نعرفها عن طريق التحقيق في قضايا الأحوال الشخصية ومعرفة أسرار العائلات.
ونحن في كل ذلك نود أن نكون بعيدين عن معرفة الشر. ولكن الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ علينا (1كو9: 16). فماذا نفعل؟! هل نقول للرب: "غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟" (نش5: 3). يذكرنا الرب بأنه قد غسل أرجل التلاميذ (يو13). فلا تخافوا إذًا.
نفس معرفة الشر، كما يتعرض له الكبار في التحقيقات يتعرض له الآباء الكهنة في سماع الاعترافات.
لذلك فإن الآباء الرهبان الحريصين على نقاوة أفكارهم يمتنعون عن سماع الاعترافات وعن سماع خطايا الناس. بل إن دَعَتهم الضرورة، يكتفون فقط بالإرشاد الروحي بوجه عام...
والآباء الكهنة في العالم يُصلّون بعمق قبل سماع الاعترافات، وفي سماعها لا يدخلون في تفاصيلها التي تُعثر، والتي تبقى مدة في الذاكرة.
كذلك ما أكثر ما تدخل معرفة الشر في التدخُّل في حلِّ المشاكل.
وبخاصة إذا كان كل طرف يحاول أن يُلقي المسئولية على الطرف الآخر شارحًا ما يرتكبه من شرور، وما في نياته من شر...
ويصبّ كل ذلك في سمع الكاهن! إنها معرفة تُوجبها المسئولية. ومن الصعب أن يبعد رجال الكهنوت عنها!
ويبقى السؤال قائمًا: متى يرجع الإنسان إلى نقاوة الأطفال؟! أو متى يرجع إلى بساطة الإنسان الأول قبل أن يأكل من شجرة المعرفة؟!
قبل أن تنفتح عيناه، ويرى أن شجرة المعرفة "جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ" (تك3: 6). وللأسف ما زالت نظرة الإنسان هكذا إلى شجرة المعرفة!! وكثيرون يشتهون أن تنفتح عيونهم حسب نصيحة الحيّة (تك3: 5).
إن كانت هناك ضرورة أحيانًا إلى معرفة الشر عند البعض، فإن المعرفة الاختيارية قد تكون خطية، كمن تلوك ألسنتهم في معرفة أسرار العائلات...
أين الضرورة ههنا؟! لا توجد إلا لذَّة المعرفة الخاطئة.
فأحيانًا يوجد أشخاص مصابون بمحبة الاستطلاع! يريدون بكل وسيلة أن يعرفوا أسرار غيرهم. وأيضًا توجد ألسنة تبحث عن آذان لتصب فيها ما تعرفه من أسرار الغير، وتُفرغ فيها ما تعرفه من معلومات، وقد تكون معرفة ضارة وأيضًا قد تكون معرفة خاطئة.
كذلك توجد أقلام شغوفة بأن تكتب أسرار الغير، سواء ما تعرفه حقًا، أو ما تستنتجه، أو ما تتخيله، أو ما تريد أن تلصقه بسُمعة الغير من شرّ، حقًا كان أو باطلاً! ولكنها محبة النشر وإثارة الغير بالمعرفة.. هذه خطية المعرفة.
المفروض أننا نركِّز على معرفة الأمور التي تقودنا إلى الملكوت. ولا نقدِّم للناس معرفة تتعارض مع خلاص نفوسهم.
من المعارف المتعبة أيضًا لكثير من الناس: المعرفة الخاصة بالأمور الجنسية، أو العلاقات الخاصة بالرجل والمرأة. ومعرفة مثل هذه الأمور كثيرًا ما تقود البعض إلى فكر دنس، أو إلى مشاعر دنسة، وبخاصة إذا دخلوا في تفاصيل الأمور الجنسية وأنواعها ودرجاتها...
ومن ضمن معرفة الشر، معرفة ما يقول الناس عنا!
وبخاصة في غيبتنا. ولذلك يسمونها خطية الغيبة أو الاغتياب. وهي مسائل تُتعب الفكر، وتغيِّر النظرة إلى الناس وطريقة التعامل معهم لذلك إن سمعت كلامًا مثل هذا، لا تحاول أن تجعله يستمر فيه، بل أسكِته بأية طريقة ممكنة.
من معرفة الشر أيضًا: معرفة طرق النصب والاحتيال.
مثل من يبيع شقة لإنسان، ويكون قد باعها في نفس الوقت لإنسان آخر! وأيضًا ما أكثر طرق الغش وأنواعه. ومن أمثلته الغش في التجارة.
وفي الزواج يحدث أحيانًا نوع من الغش في (البكارة).
ومن أنواع الغش طرق كثيرة للتهرُّب من الضرائب أو من الجمارك. وهي تشمل داخلها ألونًا من الكذب ومن سرقة أموال الدولة!
وتوجد لذلك مدرسة تعلِّم ذلك من محاسبين قدامَى لهم خبرة في هذه الأمور، بحيث أن تحدث ولا تنكشف.
وهناك معرفة الغش في الامتحانات.
ويوجد طلبة مختبرون في ذلك. حدث مرة أن طالبًا كتب جزءًا كبيرًا من المقرر في ورقة صغيرة. ولما ضبطوه، وضعوا هذه الورقة في متحف الكلية لإتقانها العجيب. وعوقب الطالب طبعًا بعقوبة كبيرة.
هناك في معرفة الشر: معرفة لعب القمار.
وهذا القمار له أنواع كثيرة، وله أساتذة متخصِّصون يعرفون كيفية الغش فيه بطرق من الكسب الحرام.
وهناك من يتعلَّم اللعب في البورصة بطرق قد تضيِّع الكثيرين.
ومعرفة أخرى شريرة هي معرفة السرقة.
وهي على أنواع: ففيها من يسرقون البنوك، ومن يسرقون البيوت، ومن يسرقون الأفراد، ومن يسرقون شققًا أثناء سفر أصحابها...
من يستخدمون الـKey Master، وليس مجموعة من المفاتيح معه كما ترون في صور الكاريكاتير. ومن يتخصَّصون في فتح الخزائن، وهناك ما يسمونها (مافيا) وهي تضم مجموعات من الناس.
وكل هؤلاء لهم خبرة مبنية على ممارسة المهنة مدة طويلة. ولهم ذكاء ولهم حيل لا تخطر على بال إنسان.
وهناك طرق أخرى، مسكين من يتعلَّمها، ومن يعتادها ويحترفها.
من معرفة الشر أيضًا، معرفة التهرُّب من المسئولية.
وربما في نفس الوقت إلصاقها بالغير. وهناك يكون الشرّ شرَّين: ومن الأمور العجيبة أن من يفعل هذا، قد يرى نفسه ماهرًا. ومع ازدواج الشر الذي ارتكبه يكون سعيدًا، ويزاول التهرب من المسئولية باستمرار ما دام قد نجا من العقوبة، ولو بخطية أخرى.
مثال ذلك: رئيس مجلس إدارة شركة، يسرق مبلغًا كبيرًا من أموالها. ثم يلصق ذلك بكاتب حسابات، أو أمين خزنة، ويخرج هو شريفًا!!
هناك طرق أخرى يتعلَّمها البعض في إغواء الغير وإسقاطه.
ومن أمثلتها محاولة إغواء فتيات لتغيير دينهم، بطرق تكاد تكون معروفة أو محفوظة، ولا تُعرف إلا بعد أن تتم.
وطرق أخرى يتعلَّمها البعض للتحايل على الكبار، منها أساليب كثيرة للنفاق والمديح الكاذب والرياء.
موقفنا من معرفة الشر..
توجد معرفة للشر تقود إلى السقوط، ومعرفة أخرى تقود إلى الوقاية، وتعليم أبنائنا كيف يبتعدون عن هذا الشر وعن الخوض فيه، مُظهرين لهم الأضرار والنتائج السيئة.
ومثال ذلك كتبنا عن حيل الشيطان وعن الحروب الروحية.
ومنها أيضًا الإرشاد الروحي من أب الاعتراف لمن يعترفون عليه. وكذلك التربية المنزلية التي يقوم بها الآباء والأمهات.
وإن سقط إنسان بواسطة معرفة الشر، يحاول أن يحترس حتى لا يسقط مرة أخرى. وفي ذلك قال أحد الآباء: لا أتذكر أن الشياطين أطغوني في خطية واحدة مرتين.
كذلك فإن معرفة الشر تعطي القادة خبرة وحنكة في قيادة مَن يلتمسون منهم المشورة والإرشاد. وهكذا يكون لهم الحكمة في انتشال البعض من النار، وإنقاذ الآخرين من الوقوع في الخطية عن جهل... وأن يحترسوا من الخطايا التي تأتيهم في ثياب الحملان وهي ذئاب خاطفة. ومن الشيطان الذي يأتي في "شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ" (2كو11: 14).
_____________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 10/12/1993م
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 31/8/1979م
[3] مقال "المعرفة"، نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 21/10/2003م، كما نشر أيضًا قداسة البابا في جريدة "أخبار اليوم" مقالتين بعنوان "المعرفة" بتاريخ 33/10/2005م و29/10/2005م ولتجنب التكرار نكتفي بنشر هذا المقال
[4] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6/8/1999م، ونشر قداسته مقال بعنوان "المعرفة الضارة" في مجلة الكرازة بتاريخ 5/6/1992م، ومقال آخر في جريدة الأهرام "بعنوان معرفة الشر ما هي وما أضرارها؟" بتاريخ 23/3/2008م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا المقال
رابعًا: الحق
مفهوم الحق[1]
أول مفهوم للحقِّ أنه الصدق Truth
وكثيرًا ما كان السيد المسيح يبدأ كلامه بقوله "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ" (مت5: 18) (مت6: 2- 5- 16) (مت8: 10) وأحيانًا كان يكرر كلمة الحق، فيقول: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ" (يو5: 19- 24- 25) (يو8: 34- 51- 58).
وفي المحاكم يُقسِم الشاهد قائلاً: "أقولُ الحَقَّ، كل الحقِّ، ولا شيء غير الحقِّ".. ذلك لأن هناك قاعدة هامة وهي: "أنصاف الحقائق ليست كلها حقائق".
أو كما يقال: "أنصاف الحقائق ليست إنصافًا للحقائق"...
فقد تأتي امرأة تشكو زوجها، وتشرح كيف أنه ضربها أو أهانها.. وتترك النصف الآخر من الحقيقة وهي إغاظتها له بطريقة أثارته، فخرج عن وعيه أو فقد أعصابه، فضربها.. وهكذا تذكر ما حدث لها كأنه تصرف من الزوج، وليس مجرد رد فعل لتصرفها. أو يذكر إنسان أن الكنيسة قد عاقبته، أو أن إدارة عمله قد فصلته، دون أن يذكر السبب الذي من أجله قد عوقب أو فُصل.
المهم أن كلامه لا يعطي صورة حقيقية عما حدث. لذلك في القضايا يحدُث تحقيق. والمقصود به الوصول إلى الحقيقة.
وتتكامل الحقيقة حينما يُبحث الأمر من جميع جوانبه. ويُسمع الرأي، والرأي الآخر. ويُبحث السبب والنتيجة، وأيهما الفعل وأيهما ردّ الفعل... أما الذي يسمع من جانب واحد، فلا تتضح له الصورة الحقيقية. ولهذا يلجأ المحقِّق إلى المواجهة، أي يقف كل جانب في مواجهة الآخر.
في كل قضية تُعرَض عليك، يمكنك أن تسأل: لماذا؟
وعلى رأي المثل: "إذا عُرف السبب، بطُل العجب". فإن قال لك شخص مثلاً: "أب اعترافي منعني أن أكلِّم فلانًا".. لا تقُل في نفسك "عجبًا، هل أب الاعتراف يدعو إلى الخصام؟!". ربما لو أدركت السبب، لعرفت مثلاً أن هذا الشخص عثرة له وسبب خطيئة، أو أنه في كل مرة يلتقي به يحدِّثه عن أمور تتعب ضميره، وتسبب له أفكارًا متعبة... أو أن يثيره ويغضبه. وخلاصة القول إنه ينطبق عليه القول: "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33) أو تنطبق عليه عبارة: "فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13)، أو "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِيَ.. فِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1).
أنصاف الحقائق التي ليست هي حقائق، تنطبق أيضًا في اللاهوتيات.
مثال ذلك مَن يستخدم آية واحدة، ويترك باقي الآيات المتعلقة بالموضوع، والتي بها يتكامل فهم العقيدة. كأن يتكلم إنسان عن الإيمان وحده فيقول لك: مكتوب "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31). مثل هذا نقول له: ضع إلى جوارها قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ.." (مر16:16). وأيضًا قول القديس بطرس الرسول لليهود الذين آمنوا في يوم الخمسين "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38).
نعم، إن قال لك أحد: مكتوب، قل له: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا".
فهكذا فعل السيد الرب في التجربة على الجبل، مقدمًا الطريقة المثلى للحوار، وللرد على الأفكار.. وهكذا يكون الحق معناه الحقيقة كاملة. فإخفاء شيء منها، قد يعطي فهمًا خاطئًا...
معنى الحق أيضًا هو حقوق الإنسان
ومن هنا جاء المثل "أعطِ لكل ذي حق حقه". ومن هنا جاءت أيضًا عبارة "حقوق الإنسان Human Rights". وهكذا كانت وزارة العدل تسمى قديمًا "وزارة الحقانية". وكلية القانون تسمى "كلية الحقوق". أي التي تدَرس فيها القوانين الخاصة بحقوق الناس، ما لهم وما عليهم. هنا كلمة حق ليست بمعنى صدق. وليس عكسها الكذب أو شهادة الزور. وإنما عكسها هنا هو الظلم الذي تضيع فيه الحقوق.
ولعل من اشتقاقها هنا عبارة يستحق أو لا يستحق.
أي من حقه كذا، أو ليس من حقه. وبنفس المعنى وبَّخ اللص اليمين على الصليب زميله اللص الآخر قائلاً: "أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا.." (لو23: 41). ومن هنا أيضًا تأتي عبارة "يتناول باستحقاق من الأسرار المقدسة أو يتناول بغير استحقاق" (1كو11: 27)، أي ليس من حقه أن يتناول. فمناولة الأسرار تأخذ حقها من التوبة ونقاوة القلب. لعله بنفس المعنى قال الابن الضال لأبيه: "وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو15: 21). وقيل أيضًا: "الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ" (مت10: 10) (لو10: 7).
معنى آخر للحق، وهو أنه ضد الزيف أو ضد الباطل.
فالذهب الحقيقي غير الذهب الزائف. والزواج الحقيقي (أي الشرعي) عكس الزواج الباطل أي غير الشرعي. وهكذا يقال عن السيد المسيح إنه: "النُّورُ الْحَقِيقِيُّ" (يو1: 9). وقيل عن يوحنا المعمدان "لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ" (يو1: 8).
قال السيد المسيح عن نفسه: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ.." (يو8: 12). وقال لنا: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 14). ولكنه هو النور الحقيقي، لأنه نور في ذاته. أما نحن، فلسنا كذلك، إنما بنوره نعاين النور. نور الشمس نور حقيقي. أما نور القمر فليس كذلك، بل هو مجرد انعكاس نور الشمس عليه، وبدون نورها يصبح مظلمًا.
هكذا بالنسبة إلى الله، هو الإله الحقيقي وحده (يو17: 3).
لأن كثيرين دُعوا آلهة، كمجرد لقب، ولم يكونوا آلهة بالحقيقة. كما ورد في المزمور "اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي" (مز82: 1) وأيضًا "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ" (مز82: 6- 7).
قال الرب لموسى: "جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ" (خر7: 1). ولكن بمعنى "سيد" وليس بمعنى خالق، أو كليّ القدرة، أو موجود في كل مكان. وقيل أيضًا: "كُلَّ آلِهَةِ الشُّعُوبِ شياطين (أَصْنَامٌ)" (مز96: 5). هنا الفرق بين الحق والزيف.
وبنفس الوضع تكلَّم بولس الرسول عن الأرامل. فقال: "وَلاَ يُثَقَّلْ عَلَى الْكَنِيسَةِ، لِكَيْ تُسَاعِدَ هِيَ اللَّوَاتِي هُنَّ بِالْحَقِيقَةِ أَرَامِلُ" (1تي5: 16).
وبنفس الوضع أيضًا يمكن التكلُّم عن المؤمن الحقيقي، وأبناء الله بالحقيقة.
كثيرون لهم اسم أبناء الله، ويصلّون قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 9). ولكنهم ليسوا أبناء بالحقيقة، ولا ينطبق عليهم قول القديس يوحنا الرسول: "الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ... وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1يو3: 9) (1يو5: 18). ولا ينطبق أيضًا عليه قول الرسول عن الرب: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29).
كذلك مَن يقول إنه مؤمن، ولا يبرهن على إيمانه بأعماله. يقول القديس يعقوب عنه: "هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ؟" (يع2: 20). بل إن القديس بولس الرسول يقول عبارة خطيرة هي "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ" (2كو13: 5). بل ما أصعب تلك العبارة التي قالها الرب لملاك كنيسة ساردس: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1). كلمة حيّ هنا ليست اسمًا حقيقيًا يستحقَّه ذلك الراعي. لأنه ليس حيًا بالحقيقة، إنما هو ميت روحيًا.
هنا كلمة حق أو حقيقي بمعنى True أوGenuine تدخل في أمور عديدة.
قد يقول شخص إنه ابن في الاعتراف لكاهن معيَّن، ولا يكون ابنًا بالحقيقة لأنه لا يطيعه ولا يستشيره. وقد يقول شخص إنه قد تاب ولا يكون تائبًا بالحقيقة لأنه في كل مرة يترك الخطية، يرجع إليها مرة أخرى. وقد يقول شخص إنه يصلِّي، وهو ليس مصليًا بالحقيقة. لأنه يكلم الرب بشفتيه، وقلبه مبتعد عنه بعيدًا. وقد يقول شخص إنه صائم، وليس هو صائم بالحقيقة، إنما هو مجرد إنسان نباتي، يتناول الأطعمة النباتية ويحرص أن تكون شهية. وليس له ضبط نفس أثناء الصوم، ولا تنطبق عليه قواعده الروحية.
إنما يبدأ الحق بالقيم التي يراعيها الإنسان في حياته.
كل ما يتمشى مع القيم الروحية السامية هو حق. وكل ما يتفق والعقائد اللاهوتية السليمة هو حق. وغير ذلك زائف وزائل.
المبالغة والكذب ضد الحق والذي لا يقول الحق يقع في خطايا عديدة
فالكذب ضد الحق. والمبالغة ضد الحق. من أمثلة المبالغة أن يرسل لنا أحدهم برقية يقول فيها "شعب مدينة كذا.. يريد". بينما يكون هذا هو مجرد رأيه الشخصي أو رأي مجموعة قليلة.. وأحيانًا تكون المبالغة في استعمال كلمة (كل) إيجابًا أو سلبًا.. كأن تقول كل الآباء قالوا كذا.. أو لم يحدث أن أحدًا من كل الآباء قال كذا.. بينما صاحب هذا الرأي لم يقرأ كتابات (كل) الآباء!! إنها مبالغات بعيدة عن الحق بلا شك.. وكثيرون يخرجون عن الحق بإحدى سياستين: إما التهوين أو التهويل.
فالتهوين: هو تبسيط الأخطار بطريقة تُخرجها عن واقعها.
والتهويل: هو تضخيم الأمور بطريقة أخرى تُخرجها أيضًا عن حقيقتها.
أما الإنسان الحق، فهو الذي يكون دقيقًا تمامًا في كل ما يقول. بحيث لا ينحرف عن الحق يُمنة ولا يُسرة.
المحاباة أيضًا ضد الحق، كما أن الظلم أيضًا ضد الحق.
فإذا كان هناك مدير لعمل، وحابَى أقرباءه أو أصدقاءه، وأعطاهم ما لا يستحقون، يكون ضد الحق. كما أنه من الجانب الآخر، لو أنه ظلم أقرباءه أو أصدقاءه، ولم يعيِّنهم في وظائف، أو لم يعطهم ما يستحقونه من حقوق، يكون أيضًا ضد الحق.. مثال ذلك: قبطي يوضع في منصب كبير، فلا يعيِّن أحدًا من الأقباط، أو لا يرقّي أحدًا، حتى لا يقال عنه إنه يحابيهم. وبهذا يظلمهم، ويكون ضد الحق.. وتكون ذاته وسمعته هي المسيطرة عليه، أو عامل الخوف هو الميسطر عليه، وليس الحق!!
والحق أيضًا ضد الرياء
ذلك لأن الرياء ضد الحقيقة. لأن فيه زيفًا، إذ أن الداخل عكس الظاهر من الخارج، ولهذا السبب وبَّخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين المرائين، لأنهم كانوا مثل القبور المُبيَّضة من الخارج وفي الداخل عظام نتنه (مت 23: 27). فالمرائي يتظاهر بما ليس فيه. يعطي صورة جميلة عن نفسه، وحقيقته غير ذلك تمامًا.
النفاق أيضًا ضد الحق
لأنه مديح باطل للغير، أو دفاع باطل عنه. بينما الحقيقة غير ذلك. وما يعتقده وما يوجد في قلبه عكس ما يقوله بلسانه.
ويضيع الحق أيضًا تحت ستار المجاملة أو (الحب)!
أو تحت ستار الحب الزائف. وقد يدَّعي إنسان أنه صديق لشخص آخر، بينما يجرَّه معه إلى الهاوية، أو يشجِّعه على الخطأ، ويكون هذا التشجيع ضد الحق، يجعله يستمر فيما هو فيه من خطأ. وقد يدّعي أنه يحبه، بينما هو بهذا (الحب) الزائف يضيعه تمامًا. كالأم التي تظن أنها تحب ابنها، فتدلِّـله تدليلاً يُفسده. ولا يكون حبها له حبًا حقيقيًا له القِيَّم الحقيقية للحب. وقد يدّعي شاب أنه يحب فتاة، بينما تكون علاقته بها شهوة وليست حبًا. وتحت ستار ما يسميه (حبًا) يضيِّع أخلاقها وسُمعتها ومستقبلها. ولا يمكن أن يكون ما بينهما حبًا بالمعنى الحقيقي للحب، ما دام قد خلا من القِيَّم. وفي هذا المجال، نذكر أيضًا من يدافعون دفاعًا باطلاً عن المخطئين، وينسون قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15).
لماذا؟ لأن كليهما ضد الحق. وقد ينفُر البعض من عبارة "مُذَنِّبُ الْبَرِيءَ" إذ يرى فيها ظلمًا. ولكن ما أكثر ما يوجد مبرِّئ المذنب، ظانًا أن هذا لونًا من الإشفاق والرحمة. ولكن هذا الإشفاق ضد الحق من جهة.
ومن جهة أخرى أنه ليس إشفاقًا حقيقيًا. فالمشفق الحقيقي هو الذي يقود المذنب إلى التوبة، ومن شروط التوبة؛ الاعتراف بالذنب والإقلاع عنه. أما تبرئة المذنب فإنها تشعره بأنه لم يفعل خطأ، فيستمر فيما هو فيه، ويفقد الندم وانسحاق القلب ويكون من بَرّأَه قد أضرَّ به...
وقد يبرئ إنسان شخصًا مذنبًا، ويكون ذلك عن جهل.
ويكون هو أيضًا مُكرهة للرب، لأنه لم يبحث عن الحقيقة، أو على الأقل فعل ما هو ضد الحقيقة ولو عن جهل. وربما فيما يكون مبرئًا لشخص مذنب، مذنبًا لشخص آخر بريء، ويكون قد ظلمه بهذا وأساء إليه. وفي كل الحالات هو بعيد عن الحق، أو هو ظالم بالحقيقة... ونصيحتي لمثل هؤلاء:
دافع عن الحق، بدلاً من أن تدافع عن شخص.
وقد يكون دفاعك عنه ضد الحق... ولكي تدافع عن الحق، ينبغي أن تعرف الحق. وكثيرون ليست لهم هذه المعرفة. وقد يسيرون في جو من الشائعات. وقد يتلقون المعلومات عن أشخاص هم أيضًا ليست لهم المعرفة الحقيقية. وما أكثر ما نجد أشخاصًا يقول الواحد منهم "أنا أدافع عن الحق" بينما يكون ما يدافع عنه بعيدًا عن الحق تمامًا...
أو قد يوجد إنسان يدافع عن الحق، أو عما يظنه حقًا، بأسلوب بعيد عن الحق تمامًا.
أو يتجاوز حقه في الكلام، أو يقول كلامًا ليس من حقه أن يقوله، أو يلجأ إلى طرق التشهير والإدانة والإيذاء وجرح شعور الآخرين، أو نشر معلومات خاطئة. ويكون بذلك قد أساء إلى غيره إساءة كبيرة، ووقع في أخطاء عديدة يدينه الله عليها.
ويبدو أنه يدافع عن (الحق) بطريقة غير حقّانية!
ويمكن أن يسأل البعض "وهل من حقك أن تفعل هكذا؟!". ويكون الحق قد ضاع في دفاعه عن (الحق)، أو عما يظنه أنه حقًّا!! إذا أردتم أن تتمسَّكوا بالحق، اِبعدوا عن الشائعات. ولا تصدِّقوا كل خبر يصل إليكم وتذكروا أن الذي ضد الحق، هو ضد الله نفسه. فلماذا؟
لأن الله هو الحق. هو الحق المطلق.
قال السيد المسيح له المجد: "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو8: 32). وقال أيضًا: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). فالذي يبعد عن الحق، إنما يبعد عن الله. وهنا الخطورة. والإنسان الحقّاني هو إنسان عادل. وإنسان له قِيَم في الحياة يسير بموجبها. والإنسان الحقاني فيه روح الله، لأنه رُوحُ الْحَقِّ (يو14: 17) (يو15: 26). إذًا البعيد عن الحق، بعيد عن روح الله. الذي ينفصل عن الحق، ينفصل عن الله. كذلك الإنسان الحقّاني لا يكيل بكيلين: لمحبيه بكيل، ولغيرهم بكيل آخر. ويكون في ذلك قد انفصل أيضًا عن الحق. لما انفصل الشيطان عن عشرة الله، قال عنه الرب إنه كَذَّابٌ وأبٌ لكلِّ كذّاب (يو8: 44). وقال عنه: "ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ" (يو8: 44).
انظروا أية عقوبة عوقب بها حنانيا وسفيرة لأنهما لم يقولا الحق.
وقال القديس بطرس لحنانيا: "أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللهِ" (أع5: 4).
كلمة الحق قد تعني أحيانًا البر
الذي يوافق وصية الله، والسلوك بالروح.. وهكذا يقول القديس يوحنا الرسول: "لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ" (3يو4). وعبارة "يعطي كل ذي حق حقه" أي يعطيه نصيبه الذي يستحقه.
قوة الحق
كلمة الحقِّ لها قوتها، حتى إن صدرت من طفل!
لأن كلمة الحق، قد تكون كلمة الله على فمه. وكلمة الله قوية، ولا ترجع فارغة (إش55: 11). قد يقول البعض إن الظلم هو السائد على الأرض، كما شكا من ذلك إرميا النبي وقال: ".. لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!؟" (إر12: 1). ولكنه نجاح مزيف، وإلى حين، ولا بد أن الحق سينجح أخيرًا.
وفي ذلك قال القديس أغسطينوس: إن هؤلاء الأشرار كالدخان الذي يرتفع إلى فوق، بينما النار باقية أسفل.. ولكن الدخان فيما يرتفع وينتشر، يتبدد. وتبقى النار في قوَّتها.
والذي يهتم بالحق وقوته، عليه أن ينتظر.
لقد بدا أن الباطل انتصر على يوسف الصديق، وضاع الحق.. ولكن بعد حين انتصر يوسف.. الباطل ألقَى دانيال في جب الأسود، وبدا أنه انتصر. ولكن إلى حين، ثم انقلب الموقف إلى الضِد تمامًا (دا 6). ونفس الوضع بالنسبة إلى مردخاي وهامان. لقد بدا أن الباطل قد انتصر. وأعدَّ هامان صليبًا ليصلب عليه مردخاي. وتغيَّر الموقف وصلب عليه هامان (أس 7: 10).
الحقُّ، وأنواع من الحقوق[2]
كلمة الحق لها ثلاث معانٍ روحية، وهي:
1- الحق بمعنى الصدق Truthكما في عبارة: (أقول الحق لا أكذب).
2- الحق هو ما يستحقه الإنسان أي الذي له. وهنا بمعنى كلمة Right.
ومن هنا جاءت عبارة حقوق الإنسان Human Right.
والإنسان الحقّاني هو الذي يقيم الحق، ويحكم بالحق. أي أنه إنسان عادل.
والكلية في الجامعة الخاصة بالقانون هي كلية الحقوق، أي التي تُدَرِّس حق كل إنسان وما له وما عليه. وقديمًا كانت وزارة العدل تُسَمَّى وزارة الحقّانية. وفي المحاكم ينبغي على الشاهد (أن يقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق).
3- والحق أيضًا هو الله، في المسيحية، وأيضًا في الإسلام. ففي المسيحية يقول الرب: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). وفي الإسلام: "الله هو القدوس والحق والسلام"... من أجل ذلك فإن من يدافع عن الحق يدافع الحق عنه، أي: "الله يدافع عنه". أي من يقف إلى جوار الحق إنما يقف إلى جوار الله. والله يعينه وينصره.
من أجل كل هذا وُجِدت هيئات لحقوق الإنسان تدافع عنه. أيضًا عن حقوق الدولة، كما في موضوع ماء النيل وتوزيعه. وقد ضُبِطَ الحق بقوانين تدخل في جميع التفصيلات الخاصة بها، توضِّح المنازعات بين أصحاب الحقوق.
