الصوم وروحانيته

بمناسبة حلول الصوم الأربعيني المقدس، نود أن نتحدث عن الصوم وروحانياته وفعاليته في حياتنا
الصوم وروحانيته1
فترات مقدسة في الحياة:
فترة الصوم هي فترة مقدسه، ليست كباقي الأيام العادية.
ومع أن حياتنا ينبغي أن تكون كلها مقدسة، إلا أن الله خصص لنا أياما مقدسة، وفترات معينة، لكي تكون لها قدسية خاصة، ويكون لها اعتبار خاص أكثر من غيرها.
هذه الأيام نوليها اهتماماً خاصاً، ونسلك فيها بحرص أكثر، ونجنى منها فوائد روحية.
يذكرني هذا بأننا ونحن شبان صغار كانوا يعطوننا تدريباً روحياً يسمى “تدريب اليوم المثالي” من المفروض أن تكون حياتنا كلها مثالية. ولكننا قد لا نستطيع هذا عملياً، لذلك ندرب أنفسنا على أيام مثالية: تكون مثالية في عبادتها، في صلواتها، في قراءاتها، في احتراسها، في تداريبها.
من بين الأيام التي طلب منا الرب تقديسها، السبوت…
قال الرب في الوصايا العشر “أذكر يوم السبت لتقدسه” (خر 8:20). وحالياً صار يوم الرب هو يوم الأحد. ومع أن حياتنا كلها ينبغي أن تكون مقدسة، لكن يوم الرب له طابع روحي خاص. نخصصه للرب. عملا من الأعمال لا نعمل فيه، بل ما يخص الرب وحده.
أن الأيام التي يطلب منا الرب تقديسها على أنواع:
1- النوع الأول، هو التقديس الأسبوعي، يوم للرب في كل أسبوع. فالله يعطيك أسبوع حياة، ويقول لك افرز منه يوماً لي. خصصه لي. قدسه. لا تشغله بأمور العالم الزائل.
2– النوع الثاني من الأيام المقدسة، هو الأعياد والمواسم: قال الكتاب “هذه هي مواسم الرب التي فيها تنادون محافل مقدسة هذه هي مواسم الرب، المحافل المقدسة التي تنادون بها في أوقاتها… هذه هي مواسمي” (لا 2،4،27:23).
هذه أيضًا طلب أن تخصص له، لا نعمل فيها عملا… نفرح فيها بالرب، ونقدم له القرابين والتقدمات.
3– النوع الثالث، هو فترات الصوم. وتختلف عن النوعين السابقين، في أنها فترات تذلل وتوبة وانسحاق.
كل هذه أيام مقدسة للرب، مخصصة له، لها روحانياتها الخاصة، على الرغم من اختلافها في النوع. وكأن الله في تخصيص هذه الأيام له وتقديسها، يقول لكل منا:
أشركني معك في حياتك. خصص لي أياما منها، ان لم تستطع أن تعطيني الكل. اذكرني فيها بطريقة خاصة…
كل حياتك هي لي. ولكن على الأقل، أعطني هذا الجزء. كما أطلب من أموالك البكور والعشور والنذور والتقدمات، كذلك أطلب من حياتك السبوت والأعياد والأصوام. تذكرني فيها أكثر من باقي الأيام، تجلس معي فيها، تختبر عشرتي، وتذوق محبتي، بأسلوب أعمق وأكثر تركيزاً من باقي الأيام…
هذه الأيام حددها الرب بنفسه. وعين أصواماً عامه منذ العهد القديم، تكون للرب.
مشاعرك أثناء الصوم.
+ أول شعور يأتيك هو أن فترة اليوم هي فترة روحية الهية لها طابع خاص، والخطيئة فيها أخطر وأعمق.
حقاً إن الخطيئة هي الخطيئة، ولكنها في فترة الصوم تكون أكثر دنساً وبشاعة، لأنها تحمل ضمناً الاستهانة بقدسية أيام الصوم وروحانياتها وتدل على عدم المبالاة بالاتفاق الذي بيننا وبين الله أثناء الصوم، من حيث أن نحيا له، حسب الروح وليس حسب الجسد.
+ نتذكر في الصوم قول الكتاب “قدسوا صوما، نادوا باعتكاف” (يوئيل 15:2). والتقديس لا يتم إلا بعمل الروح القدس.