أنواع من الحقوق
لكل إنسان الحق في الحياة، ولا يجوز لأي أحد أن يحرمه من هذه الحياة، كأن يقتله مثلاً، فالكتاب المقدس يقول: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 6). أي يوجد إنسان (وهو القاضي) يأمر بسفك دم هذا القاتل.
ويدخل في حدود القتل: الاجهاض. وهو قتل نفس حتَّى قبل أن تخرج من البطن. والجنين هو نفس حية من حقها أن تستمر في الحياة، ومن حق الحياة أن يكفل المجتمع لكل إنسان حقه في الأكل والشرب الذي تتوقَّف عليه الحياة. وحقه أيضًا في العلاج. فلا يتركه المجتمع لكي يموت. وإنما تتكفَّل بالطب والدواء. ومن هنا فإنني أقابل بالإعجاب مستشفى سرطان الأطفال. وكذلك المستشفيات المتعدِّدة التي تعالج السرطانات، وأمراض الجُزام، وأمراض السُل... كل تلك الأمراض التي تهدد حياة الإنسان بدرجة خطيرة، وأمثالها.
ومن حقوق الإنسان: حقه في العدل والمساواة، وحق التقاضي. وحق الحرية بحيث لا تكون لون من التسيُّب، أو أن يستخدم الإنسان حريته ضد حقوق الآخرين وحرياتهم، ويدخل في نطاق الحرية: حرية الفكر والتعبير عن الرأي، بحيث لا يتناول هذا التعبير الإيذاء بالآخرين أو بنظام الدولة.
ومن حقوق الإنسان: حق الزواج؛ بحيث أن يكون زواجًا سليمًا لا يصطدم بقانون أو بعقيدة أو بخطأ اجتماعي.
ومن حقوق الإنسان: حق العمل؛ وفي ذلك من حق الأجير أن يأخذ أجره بغير إجحاف به، أو ظُلمُه بما يتناسب مع تعبه.
ومن الحقوق أيضًا: حق الفقير على المجتمع. فلا يُهمله المجتمع ويتغاضى عنه حتى يضيع، أو يلجأ إلى أنواع من الخطيئة يعالِج بها فقره. وهنا أتذكَّر عبارة قالها أحد الأدباء الروحيين وهي: "ليس المسروق بريئًا من خطيئة السرقة"، ويقصد المسروق البخيل الذي يعيش وسط الفقراء ولا يُحسِن من ماله إليهم، فيضطرون إلى سرقته لكي يعيشوا. فهم مدانون طبعًا، ولكن ذلك الغني البخيل ليس بريئًا، إذ قد دفعهم ببخله إلى سرقته.
ملاحظات
1- من المعروف أن: (كل حق يقابله واجب، أو واجبات)... فالعامل له الحق في الأجر. ولكن عليه أيضًا واجب في الإنتاج. وحقنا في عمل الوطن لأجلنا، يقابله واجب في عملنا نحن لأجل الوطن من كافة النواحي.
2- وكل إنسان من حقه أن يتمتع بكل الحقوق السابقة. ولكن (في نطاق النظام العام). فسائق العربة مثلاً من حقه أن يصل إلى هدفه. ولكن من واجبه أنه لا يكسر قواعد المرور لكي يصل.
3- إننا جميعًا نطلب الحق أمام الله. وقد قال داود النبي: "فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ" (2صم24: 14)، فالله (تبارك اسمه) هو العدل المُطلَق، وهو في نفس الوقت الرحمة المطلقة. عدله كله رحمه. ورحمته كلها عدلاً. والذي لا يجد حقه عند الناس، لا بد أنه سيجد حقه عند الله.
4- المهم في منح الحق، السرعة أيضًا في منح هذا الحق. لأنه كثيرًا ما تكون هناك نتائج سيئة جدًا نتيجة البُطء في منح الحقوق.
الحق كل الحق
ينبغي لمن يحكم بالحق أن يضع أمامه كل التفاصيل وليس بعضها أو نصفها. والمثَل يقول (أنصاف الحقائق، ليس فيها إنصاف للحقائق)، ويضربون المثل لذلك عبارة: (لا تقربوا الصلاة) وترك نصفها الآخر: (وأنتم سكارى). أو نظرية نصف الكوب الممتلئ. فالبعض يشكو من النصف الفارغ، ولا ينظر إطلاقًا إلى النصف الممتلئ. ومثله أيضًا الورد والشوك. فالبعض يُعجب بالوردة ورائحتها وشكلها ولا يلتفت إلى الشوك. والبعض يركِّز على الشوك ولا يلتفت إلى الوردة.
لهذا فقد يأتي إلى القاضي إنسان قد فُقئت إحدى عينيه نتيجة لاعتداء من شخص آخر. فلا يصح أن يحكم بظلم الشخص الآخر قبل أن يراه، إذ قد يكون قد فُقئت عيناه الاثنتان. وأيضًا نصف الحقيقة النظر إلى النتيجة. والنصف الآخر هو السبب الذي أدى إلى النتيجة.
ومن الفكاهات في هذا المجال: أن متهمًا بالسرقة وقف أمام القاضي. فسأله: ماذا أخذت؟ فقال: وجدت حبلاً ملقَى في الطريق فأخذته وسِرت، وهذه طبعًا هي نصف الحقيقة الهامة في الموضوع. وهنا قال القاضي بحزم: هل هو فقط مجرد حبل؟ فأجاب المتهم وقال: هو حبل ولكن في آخره كانت مربوطة معزاه.
من نصف الحقائق أن ننفعل بالمشاكل التي حولنا. أما النصف الآخر هو أن نقول: ربنا موجود سوف يحلّ المشاكل. من نصف الحقائق أن نذكر ما لم تفعله الدولة من أجلنا. أما النصف الآخر فهو أن نذكر ما قد فعلته من أجلنا. ونذكر أيضًا أن كل الأشياء تعمل معًا للخير.
الحق والدفاع عنه[3]
التطرُّف في فهم الحق
سعيد هو الإنسان الذي لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالحق، ولا يتصرف إلا بالحق. والمغالاة فيما تظنه حقًا ليست هي حقًا خالصًا، فإن بعض الذين يحبون الحق يتطرَّفون في فهمه. ويكون هذا التطرُّف ضد الحق، لذلك قال بعض الفلاسفة: "إن الفضيلة الحقَّة هي توازن بين نقيضين هما الإفراط والتفريط.. وهكذا فإن بعض محبي الحق يحتارون بين الوداعة والشجاعة، فالبعض قد يبالغون في الوداعة حتَّى تتحوَّل إلى ضعف وإلى ليونة في الطبع أو قد يبالغون في الشجاعة حتَّى تتحوَّل إلى تهوُّر واندفاع، بينما الحق أن يكون التصرف في حكمة فيكون الإنسان وديعًا في شجاعته، شجاعًا في وداعته، لا يتطرَّف بل يحفظ التوازن بينهما.
وأيضًا في التربية الحقَّة يحفظ التوازن بين التدليل والشدة... فليس الحنان الحقاني حبًا بلا ضابط وبلا مبالاة بالأخطاء مما يشجع على الاستمرار فيها، كذلك من الناحية العملية لا مانع من استخدام الحزم في غير عنف منفِّر.. والذي يحب الحق ويهمه الدفاع عنه يجب عليه قبل أن يأخذ حق الله من الناس أن يأخذ حق الله أولاً وقبل كل شيء من نفسه هو. وكما قال الشاعر:
يا أيها الرجل المُعلِّم غيره |
| هلاّ لنفسك كان ذا التعليم |
الدفاع عن الحق
الذي يحب الحق لا يجامل نفسه أبدًا ولا يدافع عن أخطائه ولا يبررها ولا يلتمس لنفسه الأعذار في كل سقطاته وضعفاته بل يعترف بأنه أخطأ فهذا حق...
وأيضًا لا يجامل أحد من أحبائه أو أصدقائه على حساب الحق. فإن الذي يحب الحق يفضِّل الحق أكثر من محبته لأصدقائه والذي يحب الحق له ميزان واحد يزن به كل الأفعال وكل الأشخاص، فهو بعيد عن الطائفية والتعصُّب، لا فرق عنده بين قريب وغريب، والحق عنده لا يتأرجح بعوامل تتصِّل بالدين أو الجنس أو القربة وأيضًا في حكمة على الأفعال لا يبالغ في تقدير الخطأ والصواب ويعرف تمامًا أنَّ مبرِّئ المذنب ومذنِّب البريء كلاهما غير مقبول أمام الله لأن كليهما ضد الحق.
والذي يحب الحق لا يظلم أحدًا، ولا يقبل أن يقع ظلم على أحد، حتى لو كان من الذين يعادونه. وهو لا يدين أحد في أمر من الأمور بينما يبرِّر غيره في نفس الأمر بسبب نوعية عواطفه تجاه هذا وتجاه ذاك. هو أيضًا لا مانع عنده من أن يدين نفسه في عمل من الأعمال إن كان ما عمله ضد الحق.
فالذي يدافع عن الحقِّ ينبغي أن يتأكَّد تمامًا أن ما يدافع عنه هو الحق.. لأن كثيرين يتحمسون لأمور معينة ويدافعون عنها بكل قوتهم عن جهل واندفاع، بينما لا تكون هذه الأمور حقًا في ذاتها بل تحتاج منهم إلى دراسةٍ متأنِّية ليتأكَّدوا أن الحقَّ في جانبهم في حماسهم هذا، وبالمثل من يهاجم شخصًا ما باسم الحق. ينبغي أن يتأكَّد قبل مهاجمته له من أنه قد انحرف عن طريق الحق. وإلا فإن مهاجمته له تكون لونًا من الظلم والتشهير لا يرضى عنها الحق في شيء بل يرفضها.
والذي يسير في طريق الحقِّ يكون بارًا يتحرَّر من الباطل، ومن الزيف، ومن الرياء، والتملُّق والنِفاق، ومن التظاهُر بما ليس فيه...فكل هذه أمور ضد الحق.. وأيضًا لا يكون شخصًا ذا وجهين ولا يقول غير ما يُبطِن، بل يكون صادقًا في كل ما يقول، وليعلم أن الرياء لا ينفعه بل ينكشف، كما قال الشاعر:
ثوبُ الرياء يشِفُّ عما تحته | فإذا التحفتَ به فإنك عاريٌ |
الاحتمال من أجل الحق
والذي يحب الحق يحتمل من أجله لأن كثيرين لا يحبون الحق إن كان هذا ضد أهوائهم، أو ضد مصالحهم، أو إن كان هذا الحق يكشفهم أمام غيرهم، لذلك فهم يهاجمون من يقول الحق ويحاولون أن يزيحوه من طريقهم، فعليه أن يحتمل..
على أن كلمة الحق لها قوتها حتى إن صدرت من طفل صغير.
ذلك لأن قوة الحق تنبع من ذاته لا من قائلها.. فكم تكون كلمة الحق أقوَى وأقوَى إن صدرت من إنسان مسئول له مكانته، بعكس ذلك الباطل الذي ليس له قوة في ذاته مهما كانت قوة من يدافع عنه ومهما كانت سلطته. ومع ذلك فإن العالم منذ القِدم يشهد صراعًا مستمرًا طوال الأجيال بين الحق والباطل، والمعروف أن الحق له طريق واحد ومستقيم بينما الباطل له طرق كثيرة وملتوية.
الصراع بين الحق والباطل
وفي الصراع بين الحق والباطل قد يبدو الحق منهزمًا في بادئ الأمر ولكنه لا بد أن ينتصر أخيرًا... ولكن لماذا ينهزم الحق أولاً وينتصر الباطل؟ ذلك لأن الباطل يستطيع أن يستخدم الكِذب والخداع بينما يتسامَى الحق عن هذا. وأيضًا الباطل يلجأ إلى اللف والدوران، وإلى الدس والتآمر، وقد يجذب إليه كثيرين بأساليبه المخادعة وبإغراءات ووعود ولكنه لا يستطيع أن يستمر فينتصر الحق أخيرًا..
هذا الأمر شبَّهه القديس أغسطينوس بالوقود الذي ينتُج عنه دخان ونار، فالدخان يعلو إلى فوق ويظل يعلو ويعلو وتتسع رقعته، وبينما هو يعلو وتتسع رقعته فإنه يتبدَّد أما النار فهي تبقَى تحت، ولأنها تحتفظ بقوتها وحرارتها فهي تستمر.
بين الحق والباطل..! [4]
انظر إلى قصة داود مع شاول: ترى داود يبدأ منكسِرًا ومنهزمًا أمام شاول، هاربًا منه، مهدَّدًا بالقتل بين لحظةٍ وأخرى. ولكن كيف كانت النهاية؟.. قُضيَ على شاول نهائيًا، وانتصر داود.
انظر أيضًا إلى قصة المسيحية مع الوثنية: ترى المسيحية واقعة تحت القتل والتعذيب والتشريد والاضطهاد المُرّ، كما لو كانت في طريقها إلى الفناء! ولكنها انتصرت في النهاية وانتشرت، بينما بادت الوثنية على الرغم من كل قوَّتها!
السيد المسيح نفسه على الصليب، كان يبدو "محتقرًا ومخذولاً من الناس"، مُهانًا وضعيفًا ومهزومًا أمام اليهود وخيانتهم... ولكن اليهود تشتَّتوا وزال كهنوتهم، وملك يسوع المصلوب على قلوب الكل.
إنه مجدٌ عظيم للحق أن يرتفع على الصليب. آلامه دليل أكيد على أنه في طريق الله. الضيقات التي يلاقيها الحق تصنع له أكاليل في السماء... هذه الضيقات هي أيضًا اختبار لثباته.
كل ما هو مطلوب من الحق: أن ينتظر في إيمان خلاص الرب. لا ييأس، ولا يتراجع، ولا يخور في الطريق. ولا يظن أن الله قد تخلَّى عنه، أو أن الباطل سيستمر..
إن الباطل ضعيف... إنه يخاف الحق ويرتعد منه. وحينما يضطَّهد الحق، إنما يضطَّهده خوفًا منه على مصيره. لكي يجعله يصمت فلا يكشفه، ولكنه بقدر ما يضطهده، بقدر ما يزداد الحق قوة، وبنفس القدر ينحدر الباطل إلى أسفل، وينكشف بالأكثر، ويقترب مصيره!
مسكين هو الباطل في طريقة تفكيره: يظن أن الحق للقوَّة. وكلنا نعرف أن القوَّة للحق... وهو الذي ينتصر أخيرًا.
لذلك فلا يصح أن يخاف السائرون في طريق الحق أو ييأسوا إن وجدوا أن الباطل يرتفع ويعلو، أو حتى يسود، فإن هذا كله إلى حين ولن يستمر، فلا بد أن ينتصر الحق أخيرًا وينهزم الباطل أو يزول. ينبغي أن يبقى الحق صامدًا لا يتزعزع فقوَّته في صموده وفي المعونة الإلهية التي تعاضده من فوق.
الحق والباطل[5]
صراع الحق
منذ بداية الخليقة وهناك الحق والباطل. الحق في الملائكة الأطهار، والباطل في الشيطان وأعوانه الأشرار. الحق في هابيل البار ابن أبينا آدم، والباطل في أخيه الذي قتله.. ومرَّت العصور والحق والباطل موجودان.
والعجيب أن الباطل انتشر انتشار كبير في الوثنية، وتعدُّد الآلهة، وعبادة الشمس، وعبادة الأرواح. كما انتشر الباطل في الفساد بألوانه وأنواعه.. بينما انزوى الحق بين قِلَّة تعبد الله الحق، وتتمسَّك بالإيمان والفضيلة والعمل الصالح.. وظل الحق والباطل يتصارعان على مدى العصور.
وسائل الباطل
وكثيرًا ما كان الباطل ينتصر، لأن وسائله أكثر... الباطل يستطيع أن يكذب ويغش ويخدع، والحق لا يستطيع ذلك. الباطل يمكنه أن يقسو ويبطش ويقتل ويغدر. والحق لا يستطيع أن يفعل ذلك. الباطل يلجأ إلى حبْك المؤامرات وتدبير الحِيَل المهلكة، وتغطية أعماله الخاطئة بخِدَع، بينما الحق لا يسمح له ضميره بفعل شيء من هذا كله.
الباطل يقدم لأتباعه المُغريات والنجاسات التي تُرضي غرائزه المنحرفة، والحق يرتفع عن هذا المستوى.. كما أن الحق مقيَّد بقِيَم ومبادئ ووصايا إلهية، لا يستطيع أن يخرج عن طاعتها. بينما الباطل متسيِّب يفعل ما يشاء، ويسلك حسب هواه بلا ضابط. لذلك فكل الوسائل متاحة أمامه، والباب مفتوح له في أي طريق يسلكه!
طرق وحيل وأساليب الباطل
لذلك فالباطل له أنصاره وأتباعه الكثيرون، لأنه يوصِّلهم إلى أغراضهم بشتَّى الطرق والحيل والأساليب.. يوصِّلهم بالإدِّعاء أو بالرشوة، أو بالتزوير والتزييف، أو بالاتصال بمراكز القوى وأصحاب القرار فينالون ما يشتهون!
أما الحق فطرقه ضيِّقة ومحدودة، يقول لمن يتبعونه: هذا ضد الدين، وهذا ضد القانون، وهذا ضد الأخلاق، هذا لا يليق، وهذا لا يجوز.. لذلك يبعد الناس عن الحق أحيانًا، ويتَّهمونه بأنه يعقِّد الأمور، بينما الباطل يسهِّلها! وبهذا يصبح أصحاب الباطل أكثر وينتشر الفساد.
والباطل يسمي الأخطاء بغير أسمائها، وكأنها حق!!
يسمّي التحايل بأنه لونٌ من الذكاء. ويسمّي القسوة بأنها شيءٌ من الحزم. ويسمّي البُخل بأنه حِكمة في التدبير. ويسمّي العلاقات الشبابية الخاطئة باِسم الحب. كما يسمّي المُغريات من وسائل اللهو باِسم الفن. ويعتبر سلوك كل إنسان حسب هواه بأن هذه هي الحرية. ويسمّي السبّ والقذف في الجرائد والمجلات بأنه حرية النشر والتعبير!!! وكل خطأ له عند الباطل اِسم جميل يجلب الناس إليه أو سبب معقول يبرِّرهم. انتصار الحق بالاحتمال.
على أن الباطل إن انتصر أولاً، فإن الحق ينتصر أخيرًا.
ولو بكثير من الاحتمال، لقد قال المصلي: "لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!" (إر12: 1). وأجاب القديس أغسطينوس على ذلك، فقال: "إن الباطل المنتصر يشبه الدخان الذي يرتفع إلى فوق، وتتسع دائرته ولكنه في كل ذلك يتبدَّد".
إن الاستعمار هجم على كثير من البلاد التي هي أضعف منه، وبرَّر انتشاره بأسباب سياسية واقتصادية، ثم جاء الوقت الذي انتهى فيه الاستعمار، تأسَّست مكانه دول مستقلة. في وقت من الأوقات استعمرت إنجلترا الهند، ثم حدث أن الناسك الهندي المهاتما غاندي استطاع بهدوئه وسلامه أن يحصل على استقلال الهند وتخلَّصَت من الاستعمار.
إن الحق عليه أن يحتمل بعض الوقت حتَّى ينتصر أخيرًا.
فسياسة البِيضِ حكمَت جنوب إفريقيا زمنًا مضطَّهِدة السود، ثم خرج واحد من المسجونين السود ليكون أول رئيس لجنوب إفريقيا. وهتلر دَوَّخ العالم زمنًا بقوةٍ عجيبة، واستولى على بلادٍ عديدة وصار رُعبًا في زمنه. ثم أتَى الوقت الذي انتهى فيه هتلر وانتصر الحلفاء. كذلك الشيوعية سيطَرَت على روسيا سبعين عامًا ونشرت الإلحاد. ثم بعد ذلك عاد الإيمان إليهم وانتصر على الشيوعية... حقًا إنه بعد كل ليل مظلم دامس، يأتي الفجر ثم النهار الساطع النور.
الباطل قد يعتزّ بأساليبه وبنجاحه الأول. لكن ذلك لا يستمر. بالغِش قد ينجح الطالب في الامتحان، ولكنه لا ينجح في حياته العملية. ونجاحه هو نجاح مؤقَّت، كالبخار يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ (يع4: 14). والباطل قد يقول: إن الكذب يُنجّي! ولكن ليس في كل حال، كما أن الكذب قد ينكشف فتكون النتيجة أسوأ... والطغاة قد يبطِشون بالضعفاء فيخضعون لهم إلى حين ومع ذلك فالحال لا يستمر. فما أسهل أن يثور هؤلاء على الطغاة ويتخلَّصوا من بطشهم. إن الأبَ القاسي قد يصوِّر له الباطل إنه بالشدة والعنف يربِّي بناته تربية سليمة، فيحبسهم في البيت، ويمنع عنهن كل صلة.. وربما تكون النتيجة عكسية، فيهرب البنات من سطوته إلى أي صدرٍ حنون!
صراع الحق والباطل
إن الحق والباطل قد يتصارعان حول المبادئ والقيم. وقد تختلف الموازين وتنعكس المفاهيم. فيحتار الناس أين الحق وأين الباطل؟! الكل يقول إنه على حق. حتى الباطل نفسه يدعي أنه هو الحق!! والمسألة تدور حول الخلاف في المفاهيم، أو الخلاف في الانتماء. وكل فريق ينتمي إلى مجموعة معيَّنة يقول إنها على حق.
وأحيانًا يتوقَّف ميزان الحق على القوَّة. فدائمًا يرى الفريق القوي إنه يمثِّل الحق. وأن الحق هو مصدر قوَّته. وما أعمق كلمة الزعيم سعد زغلول حينما قال: "الحقُّ فوق القوَّة". ولعله لا يقصد كل قوَّة إنما القوَّة التي هي ضد الحق. فهذه يكونُ الحق فوقها.
من أجل هذا أرسل الله أنبياءه ليعلموا ما هو الحق.
وأعطانا وصاياه الإلهية تشرح لنا ما هو الحق، كما وهب لنا الضمير. والضمير الصالح دائمًا يحكم بالحق. ولكن الباطل قد يغزو الضمير أيضًا فيضلِّله. وذلك إذا ما جعل الشهوة تنتصر علي الضمير وتصوِّر له بالباطل طريقًا آخر يسلكه ضد الحق. وأيضًا يتوه الحق إذا ما تعرض لمشورة خاطئة أو قيادة باطلة. وهكذا ورد في الكتاب المقدس قول الرَّب: يا إسرائيل "مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12).
أنصاف الحقائق والنصف الآخر للحقيقة[6]
الإنسان الحقَّاني يقول الحقيقة كلها، ولا يكتفي بذِكر نصف الحقيقة مُخفيًا النصف الآخر.
لذلك فإن الشاهد في المحكمة يُقسِم أمام القاضي بعبارة:
أُقسِم أن أقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق.
كذلك في النقد السليم criticism، يحلِّل الإنسان الموضوع أو الكتاب الذي أمامه، ويذكُر مزاياه وعيوبه، نِقاط الجودة، ونِقاط النقص أو الخطأ. ويكون مخطئًا إن اكتفى بإحدى الناحيتين دون الأخرى. أذكر أنني في إحدى المرات دُعيت من معهد في إحدى جامعات إنجلترا، متخصِّص في الدراسات الشرقية، لإلقاء محاضرة عن أولاد العسال، فكان عنوان محاضرتي هو: "ابن العسال ما له وما عليه".
ذلك لأن بعض الأقباط - من غير العارفين - يظنون أن القانون الكنسي مركَّز في كتاب "المجموع الصفوي لابن العسال". بينما ابن العسال له أخطاء جسيمة، على الرغم من المجهود الكبير الذي قام به في جمع القوانين وتصنيفها. ولكنه جمَع القوانين الصحيحة والمزوَّرة، ومعها قوانين الملوك أيضًا.. ويكفي أن الباب الرابع منه، كله تقريبًا من القوانين المزوَّرة.
حتى كتب التاريخ أيضًا، كثيرًا ما يكتبها البعض حسب اتجاهه الخاص.
ولهذا ينبغي لدارس التاريخ ألا يأخذ معلوماته من كتاب واحد، ولا حتى من مجموعة كتب تسير كلها في تيارٍ واحد. ويستتنج ماذا يكون السليم منها.
ومثلاً تاريخ كاتب شهير مثل أوريجانوس، من علماء عصره، ندرسه بنفس القاعدة: ما له، وما عليه.
وهذا هو الفارق بين من يحكم حكمًا سليمًا بعد تحليل دقيق، ومن يندفع في تيارٍ معيَّن، يتحمَّس له عن غير معرفة. لذلك انتقِد أحيانًا بعض الجرائد حينما تكتب عن (رأي المثقَّفين) مكتفية بأسماء تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، كما لو كان باقي الكتّاب وأصحاب الرأي من غير المثقَّفين!!
التكنولوجيا مثلاً، ننظر إليها أيضًا بمقياس: ما لها وما عليها.
وقد يكشف لنا المستقبل في يومٍ ما عن أضرار بعض الأجهزة التي يعجب البعض بها اليوم، مثل الـMobile phone. فمع فوائده الكثيرة في الاتصال السهل السريع، إلا أن التجربة أثبتت أنه يتسبَّب في سرطانات في الإذن وفي المخ، إذا التصق الجهاز بالجسم مباشرة، لذلك يستعمله المحترسون بواسطة cord مع بقاء الجهاز بعيدًا عن الجسم نصف متر على الأقل...
الورد يحيطه الشوك. فالبعض يعجبه الورد، ولا يحسب حسابًا للشوك. والبعض يخاف الشوك فيبعد عن الورد. وكلاهما ينظر بأنصاف الحقائق.
في الكتاب المقدس آية تقول: "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ" (أف5: 22) .
وإلى جوارها في نفس الإصحاح "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" (أف5: 25).
وطبيعي أن الرجل إذا أحب امرأته كما أحب المسيح الكنيسة، فسوف تخضع له المرأة خضوع الحب لا خضوع العبودية. إذًا لا نستخدم الآية الواحدة التي تعبِّر عن نصف الحقيقة.
قد نسمع عن فتاة قد انحرفت فنلومها بشدة.
هذه نصف الحقيقة، وربما نبحث عن النصف الآخر، فنجد أنها عاشت في بيت مُنحلّ أسريًا، ومع أب قاسي يعاملها بقسوة بالغة. فبحثت عن صدر حنون خارج البيت فانحرفت. لسنا نبرِّر انحرافها، إنما نضع صورة للحقيقة كاملة... وفيما نلوم انحرافها، نلوم في نفس الوقت أباها القاسي وأسرتها المُنحلَّة.
قد يقول شخص: المنطقة الفلانية شعبها ضال ومرتدّ.
هذه نصف الحقيقة. والنصف الآخر هو ضعف الرعاية في المنطقة وعدم الافتقاد وقلة التعليم، لذلك ضلَّ الشعب. لقد رأى السيد المسيح شعبًا كهؤلاء: "تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت 9: 36).
أحيانًا ترى إنسانًا تملَّكه الغضب والنرفزة، فتدينه.
وتنسى النصف الآخر من الحقيقة، وهو سبب نرفزته، ومَن الذي أثاره إذ لا يوجد قتيل بلا قاتل! المرأة الخاطئة التي ضبطوها في ذات الفعل، وأرادوا تنفيذ الشريعة عليها بالرجم (يو 8: 4، 5).. لا بد كان هناك رجل أخطأ معها في ذات الفعل. ولكن الكتبة والفريسيين تجاهلوا هذا النصف الثاني من الحقيقة. أما السيد المسيح فخلَّصها من أيديهم...
أبونا آدم قال للرب: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ" (تك3: 12). هذه نصف الحقيقة. أم النصف الآخر، فهو لماذا أكلت، وأمامك الوصية أخذت بها تحذيرًا من قبل بأنه "يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك2: 17). لذلك عاقبه الرب قائلاً له: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ.." (تك3: 17). المرأة هي نصف الحقيقة. والنصف الآخر لماذا سمعت لها؟
أب يعاقب ابنه. فيصرخ البعض: أين الأبوَّة؟ أين الحنان؟
فإن كان الابن عاقًا متمرِّدًا تضع النصف الآخر من الحقيقة وهو: وأيضًا أين البنوة؟! والكتاب يقول: "فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" (عب 12: 7، 8).
الذي ينظر إلى العقوبة، ويتجاهل الذنب الذي هو سبب العقوبة، ليس هو إنسانًا عادلاً، بل يعمل بأنصاف الحقائق.
وإذا كان الله يعاقب مع أنه كليّ الرحمة، فكم بالأولى الإنسان.. وإذا لم توجد عقوبة، سيوجد تسيُّب. لأن الذي لا يخاف، يفعل ما يشاء، ويتمادى فيما يفعل..
والعقوبات لم تكن في العهد القديم فقط، وإنما في العهد الجديد أيضًا.
القديس بطرس الرسول: ألم يعاقب حنانيا وسفيرة، دون أن يعطيهما فرصة للنقاش ولا للتوبة (أع 5)؟ ألم يعاقب سيمون الساحر بالهلاك (أع 8: 20). ولا تزال لعنته باقية حتى الآن... والقديس بولس الرسول: ألم يعاقب باريشوع وضربَه بالعمَى فجعله يدور ملتمسًا من يقوده بيده، وذلك لأنه قاوم كلمة الله (أع 13: 8-11).
إن أبوة الله، وكرامة الله لا ينفصلان.
إنه القائل: "فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟" (ملا1: 6) لا يجوز أن نأخذ نصف الحقيقة ونترك الباقي! إن قال أحد: أين حنان الأبوة؟ نقول له: وأين واجبات البنوة؟! في العهد القديم كان من يشتم أبًا أو أمًا، موتًا يموت (خر 21: 17).
لا ننظر فقط إلى النتيجة، بل نبحث أيضًا عن السبب.
لا تقل فقط: فلان سقط، بل فتِّش عن أسباب سقوطه. اِبحث عن حالة قلبه الداخلية، وعن العثرات التي من الخارج.
يتحدث البعض عن نشاط الطوائف. ويثور.
هذه نصف الحقيقة فأين النصف الآخر. ربما لا توجد رعاية، ربما عدد الكهنة قليل. أو ربما لا يقومون بواجبهم، أو لا يوجد من يحاسبهم. وإن حاسبهم أسقفهم وعاقب المخطئ يقولون له: أين الأبوة؟! فيجيبهم: وأين الرعاية؟! ليت مَن يحتجّ ويثور، يقرأ الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر حزقيال النبي.. إنه يعطي النصف الآخر من الحقيقة...
إنسان غني سرقه اللصوص. هذه نصف الحقيقة.
والنصف الآخر: ربما كان الغني بخيلاً لا يُنفِق على أحد. يجمع المال ويخزِّنه دون أن يعطي. ويعيش في ترف ورفاهية تثير المحتاجين المعوَزين. وويل لمن تأتي من قبله العثرات (مت 18: 7). مثل سيدة غنية تدخل إلى أحد الفنادق، ويداها مثقلتان بالذهب، وصدرها كأنه فاترينة للمجوهرات. وتصبح عثرة للصوص، فيتبعونها لأنهم أُعثروا من غناها. لا يستطيع أحد أن يبرِّأهم، ولكن في نفس الوقت نذكر النصف الآخر من الحقيقة.
لا ننسَى مطلقًا أن الغِنى الفاحش المثير الذي كان في روسيا في عهد القيصرية، كان أحد أسباب البلشفية والثورة الشيوعية، بل كان أحد أسباب الإلحاد الماركسي الذي اتَّهم الله بعدم العدل في توزيع الثروة؟!
قد يقول البعض: يوجد شباب بعيد عن الكنيسة.
هذه حقيقة لا ننكرها. ولكنها نصف الواقع. أما النصف الآخر فهو لماذا يبعد بعض الشباب عن الكنيسة؟ هل لأنه لا توجد فيها أنشطة تشغِله؟ هل لأنه لا توجد عظات وقدّاسات تشبعه؟ هل لأن العالم أكثر جاذبية له؟ هل لأنه لا توجد رعاية تحفظه؟ هل لأن الكنيسة لا تجلس مع الشباب وتحاوره في أسباب بعده؟ هل لكل هذه الأسباب مجتمعة؟ أو لبعضها؟ لا بد أن نبحث عن النصف الآخر من الحقيقة ونعالجه.
من الناحية الأخرى، قد نقول إن فلانًا خيِّر.
هذه نصف الحقيقة، وربما النصف الآخر أنه يوجد أشخاص كرماء يعطونه من عشورهم ليعطي الفقراء. وكما يقول الشاعر:
يجود علينا الخيِّرون بمالهم |
| ونحن بمال الخيِّرين نجود |
هؤلاء الذين أسماؤهم مخفاة، هم أكثر أجرًا عند الله. يشبه ذلك كثيرًا من الأغاني الشعبية، يقول المعجبون بها: هذه أغنية فلان أو أغنية فلانة. أما اسم الشاعر أو المؤلِّف الذي كتب الأغنية فقد لا يعرفونه. ولولاه ما كانت تلك الأغنية!
مثال آخر إنسان ناجح في خدمته، يمدحه الناس.
بينما هذه نصف الحقيقة. أما النصف الآخر والأهم، فهو النعمة المعطاه له، التي لولاها ما نجح في خدمته. وفي هذا قال القديس بولس الرسول: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 9، 10).
حقًا ما أكثر ما ننسى هذا النصف الآخر من الحقيقة الذي هو نعمة الله العاملة معنا. التي لولاها ما عملنا شيئًا. أو مثل شخص يمدحونه للقيام بمشروع عظيم. وهذه نصف الحقيقة. أما النصف الآخر المنسي فهو مَن اشترك معه من الناس، ولولا اشتراكهم، ما كان يتم ذلك المشروع. هنا وأذكر أبًا قد تنيَّح من الرهبان: كان إذا عمل عملاً يستحق المديح، يُشرِك معه أحد الآباء، ولو في جزء طفيف منه. حتَّى إذا ما تم العمل ونجح، ومدحه الناس عليه، يقول: البركة في الأب فلان الذي اشترك معي فيه.
يا ليتنا باستمرار، نذكر النصف الثاني من الحقيقة.
حتى فيما بيننا وبين أنفسنا: إن حوربنا بالمجد الباطل في فضائل قُمنا بها، نذكر أيضًا خطايانا ونقائصنا. وبهذا تتكامل الصورة، ولا ننسى النصف الآخر من حقيقتنا.
المفهوم الكامل للحقيقة[7]
ليس في أنصاف الحقائق أي إنصاف للحقائق..
فهي على الرغم من ظاهر صدقها! لا تعطي مفهومًا كاملاً للحقيقة كما هي.. ولذلك حسنًا أنه في الشهادة أمام المحكمة، ينص القسم الذي يقول الشاهد على أنه: "يقول الحقَّ كلَّ الحقِّ ولا شيء غير الحقِّ". وعبارة (كلُّ الحقِّ) لها معناها بلا شك..
وكمثال أنصاف الحقائق أنني في بدء رهبنتي – وأنا أتأمل في حياة الاتضاع – كتبت هذه الأبيات:
يا تراب الأرضِ يا جدّي وجدّ الناسِ طُرّا |
فلما تقدمت في حياة الروح، غيرت رأيي وقلتُ:
ما أنا طينٌ ولكن أنَا في الطينِ سكنتُ |
وفي مجموعتي الأبيات هاتين تظهر أيضًا أنصاف الحقائق، فالإنسان ليس مجرد إنسان مخلوق من تراب الأرض وحده، ولا هو مجرد روح من عند الله، إنما هو مكوَّن من الجسد والروح كليهما معًا.
موضوع أنصاف الحقائق، كما ينطبق على الكلام، كذلك ينطبق على الحياة العملية أيضًا وسنقدم لذلك الكثير من الأمثلة...
ففي محيط الأسرة
يحدث الطلاق أحيانًا. وكل من الزوج والزوجة يلقي السبب في ذلك على الطرف الآخر. فالزوجة تقول إن سوء معاملته هي السبب. بينما يقول هو إن تصرفاتها الخاطئة كانت تثيرني باستمرار. على أن هذه الاتهامات المتبادلة بين الطرفين تمثِّل نصف الحقيقة. أما النصف الثاني الأساسي، فهو أن المحبة المتبادلة التي كانت بينهما والتي هي الدافع إلى الزواج قد فترت، ثم ظلت تقلّ بالتدريج إلى أن زالت وحلَّ محلها شعور بالضيق والرغبة في الانفصال...
هناك في الحياة العملية أيضًا نصفان من الحقيقية يجب أن نذكرهما معًا، وهما:
الحق والواجب
أي الذي لك والذي عليك. فأنت مثلاً لك حق في الموضوع الفلاني، ولكن من الناحية الأخرى عليك واجب أو واجبات... وبنفس المنطق نتحدث عن:
الفعل وما يقابله من رد الفعل..
فأنت تقول من حقنا أن نضرب عدو وطننا. ونجيب بأن هذا أمر لا يُجادِل فيه أحد، ولكن النصف الثاني من الحقيقة هو أن العدو لن يظل صامتًا أمام ضربتنا، بل سيقابلها من جانبه بضربات ربما تكون أشد. فما نتائج ذلك؟ وهل ستكون في صالحنا أم ضدنا؟! إن كل شيء ينبغي أن يُحسب له حساب. والحماس للحرب ينبغي أن يوضع إلى جواره خطورة الحرب وتكاليفها ونتائجها من تخريب وتدمير وقتل...
شخص يقول: لقد ضاقت بي الحياة هنا. والأصلح لي أن أهاجر لأجد في الخارج حياة أفضل. ويقف أمام هذا الشخص النصف الآخر من الحقيقة وهو: كيف يسافر. وهل إجراءات الهجرة سهلة؟ ثم إذا سافرت إلى الخارج، هل ستجد وظيفة تليق بك، وهل شهادتك العلمية معتمَدة هناك؟ وهل ستجد سكنًا؟ وهل الوسط هناك يناسبك ويناسب أولادك وتربيتهم؟ وهل إذا ضاقت بك الحياة هناك أيضًا وفكرت أن ترجع إلى وطنك، هل ستجد عملك ومسكنك؟ فلا يصح إذًا أن يركِّز أحد على نصف واحد من الحقيقة، ويتجاهل النصف الآخر وما يشمل من نتائج.
نلاحظ في المنشغلين بالصحافة أنه كثيرًا ما يركِّز الصحفي على حرية الكتابة والنشر، ولكن النصف الثاني من الحقيقة هو أن حرية التعبير ينبغي أن يكون إلى جوارها نزاهة التعبير وصدقه. أما إذا تطوَّرت حرية التعبير إلى حرية في التشهير، فهذا أمر لا يقبله أحد.
وعلى العموم إن الحرية بوجه عام هي محبوبة ولازمة. أما النصف الآخر فهو لزوم انضباط الحرية، فالحرية غير المنضبطة لها خطورتها وأخطاؤها...
يدعو كثيرون إلى السلوك المثالي ووجوبه، وهذا حسن جدًا. ولكن النصف الآخر من الحقيقة هو العقبات والموانع التي تقف في طريق ذلك. فعلي الداعين إلى المثاليات، أن يُسهِّلوا الطريق إليها، وأن يبحثوا عن العقبات التي تعترض طريقها، ويحاولوا أن يجدوا لها حلاً.
فهناك فرقٌ كبير بين التفكير النظري والتفكير العملي..
يتحدثون عن الغواية
فيذكرون باستمرار أن سبب سقوط الرجل هو المرأة، وينسون النصف الآخر من الحقيقة وهو نوعية أخلاق الرجل! فالرجل ذو الخلق المستقيم تكون لديه حصانة داخلية ضد كل إغراءات المرأة أيًا كانت. فنقاوة قلبه تمنعه من الخطية. أما إن فسدت أخلاق الرجل، وزادت شهوته، وضعُفت إرادته، فلا يلقي سبب سقوطه على المرأة...
في الدراسة يركز غالبية الناس على واجب التلميذ ومذاكرته واجتهاده...
أما النصف الآخر من الحقيقة، فهو أيضًا المدرسة والمدرِّسون: فماذا عن اهتمام المدرس، ومدى كفاءته في الشرح والتفهيم؟ وماذا عن المدرسة والفصل الدراسي فيها يضم ستين طالبًا أو أكثر مما لا يعطي فرصة للمعلِّم أن يهتم بكل طالب! فهل نُلقي اللوم كله على التلميذ إذا لم يفهم ولم يستوعب! وبالتالي يكون عُرضة للرسوب! فإذا أضفنا إلى هذا عدم عناية الأسرة به في الدراسة، فما ذنبه؟ إن التركيز على سبب واحد في رسوب التلميذ أو ضعف تحصيله، أمر غير عملي، إنما يجب الاهتمام أيضًا بباقي الأسباب...
هناك بعض أمثلة أخرى، نذكرها باختصار وتركيز في فقرات...
محبة الوطن
هي واجبٌ مقدَّس من جهة جميع أبنائه. والنصف الآخر من الحقيقة هو واجبُ الوطن نحو أبنائه. وهذا أمرٌ على الدولة أن تقوم به، بكلِّ مؤسَّساتها التشريعية والتنفيذية والشعبية.
النظام
أمرٌ لازمٌ جدًا ومطلوب، أما النصف الآخر من الحقيقة، فهو مَن الذي يرتِّب النظام ويشرف عليه.. وأيضًا شعب يؤمن بالنظام، ويرضى بالخضوع له.
كل أمور الإصلاح يلزمها اقتراحات بنّاءة ومفيدة. ولكن من الذي يضع المقترحات؟ ومن ينفِّذها؟ يرى رجال الاقتصاد أن المال هو العصَب الأساسي لكل مشروع، ولكن إلى جوار المال لا بد من وجود اليد التي تديره وتُحسن اِتقانه بأمانة وحكمة.
الوصول إلى الحقيقة
الذي يريد أن يصل إلي الحقيقة، لا يجوز له أن يعتمد على وجهة نظر واحدة. إنما عليه أن يستمع إلى كل وجهات النظر، ويفحصها ويحلِّلها ليخرج بنتيجة سليمة، لذلك إن عرض عليك شخص أحد أوجه الحقيقة، فلا تصدِّق بسرعة بدون تحقيق، وإنما اِبحث أين الوجه الآخر؟ أو أين الأوجه الأخرى؟
إن شكا أحد من عقوبة شديدة وقعت عليه، فلا تُسرِع وتصف الذي عاقبه بالقسوة والعنف، إنما اِبحث من الناحية الأخرى عن الذنب الذي بسببه تمَّت العقوبة. فربما إن عرفته تدرك أن العقوبة كانت أقل مما يستحقه من جزاء! وحينئذ ستصف من عاقبه بالشفقة والحنو.
إن حدَّثك الربيع عن حالة الجو في إحدى البلاد، فلا تثق بأنها حالة دائمة له، إنما انصت إلى ما يقوله الصيف والخريف والشتاء. وحينئذ ستعرف ما هي طبيعة تلك البلد، لأنك لم تقتصر في معرفتك لها على جانب معيِّن في وقتٍ معيَّن.
وإن حكى أحد عن نفسه، ومدح ذاته بصفات خاصة، فلا تحكُم على شخصيته بما سمِعته منه، إنما استمع أيضًا إلى ما يقوله الناس، ثم كوِّن لك رأيًا من سماع الجانبين... كذلك لا يكفي ما يُعرف عن شخصيته وتصرفاته أمام الناس، فهذه نصف الحقيقة، والنصف الآخر هو طريقة تعامله في بيته ومع عائلته، ربما يكون هناك بطبع آخر أو بأسلوب آخر، وهذا الأمر يجب أن يتأكد منه مَن يوشك أن يدخل في خطوبة أو زواج... فقد يكون الشخص بصورة ما أمام المجتمع، وبصورة أخرى في بيته، وقد يكون في داخل قلبه وأحاسيسه شيئًا ثالثًا. وهو يجمع هذا كله! في العلَن صورة، وفي الخفاء صورة مغايرة!
الظاهر والخفي
وربما ما يعلنه إنسان عن مبادئه وأفكاره ورغباته، هو جزءٌ من الحقيقة، أما ما ينفِّذه من تلك المبادئ والأفكار فشيء آخر.. حقًا إن الأمور الظاهرة هي جزء من الحقيقة، بينما الأمور الخفية هي جزءٌ آخر وقد يكون هو الجزء الأكبر.
لا تحكم على يهوذا بصورته وهو يتبع المسيح وينشر تعاليمه، إنما ضع إلى جوارها صورته وهو يخونه، حينئذ تعرف حقيقة ذلك الرجل.. وأي صديق لك، لا تحكم على مشاعره بحالته أثناء الصفاء والرضا، إنما ضع إلى جوارها ومشاعره وانفعالاته أثناء الخلاف والغضب...
أعطِ كل إنسان حقه
وكل إنسان، أذكر له ماله وما عليه، دون أية مبالغة في فضائله أو نقائصه، حتى تُكَوِّن لك صورة متكاملة عنه. لا تقتصر على نواحي القوَّة فيه، أو نواحي الضعف، إنما تشمل الأمرين معًا.
إنَّ الاتهام يمثل نصف الحقيقة. والدفاع يمثل النصف الآخر. والقاضي العادل يستمع إلى الأمرين معًا، ويمكنه أن يستنتج الحقيقة. وبنفس الوضع ما يقال في السياسة عن التأييد والمعارضة، فكل منهما يمثل وجهة نظر، وربما يمثل جزءًا من الحقيقة، فالتأييد باستمرار في كل الحالات قد يضرّ، وكذلك المعارضة باستمرار، ولكن اجتماع التأييد والمعارضة معًا هو صورة الديمقراطية.
الحقوق والواجبات
حقوق المواطن في بلده، هي جزءٌ من الحقيقة، وواجب المواطن نحو وطنه هو الجزء الآخر، والمعروف أن كل حق قد يقابله واجب أو واجبات، هذا بالنسبة إلى الوطن بصفة عامة، ويمكن تطبيقه أيضًا في نطاق الأسرة، فالابن مثلاً له حقوق يؤديها له والداه، وفي نفس الوقت عليه واجبات حيالهما. ونطبِّق نفس المنطق على العلاقة بين الزوج والزوجة.
وفي العلاقة أيضًا مع الله تبارك اسمه، أنت تطلب منه المغفرة وهو يطلب منك التوبة، والمغفرة والتوبة متلازمتان... فلا توجد مغفرة بدون توبة، ولا توجد توبة بدون مغفرة.
الفعل وردود الفعل
ما يفعله الإنسان هو نصف الحقيقة، وردود الفعل هي النصف الآخر، فلا ينتظر شخص أن يعمل عملاً، دون أن يكون لذلك رد فعله، وعلى الإنسان الحكيم أن يحسب رد الفعل قبل أن يعمل أي عمل... وهذا الكلام نقوله أيضًا عن السبب والنتيجة، فأمور معيَّنة قد تحدُث لك، ويكون سببها تصرفات منك أدت إلى ذلك.
فإن مررت على حقل في موسم الحصاد، ووجدت فيه خيرًا كثيرًا، فاعرف أن هذا هو نتيجة طبيعية لما بُذِل لأجله في موسم الحَرثِ والبَذرِ والغَرسِ، والعكس صحيح، وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا |
| ندمت على التفريط في زمن البذر |
ونفس الوضع نقوله عن أي تلميذ في الدراسة والنجاح.. أتريد أن تنجح، هذه نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فهو أن تُذَاكر وتدرس وتراجع وتداوم على ذلك...
البداية والنهاية
قد يقول شخص: "هذه القصة جميلة، وقد بدأت قراءتها"، نقول له: انتظر حتى تصل إلى نهايتها ومغزاها لكي تحكم عليها. والكتاب المقدس يقول: "نِهَايَةُ أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ" (جا7: 8). إن البداية جزء من الحقيقة والمهم هو النهاية.
نقول هذا أيضًا على أية مباراة، لا نحكم عليها من جهة بدايتها، بل بنهايتها، وبنفس الوضع لا نستطيع أن نحكم على سياسةٍ ما إلاّ بعد أن نرى نتيجتها، هل نجحَت أم فشلت؟ والكلمة التي تقال، نحكم عليها من جهة تأثيرها ونتائجها.
قد يحزن شخص، ويقول: "تجارب كثيرة أصابتني"، فنقول له: التجربة هي نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فهو البركة التي يمنحها الله لمن يحتمل التجربة. كذلك فإن عذابات الشهداء هي نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فهو المجد الذي يمنحه الله للشهداء مكافأةً على استشهادهم.
من ناحية أخرى، ربما شخص منتحِر يرى أن الموت يخلِّصه من شقاء حياته، هذا نصف الحقيقة أما النصف الآخر فهو مصيره بعد الموت كإنسان قاتل نفسه!
U قد يقول البعض "أن الشر ينمو في الأرض"، فتقول له هذه نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر، فهو أن الخير أيضًا ينمو.. كلاهما ينموان معًا.. مع اختلاف النسبة.
سؤال: هل إخفاء بعض الحقائق يعتبر كذبًا؟[8]
الجواب: في بعض الحالات يكون الإنسان مطالبًا أمام ضميره وأمام الناس بعدم إخفاء بعض الحقائق، فلا بد أن يقول الحقَّ كلّ الحقِّ. ولكن في أحيان كثيرة لا يكون إخفاء بعض الحقائق خطيَّة، كما لا يكون فيه شيء من الكذب، ومثال ذلك:
1- كل إنسان له أسراره وخصوصياته. وليس كل إنسان مطالبًا بالحديث عن أسراره.
فإن كنت تُسأل عن أسرارك الخاصة ولا تتحدَّث عنها، فهذا من حقك. وبخاصة لأن هناك كثيرين من محبّي الاستطلاع يريدون أن يعرفوا كل شيء عن أسرار غيرهم، ويسألون أسئلة محرجة جدًا تدخل في خصوصيات حياة الآخرين ويلحّون إلحاحًا شديدًا، ويضغطون بغية المعرفة، ويحاولون أن يعصروا محدِّثهم عصرًا حتى يعرفوا كل أخباره.
هؤلاء الفضوليون أو محبو الاستطلاع من حقِّك أنك لا تجيبهم...
يمكن أن تصمت ولا تجيب، ويمكن أن تحوِّل مجرَى الحديث إلى موضوع آخر، ويمكن أن تعتذر عن الإجابة في هدوء. كذلك يمكن أن تتفادَى ملاقاة هؤلاء، أو أن تختم الجلسة معهم بطريقة ما، أو أن تنتهز فرصة حديثهم مع آخر وتنصرف. وفي كل ذلك أنت لا تكذب...
وأمثال هؤلاء ننبِّههم في هذا المقال إلى عدم التدخل في أسرار غيرهم.
لأنهم بتصرفهم هذا يكونون عثرة، إذ قد يدفعون محدِّثهم إلى الكذب بكثرة إلحاحهم وضغطهم عليه في التحدُّث عما لا يريد، أو قد يسبِّبون له إحراجًا فيتكلَّم ويندم لأنه قال!
نقطة أخرى من حقك أن تُخفي فيها بعض الحقائق وهي:
2- هناك أسرار للآخرين من واجبك أن تحافظ عليها ولا تُعلنها. وإن كنت تُخفي مثل هذه الأمور فهذه فضيلة وليست خطأ. ويمكن أن تكون صريحًا في أن تقول لا أستطيع أن أتكلم عن أسرار الناس. فالذين يلحّون في معرفة أسرار الناس يكونون عثرة لغيرهم. إن قال لك أحد منهم: لماذا تصرّ على الإخفاء؟ قل له وأنت لماذا تصرّ على معرفة أسرار غيرك؟!
بعض الذين يضطَّرون إلى الكلام، إما أن يكونوا قليلي الحيلة أو يكونوا ضعيفي الشخصية. ولا يجوز للإنسان الروحي أن يكون كذلك.
فالأسرار التي أؤتُمِنت عليها، واجب عليك أن تخفيها مهما سُئلت.
لا يحرجك أبدًا أن يقول لك سائلك إذًا.. أنتَ لا تحبني ولا تأتمنّي على السر لذلك تخفي عني؟
لا تتأثر بهذا الكلام. فعلى الرغم من قوله لك هذا، سيحترِمك في داخله لأنك تحفظ أسرار الناس. ويثق أنك بنفس الطريقة تحافظ على أسراره التي يقولها لك. وحتَّى إن تضايق، احتمل هذا من أجل أمانتك لغيرك. لأنه ليس حقًا أن تُرضي أحدًا على حساب آخر!
3- أيضًا هناك أمور ربما يكون من الضرر كشفها، أو هي من اختصاص المسئولين، يعلنونها في الوقت الذي يرونه مناسبًا.
إذًا هناك أمور من حقك أنك لا تقولها، كأسرارك الخاصة. وأمور من واجبك أن لا تقولها مثل أسرار الآخرين أو الأمور التي يسبب إعلانها ضررًا...
والإنسان الذي لا يضغط على الناس في معرفة الأسرار التي لديهم، هو إنسان رقيق واجتماعي، ويحبه الآخرون.
أما الذي يضغط لمعرفة أسرار الناس، فضغطه هذا خطية ثانية، وراءها خطايا كثيرة أخرى. فليسأل نفسه: لماذا!... حتى في الاعتراف، لا يجوز لأب الاعتراف أن يضغط لكي يعرف. إنما هو يساعد المعترف على الاعتراف، دون أن يضغط عليه. إنه أب وليس محققًا رسميًا...
أنتَ... والحق[9]
إن الله هو الحق. وقد قال عن ذاته: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6)، وقال أيضًا: "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو8: 32). وقال الكتاب عن الروح القدس، أنه: "رُوحُ الْحَقِّ" (يو15: 26).
لذلك إن سرت في طريق الحق، فأنت في طريق الله. وإن قلت: "كَلِمَةَ الْحَقِّ" (2تي2: 15) فأنت تقول كلمة الله.
وإن بعدت عن الحق، فكرًا أو لسانًا أو تصرفًا، فإنما أنت في ذلك تبعد عن الله... البعض يبعدون عن الحق، بسبب الجهل، وهؤلاء هم أخف المبتعدين. وبالتوعية والمعرفة يرجعون إلى الحق، ما دام القلب سليمًا من الداخل، والعقل هو السبب..
والبعض يبعدون عن الحق، أو يقولون غير الحق، خوفًا من الناس، أو خجلاً منهم أو ضعفًا أمامهم، أو تملُّقًا لهم. وهؤلاء يحتاج قلبهم أن يتطهَّر.
والبعض يقول غير الحق، سَترًا لأنفسهم، كالذين يُخفون أخطاءهم بالكذب أو الرياء. ولا شك أن هؤلاء تلزمهم التوبة، والتخلُّص من الخطايا التي يغطونها...
والبعض يقول غير الحق تعصُّبًا لصديق يريد أن يحميه، أو كيدًا لشخص آخر قلبه يكرهه، كمن يشهد شهادة زور، أو يلفِّق تُهمًا، ليؤذي غيره.
إذًا فالكراهية يمكن أن تُبعد الإنسان عن الحق، وكذلك الحب الخاطئ يبعده عن الحق أيضًا. الإنسان الروحي، هو إنسان حقاني، يعطي كل شخص حقه، بلا ظلم، وبلا تحيُّز لأحد... والإنسان الحقاني أيضًا يكون عادلًا، حتى في الحكم على نفسه، لا يجاملها على حساب الحق. والذي يحب الحق، لا يختفي وراء الألفاظ، أي لا يقول ألفاظًا يمكن أن ظاهرها يبدو حقًا، ولكنه يريد بها أن يفهم السامع غير الحقيقة! والذي يحب الحق، لا يقدم أنصاف الحقائق بطريقة خدّاعة، إنما يقول الحق، كل الحق... ترى في أي نوع من كل هذا، تضع نفسك؟
__________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26/11/1993م، وأيضًا من مقال "ما هو الحق وكيف نعيش فيه؟"، نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 28/8/1992م
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25/6/2010م
[3] من مقال "الحق والدفاع عنه" بجريدة الأهرام، نُشر بتاريخ 24/2/2008م، وقد نشر قداسته مقال بعنوان "الحق" في جريدة الجمهورية بتاريخ 25/6/2002م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا المقال
[4] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ أغسطس 1966م
[5] مقال نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 21/6/2009م
[6] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 1/10/1999م
[7] مقالان نُشرا في جريدة الأهرام، بتاريخ 13/8/2006م و9/3/2008م
[8] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18/11/1988م
[9] "كلمة منفعة"، نُشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 13/3/1981م
خامسًا: القوة
مفهوم القوَّة[1]
طبعًا القوَّة صفة محبوبة. وكل إنسان يحب أن يكون قوِّيًا.
والمفروض في أولاد الله أنهم أقوياء. ولكي نتحدث عن مفهوم القوَّة، نذكر النقاط الآتية:
الله والقوَّة
1- القوَّة صفة من صفات الله
في الثلاث تقديسات نقول: "قدوس الله قدوس القوي".. وفي تسبحة البصخة نقول: "لك القوَّة والمجد".. ونحن نختم الصلاة الربية بقولنا: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ" (مت6: 13). وحينما تحدَّث الوحي الإلهي عن روح الله، قال: "رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ" (إش11: 2)... وعملية الخلق، وإقامة الموتى، وكل المعجزات دليل على قوَّة الله... وما دام الله قويًا، ونحن قد خُلقنا على صورة الله، وعلى شبهه ومثاله (تك1: 27). إذًا المفروض فينا أن نكون أقوياء. وهذا ينقلنا إلى النقطة الثانية وهي:
2- الله قوي، وهو أيضًا مصدر كل قوَّة حقيقية.
ولذلك نردِّد في تسبحة البصخة قول المرتِّل في المزمور: "قُوَّتِي وَتَرَنُّمِي الرَّبُّ، وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا" (مز118: 14). ويقول المزمور أيضًا: "أحبك يا الله قوتي". وفي ترجمات أخرى "أُحِبُّكَ يَا رَبُّ، يَا قُوَّتِي" (مز18: 1). ولهذا يقول الوحي الإلهي في سِفر زكريا النبي: "لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (زك4: 6). لهذا كله قال الكتاب: "وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ" (1كو1: 27).. فلماذا؟ قال القديس بولس: "لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا" (2كو4: 7). ولكي يكون الله مصدر قوَّتنا، ما أجمل أن نقول مع بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
نعم، نحن نريد أن نكون أقوياء، ولكن ليكن الله هو مصدر قوَّتنا. هو الذي يقوِّينا. لا نعتمد على قوَّتنا الخاصة، بل على قوَّته هو. نقف أمامه كضعفاء، لنأخذ القوَّة منه. أتذكر أنني كتبت مرة في مذكرتي: "قال الشيطان لله: اترك لي الأقوياء فإنني كفيل بهم. أما الذين يشعرون بضعفهم، فإنهم يلجأون إليك، ويحاربونني بالقوَّة التي يأخذونها منك، فلا أقدر عليهم"...
كذلك فإن الروحيين، في كل أعمالهم، ينسبون القوَّة إلى الله.
إن القديسين بطرس ويوحنا، لما أقاما الأعرج عند باب الجميل، التفَّ الناس حولهم مذهولين من المعجزة، قال القديسان للشعب: ".. مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟" (أع 3: 12) ثم وجَّها أنظار الناس إلى السيد المسيح الذي صلبوه "وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ" (أع 16:3).