تقديس إنسان، تقديس كنيسة، أو صور، أو أواني…لا يتم إلا بالروح القدس. كذلك تقديس الصوم… فمعنى “قدسوا صوماً” هو: امتلئوا بالروح. أعطوا فرصة لروح الله القدوس أن يقدسكم ويقدس أصوامكم. استسلموا لعمل الروح فيكم. لا تقاوموا الروح لا تطفئوا الروح. لا تعطلوا عمل الروح فيكم.
أشركوا ارادتكم مع عمل الروح، لكي تدخلوا في شركة الروح القدس أثناء الصوم، ويتقدس صومكم.
تتذكر في الصوم الكبير أنه صوم سيدي، لأن السيد الرب قد صامه، منقطعاً عن الطعام والشراب أربعين يوماً وأربعين ليلة، بسر لا ينطق به… وهو في ذلك الصوم قد ناب عنا، ناب عن البشرية في صومه، لأنه لم يكن في حاجة إلى الصوم. فعلى الأقل نصوم نحن من أجل أنفسنا…
+ فترة الصوم بالنسبة إلى الإنسان المبتدئ هي فترة تذلل وتعب أما بالنسبة إلى الروحيين، فهي فترة متعة روحية.
هي فترة تفرغ للرب، يذوق فيها الابن حلاوة العشرة مع الآب، دون أية عوائق من الجسد ورغباته. فيها مذاقه الروح، وعمل الروح، والسلوك بالروح، والشركة مع الروح، والتمتع بالعمل الإيجابي، وليس مجرد الامتناع عن الأكل.
+ فترة الصوم هي فترة صلح مع الله…
يقول فيها للرب: هأئذا أبدا لكي أسلك حسب الروح وليس حسب الجسد…. فترة تشترك فيها روح الإنسان مع روح الله، في عمل بعيد عن المادة، بعيد عن سيطرة الجسد، وشغب الجسد وتمرده، ومتطلبات الجسد المتطرفة.
+هي إذن فترة غير جسدانية، يرتفع فيها الإنسان عن مستوى الجسدانيات من كل ناحية…
يرتفع عن المستوى الجسداني، من جهة الطعام، من جهة الجنس، من جهة الراحة الجسدية، من جهة الرغبات الجسدية وأفكارها وممارساتها. ويسلك سلوكاً روحياً عميقاً. إذن الأمر ليس مجرد امتناع عن الأكل، أو تغيير طعام حيواني بطعام نباتي… إنما هي فترة روحية، صوم الجسد فيها هو مجرد تعبير عن السلوك الروحي.
+ من هنا كان الصوم فترة غذاء روحي للإنسان…
لأنه من غير المعقول أن تحيا فترة روحية، دون أن تعطى الروح غذاءها. إن كنت تريد أن تخرج من نطاق رغبات الجسد وسيطرته، فلابد أن تقوى الروح، بما تقدمه لها من وسائط روحية…
وهكذا تبدأ في أن تراجع كل مصادرك الروحية… وتعمل على تقويتها:
إن كانت قراء اتك الروحية قليلة، فلا يصح أن تبقي قليلة في الصوم الكبير. إن كانت تأملاتك ضعيفة، فلا يجوز أن يستمر ضعفها في الصوم الكبير. إن كنت مقصراً في صلواتك، أو في اعترافك، أو في تناولك، أو في أي منهج روحي، أو في أية فضيلة، فيجب أن تستغل فترة الصوم الكبير لتعالج كل هذا…
+ أيام الصوم الكبير هي فترة التخزين الروحي للسنة كلها:
بكل ما في هذا الصوم من تأثيرات. ألحانه الحزينة، قراءاته، مطانياته، تأملاته، ذكرياته، قداساته التي تبدأ بعد الظهر، والتي تكون أكثر عمقاً وتأثيراً… وكما قال مار اسحق: إن صلاة واحدة تصليها وأنت صائم جائع، لهى أكثر عمقاً من مائة صلاة تصليها وأنت مملئ بالطعام…
الإنسان أثناء الصوم يكون منسحقا بالجسد. وبانسحاق الجسد تنسحق الروح.
إن الجسد الضعيف الجائع المتعب يكون منكسراً أمام الله، ويمنح الروح أفكاراً منسحقة، ويكون الإنسان أكثر اتضاعاً، شاعراً بضعفه، يصلى من تعبه، ومن احتياجه، بعمق أكثر.
تدريباتك في الصوم:
أريد أن تكون لكم في هذا الصوم التدريبات الروحية التي تخرجون منها بفائدة عملية في حياتكم. فلو أنكم في كل صوم كبير خرجتم بمنفعة روحية واحدة، لأمكننا أن نحصي منافع جمة حصلتم عليها خلال الأصوام الماضية.