شرط للقوَّة
لهذا قد يستغرب البعض عندما يسمعون الرب يسوع يقول لتلاميذه: "مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا" (يو14: 12)!! ولكن هناك فارق هام جوهري وهو:
السيد المسيح يعمل المعجزات بقوَّته الذاتية. أما المؤمنون فيعملون المعجزات بقوَّته هو. وقد تكون المعجزة عظيمة جدًا، ولكنها ليست بقوَّتهم هم، إنما بقوَّة الرب العامل فيهم، هذا الذي قال لهم: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
المفروض أن يكون أولاد الله أقوياء، ولكن على شرط أن يكون مصدر قوَّتهم هو الله نفسه. ولا يكونون أقوياء يعتمدون على قوَّتهم الخاصة أو يفتخرون بها...
هذا شرط أساسي في قوَّة أولاد الله.
انظروا إلى داود: كان بلا شك أضعف من جليات الجبار المفتخر بقوَّته. كما كان ينسب كل القوَّة لله، إذا قال لذلك الجبار: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ.. هذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي.. لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا" (1صم17: 45- 47). وهكذا انتصر داود على جليات. لأن جليات كان يحارب بقوَّته البشرية. أما داود فكان يحارب بقوَّة الله.
الله قوَّته غير محدودة. والبشر أقوياء بالله.
وهناك فصل من رسالة القديس بولس الرسول نقوله في سيامة الرهبان، نقول لهم فيه: "أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ" (أف6: 10، 11)... وكأننا نقول لهم: أنكم مقدِمين على حرب مع الشيطان وجنوده تحتاجون إلى قوَّة. وهذه القوَّة لا بد أن تكون القوَّة الإلهية التي تقوِّيكم.
ما هي إذًا عناصر القوَّة التي يجب أن تتَّصفوا بها؟
قوَّة الشخصية
من أبرز ما يميِّزها قوَّة العقل والفكر.
إنسان قوي في ذكائه، في سرعة البديهة، في قوَّة الإقناع، في روعة الفهم والاستنتاج. له قوَّة الحجة، وقوَّة الأسلوب، وقوَّة الذاكرة... لذلك إذا دخل في أي موضوع، يسنده بالفكر القوي، الذي يمكن أن يجذب الآخرين فيخضعون لمنطِقه.
بعكس الإنسان الضعيف في تفكيره، فإنه مهما كان قوِّيًا في جسده، أو عظيمًا في مركزه، يمكن أن يقوده شخص آخر إلى جواره، يكون أذكى منه وأعمق فكرًا...
قوَّة الأعصاب
الإنسان الضعيف الأعصاب: أقلّ كلمة تُثيره وتهيِّجه، وتجعله يفقد هدوءه، ويفقد سيطرته على نفسه، ويُخطئ في تصرفاته وفي ألفاظه، ويكون موضع نقد من الآخرين... لأن أعصابه ضعيفة لم تحتمل، مهما كان قوِّيًا في نواحٍ أخرى.
حقًا إن الأعصاب مسألة جسدية، ولكن العامل النفساني يؤثِّر عليها. فالإنسان الواقع في خطية الغضب، تجد أن أعصابه تلتهب بسرعة، كذلك الإنسان الواقع في محبة الذات، وفي الكرامة الشخصية: أقل كلمة تلمس كرامته، أو يظن أنها تلمس كرامته، تُتعِب أعصابه، لأن أعصابه لا تستطيع أن تحتمل.
مسألة الأعصاب هي نقطة ضعف فيه.
لذلك قال الرسول: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ.." (رو15: 1). فالذي يعتدي على غيره هو الشخص الضعيف، بينما الذي يحتمل هو القوي. هو الجبل الراسخ الذي لا تثيره أخطاء غيره ضده.
هذا الجبل مهما أَلقى عليه أحد طوبًا، يبقى راسخًا لا يتزعزع. أما الذي يثور ويحاول أن ينتقم ويسيء إلى غيره، هو إنسان مغلوب من ذاته، وليس مغلوب من غيره. أقل كلمة تُتعبه وتُفقِده هدوءه وتتلِف أعصابه. أما القوي، فهو قوي في أعصابه، وقوي في احتماله.
ليس فقط يحتمل إساءات الناس، إنما أيضًا يحتمل الأحداث والمشاكل.
يحتمل المتاعب التي تُتعِب غيره. يحتمل الأمراض والضيقات والحوادث. لقد كان السيد المسيح قويًّا في احتماله. كان قويًّا في احتمال التحدِّي وهو على الصليب، وقولهم له: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مت27: 40).. وهكذا نقول له في القدّاس الإلهي: "احتملت ظُلم الأشرار". إن الاعتداء سهل. يمكن لأي إنسان ضعيف النفسية أو ضعيف الخُلق أن يعتدي على غيره. أما القوي فهو الذي يحتمل.
في الحياة الزوجية: إن كان الطرفان ضعيفين لا يحتملان، قد يخرب البيت! أما إذا كان أحدهما على الأقل قويًا، يمكنه أن يحتمل الطرف الآخر، حينئذ يمكن أن يستمر السلام بينهما.. قد يوجد إنسان ضعيف، لا يحتمل. ممكن أن خبرًا معينًا يجعله ينهار: يؤثر على أعصابه، على نفسيته، على أفكاره. صحته لا يحتمل، يرتفع ضغط دمه، أو قلبه لا يحتمل؟ وربما يقع على الأرض. لم تكن له القوة التي يحتمل بها ذلك الخبر!! ننتقل إلى نقطة أخرى:
قوة الإرادة
من مظاهر القوة أن تكون للشخص قوة إرادة، قوة عزيمة. يستطيع إن أراد، أن ينفذ... فإذا دخل في تدريب مثلاً: يمكنه إذا بدأ، أن يستمر وينفذ. أما الإنسان الضعيف، فقد يريد ولا يستطيع. وقد يبدأ ولا يستمر.
ومن مظاهر قوة الإرادة ضبط النفس.
فالإنسان القوي يمكنه أن يضبط نفسه، سواء في وقت الغضب، أو رغبة الانتقام. كذلك يضبط نفسه أمام الشهوة، وعندما يُحارَب بأية خطية.. القوي يمكنه أن يضبط لسانه، وأن يضبط حواسه، ويضبط فكره. إن كان مريضًا بالسكر مثلاً، يمكنه أن يضبط نفسه من جهة الأطعمة الممنوعة.. وهنا أقول: إن الإنسان الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه عن الطعام - في مرض أو صوم - كيف يمكنه أن يضبط نفسه أمام أية شهوة أو أية خطية؟!
هناك إنسان قد يكون ضعيفًا أمام إغراء معين.
أمام إغراء وظيفي، أو إغراء مالي، أو إغراء شهواني... لا يستطيع أن يحتمل. يغلبه ضعفه، أو تغلبه شهوته، فيسقط... وقد يرتد!! آخرون يضعفون أمام المجد الباطل، أمام كلمات المديح والإطراء. أما الشهداء والمعترفون فكانوا في منتهى القوة أمام كل الإغراءات.
قوة النفس
النفس القوية لا تقلق، ولا تضطرب، ولا تخاف، ولا تنهار، ولا تتردد...
إنها كالجنادل في النهر، تصدمها المياه والأمواج، على مدى السنين والقرون، وهي ثابتة في مكانها. وكالجبال تصدمها الرياح والأمطار والسيول، دون أن تتأثر... هكذا الإنسان القوي في نفسيته يقول مع داود النبي: "إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ" (مز27: 3). الإنسان القوي هو إنسان صامد، أمام المشاكل العويصة، وأمام التهديدات. هو قوي من الداخل، مهما كان الضغط من الخارج.
الإنسان القوي يتعامل مع الضيقات وهي خارجه.
أما الضعيف فيُدخلها إلى قلبه وأعصابه فتتعبه.
هذه هي قوة النفس التي اتصف بها الناجحون في حياتهم. الطالب الضعيف يدخل الامتحان. فإن وجد سؤالاً صعبًا، يعرق ويتصبَّب ويدوخ، وينسى كل ما كان قد حفظه!! أما الطالب القوي فيفكر في الحل، ويبدأ بالسهل فيتقوَّى، ويعود إلى الصعب ليحله... أما الضعيف، فإنه يتخيَّل مخاوف، وينزعج بسببها.
وربما لا يكون لها وجود! ولكنه بسبب خوفه الداخلي، يتوقَّع أن تأتيه المتاعب، فيتعب بدون سبب!! الإنسان القوي لا يضع أمامه احتمال الفشل أو الانهزام. كما قال القديس بولس الرسول: "لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ" (2تي1: 7) "لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ.." (2كو4: 16). مهما كانت المحاربات والمتاعب والضيقات... كل هذه لا تدخل إلى القلب فتتعبه.
قوة الروح
الروح القوية تنتصر على الجسد، وعلى المادة والشيطان.
مهما تعرضت لحروب روحية قوية، تقاوم حتى الدم (عب12: 4)، وتجاهد وتطلب معونة من الله، ولا تستسلم مطلقًا، حتى تنتصر، كما فعل يوسف الصديق (تك39). الروح القوية لا تسمح لنفسها أن تُستَعبد لعادة من العادات. ولا تقبل أن تنهزم مهما كانت الحرب عنيفة.. ومهما كان خداع الشيطان، ومهما كانت حيله.. إنها أقوى من إغرائه ومن كل خداعه وحيله.
في الواقع إن المفهوم الحقيقي للقوة، ينبغي أن يتركَّز على القوَّة الداخلية.
فقد يبدو البعض قوِّيًا من الخارج، بينما هو ضائع تمامًا من الداخل. قد يسمع كلمة إهانة، فيقول من الخارج: "الله يسامحك"... بينما في الداخل يتَّقد غضبًا وحقدًا... إن تحويل الخد الآخر (مت5: 39) -كما قال أحد القديسين- هو الخد الداخلي، أعني الاحتمال في الداخل، والمسامحة، ولوم النفس.
أيضًا القوة الداخلية هي الانتصار على النفس من الداخل.
فليس القوي هو الذي ينتصر على الآخرين، إنما هو الذي ينتصر على نفسه.
وكما قال أحد القديسين: إن القوة الغضبية قد وضعت في الإنسان، لا لكي يغضب على الآخرين، إنما لكي يغضب على نفسه إذا اخطأ. وحسنًا قيل في المزمور: "كُلُّ مَجْد ابْنَةُ الملِكِ مِنْ داخِل" (مز45). فإذا انتصرت على نفسك من الداخل، يمكنك أن تنتصر على كل الأمور الخارجية... حينئذ يمكنك أن تغلب كل الأعداء الخارجيين. وصدق القديس يوحنا ذهبي الفم حينما قال: "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا، ما لم يؤذ هذا الإنسان نفسه".
قوة التأثير
هناك أشخاص لهم القوة التي تؤثِّر في الغير. وهؤلاء هم الذين يصلحون للخدمة وللقيادة. قد تحدث مشكلة لإنسان، ويرفض كل نصيحة، ومهما قيل له لا يقتنع... إلى أن يحدثه شخص آخر، فيؤثِّر عليه، ويستمع لنصيحته. كلماته قوية وفعالة، ولها تأثيرها، ولا ترجع فارغة...
قوة التأثير هذه تنفع في الإرشاد الروحي وخدمة الكلمة وجذب الآخرين.
بل تنفع أيضًا في محيط الصداقة، وفي مجال العمل الاجتماعي، ولكل من يتولى إدارة وقيادة. وتنفع أيضًا الكاتب والصحفي. إذ تكون للشخصية قوة وجاذبية وتأثير.
قوة الصلاة والإيمان
صلاة الآباء الرسل كانت قوية جدًا، لدرجة أنه قيل عنهم: "وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع4: 31). إنها الصلاة القوية التي تصعد إلى فوق، وتستطيع أن تدخل إلى عرش الله، وتأخذ منه ما تريد... أتُرى هل لك مثل هذه الصلاة، التي قد يلجأ إليها الآخرون... يمكنك أن تقرأ عن مثل هذه الصلاة في سير القديسين، الذين ائتمنوا على مخازن الله، فكانوا يأخذون منها بصلواتهم ويمنحون الناس...
الصلاة القوية، صلاة حارة، مملوءة بالإيمان.
إن الايمان القوي يمنح الصلاة قوة.
وقوة الصلاة مع قوة الإيمان، تعملان معًا.
بقوة الإيمان مشى بطرس على الماء. ولما ضعُف إيمانه بدأ يغرق. فأنقذه الرب ووبَّخه قائلاً: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت14: 31). الإيمان القوي يستطيع أن يصنع المعجزات. يكفي قول الكتاب: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ" (مر9: 23). أليشع ذهب مع المرأة الشُّونَميَّة، وهو واثق أنه سيقيم ابنها (2مل4: 35). وهكذا فعل إيليا مع أرملة صرفة صيدا وأقام ابنها (1مل17: 22).
الإيمان القوي يؤمن أن الرب سيأتي، ولو في الهزيع الرابع من الليل. ولا بد سيعمل عملاً... إنه يؤمن أن لعازر سيقوم، ولو بعد أربعة أيام من دفنه. إنه إيمان لا يتزعزع مهما (تأخَّر) الله عليه، أو خُيِّل إليه أن صلواته لم تُستَجب. إيمان لا يشك في محبة الله، مهما أحاطت به الضيقات واستمرت، ومهما "عَلَى ظَهره جَلَدَه الخُطاةُ وأَطالوا إثْمَهُمْ" (مز129). قوة الإيمان ليست فقط من جهة الثقة بعمل الله.
بل تظهر قوة الإيمان في مواجهة الهراطقة.
مثل قوة إيمان القديس أثناسيوس الذي وقف ضد أفكار الأريوسيين، وكل ما قدَّموه من شكوك. ولكن الإيمان الذي كان في قلبه أقوى من كل شكوكهم... بعكس الإيمان الضعيف الذي لا يصمد أمام الشك، ولا يصمد أمام البدع والهرطقات.
قوة المحبة
يقول الكتاب: "الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ... مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ، وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا" (نش8: 6، 7). المحبة قوية من الناحية الإيجابية، فيما تقدِّمه من بذل وعطاء، وتصل إلى بذل الذات من أجل من تحبه... وهي قوية - من الناحية السلبية - في احتمالها لأخطاء من تحبه مهما فعل. ولذلك قال عنها الرسول: "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو13: 8). أما الإنسان الذي يفقد محبته لصديق أو حبيب، بسبب كلمة قيلت أو تصرف مخطئ، فقد تكون محبته ضعيفة.
المحبه استطاعت أن تصعد على الصليب، لكي تخلِّص وتفدي.
المحبة القوية احتملت إنكار بطرس، وشك توما، وهروب التلاميذ وقت القبض على المعلِّم الصالح... المحبة القوية يمكن أن تشمل الأعداء والمسيئين، وتبارك لاعنيها (مت5).
مصادر القوة
طبعًا المصدر الرئيسي هو الله وحده. وهكذا قال الرب لتلاميذه: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ.." (أع1: 8). وقال بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13). كل الأسباب التي قلناها من قبل: من جهة قوة الشخص، وقوة الفكر وقوة النفس، وقوة الإرادة وقوة الروح.. كلها من غير الله لا تأتي بنتيجة. لأن السيد الرب قد قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5). ولكن إذا دخلت قوة الله في حياتك، ستظهر إذًا في كل تلك الأمور.. اطلب إذًا القوة من الله، لكي تغنِّي بتلك التسبحة الجميلة: "قُوَّتِي وَتَرَنُّمِي الرَّبُّ، وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا" (مز118).
مفاهيم خاطئة
يفهم البعض القوة بمفاهيم خاطئة قد تقود حياتهم.
† يفهم البعض أنها القوَّة الجسدية، مثل قوَّة شمشون الجبار. والواضح أن هذا الجبار في قوته الجسدية، كان ضعيفًا أمام إلحاح دليلة، وفقد بذلك نذره وقوته.
† البعض يرى أن القوَّة في تحدِّي القانون أو النظام العام، وإنها رجولة منه أن يكسر قواعد المرور مثلاً، أو أن يتحايل على الهروب من الضرائب أو من الجمارك أو من استحقاقات الدولة.
† وقد يرى البعض أن القوَّة هي في تحدّي الكِبار ومخالفتهم، وأن يقول "أنا لا يهمني كل هؤلاء".. سواءً في ذلك مخالفة والديه أو تحدِّي رؤسائه في العمل أو أي مسئول رسمي مهما كبر مركزه.
† والبعض يرى القوة في العنف، أو في السيطرة على الغير، أو في تكوين مجموعة تخضع له في الخطأ.
كل هذه مفاهيم خاطئة لأنها قوى زائفة لإنسان ضعيف خاضع للشيطان.
عناصر القوة الحقيقية[2]
إن الله يريدك أن تكون قويًا. والإنسان الروحي لا بد أن يكون قويًا. والقديس بولس الرسول يقول: "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" (أف6: 10).. وكلما تضعُف يقول لك الرب: "تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ!" (يش1: 9).
الإنسان الروحي هو على شبه الله وصورته (تك1: 27). والله قوي.
إذًا فالشخص الضعيف ليس هو على شبه الله. وبالتالي ليست له صورة أولاد الله... لقد كان السيد المسيح شخصية قوية، وأعطانا مثالاً كيف نكون في الحياة...
البعض لا يفهم معنى الوداعة، ويسلك فيها بلون من الضعف.
فيمكنك أن تكون قويًا ووديعًا في نفس الوقت. فالفضائل لا تتناقض معًا، بل تتكامل. والسيد المسيح مع أنه كان قويًا، إلا أنه في نفس الوقت كان وديعًا ومتواضع القلب (مت11: 29). هنا ونسأل عن معنى القوة، وعناصرها؟ إنها بلا شك ليست قوة شمشونية في الجسد. وإنما نذكر...
1- قوة الإرادة
الإنسان الروحي تكون له قوة الإرادة، التي يستطيع بها أن يضبط نفسه في كل شيء.
فالإنسان الذي تضعُف إرادته أمام خطية معينة أو عادة ما، هو إنسان ضعيف، على الأقل في هذه النقطة بالذات التي لم يستطع مقاومتها. إذ استطاعت هذه الخطية أو هذه العادة أن تستعبده. فالذي يُدخن هو ضعيف أمام السيجارة. والمدمن المخدرات هو ضعيف أمامها. والذي يغضب ويفقد أعصابه هو ضعيف أمام خطية الغضب. وهكذا الزاني ضعيف أمام شهوة الجسد.
إذًا الخطية أو العادة السيئة هي نقطة ضعف في الإنسان.
عليك إذًا أن تبحث عن نقط الضعف التي فيك، وتحاول أن تقاومها، وأن تضبط نفسك حيالها، وتكون لك قوة الإرادة التي تقاومها وتنتصر عليها. وقد قال الرسول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
ولكي تكون لك قوّة الإرادة، جاهد لكي تضبط فكرك، وتضبط لسانك، وتضبط حواسك، وتضبط أعصابك، وتضبط مشاعرك، في كل محاربات الخطية لك.
ولا تظن القوة في أن تنتصر على الناس أو تنتقم منهم، بل القوة في أن تكسب الناس وتحتملهم.
القوة الحقيقية هي أنك لا تخطئ إلى أحد من الناس، ولا إلى نفسك. والقوة هي أن تضبط لسانك في كل كلمة تقولها. فقد قال الرسول: "..إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ، قَادِرٌ أَنْ يُلْجِمَ كُلَّ الْجَسَدِ أَيْضًا" (يع3: 2). كذلك يضبط كل فكر يمر على ذهنه، ولا يستسلم إلى فكر خاطئ، بل تكون له القوة على طرده...
ركز بالذات على نقطة الضعف التي فيك...
ولا تفتخر باطلاً بقوَّتك في نواحٍ أخرى كثيرة. فإن الشيطان قد لا يحاربك بكل الخطايا، وإنما يركز على نقطة ضعف معيَّنة، يحطِّمك من خلالها. كان سليمان الحكيم قويًا في نواح عديدة. ولكنه كان ضعيفًا أمام الناس. نقطة الضعف هذه أبعدته عن الله (1مل11: 1-10).
والشاب الغني كان قد حفظ الوصايا منذ حداثته، لكن كانت له نقطة ضعف معيَّنة هي محبة المال، وبسببها ترك المسيح ومضى حزينًا (مت19: 22).
الإنسان القوي ليس هو الذي ينتصر على غيره، بل القوي هو الذي ينتصر على نفسه.
شمشون انتصر على عدد كبير من الناس، ولكنه لم يستطع أن ينتصر على نفسه أمام دليلة (قض16). وداود انتصر في حروب كثيرة، ولكنه لم ينتصر على نفسه أمام بثشبع، فأخذ عقوبة من الله على ضعفه هذا (2صم12).
إن أردت أن تكون قويًا، أظهِر قوتك في إخراج الخشبة التي في عينك. ولا تظن القوة في إظهارك القذى التي في عين أخيك (مت7: 2، 3). في انتصارك على نفسك تظهر قوَّة إرادتك.
وقد قدَّم الله لنا تدريبًا على قوة الإرادة في وصية الصوم.
ونظَّمت لنا الكنيسة كيف نسلك في هذه الوصية. وفيها تكون قويًا، حينما تمنع نفسك عما تشتهيه، وحينما تجوع وتمنع نفسك عن الأكل، وتعطش وتمنع نفسك عن الشُرب.
كذلك تتدرَّب على قوَّة الإرادة بالمواظبة على الصلاة والسهر فيها. وكما قال مار إسحاق: "أغصِب نفسك على صلاة الليل، وزِدها مزامير"... كذلك تملك قوَّة الإرادة إن غصبت نفسك أيضًا في دفع العشور والبكور، وفي تنفيذ كل وصية... حتَّى تصبح الفضيلة سهلة عليك، بل ومحبوبة إليك... ماذا أيضًا في عناصر القوة؟ نذكر كذلك:
قوة الخدمة والتأثير
الإنسان القوي تكون له قوَّة التأثير على غيره، والخدمة القويَّة التي تأتي بثمر كثير... الكلمة تخرج من فمه قويَّة وفعّالة، وتستطيع أن تخترق قلوب الناس وأذهانهم، وتقنعهم وتدفعهم إلى التنفيذ. لأن الخادم القوي ليس هو المتكلم بل روح الله هو الذي يتكلم من فمه (مت10: 20). ولنا مثال لذلك كلمة القديس بطرس الرسول في يوم حلول الروح القدس، وكيف جذبت ثلاثة آلاف إلى الإيمان. الذين لما سمعوا "نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ" (أع2: 37).
كذلك لما تكلم بولس عن البِر والدينونة والتعفُّف، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ الوالي (أع24: 25). ولما تحدَّث إلى أغريباس الملك، قال له الملك: "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" (أع26: 28). كان القديس بولس قويًّا في تأثيره.
كان أسيرًا، ولكنه كان أقوى من آسريه.
كان الحق الذي فيه، أقوى من السلطة التي في مناصبهم. الإنسان القوي، قوي في خدمته. مارمرقس الرسول جاء إلى مصر بلا أية إمكانيات، ولم تكن له كنائس ولا شعب، وكانت مصر تموج بالديانات: الفرعونية واليهودية والرومانية، وبفلسفة مدرسة الإسكندرية، وقوة الحكام. ولكن خدمته كانت أقوى، فحَوَّل مصر كلها إلى الإيمان.
اهتم السيد المسيح بعنصر القوة في الخدمة.
فأمر تلاميذه ألاَ يَبرحوا أورشليم حتى يُلبسوا قوَّة من الأعالي (لو24: 49). وعن هذه القوَّة قال لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وهكذا انطبق القول: "... مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ" (مر9: 1).
وهكذا قيل عن قوَّة الخدمة: "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أع4: 33). هذه القوَّة هي التي أوصلت الإيمان إلى أقصَى الأرض، وفي مدة قصيرة. والكنائس كانت تُبنَى، وكان لها سلام. وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر (أع9: 31).
اِسأل نفسك إذًا: ما هي قوَّة خدمتك؟ وما هو تأثيرك؟
ما هو تأثيرك على تلاميذك؟ بل على أسرتك، وعلى جيرانك وأصدقائك، وعلى زملائك... هل البذرة التي تُلقيها على الأرض، تأتي بثمر؟ أم أنت لا تُلقي بذارًا، أم تدفن وزنتك في التراب؟! قد تقول: إنني ألاقي متاعب ومعطِّلات في خدمتي! فأقول لك: وأين قوة الاحتمال، وقوة الانتصار على المعطلات؟
قوّة الاحتمال
الإنسان القوي لا تنتصر عليه الضيقات، بل هو ينتصر عليها.
ما أكثر المتاعب والضيقات التي تعرَّض لها الآباء الرسل، ولكنها لم تمنع خدمتهم...
هوذا بولس الرسول يقول: "نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ.." (2كو6: 4، 5). ومع ذلك في كل هذه: "يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا..." (رو8: 37).
هناك أشخاص تحطِّمهم المتاعب الخارجية، وتُظهِر ضعفهم.
فالذي يكتئب والذي يبكي، وهناك مَن يضطَّرِب أو يخاف، ومَن ييأس وينهار، ومن يمرض بأمراض كثيرة... ذلك لأنه ليست له قوَّة على الاحتمال... أما القوي فلا يجعل المشاكل تؤثِّر على أعصابه، ولا على نفسيته، ولا على تفكيره، ولا على صحته... هوذا المرتِّل يقول: "الرَّبُّ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي الإِنْسَانُ؟" (مز118: 6).
"كُلُّ الأُمَمِ أَحَاطُوا بِي... أَحَاطُوا بِي مِثْلَ النَّحْلِ. انْطَفَأُوا كَنَارِ الشَّوْكِ" (مز118). فهل خاف داود من كل هؤلاء؟ كلا، إنه يقول: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23). والقديس بولس الرسول يقول: "بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ... بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ" (2كو11: 26). فهل كل هذه الأخطار عطَّلت خدمة القديس بولس؟! حاشا. بل قابلها بقوَّة قلب وقوَّة إيمان، وانتصر. كذلك القديس أثناسيوس الرسولي، هل ضَعف عندما قيل له: "العالم كله ضدَّك يا أثناسيوس"؟ كلا. بل جاهد بقوَّة وانتصر. لذلك يتَّصف الإنسان أيضًا بنوعٍ آخر من القوَّة، وهو:
قوَّة الإيمان
الإيمان الذي ينقل الجبال (مت17: 20). الإيمان الذي يصنع المعجزات. الإيمان الذي قال عنه الرب: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23). إنه إيمان عميق بتدخُّل الله وعمله وقوَّته. بطرس الرسول لما خاف وهو ماشٍ مع الرب على الماء وسقط، قال له الرب: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت14: 31). ولكن لما قوّى إيمانه وقف أمام الرؤساء ودخل السجون ولم يخف...
ما أكثر الناس الذين يضعُف إيمانهم.
في حالة المرض، أو الفشل، أو التعرُّض للإيذاء... ويقول: أين هو الله، ولماذا لم يقف معنا؟! إيمانهم الضعيف لا يقوَى على احتمال الصليب، ولا يُبصِر حكمة الله ولا معونته المقبلة. هنا ونذكر نوعًا آخر من القوَّة، هو:
قوَّة الشخصية والعقلية
الإنسان القوي، قوي في فكره، في ذكائه، في فهمه واستنتاجه، في ردوده وإقناعه، قوي في صموده، قوي في نفسيته وعدم اضطرابه. الشعب خاف أمام البحر الأحمر، أما موسى القوي الوديع فقال لهم: "لا تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14)... إنها قوَّة الله العامل فيه وبه.
الإنسان القوي لا يتلاعب به الغير ويُغيِّره.
لا يكون قصبة في مهب الريح، يُسَيِرَهُ غيره كيفما يشاء ويؤثِّر عليه فيقلب مبادئه وموازينه! أو يسمع شائعة فتؤثِّر على نفسيته ومعاملاته، ولا ينقاد وراء أفكار العالم ويُشاكِل هذا الدهر! (رو12: 2)... إن قالوا له هذه الحضارة والمدنية، لا تكن متخلِّفًا، يسير وراءهم مُغمَض العينين، يخشى انتقادات الناس!! بل القوي له مبادؤه وقيَمه وأسسه الأخلاقية.
لا يمكن للغير أن يغسل مخه، أو يُحوِّله عن خطه الروحي.
قوّة الصلاة
الإنسان الروحي، له صلاته القويَّة التي تفتح كوى السماء. قيل في عصر الآباء الرسل إنهم: "لَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ... وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع4: 31). الشخص القوي يمسك بالله ويقول له: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك32: 26). فهل لك هذه الصلاة القوية، التي إن تحدَّثنا عنها يطول بنا المقال؟!
قوة المحبة
الإنسان القوي، قوي في محبته... المحبة التي تبذل وتعطي وتتعب، من أجل الكلام. المحبة التي: "وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا"، بل تُفَضِل غيرها، وتقدِّمه في الكرامة. المحبة التي: "لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو13: 5، 8)... كمحبة الأم مثلاً... المحبة التي تظل ثابتة، لا تغيِّرها الظروف، والتي لا يعاتب عليها الرب قائلاً: "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى" (رؤ2: 4)... هي التي قال عنها سفر النشيد: "مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ، وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا" (نش8: 7).
من أعظم أمثلتها محبة الشهداء للرَّب التي جعلتهم يحتملوا كل الآلام من أجله...
كذلك محبة النُسَاك المتوحِّدين الذين تركوا كلَّ شيء من أجله، لكي يكون هو الكل في حياتهم، وليس غيره.
_________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30/7/1993م
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9/10/1992م
سادسًا: الأفكار
ما هي الأفكار؟[1]
الفكر هو عمل عقلي، يمكن أن يكون خيرًا أو شرًا، حسب حالة الإنسان.
فالتأمل – مثلاً - هو لونٌ من التفكير الخيِّر..
† كذلك الأفكار الخاصة بمحبة الله. مثلما قال الكتاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (مت22: 37).
† ومن الأفكار الصالحة أيضًا، ما قاله القديس بولس الرسول "وأمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو2: 16).
† أما عن الخطأ في الفكر، فذلك مثلما قال عنه الكتاب: "فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ" (أم24: 9). وأيضًا "مَكْرَهَةُ الرَّبِّ أَفْكَارُ الشِّرِّيرِ" (أم15: 26).
ونريد في هذا المقال، أن نبحث معًا موضوع الأفكار.
الفكر والقلب
الفكرُ يتعلَّق بالقلب، يأخذ منه ويعطي. خطية الفكر قد تكون في نفس الوقت خطية قلب، إن كانت نابعة منه، حسب قول السيد الرب: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ" (لو6: 45). وهكذا قيل في قصة الطوفان: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" (تك6: 5)..
عبارة "أفكار قلبه" هنا، تعني الأفكار النابعة من قلبه.
فلا يمكن منطقيًا أن قلبًا طاهرًا تخرج منه أفكار شريرة. لأنه "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.. شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً" (مت7: 16، 17). وهكذا قال الكتاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ" قبل أن يقول: "وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (مت22: 37). فالقلب أولاً. ولهذا قال الكتاب: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23).
المطلوب منك إذًا، أن تحفظ قلبك، وتحفظ فكرك، وتحفظ الخط الواصل بين القلب والفكر. فما معنى هذا الخط الواصل؟ من الجائز أن تأتيك الأفكار من الخارج، من مصادر أخرى سنشرحها. فإذا قبلت الفكر في أعماقك، يصل حينئذ إلى قلبك.
وحينئذ يتحوَّل الفكر إلى مشاعر في القلب وإلى انفعالات.
فِكر الزنا يتحوَّل إلى شهوة زنا. وفِكر الغضب يتحوَّل إلى انفعال غضب. وفِكر الحقد يتحوَّل إلى مشاعر حقد.. فالفكر الخاطئ يوصِّل الخطأ إذًا إلى القلب. كما أن مشاعر القلب تتحوَّل إلى أفكار.. والاثنان يتبادلان المواقع. ويصير كل منهما سببًا أو نتيجة..
تخرُج الأفكار الخاطئة من العقل إلى القلب، إذا ما تساهلت مع الفكر. وتخرج الأفكار الخاطئة من القلب إلى الفِكر، إذا كان القلب غير نقي.
هنا مصدر آخر للفكر هو الحواس.
الحواس
الحواس هي أبواب للفكر، يدخل منها إلى العقل. فما تراه بعينيك، تفكِّر فيه، وما تسمعه بأذنيك، تفكِّر فيه. كذلك ما تلمسه وما تشمَّه، وربما ما تذوقه أيضًا..
إن أردت أن تضبط أفكارك، أضبط حواسك أيضًا.
لا تتركها سائبة. إنما احترس. لأنه كما يحدث تبادل المواقع بين القلب والفكر، كذلك يحدث ما بين الفكر والحواس. فربما أفكارك الخاطئة تدعوك إلى النظر والسمع واللمس. وبنفس المقياس حواسك الخاطئة تجلب لك الأفكار.
مصدر آخر من مصادر الفكر، هو البيئة والصداقة.
البيئة والصداقة
إن الذين تعاشرهم من الناس، يجلبون لك أفكارًا جيدة أو رديئة... سواء كانوا أصدقاء أو معارف أو جيران، أو زملاء في العمل، أو أقرباءك في بيتك. وعلى رأي ذلك الأديب الذي قال: قُل لي مَن هم أصدقاؤك، أقول لك مَن أنت؟
ما أكثر الأفكار التي تأتي من "الزنّ في الآذان". كلمة تقال لك اليوم بمحاولة إقناع، فلا تصدِّقها. فإن سمعتها باكر بإقناع، قد تشُكّ، وإن ضغطت عليك الإقناعات، بعد باكر، قد تقبلها. وإن استمر الضغط، قد تؤمن بها وتنشرها، وتنفعل بها. وهذا جزء مما يسمونه "غسيل المخ".
يأتي الفكر أيضًا من البيئة: من الرأي العام، والصحافة، والإعلام، والمطبوعات..
بواسطة القراءات صار البعض شيوعيين في أفكارهم. قراءات أخرى تجلب أفكارًا شهوانية. قراءات ثالثة تجلب أفكارًا فلسفية وقراءات من نوع آخر تجلب أفكارًا روحانية أو نُسكية، أو تحمُّسك للخدمة.. أو تحمُّسك للعقيدة..
ومثل القراءات أيضًا: الراديو والتلفزيون والفيديو والكاسيتات.. هذه كلها تأتي للعقل بأفكار من الخارج، وليس من القلب.. أما دور القلب هنا، فهو قبوله لاستخدام هذه الوسائط.
وغسيل المخ يأتي من وضع العقل تحت تأثير فكري متتابع وضاغط، لمدة طويلة، مع إبعاده عن أي مجال فكري مضاد للرد أو للحوار، إلى أن يتغيَّر فِكر الإنسان تمامًا..
مصدر آخر من مصادر الفكر، هو الفكر، والعقل الباطن.
العقل الباطن
الفِكرُ يلد فِكرًا، ويلد شكوكًا وظنونًا، ويلد أيضًا أحلامًا.
لا يوجد فِكر عقيم، وبخاصة مع العقل الخصيب. فقد يأتيك فِكر من أي مصدر. فتأخذ مع الفِكر وتعطي، فيلد لك أفكارًا أخرى كثيرة. وترسخ هذه في العقل الباطن..
والعقل الباطن تُخزَّن فيه الأفكار والصور والأحداث والرغبات والمشاعر، ويصبح مصدر لأفكار وأحلام وظنون.
أضرب لك مثلاً بالريكوردر أو الكومبيوتر، حيث تُخزِّن فيه معلومات تسترجعها متى تشاء.. عقلك أصعب من هذا الكومبيوتر، لأن المعلومات التي فيه قد تخرج منه دون أن تشاء، كأفكار أو أحلام، وهنا أتذكر سؤالاً وجَّهه البعض إليَّ:
هل الأحلام الخاطئة تعتبر خطية، بينما هي بغير إرادتي؟
وكانت الإجابة: قد تكون الأحلام الخاطئة بغير إرادتك وقت خروجها من العقل الباطن. ولكنها لم تكن بغير إرادتك وقت تخزينها فيك. أما إن كانت مجرد محاربة من العدو، وبغير إرادتك، فستجد أنك تقاومها وترفضها في الحلم، وربما تستيقظ، كشيء مزعج لم تحتمله..
فابحث هل أحلامك من رواسب قديمة ترسَّبت في عقلك نتيجة لشهوات أو صور أو أفكار؟ لهذا نقول عن هذه الأحلام أنها "شِبه إرادية". لأنها ليست نتيجة إرادة حاضرة إنما نتيجة لإرادة سابقة. ومع ذلك لو كانت الإرادة الحاضرة ترفضها تمامًا، فستجد أنك تقاومها في الحلم.
من مصادر الفكر أيضًا أسباب نفسية:
أسباب نفسية
إنسان مثلاً في طبعه القلق أو الاضطراب، تجده - بدون أي سبب خارجي- خاضعًا لأفكار القلق والاضطراب النابعة من نوعية نفسيته. كذلك إن كان إنسان في نفسيته طبع الخوف، تجد أن أفكار الخوف تطارده.. وبالمثل إذا كان شخص شكَّاكًا بطبيعته، تجد أفكار الشك تراوده وتتعبه، بدون أي سبب واقعي..
لمعالجة كل هذه الأفكار، لا بد من معالجة النفسية.
فإذا صلُحت النفس، صلُحت الأفكار أيضًا.
لذلك تجد الشخص البسيط، لا يراوده الشك، والإنسان الوديع الهادئ لا تحاربه أفكار القلق ولا الخوف.
إنسان يسمع خبرًا، فيقول لك هذا الخبر خطير، وقد لا يكون خطيرًا على الإطلاق. ولكن نفسيته صوَّرته له هكذا، وحسب نفسيته ستكون أفكاره... بينما شخص آخر يتلقَّى نفس الخبر بكل هدوء، ولا تنزعج أفكاره بسببه.
إنسان حسب نوع نفسيته تأتيه أفكار يأس، فينسحب من مشروع معين. بينما زميل له في نفس المشروع، لا ييأس ولا ينسحب، بل يستمر وفي قلبه أمل ورجاء..
ثلاثة يرون شخصًا واقفًا في الظلام، فيقول أحدهم إنه لص أو قاتل، ويقول الثاني: لعله في موعد مع امرأة، بينما يفكر الثالث إنه واقف يصلي، حسب نفسية كل منهم، تكون أفكاره.
حروب الشيطان
ربما لا تكون الأفكار نابعة من قلب الإنسان أو من نوع نفسيته، ولا هي بسبب البيئة والتأثيرات الخارجية. إنما قد تكون أفكارًا من الشيطان يُلقيها في العقل.
إنها محاربة من العدو، وليست خطية في ذاتها، إلا لو قَبِلها العقل وتمشَّى معها...
أما إن كان العقل يقاومها ويرفضها، فلا تعتبر خطية. تبدأ الخطية من بدء استسلامه للفكر، وتزيد إن انفعل بها، وقبلها، واستمر فيها بإرادته. هنا يكون قد فتح الباب لعدوه. لذلك حسنًا قيل في سفر النشيد: "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 12). وقيل في المزمور: "سَبِّحي الرَّبَّ يا أورُشَليمَ.. لأنَّهُ قَدْ قَوَّي مَغاليقَ أبْوابِكِ.." (مز 147).
سيطرة الأفكار
في العقل طبقتان: طبقة سطحية، وطبقة عميقة.
فكر المحاربة حينما يأتيك، يكون ضعيفًا وفي الطبقة السطحية، ومن السهل عليك أن تطرده، فإن قبلته يدخل إلى العمق شيئًا فشيئًا. فإن انفعلت به، يزداد تعمُّقه، ويختلط بإرادتك. فإن وصل إلى القلب، يختلط بمشاعرك، وتصبح المحاربة من الداخل وليس من الخارج. ومن هنا تبدأ سيطرته.
كذلك إن فكَّرت في الأمور بحساسية زائدة، يتعمَّق الفكر في داخلك ويُتعبك ويسيطر عليك.
وهذا هو السبب الذي يجعل البعض - إن صادفته مشكلة - تسيطر على عقله ومشاعره وأحاسيسه وانفعالاته، فلا يفكر إلا فيها، ولا يتكلَّم إلا عنها. وتستمر معه أيامًا، يقوم بها ويقعد، وينام بها ويصحو. وتؤثِّر على أعصابه. وربما تجلب له أمراضًا جسدية، من ضغط وسكر، وقرحة في المعدة، وتعب في الأعصاب...
كل ذلك، لأنه أخذ الفكر بعمق زائد، فسيطر عليه..
هناك إنسان يتناول مشكلة بعمق في التفكير، ويحلها وينتهي منها. أو إن وجد أنها صعبة الحل، يعطيها مدى زمنيًا تحل فيه، ويترك الأمر إلى تدخل الله حلال المشاكل.. ولكن سيطرة الأفكار تأتي لإنسان يفكِّر بعمق وبغير حل. أو يفكِّر في متاعب المشكلة، دون أن يفكِّر بعمق وفي حل. أو يفكِّر في متاعب المشكلة، دون أن يفكِّر في حل المشكلة.
أو قد تكون سيطرة الفكر سببها شهوة خطية.
فالخطية قد ملكَت القلب وكل مشاعره، وبالتالي ملكَت الفكر.. تلِحّ عليه إلحاحًا، لا يستطيع منه فِكاكًا.. والأمر يحتاج إلى توبة، وإلا فإن الأفكار تبقى مسيطرة.. تنتقل من القلب إلى الفِكر بعمق. وتعود من الفِكر إلى القلب بعمق. وقد يسلِّمها القلب والعقل إلى الأعصاب (إن كانت شهوة انتقام أو حسد أو غضب). وتسلِّمها الأعصاب إلى الانفعالات وإلى اللسان.
يلزم الإنسان أن يسيطر على فكره، ولا يترك الأفكار لتسيطر عليه.
وإن اشتعل فكره، لا يلقي عليه كل حين وقودًا..
عليه أن يصفِّي أفكاره من الداخل، ويتخلَّص من الأسباب التي تحاربه من الخارج ولا يتساهل مع الفكر حتى يأخذ سلطانًا عليه...
أنواع الفكر[2]
الفِكر إما أن يكون فِكرًا مقدَّسًا طاهرًا، أو يكون فِكرًا شريرًا خاطئًا. أو يكون فِكرًا طائشًا لا هو خير ولا شر، إنما هو ضياع وقت.
أما عن الفِكر الطائش: فهو أن يفكِّر الشخص في التفاهات، أو يتحدَّث فيها. وقد لا تكون في هذا الفِكر أية خطية سوى إضاعة الوقت في تفكير كهذا..! وما أجمل ما قاله أحد الآباء: "أحيانًا نُجهِد أنفسنا في معرفة أمور، لا ندان في اليوم الأخير على جهلنا إياها"!
الفكر الطاهر المقدَّس
أما الفكر الطاهر المقدَّس: فهو كالتفكير في الله نفسه. وهذا أسمَى أنواع التفكير. كما نقول في (مز42: 1) "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ" وأيضًا "عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 2).
التفكير المقدَّس هو التفكير في الله، وفي سمائه وملائكته، وفي وصاياه. كلها أفكار خيِّرة طاهرة.. أو التفكير في عمل الخير. كإنسان يجلس ويفكِّر: ماذا يمكن أن يعمله من الخير في هذا اليوم؟ بحيث لا يمُرّ اليوم دون أن يعمل فيه خيرًا.. أو التفكير في الخدمة وفي مساعدة الآخرين.. أو التفكير في ملكوت الله وفي الكنيسة.. أو التفكير في إحسانات الله، وفي التوبة وكيف يرجع الشخص إلى الله ويصطلح معه.. ومن ضمن التفكير المقدس: الهذيذ، والتأمُّل، والصلاة الدائمة، كما كان الآباء في البرية يشغلون فِكرهم.
أو هو تفكير في محبة الله، كما يقول الكتاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (مت22: 37). لاحظوا أنه يقول: من كُلِّ فِكرك، وليس مجرد فِكرك.
يمكن للإنسان أن يحب الله. ولكن هل يستطيع أن يعطي كل فِكره لله؟! هذه درجة عالية جدًا بلا شك. ليت الله يساعد عليها.. ومن الآيات الجميلة عن الفِكر الطاهر المقدس، قول الرسول: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو2: 16).
تصوَّروا لما الإنسان يفكِّر بنفس فِكر المسيح، ماذا يكون حينئذ؟
الفِكر الخاطئ
أما الفِكر الخاطئ فهو على أنواع كثيرة: إما فِكر شهوة جسدية، أو فِكر غضب، أو انتقام، أو تدبير سيء. أو فِكر كبرياء أو عظمة، ومجد باطل..
وفِكر الكبرياء هو الذي وقع فيه الشيطان وكان سبب هلاكه. كما قيل عنه في سفر إشعياء النبي: "وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ.. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). عجيب أن يفكِّر في أن يصير مثل الله!!
أما أفكار المجد الباطل؛ فهي كإنسان يتخيَّل لنفسه أوضاعًا من العظمة، وقد يسمونها "أحلام اليقظة".. ويقول في نفسه "أصير كذا وكذا.." من خيالات من الصعب أن تتحقَّق.. ويصحو في فكره، فيجد أنه لا شيء!
ومن أخطر أنواع الفِكر الخاطئ، فِكر التجديف.. أو فِكر الهرطقة، وأفكار البِدع في الإيمان والعقيدة.
الفِكر فيه طبقتان: إحداهما عميقة والأخرى سطحية..
ويمكن للعقل أن يشتغل في الاثنتين معًا.. كإنسان يصلِّي، وتكون صلاته في الطبقة العميقة من ذهنه. ومع ذلك يسرح في أمور، تطفو في الطبقة السطحية. أما إذا زاد السرحان جدًا، فإنه يدخل في الطبقة العميقة من الذهن، وتبقَى الصلاة في الطبقة السطحية! حتَّى لا يعرف هذا الشخص هل هو صلَّى أم لا؟!
هذه يسمونها طياشة الفكر، أو سرحان الفكر.
والسرحان الذي يدخل في الطبقة العميقة من الذهن، قد يستمر أيامًا، ينام به الشخص ويصحو، ويمشى معه في الطريق. وما أن يهدأ لنفسه حينًا، حتى يعود إليه الفكر مرة أخرى، لأنه دخل في الطبقة العميقة من ذهنه واستمرّ. وربما عنه يقول المزمور: "إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟" (مز13: 2).. مثل هذا قد ملكَ الفِكر عليه..
هذا الفِكر العميق الذي يستمر أيامًا، قد يدخل في العقل الباطن، ويستقر فيه، في الـ ـBack Head. يستقر في داخله. ثم يخرج أحيانًا كأحلام، أو ظنون، أو أفكار أخرى، أو يبرز كشهوات..
وأحيانًا يسأل شخص عن أحلامه الخاطئة: هل تُحسَب خطية عليه، وهو يعتذر بأن لا إرادة له فيها!!
نقول إنها تُحسب خطية، إن كان سبب هذه الأحلام شيئًا كان في وعيه قبل ذلك: سواء في رغبة، أو في فِكر، أو في قراءة، أو في أحد المناظر.. وتعتبر هذه الأحلام من الأمور شبه الإرادية.. ذلك لأنه توجد أمور إرادية، وأخرى غير إرادية، وثالثة شبه إرادية. أي أنها في صورتها غير إرادية، ولكن سببها هو عمل إرادي سابق، اختفَى في العقل الباطن، ثم ظهر هنا كحِلم.
وفي الحديث عن الأفكار الخاطئة، يجب التفريق بين أمريْن: حرب الفِكر، والسقوط بالفِكر..
أما عن حرب الفِكر فهو أن تطرأ أفكار على الذهن، والمرء لا يقبلها، بل يحاول طردها. وهي تُلِحّ عليه.. إلى أن ينتصر عليها.. هذه هي حرب من الخارج، غالبًا من الشيطان. ومقاومة الإنسان لها تُحسب له برًّا. ولا يُعتبر أنه قد سقط بعد في الخطية.
ولكن يعتبر الفِكر خطية، إذا ما قبله الشخص، ورضىَ به، أو ألتذَّ به. وتساهل معه بإرادته. وتركه يستمر دون مقاومة. وتحوَّل الفِكر إلى حكايات وقصص.. هنا يكون قد وقع في خطية..
إذًا حرب الفِكر غير إرادية، أما السقوط بالفِكر فعل إرادي. حرب الفِكر هي ما يقاومه الشخص. أما السقوط فهو ما يرضَى به.
حرب الفِكر.. إذا ما استمر الشخص في مقاومتها، حينئذ تفتقده النعمة وتعينه، ويفارقه الفِكر من أجل نزاهته. أما السقوط بالفِكر، فيستمر ويطول، ويتطوَّر إلى أسوأ.
الفِكر الخاطئ يجس نبضك، يختبرك: هل أنت تقبله أم لا؟ إن قبلته يستمر. وإن لم تقبله يهرب منك.. وغالبًا يقبل الشخص الفِكر، حينما يكون في قلبه ما يشبهه، أو ما يحن إليه! إنه يقبل فِكر الخطية، حينما تكون في قلبه شهوة للخطية.
وهنا نبحث معًا ما هي علاقة الفِكر بالقلب؟ أو علاقة القلب بالفِكر؟ ما أثر ذلك على تطور الفِكر.
في الواقع إن الفِكر والقلب يتبادلان العمل معًا..
ما يأتي من الفِكر يصل إلى القلب. وما يأتي من القلب يصل إلى الفِكر. والفِكر إذا نزل من العقل إلى القلب، يتحوَّل فيه إلى شهوة أو رغبة. أما إذا صدرت الرغبة من القلب، فإنها تتحول إلى فِكر.. إذًا كما قلت: هما يتبادلان العمل معًا..
والسيد المسيح قد شرح هذا الأمر فقال: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 35).
فإذا كانت في القلب شهوة معينة، تخرج منه أفكار شهوة. أما إن أتته أفكار الشهوة من الخارج، فإن القلب يرحِّب بها، لأن في داخله ما يشبهها..
نتحدث الآن عن تطوُّر الفِكر..
من الجائز أن يكون للإنسان مجرد فِكر في ذهنه. فيتطوَّر الفِكر إلى انفعال ينفعل به. ثم يتطوَّر الانفعال، فيتحوَّل إلى رغبة أو شهوة.
أو يتطوَّر الفِكر فيؤثِّر على نفسيته أو على أعصابه. أو يستمر الفِكر في تطوُّره حتى يصبح عملاً قد تم تنفيذه.. وإذا نَفذَ، من الجائز أن يرسب في العقل الباطن، ويخرج منه بصورة متعددة، أو يلد أفكارًا أخرى..
هنا ونناقش علاقة الفِكر بالإرادة
الفِكر قد يأتيك من الخارج. ويتوقَّف تطوُّره على إرادتك.. إذا أنت تساهلت مع الفِكر، فإنه يأخذ سلطانًا عليك. أما إذا قاومت الفِكر، فإنك تأخذ سلطانًا عليه..
فهل أنت تسيطر على الأفكار، أم تتسلَّط الأفكار عليك؟
إن القلب الأمين، لا يتساهل مع الفِكر، ولا يجعله يتجرأ عليه، ويمد جذوره في داخله. فإن دخل الفِكر إليك قاومه، ولا تتركه ليتعمق فيك. وهناك نصيحة جميلة يقولها لنا القديس بولس الرسول وهي: ".. وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ" (2كو10: 5). أي أنه إذا أتاك الفِكر، تأسره، وتجعله في طاعة المسيح. ولكي تأسر الفِكر وتنتصر عليه، ينبغي أن تعرف مصادر الفِكر.
فما هي مصادر الفِكر؟
هناك مصدر داخلي يأتي من القلب، كمحبة الخطية مثلاً.
ومصدر خارجي يأتي من أسباب كثيرة، منها الحواس مثلاً.
والآباء يقولون أن الحواسَ هي أبوابٌ للفِكر.
فما تراه، وما تسمعه، وما تقرأه، تفكِّر فيه. وما تلمسه أو تشمّه، تفكِّر فيه. لذلك فالذي يريد أن يحفظ فِكره، عليه أن يحفظ حواسه. ولا يترك حواسه شاردة، ترى وتسمع وتلمس كما تشاء! عليه إذًا أن يضبط حواسه، فلا تُدخِل إلى فِكره ما يتعبه.
هنا مصدر خارجي آخر للفِكر، هو عدوَى الأفكار.
فقد يوجد عند شخص فِكر خاطئ، يصبَّه في آذان الآخرين ومنها إلى أذهانهم، فيعديهم. وينتقل الفِكر منه إلى غيره.. وهذه هي عدوَى الفِكر. ولذلك يقول القديس بولس الرسول: "لاَ تَضِلُّوا: فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
وهكذا نرى كثيرًا من الذين وقعوا في الإدمان مثلاً، أو التدخين وما أشبه، من الجائز أن ذلك وصل إليهم عن طريق عدوَى الأفكار. فهناك - من معاشريهم - من قد نقل إليهم هذه العدوَى.
أو قد تأتي عدوَى الأفكار عن طريق القراءة. فيجب أن يُحسِن الإنسان اختيار ما يقرأه، لئلا تجلب له بعض القراءات أفكارًا.
ونفس الأمر يقال عن وسائل الإعلام، وعن الأحاديث الضارة. ويكون كل شخص حريصًا في اختيار أصدقائه. أما إن أتاه الفكر من الشيطان، فليذكُر قول الكتاب: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يع4: 7). وليذكر قول القديس بولس في توبيخ العبرانيين: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
ننتقل الآن إلى علاج الفِكر، وكيف يكون؟ المسألة تحتاج إلى وقاية، أو حصانة، أو علاج. فالوقاية تعني البُعد عن الأسباب التي تجلب الأفكار الخاطئة.
والحصانة هي أن تحصِّن فكرك بمحبة الله ومحبة الفضيلة.. وأن تشغِل ذهنك بحيث لا تتركه إلى فراغ يتعبك. وكما يقول المثل "عقل الكسلان معمل للشيطان".
اِجعل فِكرك مشغولاً باستمرار بما يفيد. فإن أتَى الشيطان، وطرق على أبواب ذهنك، يجدها مُقفلة أمامه، فلا يعرف كيف يدخل إليك. وكما قيل عن عذراء النشيد إنها "..جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 12). فالبِر قد أغلق أبوابها أمام عدو الخير..
ما هو إذًا علاج الأفكار؟
إذا هاجمك فِكر شرير، حاول أن تغيِّر مجرى تفكيرك...
سواء كان ذلك بالقراءة أو الدراسة، أو بالانشغال بحديث مع أحد الناس، أو بالصلاة.. المهم الهروب من الفِكرة بأية الطرق.. أو بأن تنشغل بفِكر آخر، على شرط أن يكون أكثر عمقًا. لأن الأفكار السطحية لا تنقذك.
هنا وأحب أن أقول إن الخلوة والوحدة قد لا تنفع في محاربة الأفكار.
إنها تنفع الشخص الذي يُحسِن استغلال الخلوة والوحدة في فِكر مقدَّس وفي محبة الله. لكنها تضرّ الشخص الذي لا يجد شيئًا ينشغل به في خلوته. فيأتيه الشيطان ليقول له: أنا على استعداد لأن أشغلك، وأسلِّي وحدتك..!
نصيحة أخرى: إن ذهبت لتنام، نَم في وقت تكون فيه متعبًا ومثقل الرأس، لكي تنام مباشرة، دون فترة تُتعبك فيها الأفكار.
لا تنم ولك أفكار تسرح هنا وهناك، لئلا تقف عند محطة شريرة فتُزعج عقلك بالأفكار. كذلك يفيدك أن تقرأ قراءة روحية قبل الذهاب إلى النوم، لكي تكون مجالاً لتفكيرك.. كذلك يحسُن أن تقدِّس فراشك بالصلاة قبل النوم. وبهذا كله تبعُد عن الأفكار الطائشة وعن الأفكار الخاطئة. ولتكن ملائكة الرب معك تحرس أفكارك حتَّى لا تضِلّ..
إن الفِكر يمكن أن يكون سلاحًا في يدك أو يكون سلاحًا ضدك فاتَّخذه صديقًا لك لا عدوًا..
واعرف أن أعظم المشروعات النافعة بدأت بفِكرة، وكل الأعمال الإنسانية العظيمة بدأت بفِكرة، ونحن في احتياج إلى خبراء في شتَّى العلوم والصناعات، نستقدمهم من بلاد بعيدة أو قريبة لكي نحصل من كل منهم على أفكار تحوي علمه وخبرته.. فلتكن إذًا أفكارك كنزًا لك ولغيرك..
ولتكن أفكارك بركَة للمجتمع الذي تعيش فيه.. فإن لم تستطع أن تجعل أفكارك مصدر نفع لك وللناس، فعلى الأقل لا تجعلها سبب ضياع لك تُفقِدك مصيرك الأبدي، وتُفقِدك نقاوة قلبك..
لا تنتظر حتَّى يحاربك الفكر الشرير ثم تتعب في مقاومته، بل ابدأ أنت واشغل فِكرك بالتأملات والأفكار الصالحة وبمشاعر الحب نحو الله والناس حتَّى يستحي منك ذهنك، إن أراد الشيطان أن ينجِّسه أو يُسقطه لذلك انشغِل دائمًا بكل ما هو نافع..
واعرف أن الله يقرأ أفكارك ويفحصها، لذلك ينبغي أن تخجَل من نفسك كلما استسلمت للفِكر الخاطئ. إن سقطت في الفِكر فلا تيأس وتستمر، بل أسرع وقَوِّم أفكارك، وليكن الله معك، يهبك نقاوة الفِكر كعطية إلهية.
هدوء القلب وهدوء الفِكر[3]
لا يكفي أن يكون الإنسان هادئًا من الخارج، في كلامه وفي أعصابه، إنما يجب أن يكون هادئًا في الداخل أيضًا. تكون نفسه هادئة.
وهدوء النفس من الداخل، هو الذي ينبُع منه الهدوء الخارجي
إن النفس التي تغلي من الداخل، حيثما حلَّت يحلّ الغليان والتوتر. تعيش كشعلة: حيثما أُلقيَت، أحرقت وانتشرت نارها هنا وهناك. لدرجة أن أمثال هؤلاء الناس إذا دخلوا مكانًا، يتهامس البعض قائلين: "يا رب استر".
ولكن الإنسان الهادئ من الداخل، نرى هدوءه الداخلي يفيض هدوءًا في الخارج.
نجد صوته هادئًا، ومشيته هادئة، ومعاملاته هادئة، ومناقشاته هادئة ومريحة.. وفي هدوئه لا يصيح ولا يتشاجر، بل تكون علاقته طيبة مع جميع الناس. إذ لا يلجأ إلى المشادة أو إلى العنف مع أحد. هذا من الخارج...
أما من الداخل، فيتمتع بهدوء الفكر وهدوء القلب.
الإنسان غير الهادئ من الداخل، تكون في داخله أفكار كثيرة: تموج وتطيش، وتروح وتجيء، ولا تثبُت على حال. ففِكر يجذبه إلى هنا، وفِكر يشده إلى هناك. وذهنه دائم التغيُّر. والأفكار تؤثِّر على نفسه، لأنها غير مستقرَّة..
وغير الهادئ يقاسي أيضًا من عدم الهدوء في مشاعره.
انفعالاته وأحاسيسه غير هادئة. رغباته وآماله طائشة غير مستقرَّة. يجذبها الخيال أحيانًا إلى آفاق عالية لا يستطيع الوصول إليها، ويحطَّه الفكر العملي إلى واقعه البعيد عن آماله. ويظل يضطَّرب بين الرغبة والواقع. فتضطَّرب معه انفعالاته. وقد يقع في اضطرابات نفسية عديدة، نذكر من بينها القلق..