يا ليت كل إنسان في فترة الصوم، يضع أمامه هدفا محددا، ويركز كل طاقاته، وكل جهاده الروحي، وكل صلواته، للتخلص من خطأ معين في حياته، أو نقص أو ضعف ما، أو عادة مسيطرة، أو طبع غير محكوم…
أجلس، إذن إلى نفسك، وأستعرض بدقة شديدة نقط الضعف التي فيك، التي تحتاج إلى علاج، وأجعلها هدف الصوم الكبير كله، أو ركز على واحدة منها، بكل ارادتك، بكل عزم، بكل صلاة وطلبة، بكل الطرق العملية، وبكل مشاعرك الداخلية. بكل مطانياتك، بكل دموعك…
قد يكون هدفك هو التخلص من خطيئة معينة، وقد يكون الهدف ايجابيًا، أعنى الحصول على فضيلة معينة تنقصك.
قد ينقصك الحب، أو الاتضاع، أو الإيمان، أو الاحتمال، أو الوداعة، أو اللطف، أو الهدوء والسلام…
تأمل ماذا ينقصك وركز عليه. أبحث عن النقط المشتركة في كل اعترافاتك، التي لم تتخلص منها بعد. وقل لنفسك: هذه هي رسالة الصوم الكبير في عامنا الحالي. لو انني تخلصت من هذه وحدها، أو تدربت على هذه الفضيلة وحدها، لكان هذا يكفيني…
أجعل هذا الأمر موضوع صراعك مع الله، وصراعك مع نفسك، طوال الصوم الكبير.
قل للرب في انسحاق: أنا لا أريد أن أقول فقط “خطيئتي أمامي في كل حين”، إنما أريد أن أضع خطيئتي أمامك في كل حين، مبللة بدموعي، مقدمة بصلواتي، لكيما تخلصني منها، لكيما تعطيني قوة أستطيع بها أن أنتصر، لأنني بدونك لا أقدر على النجاة منها. نعم جاهد هكذا مع الله، وقل له:
أن يعقوب صارعك ليلة واحدة، وهو يقول “لا أتركك حتى تباركني”. أما أنا فسأصارعك طوال الأربعين يوما والأربعين ليلة، ولا أتركك حتى تخلصني من هذه الخطية…
لن أترك صلاتي، ولا صومي، ولا دموعي، ولا مطانياتي، حتى أنال قوة خاصة منك، أو أنال وعداً منك بأنك ستقف معي في جهادي، أو أشعر براحة في داخلي، واطمئنان من جهة أبديتي، ومن جهة سكناك في قلبي، وأشعر يقيناً أنك ستغسلني فأبيض أكثر من الثلج.
أن فترة الصوم الكبير يا إخوتي، ليست هي فقط فترة صراع مع النفس للتخلص من شهواتها الرديئة، إنما هي بالأكثر فترة صراع مع الله…
صراع مع الله، ليأخذ الإنسان بركة، ويأخذ معونة، ويأخذ خلاصاً… أصرخ أمام الله وقل “ويل لي فإن غربتي قد طالت على”… مرت على السنوات وأنا ما أزال في هذه السقطات، أو أزال في هذا الجهاد دون فائدة. ولكنى في هذه المرة لابد أن أنال، في ثقة الإيمان بمراحم الله الواسعة.
يقول الكتاب “قدسوا صوما، نادوا باعتكاف”. ولعله بهذا يشير إلى فائدة الاعتكاف”. في فترة الصوم.
إن الصوم ولا شك يناسبه الاعتكاف، سواء من الناحية الجسدية أو الروحية… الاعتكاف يعطى هدوءً وراحة للجسد الذي أرهقه الجوع وقلة الغذاء. والاعتكاف يعطى هدوءً للروح وللفكر، وتفرغاً للعمل الإلهي بعيداً عن كثرة الانشغالات والانفعالات والأحاديث.
السيد المسيح أعتكف على الجبل وحده طوال الأربعين يوما…
كانت الشياطين تحاربه، ثم جاءت الملائكة تخدمه. وأنت هكذا في أثناء الصوم، ستحاربك الشياطين لتمنعك عن عملك المقدس، وستخدمك الملائكة: تطرد عنك الشياطين، وتقويك في جهادك الروحي. ونحن نثق في هذه الحرب أن الذين معنا أكثر من الذين علينا.
بل نثق في كل حروبنا الروحية أن الحرب للرب كما قال الكتاب، وأن الله قادر أن يغلب بالقليل وبالكثير…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثاني عشر) 21-3-1975م