والشخص الذي يعيش في قلق، هو فاقد لهدوئه.
فالقلق يدل على عدم هدوء النفس. والقلق يدفع إلى الخوف.. والإنسان المصاب بالقلق، أفكاره غير هادئة، غير مستقرة..
والقلق قد يدعو إلى الشك... والشك يُفقِد النفس هدوءها.
والإنسان الشكّاك لا يكون هادئًا مطلقًا من الداخل. ويُسائل نفسه باستمرار: هل هو على حقٍّ في شكوكه؟ وهل يجوز أن تكون شكوكه غير حقيقية؟ وكيف يمكنه أن يتحقَّق من هذه الشكوك ويثبتها؟
فهو يشُك. ثم يشُك في شكِّه! وتبقى أفكاره غير هادئة. وقد تعذِّبه نفسيًا وتتعبه. وهذا التعب يزيد من عدم هدوئه.. كما أن الشك قد يُتعِب الشخص في علاقاته مع الآخرين..
والشك له أنواع، وكلها تُفقِد الهدوء.
سواء كان شكًا في وقائع أو في أشخاص.. أو شكًّا في علاقات.. أو كان شكًّا في عقيدة، أو في الله نفسه! وربما يكون الشكّ في مستقبله وما ينتظره فيه.. وفي كل ذلك الشكّ يكون العقل مضطربًا، وتكون النفس أيضًا مضطربة...
على أية الحالات، هدوء القلب يجلب هدوء الأفكار..
إذا كان مستريحًا وهادئًا، تصبح أفكار صاحب هذا القلب مستريحة أيضًا وهادئة. فإذا اضطَّرب القلب، اضطَّربت أفكاره. وهكذا حسبما يكون القلب، تكون الأفكار. إن كانت في القلب عواصف وبراكين، تجد الأفكار كأنها في سوق يبيعون فيه ويشترون! وبالعكس إذا كان القلب هادئًا، تهدأ معه الأفكار...
على أن هناك أشخاصًا نفسياتهم ضعيفة، يضطربون لأتفه الأسباب...
وربما لمجرد الوهم، بغير سبب حقيقي. وفي اضطرابهم يفقد القلب هدوءه، ويفقد الفِكر هدوءه. وينعدم الهدوء الداخلي، ويظهر عدم الهدوء في تصرفاتهم أيضًا...
ومن مظاهر عدم هدوء الفِكر، حالة الفِكر الطائش الجوّال...
فالفِكر الهادئ مركَّز، مستقِر في موضوع تفكيره. وله عمق في التفكير. أما الفِكر غير الهادئ، فإنه يجول من موضوع إلى موضوع. ويطيش في أمور متعددة. كمن تطيش أفكاره حتى أثناء الصلاة! وكما قال واحد من الآباء: "إذا كانت النار طعامها الوقود، فإن الفِكر طعامه الحكايات".
الفِكر الطائش غير الهادئ يهوَى الحكايات والأخبار والرغبات، وينتقل من خبر إلى خبر، ومن قصة إلى قصة، ومن سيرة شخص إلى سيرة شخص آخر. بل ينتقل هذا الفِكر من بلد إلى بلد، دون أن تهدأ. إنه يذكِّرنا بالشيطان الذي من عمله الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، والتَّمَشِّي فِيهَا (أي1: 7).
ومن مظاهر عدم هدوء الفِكر، حالة الفِكر النقَّاد..
الفِكر الذي لا يعجبه أحد، ولا يعجبه شيء! له نظرة قاتمة سوداء.
فهو باستمرار ثائر على الأوضاع، يرَى أن الحق فيما قد ضاع! فيحتدّ على كل ما يعرض أمامه، حتى إن كان لا دخل له فيه، وحتى إن كان لم يدرس الموضوع ولم يفهمه! ولكنه مع ذلك ساخط على كل شيء، متذمِّر من كل شيء، منتقِد لكل شيء، فاقِد لهدوئه..
والفِكر الفاقد لهدوئه، يعمل على إشاعة عدم الهدوء في نفوس الآخرين..
ينشر أفكاره القلقة غير الهادئة. يصبَّها في آذان الآخرين وفي أذهانهم. ويتحمَّس لها، ويعمل على إقناع الناس بها، وقد يفلح في ذلك أو لا يفلح. وحتى إذا لم ينجح في نشر أفكاره غير الهادئة، فإنه يسبب عدم هدوء بسبب مناقشاته..
ومن الأفكار غير الهادئة، الفِكر اللحوح.
الفِكر الذي يلحّ على ذهن صاحبه إلحاحًا، ويضغط عليه بطريقة متعبة. بينما يحاول الشخص أن يتخلص منه فلا يستطيع. وبإلحاح هذا الفِكر عليه، يفقد هدوءه... وبخاصة ذلك الفِكر الذي ينام به الإنسان ويصحو، وهو مستمر. يلِحّ عليه حتى أثناء عمله، وأثناء صلاته، وأثناء راحته، بلا هوادة، وبلا انقطاع.
مثل هذه الأفكار غالبًا ما تكون حربًا من الشيطان.
لأن الأفكار الروحية هادئة باستمرار. أما الشيطان فإنه يضغط بأفكاره بلا رحمة، ويدفع الشخص إلى سرعة التنفيذ. وهو بإلحاحه يضغط على الأعصاب ويتعبها، لكي تحسب أن التنفيذ هو أسهل وسيلة لراحتها.
إن الفِكر اللحوح فِكر مشاغب، لا يشاء أن يترك للإنسان فرصة للمشورة، ولا فرصة لفحص الفِكر ومناقشته، كما لو كان يريد أن يرغم الشخص عليه إرغامًا...
ومن أنواع الأفكار غير الهادئة: الفِكر المتقلِّب.
الذي يعرض الشيء وينقلب إلى عكسه. وتارة يوافق على الأمر، وتارة يعارضه. يتحمَّس للموضوع حينًا، ويفتُر حماسه بعد حين. هو كأمواج البحر تمتد وترجع، في غير ثبات.. إنه فِكر متقلِّب، أو هو فِكر متردِّد، يسبب لصاحبه الحيرة وعدم الهدوء وعدم الاستقرار.. أما الفِكر الهادئ، فهو يشبه السفينة التي تشق طريقها في هدوء، في مسار واحد، لا تضطَّرب فيه، ولا تنحرِف يمنة ولا يسرة.
الأفكار غير الهادئة تُفقِد القلب هدوءه.
وكذلك القلب غير الهادئ يكون مصدرًا لأفكار مضطَّربة.
كلٌ من القلب والفكر يكون للآخر سببًا أو نتيجة....
فالقلب بكلِّ ما فيه من مشاعر وأحاسيس وانفعالات.. كالحزن والغيظ والحقد، والشهوة، والاضطراب، والرغبة في الانتقام، والرغبة في السيطرة أو التملُّك... القلب الذي فيه شيء من هذه المشاعر وما يماثلها، لا يمكن أن يكون هادئًا... وكذلك أفكاره ومما يفقد القلب هدوءه بالأكثر، الرغبات التي تطلب سرعة تحقيقها، بينما هذه السرعة لا تكون متوافرة في الواقع العملي. فيفقد القلب هدوءه.
القلب الهادئ، يرَى كل شيء هادئًا، فلا يضطَّرب بشيء أما القلب غير الهادئ، فيرَى في كل شيء سببًا للاضطِّراب...
لذلك يضطَّرب، ويثير الاضطِّراب حيثما حَلَّ...!
القلب الهادئ لا تزعجه المشاكل الخارجية، وإنما يتقبَّلها في هدوء، ويتناولها بعقل، ويحلِّلها ويفحصها، ويحلَّها في هدوء. ولا يسمح للاضطراب الخارجي أن يدخل إلى داخل نفسه لكي يعكر صفوها!
إنه لا يترك المشكلة تنتصر عليه، بل ينتصر هو عليها. يقول لنفسه: لا أريد أن تُزعجني هذه المشكلة، ولا أريدها أن تدفعني إلى الغضب أو النرفزة أو الحزن... ولا أن تُفقدني سلامي. أريد أن تبقَى هذه المشكلة خارجي، ولا تدخل إلى داخل نفسي.
القلب الهادئ بحرٌ عميق، قد تطفو المعكِّرات على سطحه، فلا تُزعج هدوءه. وإن هبطت إلى أعماقه تذوب وتتلاشَى.
أما إن انزعج الإنسان من الداخل وفقد هدوءه، فإنه يعجز عن حلِّ مشكلاته، فتُزعجه، ويظهر عدم الهدوء في تصرفاته، وفي التعامل مع الناس والأحداث. والقلب الهادئ يصلُح للعمل الروحي.
أما إذا فقد القلب هدوءه، فأنه لا يقدر على التأمُّل. وإذا حاول الصلاة تسرح أفكاره، وإن قرأ كتابًا يسرح أثناء القراءة.
لذلك كان محبو التأمل، يبحثون عن الهدوء والسكون. لأنه في الجو الهادئ والمكان الهادئ، يمكنهم أن يمارسوا عملهم الروحي.
القلب الهادئ يبسِط هدوءه على الإنسان كله..
هدوء القلب يسبِّب هدوء الفكر وهدوء الأعصاب، وهدوء الملامح. ونود أن نتحدَّث عن هذه النقطة الأخيرة: قليل من الناس يستطيعون أن يتحكَّموا في ملامحهم.
فغالبًا ما تكون الملامح كاشفة لحالة القلب.
سواء أراد الإنسان ذلك أو لم يرد... فإن اضطَّرب قلبه، يظهر الاضطِّراب في ملامحه. إن اغتاظ، إن تضايق، إن أشمئَز، إن خاف... يظهر كل ذلك في ملامح وجهه، أو في نظرات عينيه. حتى إن سرح في أحلام اليقظة، تكشفه ملامحه.
ملامحه هي اعترافات غير إرادية، تكشف ما في داخل القلب والفكر.
فقد يضطَّرب وينكر اضطِّرابه، ولكن ملامحه تعلن أنه غير صادق في إنكاره. وأحيانًا يفقد الإنسان هدوءه القلبي. وإن سألوه عن السبب ينكر. ولكن نبرات صوته، وحركات يديه، ونظرات عينيه، وربما حركة شفتيه، وخلجات وجنتيه... كل ذلك ينطق بما في داخله بما لا يسمح بمجال للشك...
لا تظنوا أن القلب خزانة مغلقة تكتم أسراره! فكثيرًا ما يكون مكشوفًا ومفتوحًا بواسطة الملامح. وغالبًا ما تكون عين الشخص مرآة ترَى فيها مشاعره الداخلية، وربما تقرأ فيها أفكاره أيضًا. أي إنسان لمَّاح يستطيع ذلك... لهذا بعض الناس يلبسون نظارات سوداء، حتَّى لا يتمكَّن مجالسوهم من رؤية انطباعاتهم، وردود فعلهم، ومشاعرهم الواضحة في عيونهم.
القلب الهادئ، ملامحه هادئة ومريحة.
تحب أن تجلس إليه وتتأمل ملامحه: تتأمل الهدوء العجيب الذي يفيض من القلب ويكسو الملامح... لذلك لم يكن عجيبًا أن أحد تلاميذ القديس أنطونيوس الكبير يقول له: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي"... ففي وجهه كان يرَى السلام الداخلي الذي يملأ قلبه. وكان يرَى كل ما في القلب من طهارة وبِر.
أما القلب غير الهادئ، فملامحه غير مريحة. لذلك إن لم يكن لكم هدوء القلب. فحاولوا أن تتحكَّموا في ملامحكم لتكون هادئة ومريحة.
موهبة التفكير
أكبر مشروع أوله فِكرة...
لذلك من المهم أن يوجد أشخاص لهم موهبة التفكير. ولهم أيضًا متَّسع من الوقت للتفكير، وجو هادئ يفكِّرون فيه.
فإن لم تكن لك موهبة التفكير، اعتمد على خبراء أذكياء، يفكِّرون...
قادة الفِكر[4]
هناك فرق بين أصحاب الفِكر وقادة الفِكر.
أصحاب الفِكر كل منهم صاحب فِكر، له فِكر، ولفِكره عمق.
أما قادة الفِكر فهم الذين يستطيعون أن يوصِّلوا فِكرهم إلى الغير ويقنعونهم به، فيعتنقونه ويتَّخذونه لهم منهجًا.
قادة الفِكر لا يتكلَّمون من فوق.. لا يجلسون في أبراج عالية يتحدَّثون منها إلى الجماهير، بل يتكلَّمون بلغة سهلة يفهمها الناس وتمسّ مشاعرهم ويتحمَّسون لها.
الفيلسوف صاحب فِكر ولكن ليس كل فيلسوف قائدًا للفِكر.. إنه يصبح من قادة الفِكر إن استطاع أن ينقل فِكره إلى الغير، ربما إلى الجماهير، وربما إلى أجيالٍ كثيرة.
هل للفِكر ثمن؟![5]
ثمن الكتاب هو ثمن الورق والحبر وأُجرة الطباعة، وليس هو ثمن الأفكار...
فالأفكار أغلى من أن تُثمَّن. وهي لا تُشترى ولا تُباع، إنما توهَب.
هي نورٌ يسري من ذهن إلى ذهن، ومن قلب إلى قلب، ويُلقي شعاعه إلى محبيه، وإلى منتقديه أيضًا.
لذلك حينما نقرأ على كتاب ثمنه، فلا تتصوَّر مطلقًا إنه ثمن أفكاره. فربما فكرة واحدة فيه تكون أغلى من كل ما يُدفع فيه من ثمن...
حتى الكتاب الذي يبدو وراء ثمنه مكسَب: ما هذا المكسَب سوى ثمن مصروفات صاحب الكتاب على احتياجاته أو احتياجات غيره... وليس ثمن الأفكار. والكتاب النافع لا يكون نفعه قاصرًا على أفكاره فقط. بل الأفكار التي فيه تلد أفكارًا أخرى في ذهن قارئها، وتلد مشاعر في قلبه. تُرى هل لهذه الأفكار والمشاعر المولودة ثمن؟!
_________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14/8/1992م
[2] مقالان نُشرا في مجلة الكرازة، 9/12/2005م، وجريدة الأهرام، 8/10/2006م
[3] مقال نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 18/3/2003م
[4] "خبرات في الحياة"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 10/12/1993م
[5] "خبرات في الحياة"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 1/2/1988م
سابعًا: الشهوة والرغبات
الشهوة[1]
قال الرب في آخر وصية من الوصايا العشر: "لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، ولا.. وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ" (خر20: 17) وفي العهد الجديد قيل في (1يو2: 16): "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ..".
فشهوة الجسد تشمل أمورًا عديدة منها الزِنى، وشهوة الأكل والشرب، وشهوة المخدرات، والخمور... وشهوة العين منها كل نظرة خاطئة، وقد قال السيد المسيح: "كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 28). أي أنها نظرة غير عادية، وإنما مصحوبة بشهوة، أما النظرة العادية فلا خطأ فيها.
هذه الشهوات هي بِدء كل خطية. فمثلاً شهوة الاقتناء أو شهوة المال قد تكون مُقَدِمة للسرقة أو الرشوة. كذلك جريمة القتل يسبقها في كثير من الأحيان شهوة الانتقام أو شهوة الحقد أو شهوة النجاة، كأن يدخل الشخص بيتًا ليسرقه وإذا استيقظ أحد من البيت ورآه قد يخاف فيقتل من رآه... والكذب أيضًا تسبقه شهوة. منها شهوة تبرير الذات، وعدم الانكشاف أمام الآخرين.
على أن هناك أشخاصًا بطبيعتهم شهوانيون.
والشخص الشهواني تقوده شهواته وليس عقله ولا ضميره... والشهوات تتمشَّى أحيانًا في تدرُّج: أي أن الشخص يشتهي شيئًا، ثم يفكر فيه، ثم ينقاد له، إلى أن تتحوَّل شهوته إلى عادة، فلو تكرَّرت يُستعبد لها، أي لا يستطيع أن يتخلَّص منها. فالمفروض أنه قاوم الشهوة التي تحاربه أيًا كانت.
وقد أعجبتني جدًا عبارة قديمة قالها الأستاذ مكرم عبيد (باشا) وهي: "افرحوا لا شهوة نلتموها، بل لشهوة أذللتموها"، أي أن الشخص لا يفرح بأنه نال شهوة خاطئة، إنما يفرح إن استطاع أن يذلّ هذه الشهوة بطردِها من فكره ومن قلبه.
نلاحظ أيضًا أن الشهوة إن بدأت في قلب الإنسان أو فكره، لا تستريح حتى تكمُل، أي إلى أن تصل إلى غايتها عمليًا، فالشهوة تبدأ باتصال. ثم تتطوَّر إلى انفعال، ثم إلى اشتعال، وأخيرًا إلى الاكتمال، أي تكمل الشهوة فعليًا. فكلها خطوات تمرّ على الشخص، فينبغي إذا وصل إلى أية درجة منها، أن يطردها بسرعة. ولا يترك نفسه عُرضَه للصراع مع الشهوة، لأنه غالبًا ما يخسر حتى يتم الأمر بالفعل، ويضر نفسه ويتعب.
وسنضرب لذلك أمثلة...
أبونا وأمنا حواء كانا في الجنة أمامهما كل أشجار الجنة، ومنها شجرة معرفة الخير والشر، فلما اشتهوها لم يستريحا إلا بعد إكمال الشهوة والسقوط... وداود النبي كانت له سبع زوجات، ولكن هؤلاء السبعة لم يكن فيهن الإشباع، إلا بعد أن وصل إلى "بثشبع" فأكمل شهوته معها...
ابنه سليمان كان ملكًا غنيًا جدًا، وقد قال عن نفسه: "وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" (جا2: 10). فلم تكفِه من قبل كل ما كان معه من متعة المُلك... وأيضًا آخاب الملك كانت في حوزته أشياء كثيرة جدًا: ومع ذلك الشهوة أرادت أن تكمل بأن يأخذ حقل نابوت اليزرعيلي، فأخذه وضَيَّعَ نفسه ونالته عقوبة الموت...
على الإنسان إذًا أن يحتفظ بنفسه بعيدًا عن الشهوات الخاطئة، لأنه لو فتح الباب لها فسوف لا ينتهي منها حتى تُنهي هي عليه.
فالشهوة تضغظ وتضغط، وقواه تبدأ تضعف وتضعف، إلى أن يسقط أخيرًا.
فالشهوة لا تشبع ولا تنتهي بالإشباع، فقد يحدث لشخص إن ضغطت عليه الشهوة بالفكر، يقول: أنا أنفذها وأستريح وأتخلَّص منها!
ففي الحقيقة لو نفذها سوف لا يستطيع أن يتخلَّص منها أبدًا! والدليل على أن الشهوة لا تنتهي بالإشباع، فإن سليمان الملك الذي قال: "وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" (جا2: 10)، قال أيضًا: "كُلُّ الأَنْهَارِ تَجْرِي إِلَى الْبَحْرِ، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بِمَلآنَ"، وقال أيضًا: "الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ" (جا1: 7، 8). والسيد المسيح قال أيضًا: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا" (يو4: 13). وإن كان يعطش فطبيعي فإنه سيذهب ليشرب، وإن شَرِبَ مرة أخرى سيعطش، والقصة لا تنتهي. وما دامت الشهوة لا تنتهي بالإشباع لأن كل من يُشبِع نفسه منها لا يشعر فيها بلذة تدعوه إلى الممارسة، ويتكرَّر الموضوع...
لا يوجد من يحارب الشهوة وينتصر عليها إلا "ضبط النفس".
وضبط النفس والهروب من الشهوة يأتي بإحلال شهوة مقدسة مكان الشهوة الخاطئة، فتبقى الشهوة المقدسة، وتخرج الشهوة الخاطئة، أو كما قال أحد الآباء: "إن التوبة هي إحلال شهوة بشهوة".
فشهوة التواضع مثلاً تلغي شهوة محبة الكرامة والظهور.
وشهوة الهدوء تلغي شهوة التبرُّج والكلام الكثير.
وشهوة الفضيلة تُنهي شهوة الخطية، وقد قال الكتاب: "لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ" (غلا5: 17)، فإذا ما حاربتنا شهوة من شهوات الجسد، نضع مكانها شهوة خاصة بالروح... على شرط أن تكون الشهوة الروحية عميقة تقدر أن تسيطر على شهوة الجسد...
من الأساطير الخاصة ببوذا، مؤسِّس الديانة البوذية، إنهم يقولون إن بوذا في إحدى المرات جلس تحت شجرة المعرفة، وأُوتي المعرفة التي نشر بها مذهبه فقال: (إن كل الناس يسعون إلى السعادة. ولكي يصلوا إلى السعادة، لا بد أن يتخلَّصوا من الشقاء. وكل أنواع الشقاء لها سبب واحد وهو وجود شهوة لم تتحقَّق. فكلُّ إنسان عنده شهوة لم تتحقق يعيش في شقاء. فالحلُّ إذًا هو أن الإنسان يبعد عن الشهوات تمامًا).
وهذا يبدو أنه حق. لأننا قد نجد بوابًا لعمارة ضخمة يعيش سعيدًا، ويغنِّي وهو في غاية الفرح لأنه ليست له شهوة في أن يعيش في وضع غير هذا. بينما صاحب العمارة نفسه من الجائز أن يكون في نكد لأنه له شهوات أخرى أن تكون له عمارات كثيرة أو مال أكثر..!
ولكن الخطأ في منطق بوذا، أنه لا يمكن أن يعيش إنسان بغير رغبات. فالوضع السليم أنه يجعل شهوات مقدَّسة تحلّ محل الشهوات الخاطئة.
وكمثال للشهوات المقدَّسة قول القديس بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23) داود النبي يقول: أنه يشتهي أن يجلس على عتبة بيت الرب أفضل من السُكنى في مظال الخطاة (مز83: 10). وما أكثر الناس الذين تكون لهم شهوة أن يفعلوا الخير مع كل أحد. ومنهم من له شهوة الخدمة، ويكون قلبه ملآن بمحبة الخدمة ومشاعر الفرح.
هناك قوم آخرون لهم شهوات، لا هي شهوات مقدَّسة، ولا هي شهوات مدنَّسة، إنما شهوات تافهة.
مثال ذلك: شخص له شهوة جمع الطوابع وجمع التحف، وتجده فرِحًا كلما يصل إليه خطاب يأخذ منه طابع البريد الذي فيه ويضعه ضمن محفوظاته من هواياته... أو أناس لهم شهوة من جهة الزينة أو الجمال، ومحبة الوقوف أمام المرآة مدة طويلة لهم للاطمئنان على النفس قبل أن تتصل بالآخرين. هذه أيضًا شهوة تافهة.
أشخاص آخرون لهم شهوة في المراكز والألقاب وقد يشتاقون إلى الوجود في درجة مالية أكبر مما كان لهم، وإن لم يصل أحد منهم الدرجة التي يريدها، يكون حزينًا لأن له رغبة لم تتحقَّق.. أو شخص آخر يكون له شهوة في المناظر. تكون له سيارة خاصة. وكل ما يظهر موديل جديد يريد أن يبيع العربة ويشتري موديلاً جديدًا يكون أفضل، تقول له: إن عربتك صالحة جدًا فيرد بأنها عيبًا له، ويقول ماذا يقولون عني، وعندي سيارة قديمة، إذًا فأنا متخلِّف!!
تقول له أنت لست متخلفًا يا حبيبي، إن العربية هي المتخلِّفة، فيقول: هي أيضًا منسوبة إليَّ! إن الشهوات لا تنتهي، وكما أن الشخص يريد أن تكون له سيارة موديل جديد. فهناك أناس يريدون أن يغيِّروا ملابسهم أيضًا بموديلات جديدة... والملائكة تتفرَّج من السماء على كل هؤلاء وترى أنهم لا يعيشون أبدًا في حياة جادة!
هناك شهوات أخرى مدمِّرة. أول من وقع في هذه الشهوات كان الشيطان حينما قال: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). وإذا به قد نزل إلى الهاوية.
وهناك شهوة أخرى مدمِّرة مثل: المخدرات، وبخاصة التي تتحوَّل إلى إدمان، وتُفقد الإنسان حريه إرادته وتُنزله عن قدره كما تحطِّم أيضًا أمواله وهيبته. وكلما ينفخ من فمه دخان سيجار قد أخذه، فإنه يؤذي من حوله. ولذلك كثير من شركات الطيران تمنع التدخين داخل الطائرة. وهيئات كثيرة تمنع التدخين في أماكن مغلقة، لأن المدخِّن لا يدمِّر نفسه فقط، وإنما يدمِّر الذين حوله، وكذلك أيضًا أصحاب أمراض الإيدز في تدمير من يتصل بهم، وقد وصلوا إلى هذه الخطورة نتيجة لتدرُّج الشهوات الخاطئة عندهم.
إن الإنسان الذي يضرّ نفسه بعاداته وشهواته الرديئة، ينبغي أن يتدرَّب على احترام نفسه ولا يسمح لنفسه أن تهبط إلى هذا المستوى المتدنِّي الذي أوصلته إليه العادة المسيطرة أو الشهوة المدمِّرة. والشخص الذي يضرّ غيره بتطوُّر شهواته، عليه أن يكون حريصًا على احترام حقوق الغير، واحترام سمعة الغير وعِفته ومستقبله، إن كانت الخطية خطية جسدانية. والشخص الذي يضرّ غيره عليه أن يقول: "المفروض فيَّ أن أنفع غيري من كل ناحية. فإن كنت لا أستطيع أن أنفع غيري، فعلى الأقل لا أضرّه".
وفوق كل ما قلناه، على الذين تسيطر عليهم الشهوات، أن يفكِّروا في أبديتهم. ففي العالم الآخر ماذا سيكون مستوى الواحد منهم هناك؟! وبخاصة إذا وجد نفسه في ملكوت الله لا مجال للشهوات، بينما هو قد تقيَّد بها، وحيث يقولون له: ليس لك مكان عندنا.
وأيضًا المحاربون بشهوات رديئة عليهم أن يبحثوا عن مصادر وأسباب الشهوة، يحاولون تجنُّبِها بقدر المستطاع. وعلى رأي المثل الذي يقول: (الباب الذي يأتي منه الريح، حاول أن تسدّه وتستريح).
وهناك آياتان يضعهما كل إنسان أمامه. إحداها في (غلا5: 24): "الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ". والآية الثانية هي: "أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا" (2تي2: 22).
يا ليت كل واحد منا يعرف ما هي الشهوات التي في نفسه. هل هي من شهوة الجسد. أم شهوة العين، أم تعظُّم المعيشة، ولو حتى بالفكر فيقول: (لو كنت كذا... أو ساعدني الحظ، أو ساعدتني الظروف أن أكون كذا...).
أنواع من الشهوات[2]
الشهوة
إن اعتبار الشهوة الرديئة خطية، لم ترد فقط في العظة على الجبل في (مت5: 28). وإنما حرم الله ذلك في الوصية الرابعة من الوصايا العشر، حيث قال: "لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ... وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ" (خر20: 17) (تث5: 21).
وفي العهد الجديد، يقول القديس يوحنا الرسول: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ.. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 15، 16). ويقول أيضًا: "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ".
وموضوع الشهوة، يذكِّرنا بما ورد عن ذلك في تعليم الفليسوف بوذا...
تقول الأساطير أن بوذا جلس تحت شجرة المعرفة، وعرف أن كل إنسان يسعى إلى السعادة، وأن السعادة تكون في البعد عن أسباب الشقاء. وأن للشقاء سببًا واحدًا هو وجود شهوة لم تتحقَّق. لذلك دعا إلى التخلص من كل الشهوات. غير أن هذا الأمر يتعذر عمليًا، لأنه لا ي وجد إنسان يعيش بدون هدف في حياته يشتهي أن يتحقق. لهذا فالموضوع السليم هو التخلص من الشهوات الرديئة فقط، ولا مانع من أن يشتهي الإنسان ما هو صالح.
الشهوات الخاطئة
نتحدث الآن عن الشهوات وخطرها. فمشكلة الشهوة إنها لا تشبع.
فكما ورد في سفر الجامعة: "كُلُّ الأَنْهَارِ تَجْرِي إِلَى الْبَحْرِ، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بِمَلآنَ"، "الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ" (جا1: 6-7). وقد قال السيد المسيح عن أمور العالم: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا" (يو4: 13). وطبعًا إذا عطش، يشتهي أن يشرب مرة أخرى. وكلما يعطش يعود فيشتهي أن يشرب وهكذا دواليك بلا نهاية..
كذلك من مشاكل الشهوات، مشكلة الحصول على الشهوة، وطريقة تنفيذها، ونتائجها..
فمن الجائز أن شخصًا لا يستطيع أن يحصل على شهوته، فيظل متعبًا ينتظر متى ينالها. وإن نالها، يخاف أن تضيع منه ولا تستمر معه.. كما أنه يخاف من نتائج الشهوة، إن كانت قد ولدت خطية (يع1: 15). وهكذا يعيش في جحيم الرغبات.
وقد قال القديس يعقوب الرسول عن الشهوات الخاطئة "كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ" (يع1: 14).
أما عن الشهوات الخاطئة، فأول شهوة خاطئة عرفها العالم، هي شهوة العظمة. وقد وقع فيها الشيطان.
وقد ورد عنه في سفر إشعياء النبي: "وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ.. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14).
نلاحظ هنا أنها كانت شهوة في قلبه، وأنه لم يكتف بما كانت له من رفعة (حز28: 12- 14)، بل أراد أن يرتفع أكثر ويصير مثل الله! كما أنه بشهوة العظمة عمل على إغواء حواء، فقال لها: "تَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5).
بشهوة العظمة أيضًا، هلك هيرودس الملك. حينما قَبل من الناس مدحهم له بأن صوته هو صوت إله!! ففي الحال ضربه ملاك الرَّب فمات (أع12: 21-23).
من شهوة العظمة أيضًا: أحلام اليقظة
كأن يجلس شخص ويسرح فكره في خيال أنه صار كذا وكذا، من شهوات العظمة التي يحلم بها خياله.. ثم يستيقظ من أحلامه الذهبية هذه، فيجد نفسه أنه لا شيء!! أو شخص تكون له شهوة في المناصب، أو السلطة، أو حب الظهور، أو حب المديح، أو شهوة في البطولة والتباهي.
كلها شهوات عظمة، تأخذ مظهرًا عالميًا. على أنه قد توجد شهوة تأخذ مظهرًا دينيًا.. كأن يشتهي راهب أن يصير في درجة السواح. أو يشتهي كاهن أنه قد صار يعمل المعجزات، يشفي المرضى ويقيم الموتى، ويتمتع بمواهب الروح القدس المتعدِّدة، فيتكلَّم بألسنة، ويمنح الروح لآخرين..! إنها شهوة المجد الباطل. فيشتهي صاحبها أن يكون له اسم وشهرة ونفوذ..
ومع شهوة العظمة، تأتي شهوة الرئاسة، أو الأولوية، والتفوُّق على الآخرين.
وقد مارس الشيطان هذه الشهوة حينما قال في قلبه: "أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ" (إش14: 13). ويقع في هذه الشهوة كل الذين يتنافسون، وكل منهم يريد أن يكون هو الأول والأهم والأعلى..
وقد وقع تلاميذ السيد المسيح في هذه الشهوة، أي من يكون فيهم الأول؟ فوبَّخهم الرب قائلًا: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، فليكن لكم خادمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 25- 28).
طبعًا شهوة الرياسة قد توجد أيضًا في محيط الأسرة. حينما تتنافس الزوجة والأم في من يكون لها السيادة على البيت والتأثير على الرجل، الذي تصبح حياته في جحيم بسبب حيرته بين احترامه لأمه وحبه لزوجته..
من الشهوات المشهورة أيضًا: شهوة المال والغِنى.
بينما الكتاب يقول: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ" (1تي6: 10). واعتبره الرب سيدًا يخدمه مُحِب المال (مت6: 24).
ومعروفة قصة الشاب الغني الذي سأل الرب قائلاً: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" فلما قال له: "اذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ" حينئذ ".. مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 16-22).
ومعروفة أيضًا قصة الغني الغبي الذي قال له الرب في: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟" (لو12: 20).
ومع شهوة المال تدخل محبة القنية والامتلاك.
وما أكثر ما يحرص أشخاص على اقتناء تُحف وأشياء عديدة، ربما لا تكون ذات فائدة لهم، ولكنهم يتعلَّقون بها عاطفيًا. بينما يحتاج آخرون إلى الضروريات ولا يجدونها.
وشهوة المال، هي التي تجرّ كثيرين إلى البُخل وإلى عدم دفع العشور، وعدم العطف على الفقراء. ونسمع عن الإخوة الذين يختلفون معًا حول ميراث أبيهم اختلافًا يصل إلى التقاضي والمحاكم، وكل ذلك بسبب حب المال!
ويتبع شهوة المال، الطمع ومحبة الازدياد، والجمع والتكويم، ومحبة النصيب الأكبر. والجشع. وكل هذه شهوات.
هناك أيضًا شهوة الإدمان، سواء من جهة الخمر أو التدخين أو المخدرات أو القمار.
وكلها شهوات يخضع الشخص تحت عبوديتها فتسيطر عليه، وتمتلك إرادته، وتجرُّه إلى أخطاء كثيرة.
نتحدَّث بعد هذا عن شهوة الجسد، وهي على نوعين: منها شهوة الزنى، أي شهوة النجاسة. وأيضًا شهوة الطعام.
ومن جهة شهوة الأكل، معروف أن عيسو باع البكورية من جهة أكلة عدس! والشعب الذي في البرية اشتهى أن يأكل لحمًا، "وَبَكَوْا وَقَالُوا: مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ قَدْ تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ مَجَّانًا، وَالْقِثَّاءَ وَالْبَطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ" (عد11: 4- 6) فأنزل لهم الرب لحمًا، وضربهم ضربة عظيمة، فمات منهم كثيرون. ودُفنوا في مكان سُمي "قَبَرُوتَ هَتَّأَوَةَ" أي قبور الشهوة..!
وشهوة الأكل هي التي تجعل البعض يكسرون صومهم، أو يتحايلون على الإفطار بطرق متعددة!!
والكتاب يقول: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ.. لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ" (غل5: 16، 17).
هناك شهوة ثالثة من شهوات الجسد هي شهوة الراحة والاسترخاء.
أو هي شهوة الكسل، حيث يشتهي الإنسان أن لا يعمل حين يكون ذلك في قدرته. وقد تعرض الكتاب لهذه الشهوة في سفر الأمثال (أم21). ويتبع ذلك أيضًا شهوة اللهو والهزل. وكثيرًا ما يقع تلاميذ المدارس في هذه الشهوات.
من شهوة الجسد أيضًا شهوة العين.
وهي شهوة أن يرى إنسان ما تَحرُم رؤيته، أو ينظر نظرة معها شهوة كأن ينظر إلى امرأة ويشتهيها (مت5: 28). وبالمثل المرأة بالنسبة إلى الرجل.
وعمومًا كل نظرة شهوة إلى ما يمكله الغير هي شهوة محرَّمة. يضاف إلى ذلك النظرة التي تشتهي أن ترى ضررًا يحيق بالغير. كأن يقول أحدهم عن غيره: "نفسي أشوف فيه يوم"، أي يومًا رديئًا.
أيضًا شهوة الأذن وهي اشتهاء سماع ما لا يليق.
سواء سماع الفكاهات البذيئة، أو القصص والأغاني الرديئة. أو شهوة سماع أسرار الغير (ما يسمونه زنا الآذان) أو سماع فضائح عن الغير. وعمومًا شهوة سماع كل ما يعكر نقاوة الفكر، أو سماع سقطة العدو أو مذلَّته. وفي هذا يقول الكتاب: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ.." (أم24: 17).
ومن الشهوات الخاطئة للآذان، شهوة سماع المديح من الناس، أو سماع كلمات النفاق أو الملق أو تبرير الأخطاء..
الشهوات الصالحة
ليست كل شهوة رديئة، فهناك شهوات صالحة. وعنها يقول الكتاب: "شَهْوَةُ الأَبْرَارِ خَيْرٌ.." (أم11: 23).
ومن الشهوات الصالحة. ما قاله السيد المسيح لتلاميذه: "إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا" (مت13: 17) يقصد بركات وتنعُّمات العهد الجديد. والقديس بطرس الرسول يتحدَّث عن أمور في العهد الجديد "تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا" (1بط1: 12).
ومن الشهوات الصالحة قول القديس بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23).
ولكن ليست كل شهوة للموت هي شهوة صالحة.
فمن الشهوات الصالحة شهوة الاستشهاد، وكانت منتشرة جدًا في العصر الرسولي وما بعده من عصور الاضطهادات المرعبة. وما أكثر ما كتبه الآباء في تلك العصور من كتب ومقالات بعنوان: "حث على الاستشهاد".. وكان أولئك القديسون يشتهون إكليل الشهادة، وما يتبعه من مجد في الحياة الأخرى مع السيد المسيح. نقرأ في كتب التاريخ عن ثلاثين ألفًا خرجوا مرة من دمنهور ذاهبين إلى الإسكندرية وهم يرتِّلون، فرحين بأنهم سوف ينعمون بالاستشهاد.. ولكن شهوة الموت قد تكون طبيعية في حالة آلام المرض التي لا تُحتمل. وقد سمِعت مرة عن مريض بالسرطان في شدة ألمه قال: "إنني أشتهي الموت ولا أجده"!
ومع ذلك ففي بعض الأحيان تكون شهوة الموت غير صالحة ولا مقبولة، مثال ذلك حينما قال يونان النبي بعد قبول الرب لتوبة أهل نينوى: "فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي" (يون4: 3).
من الشهوات الصالحة أيضًا ما قاله داود النبي: "وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ" (مز27: 4).
من الشهوات الصالحة أيضًا شهوة خدمة الرب.
شهوة أن يبذل الإنسان وقته وماله في خدمة الآخرين وقيادتهم إلى الملكوت، بل أيضًا شهوة التكريس في الخدمة. وقد ورد في الكتاب: "إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا" (1تي3: 1). والمقصود بهذا أن يشتهي تعب الأسقفية في الخدمة، أو التعرُّض بها إلى الاستشهاد كما كان في العصر الرسولي. أما أن يشتهي أحد الأسقفية من أجل الكرامة والرئاسة، فليس هذا عملاً صالحًا. لأن شهوة الرئاسة هي شهوة خاطئة. أيضًا قال أحد الآباء: "إن التوبة هي استبدال شهوة بشهوة".
أي أن شهوة الخطية والأمور العالمية تحل محلها شهوة البر التي هي صالحة..
ومن الشهوات الصالحة: شهوة النجاح، وشهوة التفوُّق. وقد قال القديس يوحنا الحبيب في رسالته الثالثة (إلى غايس) "أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ" (3يو2).
الرغبات والخوف[3]
الإنسان المتديِّن تكون رغبته الأولى والعظمى هي الله. وباقي رغباته داخلها.
كما تكون رغباته سببًا في سعادته وسعادة غيره، كما أنه يحذَّر من أن يعيش في جحيم الرغبات، أعني الرغبات المادية وسائر الرغبات الخاطئة التي تستعبد مَن يخضع لها.
بحث أحد الحكماء في أسباب السعادة والشقاء، فوصل إلى حقيقة عميقة في فهمها وهي:
إن سبب الشقاء هي وجود رغبة لم تتحقَّق..
فقد يعيش الإنسان فقيرًا، ويكون سعيدًا في نفس الوقت، ولكن إن دخلت في قلبه رغبة في الغنى ولم تتحقَّق، حينئذ يتعب ويشقَى.. وهكذا قد يكون الإنسان مريضًا، وأيضًا راضيًا وشاكرًا، يزوره الناس فيقابلهم في بشاشة وابتهاج، لا يشقيه المرض. لكنه يبدأ في التعب إن دخلت في قلبه رغبة في الشفاء، أو في الشفاء السريع، أو عَرف من طبيعة المرض إنها لن تتحقَّق.
إن رحلة الرغبات داخل القلب تُتعبه وتضنيه، وتُرهقه وتُشقيه.
فهو يشتاق، ويشقَى في اشتياقه. يريد ويجاهد في تعب لكي يصل. يُعدُّ العُدَة، ويلتمس الوسائل، يفكِّر ويقابل ويكتب ويشكو، ويروح ويجيء، ويسعى ويتعب في سعية. ويشقى في سعيه وتعبه.
وقد ينتظر طويلاً.. متى تتحقَّق الرغبة. ويشقَى في انتظاره. يصبر، وربما يضيق صبره، فيمل ويضجر، ويدركه القلق حينًا، واليأس حينًا آخر.. أو قد يتعبه الخوف، الخوف من اليأس... وقد يتعب من طياشة الفكر، ومن أحلام اليقظة، ومن أن رغباته هي مجرد آمال، مجرد قصور في الهواء.. لا يراها إلا إذا أغمض عينيه!! وقد ينتهي سعيه وتعبه إلى "لا شيء". ويُحرم من رغبته التي يود تحقيقها ويشقى بالحرمان.
وأخطر من هذا كله، إن آماله وأغراضه قد تجنح به عن طريق الصواب.
فيتعلَّم بسببها الخداع، أو اللف والدوران، أو التزلُّف والتملُّق، أو الكذب أو الرياء، أو ما هو أبشع من هذا.. وصدق أحد الحكماء حينما قال: "لا بد أن ينحدر المرء إلى النفاق، إذا كان في قلبه شيء يريد أن يخفيه"!
العجيب في هذه الرغبات المادية أو الشهوانية، أنها تُشقي صاحبها حتى إن تحقَّقت! ذلك لأنها لا تقف عند حد..
قد يعيش المرء في جحيم الرغبات زمنًا. حتى إذا ما تحقَّقت له رغبة، وفرح بها وقتًا ما، ما تلبث أن تقوده إلى رغبة أخرى، أو إلى خطية ما في طريق الرغبات الذي لا ينتهي.
فالرغبة عندما تتحقَّق، يلتذ بها، وتقوده اللذة إلى طلب المزيد. والوصول إلى هذا المزيد، قد يقوده إلى تعب جديد. ويكون كمن يشرب من ماء مالح، "وكُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا" (يو4: 13).. وفي عطشه يسعَى مرة أخرى إلى الماء ليشرب. وكلما شرب يزداد عطشًا وهكذا دواليك... في حلقة مفرغة، لا يستريح فيها ولا يهدأ.
صاحب الرغبة يعيش في رعب: إما خوفًا من عدم تحقيق رغبته أو خوفًا من ضياعها إن كانت قد تحقَّقت!!
ومن القصص اللطيفة في هذا المجال، أن رجلاً فقيرًا لا يملك شيئًا على الإطلاق، كان يعيش في منتهى السعادة، يضحك ملء فمه، ويغنِّي من عمق قلبه. فألتقى به أحد الأمراء، وأعجب به وحنَّ عليه، فمنحه كيسًا من الذهب. فأخذه ذلك الفقير إلى بيته. وبدأت الآمال والرغبات تدخل إلى قلبه. أية سعادة سيبنيها بهذا المال!
ثم لم يلبث الخوف أن ملَك عليه، لئلا يسرق أحد الناس منه هذا الذهب، قبل أن يبني سعادته به! فقام وخَبَأَ الكيس وجلس مفكِّرًا. ثم قام وغَيَّرَ المكان الذي أخفاه فيه. ثم حاول أن ينام ولم يستطع. وقام ليطمئِن على الذهب.. وفي تلك الليلة فقد سلامه. وأشقته الآمال والرغبات.. حتى قال لنفسه: أقوم وأعيد الذهب إلى الأمير وأنام سعيدًا كما كنت.
والإنسان قد يُقاد من رغباته..
رغبات تمثِّل نقطة ضعف فيه، يقوده الناس بها..!
ما أشقى الإنسان الذي تكون رغباته في أيدي الناس، في حوزتهم، أو في سلطانهم، أو في إرادتهم!! بإمكانهم أن يحقِّقوها له، وبإمكانهم أن يحرموه منها. لذلك يعيش للناس، تتوقَّف سعادته على رضاهم..!
وشهوات الإنسان على أنواع: هناك إنسان تقوده شهوة المال، وآخر تقوده شهوة الشهرة، وثالث تقوده شهوة الجسد، ورابع تقوده شهوة العظمة أو التسلُّط وخامس تقوده شهوة الانتقام، وغير ذلك.. وكلها نِقاط ضعف يمكن أن يُقاد بها، أو يسقط فيها.
لذلك حسنًا قال القديس أغسطينوس: "جلستُ على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي إني لا أشتهي شيئًا، ولا أخاف شيئًا".
حقًا إن الإنسان الذي لا يشتهي شيئًا، لا يمكن أن يخاف إذ لا يوجد شيء يحرص عليه، أو يخشى عليه من الضياع. وما أجمل ما قاله أحد الحكماء في ذلك: "خيرُ الناس من لا يبالي بالدنيا في يد من كانت".
ومن هنا كان الزُهد أحد العوامل الأساسية في القضاء على الخوف. فالإنسان الزاهد لا يخاف موتًا ولا سِجنًا ولا إيذاء، ولا حرمانًا من أي شيء من مشتهيات العالم، ولا أي تهديد من أي نوع. لأنه قد زهد في كل شيء. ولم يعد يحرص على شيء يخشى أن يضيع منه.
لهذا كان النُسّاك يعيشون في سعادتهم، زاهدين لا تتعبهم الرغبات..
هؤلاء قد انتصروا على الرغبات، وارتفعوا فوق مستواها. ولم تعد لهم سوى رغبة واحدة مقدسة، هي الحياة مع الله والتمتُّع به. وهذه لا يستطيع أحد من الناس أن يحرِمهم منها. إن سعادة الناسك تنبُع من داخله، من قلبه، من إحساسه بوجود الله معه. أما الناس فإنهم ليسوا المصدر الذي يمنحه السعادة، وبالتالي فليست لهم قدرة على أن يحرموه منها.
إنه قد يسعد بهم، من أجل محبته لهم. من أجل الحب الكامن في قلبه من جهتهم، وليس من أجل خير يعطونه إياه.
هذا الإنسان الذي تنبُع سعادته من داخله، لا تصير سعادته رهنًا للظروف الخارجية، ولا يتحكَّم فيها الناس...
هناك أمثلة جميلة لأولئك الذين لم تكن لهم رغبات يحقِّقها لهم الناس: لعل في مقدِّمتهم مثال ديوچين الفيلسوف، ذلك الذي كان يحبه الإسكندر الأكبر. وقد بلغ من فرط إعجابه به أنه قال: "لو لم أكن الإسكندر، لتمنيت أن أكون ديوچين".
في إحدى المرات كان هذا الفيلسوف في صومعته، وجاء الإمبراطور الإسكندر، وأطلَّ عليه من صومعته وقال له: "أي شيء تريد يا ديوچين فأعطيك إياه؟ ولو كان نصف مملكتي!" فأجابه ديوچين قائلاً في عمق: "أريد ألاّ تمنع عنِّي الشمس!". وانصرف الإسكندر، وقد استصغر ذاته.. لم تكن كل مملكته تساوي شيئًا في قلب ديوچين..!
حقًا أي شيء في العالم يمكن أن أن تتعلَّق به رغبات الروحيين؟!
لا شيء، فالعالم ليس فيه سوى المادة والماديات، ومشتهيات الجسد والنفس. أما هم فرغباتهم مركَّزة في الله وسمائه وفي عالم الروح. وليس في العالم شيء يشتهونه.
لو كان الذي يشتهونه في هذه الأرض، لتحوَّلت الأرض إلى سماء!
الروحيون أعلى من رغبات هذا العالم وأسمَى. والعالم لا يعطيهم، بل بالحري يأخذ منهم. على الأقل يأخذ بركتهم. ومن أجل بركتهم يرضَى الله على الأرض.
أما هم فليست سعادتهم في أن يتمتَعوا بما في العالم من رغبات، إنما سعادتهم في أن يملأوا العالم خيرًا على قدر طاقتهم.. إنهم نور للعالم يبدَّد ظُلماته.
وقد تأملت في أحد هؤلاء الزاهدين المرتفعين عن مستوى الرغبات الأرضية. فناجيته ببعض أبيات منها...
كل مالك صمتٌ وسكـون | .:. .:. .:. | وهدوءٌ يكشف السر المصـون |
ما أجمل أن يعيش الإنسان سعيدًا بالله. يمكن أن تكون له رغبات. ولكن لا تستعبده الرغبات!
تكون الرغبات مفتاحًا في يده، ولا تكون أغلالاً في يديه.
إن الإنسان الجاهل، أو الإنسان الخاطئ، أو الإنسان الضعيف.
تتحكَّم فيه شهواته. أما البار فيسيطر على جميع رغباته، ولا يستسلم إطلاقًا لأية شهوة خاطئة. ولا يجعل إرادته تخضع لأية رغبة ضد مشيئة الله.
فمثلاً قد يملُك المال. ولكن لا يسمح لمحبة المال أن تملُك عليه.
وهو لا ينتظر حتى تضغط عليه الشهوة الخاطئة، ثم بعد ذلك يقاومها. بل هو يتجنَّب هذه الشهوات وهي قادمة من بعيد.
إنه يسدّ أمام نفسه الطرق التي تصل منها هذه الشهوات. فيبعُد عن جميع المثيرات والمُعثِرات. ويتجنَّب العوامل الخارجية التي تغرس الشهوات في النفس أيًا كان نوعها.
ولأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش بدون رغبات على الإطلاق، لذلك على الإنسان البار، أن يغذِّي روحه بالرغبات الفاضلة..
يقوِّي قلبه بمحبة الله. ومحبة الفضيلة وبمحبة الخير للناس، حتى تكون له حصانة داخلية، تصدّ عنه كل الحروب الخارجية وكل نوازع الشر سواء من الشيطان أو من الأشرار.
إن شهوة الخير أقوَى من شهوة الشر. والرجل البار يصدّ شهوة بشهوة. يصدّ شهوة الشر بشهوة الروح التي هي شهوة الخير. وشهوة الروح أقوَى إن كانت صادقة وعميقة وحقيقية. كما أن شهوة الروح تسندها المعونة الإلهية.
ذلك أن الإنسان البار في شهوته المقدَّسة القلبية، وفي محاربته للخطيئة، لا يقف وحده بل يسنده الله بنعمته وبملائكته.
والرغبات الروحية لا تعرف خوفًا. والإنسان الروحي لا يخاف..
إنه في محبته لله وفي محبته للفضيلة، لا يخاف من كل قوى الشر المضادة، لأنه يشعر بقوَّة الله معه وبقوَّة تشفُّعات الملائكة فيه.
ويشعر باطمئنان داخلي سببه راحة الضمير وثِقة القلب.
إنما الذي يخاف هو الذي يحاول أن يسلك في الفضيلة دون أن يحبها!
الذي قد يتبع الفضيلة لمجرد الخوف: الخوف من العقوبة أو من نتائج الخطية، وقلبه من الداخل ليس أمينًا من جهة الله. هذا، إذا ما زال عنه عامل الخوف قد يسقط.. أو قد تنتشله نعمة الله، فتنقله من مرحلة الخوف إلى محبة الخير.
إننا نريد الشخص الذي إذا رفض الخطيئة، لا يندم على رفضه إياها، ولا يشعر أنه قد خسر شيئًا يحبه، أو ضحَّى بشيءٍ يشتهيه، من أجل الله.
بل نريد الإنسان الأمين في روحياته، الذي يشتهي الخير، وبسبب هذه الشهوة المقدَّسة يترك الشر ويكون سعيدًا بتركه.
__________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14/8/2009م، وقد نشر قداسته مقال بعنوان "الشهوة أنواعها وخطورتها" في جريدة أخبار اليوم، 1/9/2007م ولعدم التكرار نكتفي بنشر مقال الكرازة
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23/12/2005م
[3] مقال نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 13/1/2004م
ثامنًا: محاسبة النفس
محاسَبة النفس[1]
أهميتها
في الحقيقة أن كل ما يصدُر عنا من أعمال أو أقوال أو أفكار، يقابله ثلاث محاسبات: حساب من الله، وحساب من الناس، إن كان العمل ظاهرًا للناس. وحساب من أنفسنا لأنفسنا (من الضمير).
وإن كان البعض يحاولون أن يهربوا من محاسبتهم لأنفسهم، إلا أنه من الخير لنا أن نحاسب أنفسنا وندين أنفسنا. ولا نسمح خلال ذلك بأية اعتذارات أو تبريرات تقلِّل من المسئولية أو تلغيها..!
قال القديس الأنبا أنطونيوس: إن تذكَّرنا خطايانا، ينساها لنا الله. وإن نسينا خطايانا، يذكُرها لنا الله.
بمعنى أن الطريقة التي تشعر بها أن الله ترك خطاياك، وما عاد يذكرها، هي أن تجعل خطاياك ثابتة في ذاكرتك..
وقال القديس الأنبا أنطونيوس أيضًا: "إن دِنّا أنفسنا، رضَى الديّان عنا". وقال القديس أبا مقار الكبير: "أُحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك".
إن جهاز الإدانة الذي سمح الله بوجوده فينا: وظيفته هي أن ندين به أنفسنا، لا أن ندين الآخرين. كما أنه سمح أن توجد بين غرائزنا غريزة الغضب، لنغضب بها على أخطائنا، وعلى الخطية عمومًا، لا أن نغضب بها على الآخرين.
لاحظ نفسك
قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
تصوَّروا أنه يقول هذا – ليس لشخص عادي – بل لأسقف! فإن كان لا بد للأسقف أن يلاحظ نفسه، فكم بالأولى باقي الناس.. ثم هو يقول له نفسك (قبل التعليم). لأنه إن لم يلاحظ نفسه، فتعليمه لن ينفع بشيء! أما نحن فمن عاداتنا أن نلاحظ الآخرين كيف يتصرَّفون! ولكن الرسول يقول: "لاَحِظْ نَفْسَكَ..".
وملاحظة النفس معناها أن تضعها تحت مراقبة دائمة.
تلاحظ ما الذي يحدث داخل نفسك من أفكار ورغبات ونيّات. وما يصدر عنك من تصرفات. وليس فقط تلاحظ نفسك في فترة محدَّدة، وإنما "داوم على ذلك".. ولاحظ نفسك لأنها تقبل منك المراقبة والمحاسبة، بل تقبل أيضًا التبكيت والتوبيخ. وقد لا تقبل هذا من الغير..
لاحظ نفسك من جهة الخطايا التي ترتكبها، ومن جهة الفضائل التي تنقُصك،
والواجبات التي عليك أن تعملها ولم تُعمَل. وبخاصة من جهة الفضائل الكبار كالتواضع والوداعة والإيمان، وثمار الروح التي وردت في (غل5: 22، 23). إذًا تلاحظ نفسك من جهة الإيجابيات، وليس من جهة السلبيات فقط.
لاحظ نفسك أيضًا من جهة الوقت كيف تقضيه.
لاحظ نفسك كذلك من جهة النموّ في حياتك الروحية.
فهل روحياتك تنمو، أم وقفت عند حدّ وتجمَّدت؟! بينما الرب يقول: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
إننا نقول في الصلاة الربية كل يوم: "اغفر لنا خطايانا". وربما نحن نقولها وليس في ذهننا ما هي تلك الخطايا!! ولكننا بمحاسبة النفس نُدركها. ونسردها في ذهننا أمام الله، وقد نصحبها بميطانيات.
حاسب نفسك على كل أنواع الخطايا.
على خطايا الحواس، وخطايا الفكر، وخطايا العمل، وخطايا القلب كلها.. على خطاياك تجاه الآخرين، وتجاه الله، وتجاه نفسك..
حاسب نفسك بالأكثر على الخطايا الثابتة فيك، التي تحوَّلت إلى طِباع أو عادات.
التي ترتكبها باستمرار، وتشكِّل جزءًا دائمًا في اعترافاتك المتكررة..
حاسب نفسك من جهة قراءاتك، ومن جهة فهمك..
حاسب نفسك أيضًا من جهة الخدمة وعمل المحبة نحو الآخرين...
من جهة تنفيذك للآية التي تقول: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي... عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي.." (مت25: 35، 36) والآية التي تقول: "اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ" (يع1: 27). وأمثال هذه الآيات..
حاسب نفسك بكل جدِّية وحزم، ولا تدلل نفسك.
ولا تقل الظروف كانت ضاغطة! أو كنت مضطرًا ولم يكن أمامي حلّ أو فعلت ذلك سهوًا.. وما أشبه.. إنك إن فعلت هذا، لن تتوب!
نتائج محاسَبة النفس
محاسبة النفس ومعرفة خطاياها ونقائصها، تسبِّب الانسحاق... وفي انسحاق النفس يوجد التواضع والدموع والتوبة.
هناك أشخاص لا يتوبون، لأنهم لا يشعرون بسوء حالتهم. وكل ذلك لأنهم لا يحاسبون أنفسهم. أما الابن الضال فلما حاسب نفسه، ووجد أنه في حالة أقل من أُجرَاء أبيه، قادته هذه المحاسبة إلى التوبة، وإلى الانسحاق فقال: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ" (لو15: 18، 19).
داود النبي – في محاسبته لنفسه – كان يقول: "خَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا" (مز51: 3).
قال ذلك بعد أن سمع بمغفرتها على فم ناثان النبي (2صم12: 13). ولكنه كان يقول: "أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي" (مز6) "مزجت شرابي بالدموع" ويقول للرب: "اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ" (مز56: 8) "أنصت إلى دموعي"...
انظروا كم أوصلته محاسبة النفس إلى الذُل والتواضع والتوبة والدموع.. ولكن البعض قد يتوبون، ثم يرجعون إلى الخطية مرةً أخرى. ذلك لأنهم لم يتذلَّلوا بسبب خطاياهم. وأسرعوا إلى حياة الفرح، فنسوا خطاياهم وما عادوا يذكرونها..
محاسبة النفس تقود إلى تبكيت النفس وإلى معاقبتها أحيانًا.
إن لم ينل الإنسان عقوبة أرضية من الله بسبب خطاياه، ولا عقوبة من أب اعترافه، فإنه كثيرًا ما يعاقب نفسه: ليس فقط بتبكيت الضمير، والدموع كما فعل داود النبي.. بل أحيانًا بالأصوام والتذلُّل، وأحيانًا بالمطانيات، أو بمنع ذاته عن كثير مما يشتهيه.
أما إن كانت محاسبة النفس، تنتهي إلى مجرد الاعتراف بها ونسيانها، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن النفس لم تتدنَّس مطلقًا بالخطية، دون إذلال داخلي.. فما أسهل أن يرجع الإنسان إلى الخطية مرة أخرى، لأن ثمارها المُرّة لم ترسخ في أعماقه.
مثل هذا الإنسان، قد يأكل من الفصح، ليس "عَلَى أَعْشَابٍ مُرَّةٍ" كما أمر الرب (خر12: 8).
بمحاسبة النفس يصل الشخص إلى حياة التدقيق، وإلى الحرص، وإلى مخافة الله..
يصل إلى التدقيق، إذا كان يحاسب نفسه بتدقيق وليس بتساهُل، وإذا كان يكتشف كم هي الخطية مُرّة، وكم تحوي بعض الخطايا المركَّبة العديد من الخطايا..
وبمحاسبة ذاته يصل إلى مخافة الله، إذا كان يدرك أن الخطية موجَّهة إلى الله، ومرتكَبة بغير حياء أمامه، كما قال داود النبي للرب: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مز51: 4). وكما امتنع يوسف الصديق عن الخطية قائلاً: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك39: 9).
وبوصول الإنسان إلى حياة التدقيق، يبعُد عن الخطوة الأولى التي تقود إلى الخطية، ولا يدع مجالاً "للثعالب الصغيرة المُفسِدة للكروم" (نش2: 15). ولا يستهين بكلمة (رقا)، ولا كلمة (يا أحمق)، لأن الرب قد أورد عقوبة كل منهما (مت5: 22)، ولا بمجرد النظرة الخاطئة (مت5: 28).
وبمحاسبة النفس وتذكُّر خطاياها، يكون الإنسان مستعدًا أن يتقبل النقد من الآخرين وإدانتهم له.
حدث ذلك لداود النبي لما سبَّه شمعي بن جيرا بكلماتٍ لاذعة وشامتة، وكان يُرشق بالحجارة. وأراد أحد رجال داود أن ينتقم لتلك الإهانات ويتقدَّم لقتل شمعي بن جيرا. فمنعه داود بقوله له: "دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ" (2صم16: 5- 10) متذكِّرًا بذلك خطاياه وما تستحقه من عقوبة.. هذه الخطايا التي جعلها أمامه في كل حين.
أما الشخص الواثق بنفسه المعتدّ بذاته، الذي لم يحاسب نفسه على خطاياه، فإنه لا يحتمل مطلقًا كلمة نقد، ويعتبرها جارحة لكرامته تشوِّه صورة نفسه الجميلة في عينيه!!
محاسبة النفس تساعد أيضًا على إصلاح الذات وتقويمها.
وكما أن معرفة المرض أو تشخيصه إنما تساعد على العلاج، فكذلك محاسبة النفس ومعرفة خطاياها ونقائصها، إنما تساعد على وضع التداريب الروحية اللازمة لمعالجة النفس، مع عرض كل ذلك على الله لأخذ معونة منه على التخلُّص من تلك الخطايا والنقائص.
وبدون محاسبة النفس، يبقى الخاطئ حيث هو في عيوبه الروحية، لا يعرفها ولا يعالجها..
لذلك فالشيطان هو الذي يُبعِد الإنسان عن محاسبة نفسه، حتى لا يتنبَّه للعيوب التي فيه فيعمل على تلافيها.
بمحاسبة الإنسان لنفسه ومعرفة خطاياه، تجعله يُشفق على المخطئين ولا يدين غيره إن سقط.. بل يقول لنفسه: أنا أيضًا قد سقطت، وما أسهل أن أسقط مرة أخرى. فكيف أنسى خطاياي، وأركِّز على خطايا غيري؟!
فهكذا فعل القديس موسى الأسود، حينما دعُيَ إلى حضور مجمع لإدانة أحد الإخوة، فذهب إلى هناك وهو يحمل زمبيلاً مملوءًا بالرمل ومثقوبًا تنزل حبات الرمل منه. وكان يقول: "هذه خطاياي وراء ظهري تجري، وقد جئتُ لأدين أخي!!" وفي هذا المجال قال القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
مناسَبات محاسَبة النفس
حاسِب نفسك كل يوم.
لأنك كل يوم تخطئ. وكل يوم تقول للرب في صلاتك "اغفر لنا خطايانا". ويقول القديس يوحنا الرسول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8). إذًا حاسِب نفسك كل يوم، "وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ" (1تي4: 16).
حاسِب نفسك بعد كل عمل مخطئ تعمله.
فلتستيقظ روحك بسرعة، ولتقُل كما في المزمور: "أَنا أسْتَيقِظُ مُبَكِّرًا" (مز56)، بل قبل العمل أيضًا حتى لا تخطئ.
وحاسِب نفسك قبل الذهاب إلى أب اعترافك.
حتى تتذكَّر كل خطاياك، ولا تنسى منها شيئًا في اعترافك.
وحاسِب نفسك كلما تفكِّر أن توبِّخ غيرك.
وذكِّر نفسك بالمثل القائل: "من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة".
وحاسِب نفسك على خطاياك، كلما تحارَب بالبِر الذاتي.
كلما ترى نفسك جميلة في عينيك، أو تبدو حكيمًا في عيني نفسك، أو تتذكَّر عملاً حسنًا عملته حينئذ تذكَّر خطاياك، حتى تُقيم بها توازنًا مع محاربات شيطان المجد الباطل.
تداريب لوم النفس[2]
من عيوبنا الظاهرة أن يكون لنا ميزان نقيس به أعمالنا، غير الميزان الذي نقيس به أعمال الناس. فبينما نكون في منتهى الشدَّة والقسوة في محاسبة الناس، لا نترك لهم شيئًا، ونحاسِبهم على مستوى خيالي من المثاليات، ولا نعذُرهم مطلقًا... وفي نفس الوقت نكون شفوقين جدًا على أنفسنا...
نقلل من خطورة أخطائنا، ونلتمس لأنفسنا أعذار كثيرة في كل خطأ، ونحاول أن نبرِّر أعمالنا مهما كان الخطأ واضحًا...
لأننا نريد أن نكون أبرارًا في أعين أنفسنا، وأيضًا أبرارًا أمام الناس..! وقد نستخدم في هذا التبرير آيات الكتاب، وقصص وأقوال الكتاب استخدامًا خاطئًا، بغير ما قُصد منها.
لا نريد أن يُنسب إلينا أي خطأ، لا من جهة الناس، ولا من جهة ضمائرنا، فنتحايل على ضميرنا بشتَّى الحِيل..
نريد من ضمائرنا أن تمرِّر أمورًا، لا تمرِّرها لغيرنًا. وهكذا قد يختلّ الضمير أيضًا ويفقد صلاحيته للحكم على الأمور.
ولسنا فقط، لا نحب أن يُنسب إلينا خطأ بل بالأكثر نريد من الناس مديحًا، حتى لو قادهم هذا المديح إلى مزيد من المجاملة، أو الرياء، ونحن نعلم..!
كل هذا يجعلنا بعيدين جدًا عن لوم أنفسنا، فيما نقع في إدانة الآخرين. وقد يجتمع الأمران معًا إن اختلفنا مع غيرنا، فربما لأجل تبرير أنفسنا، نُلقي كل العيب على الغير! ونحمِّله أخطاءنا، بعكس المسيح الذي حمل خطايانا.
وعندما لا يلوم الإنسان نفسه، يفقد الاتِّضاع ويقع في الغضب.
فالإنسان المتَّضع يلوم نفسه في كل شيء. وبهذا لا يَغضب من أحد، ولا يُغضب أحدًا. وهكذا تنسحق نفسه من الداخل، وتهدأ أعصابه من الخارج.
إن داود النبي لما شتمه بن جيرا، قال في هدوء وانسحاق: "الله قال لهذا الإنسان اِشتم داود" (2صم16: 10).
تستطيع أن تصل إلى فضيلة لوم النفس إذا كنت تعني باستمرار أن تُخرِج الخشبة التي في عينيك، ولا تنشغل مطلقًا بالقذَى الذي في عين أخيك.
والخشبة التي في عينك، هي الكبرياء، وعدم المحبة.
وبالكبرياء وعدم المحبة ترى أخاك مخطِئًا باستمرار، وترى نفسك بارًا وبريئًا. لأنه لو كانت لك المحبة، فإن هذه المحبة تحتمل كل شيء، وهذه المحبة لا تقبِّح، وهي أيضًا لا تطلُب ما لنفسها. وبهذا كله لا تثور على الغير.
ولو اتَّضَعَت نفسك، لشعرت أنك السبب في كل ما يأتي عليك، إن لم يكن بسبب خطأ في هذا الموقف، فلعله بسبب أخطاء سابقة قد لا يعرفها أحد...
تداريب لوم النفس
حاول أن تدرِّب نفسك على هذا التدريب.
وهو أن تقول لنفسك. لماذا لا أكون أنا السبب؟ لماذا لا أكون أنا المخطئ؟ لماذا أجامل نفسي وأبرِّرها؟ قال القديس دوروثيئوس (في كتاب الفيلوكاليا): "إن وقَعَت ضيقة على المتواضع، فإنه بسرعة يلوم نفسه. ويقول إنه يستحقها، ولا يلوم أو يوبِّخ أحدًا. وهكذا يحتمل كل شيء يصيبه بسرعة، وبدون اضطراب، وبدون حزن، وبهدوء كامل. ولا يغضَب من أحد".
وقال الأنبا بيمن: الاحتمال الحقيقي لا يُنال إلا بالاتضاع.
أما إذا كنا نضطَّرِب عندما يهاجمنا أحد، فواضح أن أساس الاتضاع لم يوضع فينا بإحكام.
فإن اشتعل أحد بنار الغضب، يجب أن لا يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هي سبب غضبه، إنما هي أظهرت الضعف المُخفَي فيه.
وهكذا يقول القديسون: لا يجوز أن نبحث عن سلامنا في الخارج، وإنما في داخل أنفسنًا.
الإهانة التي تُصيبك، إنما تكشف نفسك من الداخل: هل يوجد في داخلك حُب واتِّضاع واحتمال أم لا يوجد؟ لا تتضايق إذًا من الإهانة إن كانت تكشفك، إنما بالحري أفرح بها، وعالج نفسك، فتصل إلى النقاوة.
طالما أنت محاط بكلمات الحب والاحترام والتقدير، فلن تعرف نفسك. إنما مجرد كلمة شديدة تكشف لك حقيقتك. الكلمة الشديدة ليست هي التي تؤذيك، إنما يؤذيك عدم احتمالك لها، فعالج عدم الاحتمال.
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا، ما لم يؤذي هذا الإنسان نفسه".
إذًا ما دام العيب يوجد داخلنا، علينا إذًا أن نلوم أنفسنا، وعلينا إذًا أن نُصلح أنفسنا.
ولكن يجب أن يكون لومنا لأنفسنا بإقناع داخلي حقيقي، ولا يكون مجرَّد ملامة شكلية باللسان. فما أكثر الذين يصفون أنفسهم بأوصاف شديدة. ولكن لا يحتملون كلمة من أحد!
قال القديس سرابيون الكبير: ليس الاتِّضاع الحقيقي هو أن تلوم نفسك، إنما أن تقبل الملامة من آخرين برِضَى.
إن الاتِّضاع الحقيقي، ليس هو مجرَّد كلمات متَّضعة يلفظها الإنسان، إنما هو اقتناع القلب تمامًا بأنه مخطئ. وتأتي بعد ذلك ألفاظ الاتِّضاع كمجرَّد تعبير عن اقتناع القلب.
سهل جدًا أن يقول إنسان: "أنا خاطئ". وربما لو قيل له "أنت خاطئ" لثار ولم يقبل الكلمة! مسكين مَن لا يلوم نفسه. قال القديس مكاريوس الكبير: "أحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك"...
لأنك إن عرفت الآن خطاياك، يمكنك أن تتركها وتتوب، وحينئذ يكون لك نصيب في الأبدية. أما إن تمسَّكْت في هذه الدنيا ببرٍّ مزعوم، فماذا تفعل حين تُفتَح الأسفار في اليوم الأخير، وتنكشف الأعمال، وتُعلن الأفكار؟!
إذا بقيت مغلَّفًا باستمرار ببرِّك الذاتي، وبمديح ومجاملة الناس، فماذا تستفيد؟ أُشكر إذًا مَن يُمزِّق لك أغلفتك. ربما عملية تمزيق الأغلفة تُتعبك نفسيًا، لكنها تُريحك روحيًا.. حقًا كما يقول الكتاب: "أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ" (أم27: 6).
قد يكون هذا المُحب هو ضميرك الذي يجرحك من الداخل، إن كنت سائرًا في فضيلة لوم النفس. وقد يكون الروح القدس الذي "يُبَكّتنا على خطيةٍ" (يو16: 7، 8).
أو قد يرسل الله لك إنسانًا يلومك، إن لم تلُم نفسك أو لم تستمع إلى تبكيت الروح القدس فيك. فاشكر هذا الإنسان، فإن لم يجلب لك إصلاحًا، يجلب لك تواضعًا.
وقد قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "الذي يلومك ويوبِّخك، اتَّخذه لك صديقًا..".
مسكين الذي لا يحيط نفسه إلا بالمادحين، الذين يطوِّبونه على كل شيء حتى على أخطائه! ويبعد عنه كل من ينقده، مهما كان مخلصًا في نقده...
قال الآباء إنه من الأسباب التي تعالِج الغضب، أن تنظر إلى المسيء كطبيب. وقال القديس الأنبا أنطونيوس: "افتكِر في شاتمك أنه عتَقَك من السُبح الباطل، إن احتملته بمعرفة".
بينما يقول إسحاق السرياني: "إذا قيل عنك أمر رديء، وتعبت من الداخل، ولو أنك تطوي الأيام صائمًا في المسوح، فلن تنعتِق من ضنك الضمير".
فإن شتمك إنسان، لا تحاربه.. وفتِّش نفسك بخوف الله: هل ما قاله عنك كائن فيك أم لا؟
وقال: إن الذي يزكِّي نفسه، ويلوم قريبه ويدينه في قلبه، فإن شيطان الغضب يسلِّمه إلى شيطان الكآبة، الذي يسلِّمه بدوره إلى شيطان الاحتداد. ويكون في كل حين متكدِّرًا متسجِّسًا، غاضِبًا على الذين لا يمدحونه.
قال القديس الأنبا باخوميوس: إن غضبت على مَن يوبِّخك، فهذا الوجع دليل على ضعف نفسك من الداخل، وإلا ما كنت تحزن من الدواء، بل كان يجب أن تعترف بالفضل للأخ الذي عرفت به مرضك. فإن كنت بدلاً من شكره، أثرت حوله شكوكًا، فالأحرى أن تقول للرب: لا أريد شيئًا من أدويتك!!
حاول أن تلوم نفسك، وابعد عن الغضب وتطوراته...
لأنك إن أبقيت الغضب في قلبك، يتطوَّر إلى غيظ... وإذا دفنت الغيظ داخلك، يتطوَّر إلى حقد. وإذا طالت المدة، يتحوَّل إلى كراهية. وإن استمرت الكراهية، فربما لا تدري كيف تعالجها. وبهذا تكون قد أضررت بنفسك.
وهذا كله، سيمنعك بالتالي من التناول، وتفقد هذه الواسطة الكبيرة من وسائط النعمة. ألسنا نقول قبل التناول: "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نُقَبل بعضنا بعضًا بقبلة مقدَّسة، لكي ننال بغير وقوع في دينونة من موهبتك غير المائتة السمائية".
لا تقل: أنا أحب الناس، لكنهم هم لا يحبونني...
أنا لم أخطئ إلى أحد، بل هم أخطاوا إليَّ وأتعبوني...
هذا كلام يقوله من يلوم الآخرين، وليس من يلوم نفسه. والمتواضع لا يلوم غيره، بل يلوم نفسه وحدها..
تدرَّب أن تلوم نفسك أمام الله في صلاتك...
وأن تلوم نفسك، كلما جلست إلى ذاتك تحاسِبها...
حينئذ ستلوم نفسك أيضًا، بصدق، في لقائك بالآخرين...
وتنال فضائل التواضع والتوبة ومحبة الآخرين، وتتناول باستحقاق.
فوائد لوم النفس[3]
تطويب
عندما زار البابا ثاؤفيلس أب جبل نتريا، سأل ذلك القديس المتوحد عن أعظم الفضائل التي اتقنوها، فأجابه ذلك القديس قائلاً: صدِّقني يا أبي، لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء.
وقال القديس موسى الأسود: "أشرّ الرذائل كلها هي أن يزكِّي الإنسان نفسه بنفسه.. إن الذي يعتقد في نفسه أنه بلا عيب، قد حوى في ذاته سائر العيوب".
وقال القديس مكاريوس الكبير: "احكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك".
وهنا نسأل: لماذا طوَّب القديسين لوم النفس؟!
فوائد لوم النفس
1- إن الذي يلوم نفسه، يمكنه أن يعرف حقيقة نفسه.
فكثير من الناس لا يعرفون أنفسهم، لأن نفوسهم مُغَلَّفة بالأعذار والتبريرات والفهم الخاطئ. وهم لا يلومون أنفسهم، لأنهم يدلِّلون أنفسهم، ويبرِّرونها في كل خطأ.. لذلك لا يعرفون حقيقتهم..
الذي لا يلوم نفسه، يحتاج إلى شخص من الخارج يعرفه حقيقة نفسه.
إن داود الملك، وهو في نشوة الخطية، لم يكن يلوم نفسه وقتذاك، لذلك لم يعرف حقيقته! فاحتاج الأمر أن يرسل الله له ناثان النبي، الذي ضرب له مثلاً عن إنسان ظالم اغتصب غيره، فلما حمى غضب داود، وقال ينبغي أن يُقتل ذلك الرجل، أجابه ناثان: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ" (2صم 12: 7). وحينئذ عرف داود حقيقة نفسه. ومن ذلك الحين بدأ يلوم نفسه، بانسحاق ودموع.
الذي يعرف حقيقة نفسه، يلومها ويبكِّتها على خطاياها وضعفاتها.. والذي يلوم ويبكِّت نفسه، يصل إلى معرفة حقيقة نفسه..
- والإنسان الذي يلوم نفسه، يعرف كيف يعترف..
فالاعتراف هو أن يدين الإنسان نفسه أمام الله في سمع الكاهن. فكيف يعترف الإنسان، إن كان لا يدين نفسه؟! أو إن كان يبرِّرها!!
أقول هذا لأن كثيرين تتحوَّل اعترافاتهم إلى مجرد حكايات، قصص يقصّونها، دون أن يلوموا أنفسهم في شيءٍ منها. بل قد يدينون غيرهم، ويتحوَّل الاعتراف عندهم إلى شكوَى من الغير. وهنا نتحدث عن فائدة أخرى للوم النفس وهي..
- إن الذي يلوم نفسه، ينجو من ملامته لغيره.
إنه في كل ما يحدث له، يأتي بالملامة على نفسه. بعكس الذي يبرر ذاته، فإنه قد يأتي بالملامة على الظروف والبيئة، وعلى الآخرين، لكي يخرج هو بريئًا من المسئولية..! أو قد يأتي بالملامة على (حظه السيء) أو على طبيعته التي وُلِدَ بها ولا ذنب له فيها!!
هكذا فعل أبونا آدم، حينما ألقى بالمسئولية على المرأة التي أعطته فأكل. وهكذا أيضًا فعلت أمنا حواء حينما ألقت بالمسئولية على الحيّة (تك 3). وحاول كل من آدم وحواء أن يبرِّر ذاته دون أن يلوم نفسه!! إنها خطية قديمة إذًا بقِدم البشرية.
بل إن الذي يبرِّر نفسه، قد يلوم الله نفسه!!
فهكذا فعل أيوب حينما قال للرب: "حَتَّى مَتَى لاَ تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلاَ تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟! أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا لِنَفْسِكَ؟" (أي7: 19، 20). "تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي!" (أي10: 2). ".. كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلاً" (أي 10: 20).
الإنسان الذي لا يلوم نفسه، كثيرًا ما يخاصم الله، ويتذمَّر عليه، ويقول له: "لماذا تفعل بي هكذا؟" ما أعجب ذلك الإنسان الذي يقف كمظلوم أمام الله، وكأن الله قد ظلمه!! أما هو فمسكين، مُعتدَى عليه من الله ومن الناس.
وهو أيضًا قد يلوم أب اعترافه.
ويتَّهمه بالتقصير في حقه، وبعدم العناية به كما ينبغي، وبعدم إعطائه تداريب روحية، وبعدم متابعته، وعدم منحه الوقت الكافي.. والذي يلوم الله، ويلوم أب اعترافه، من السهل عليه طبعًا أن يلوم غيره من الناس.. ذلك لأنه لا يأتي أبدًا بالملامة على نفسه.. أما الذي ينشغل بخطاياه، فلن يبقى له وقت للانشِغال بخطايا أخيه.
- الذي يلوم نفسه، يصل إلى حياة التوبة.
لأنه فيما يدين ذاته، يحاول أن يصلح هذه الذات. وإذ يرى عيوبها ونقائصها، يحاول أن يتفادى هذه النقائص والعيوب. أما الذي يبرِّر نفسه، فعن أي شيء يتوب؟!
ما أعمق قول السيد المسيح: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (لو5: 31، 32). يحاسبه عليها. ثم يسعى إلى التخلص من هذه الخطايا. إن بدء حياة التوبة، هي أن يحاسِب الإنسان ذاته، فيكتشف خطاياه ويبكِّت نفسه عليها. ثم يسعَى إلى التخلص من هذه الخطايا. وبغير تبكيته لنفسه، لا يمكن أن يتوب. أما الذي يبرر نفسه، تبقَى خطاياه تلازمه.
حقًا إن تبرير النفس شيطانٌ خطير يلتهم التوبة ويفترسها...
- لوم النفس أيضًا يقود إلى التصالح مع الله، وإلى المغفرة.
وفي ذلك ما أجمل قول الآباء: "إن دِنَا أنفسنا، رضَى الديَّان عنا".
إن الله يدينك، لأنك لا تدين نفسك. فإن كنت تدين نفسك وتبكتها، ترتفع عنك دينونة الله. وما أصدق قول القديس الأنبا أنطونيوس.
إن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله. وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله.
أمامنا مثل الفريسي والعشار (لو18: 9-14): نرى فيه الفريسي لا يذكر لنفسه شيئًا من الخطايا، بل حتى في صلاته يفتخِر بنفسه ويدين غيره. ويقول: "أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ". أما العشَّار فتذكَّر خطاياه، وانسحقت نفسه بسببها، وطلب لنفسه الرحمة. لذلك "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" (لو18: 14).
الذي تُتعبه الخشبة التي في عينيه، لا ينتقِد القذى التي في عين أخيه.
ونفس الوضع بالنسبة إلى المرأة الخاطئة في بيت سمعان الفرِّيسي. كانت تدرك بشاعة خطاياها، فبلَّلت قدمي المسيح بدموعها. لذلك نالت المغفرة. بعكس سمعان الفرِّيسي الذي لم يتذكَّر أن له خطايا يدين نفسه عليها. بل في فكره كان يدين المرأة الخاطئة، ويدين السيد المسيح نفسه الذي رضَى أن تبلِّل قدميه بالدموع. وقال في نفسه: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ المَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ" (لو7: 39)، لأنه لم يكن يبكت نفسه مثلما كانت تبكت نفسها..!
حقًا بمقدار ما يلوم الإنسان نفسه، بمقدار ما ينال من مغفرة..
هذه المرأة الخاطئة عرفت أنه قد غفر لها الكثير، فأحبت كثيرًا. لذلك حسنًا قال داود النبي: "خَطِيَّتِي أَمَامِي في كل حين" (مز50).
إن الذي يضع خطيته أمامه في كل حين، هو الذي ينال المغفرة، وهو الذي يسمع قول الرب له: "قد نقلت عنك خطيئتك. لا تموت" (2صم12: 13). ومن أجل هذا، فإن الصلاة الربية التي علَّمنا الرب أن نصلِّيها في كلِّ حين، جعل فيها هذه الطلبة "اغفر لنا خطايانا".
والقديس يوحنا الرسول يعلِّمنا قائلاً: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 8، 9).
والاعتراف بالخطايا، لا بد أن يصحبه التبكيت والندم.
- لوم النفس يجلب الانسحاق والاتضاع والدموع.
هناك تبادل مواضع بين الاتضاع ولوم النفس. كل منهما يصلح بالنسبة إلى الآخر سببًا ونتيجة. فالإنسان المتَّضِع يمكنه بسهولة أن يلوم نفسه. كما أن الذي يلوم نفسه عن اقتناع، يصل بالضرورة إلى الاتِّضاع..
وهكذا نجد ترابطًا بين الاتضاع ولوم النفس.
ذلك لأن عدم لوم النفس، سببه كبرياء داخل النفس.
وبالكبرياء لا تحتمل النفس أن تعترف بخطيئة أو نقص. بل بالكبرياء تحاول أن تبرِّر ذاتها، ولو بالأكاذيب أو بالإدعاء، أو بغسل اليدين بالماء كما فعل بيلاطس وقال: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ!" (مت27: 24).
إن الابن الضال حينما أتَى بالملامة على نفسه، اتَّضع وانسحق، ومضى نادمًا إلى أبيه وقال له: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو15: 21). وبانسحاقه وملامته لنفسه، استحقَّ أن يُكرِّمه أبوه ويُلبِسه الحُلة الأولى.. وبعكس ذلك كان أخوه الأكبر، الذي كان بارًا في عيني نفسه، وبكَّت أباه ووصفه بالظلم والبخل، وكان هو في عيني نفسه كمظلوم. فلم يتبرَّر كأخيه..
إن لوم النفس جعل داود النبي يبلِّل فراشه في كل ليلة بالدموع (مز6). وصارت له دموعه شرابًا نهارًا وليلاً. ولما شتمه شمعي بن جيرا بكلمات صعبة وبشماتة مُخجِلة، وهو هارب من أبشالوم، منع رجاله عن قتله وقال لهم: "دَعُوهُ يَسُبَّ.." (2صم16: 10)... إلى هذه الدرجة كان انسحاق نفسه، لأنه كان في داخله يتذكَّر خطاياه، ويبكِّت نفسه عليها..
- والذي يبكَّت نفسه، يحتمل تبكيت الآخرين...
ولهذا قال أحد الآباء "في كل ضيقة تأتي عليك، قل إن هذه بسبب خطاياي".. وهكذا يستطيع أن يحتمل الآخرين، وأن يحتمل الضيقات والمتاعب التي تحلّ به، ويتَّخذها جميعًا سببًا لانسحاق قلبه، متذكِّرًا خطاياه..
- الذي يلوم نفسه، يعذُر غيره، ويُشفِق على المخطئين.
إنه إذ يتذكَّر خطاياه، ويبكِّت نفسه عليها، لا يجرؤ أن يقسو على غيره. إذ هو نفسه واقعُ تحت الحكم. ولا يستطيع أمام ضميره أن يلوم أحدًا، متذكِّرًا المثَل الذي يقول: "من كان بيته من زجاج، لا يقذِف الناس بالحجارة" أو ذلك المثل الآخر الذي يقول: "من غربل الناس نخلوه"..
بل يتذكَّر قول السيد المسيح في قصة المرأة التي ضُبِطت في ذات الفعل: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!" (يو8: 7).
يقول الكتاب عن الذين سمعوا هذه العبارة: "وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا" (يو8: 9).
أرأيتم كيف أن تبكيت الضمير منَع رجْم المرأة!!
قصة الذين طلبوا رجْم الزانية، تُذكِّرنا أيضًا بقصة القديس موسَى الأسود، الذي لما حضر مجلسًا للحكم على أحد الإخوة، حمل على ظهره زمبيلاً (جوالاً) مملوءًا من الرمل وبه ثُقب. وقال "هذه خطاياي وراء ظهري تجري، وقد جئت لإدانة أخي"... كانت خطاياه السابقة للرهبنة تبكِّته. فلم يستطع أن يحكم على أحد.
لعل هذا أيضًا يذكِّرنا بقول القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
الذي يتذكَّر خطاياه، ويبكِّت نفسه عليها، يعرف ضعف الطبيعة البشرية وسهولة سقوطها، وكيف أن الخطية "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26). لذلك فهو يشفق على الخاطئين، ويطلب لهم المغفرة والتوبة.
الإنسان المنسحق القلب يلوم نفسه ويبرِّر غيره.
أما الناسي خطاياه، فيبرِّر نفسه ويلوم غيره.
هذا المنسحق المتَّضع بسبب تبكيته لنفسه، مهما عرف عن الناس يقول باستمرار: "هذا أبرُّ منِّي... وهذا أفضل منِّي". ذلك لأنه يعرف عن نفسه ما يجلب لها الملامة. فلا يظن نفسه أبدًا أحسن حالاً من الذين سقطوا. بل يقول لنفسه: ينبغي أن أكون رحيمًا في الحكم على هؤلاء، لكي يرحمني الرب أيضًا، لأنه قال: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7).
وهو يخاف من إدانتهم. لأنه فيما تبكِّته نفسه على خطاياه، يضع أمامه قول الرب: "لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت 7: 2).
- الذي يلوم نفسه، يعيش في سلام مع الناس.
لأنه من جهة لا يجرَح شعور أحد. ومن جهة أخرى إذا جرَح أحد شعوره، يقول في نفسه: أنا أستحق ذلك بسبب خطاياي...
وحتى إن اتهموه ظلمًا، يقول في نفسه: إن ما يظلمونني فيه هو أقلّ بكثير مما أعرفه عن نفسي من أخطاء...
لذلك فهو يعيش مع الناس وديعًا مسالمًا، بعيدًا عن شيطان الغضب والنرفزة، وبعيدًا عن الخصومة وعن الدفاع عن نفسه.. إذ كيف يدافع عن نفسه وهو يلومها؟!
يبقى أمامنا سؤال، وهو قول بعضهم:
كيف ألوم نفسي، وأنا لم أقع في تلك الخطايا الصعبة التي يقع فيها غيري؟!
وكأني بصاحب السؤال يقول مع ذلك الفريسي: "أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ" (لو18: 11).
إنك يا أخي لم تقع في هذه الخطايا، لأن الله منعها عنك.
لم يسمح الله أن تحارب بها، كما حورب غيرك بها بشدة فسقط. نعمة الله أبعدتها عنك، أو أبعدتك عنها، كما قال الرب لأبيمالك ملك جرار عن سارة: "وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا" (تك20: 6).
فاشكر الله، وقل: من أجل ضعفي وعدم قدرة نفسي الخاطئة على مقاومة تلك الخطايا، تدخلت نعمة الله وأنقذتني منها. ولو تخلت عني نعمة الله وحاربتني تلك الخطايا لسقطت.
_________________________________________________________________
[1] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15/8/2003م
[2] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7/8/1981م
[3] مقال نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15/10/1993م




