الصوم بيننا وبين البروتستانت

قداسة البابا شنوده الثالث يوضح في هذه المحاضرة الفرق الجوهري بين المفهوم الأرثوذكسي للصوم والمفهوم البروتستانتي له، مبينًا أن الصوم في الإيمان الأرثوذكسي ليس مجرد عبادة فردية سرية، بل هو شركة جماعية وعبادة كنسية مشتركة تعبر عن وحدة الجسد الواحد في المسيح.
أولًا: الصوم بين العبادة الفردية والعبادة الجماعية
البابا يفرّق بين الصوم الخاص الذي يكون في الخفاء كما أوصى السيد المسيح في متى 6، وبين الصوم العام الذي تمارسه الكنيسة كلها بروح واحدة، كما صام شعب نينوى أو في أيام أستير ونحميا. الصوم العام لا يتعارض مع وصية الخفاء، لأنه تعبير جماعي عن التوبة والاتحاد الروحي بين المؤمنين.
ثانيًا: الصوم في الكتاب المقدس
قداسة البابا يؤكد أن فكرة الصوم الجماعي محددة بوضوح في الكتاب المقدس، مثل صوم الشعب في سفر يوئيل “قدسوا صومًا نادوا باعتكاف”، وصوم الشعب كله في نحميا وعذرا، بل حتى في العهد الجديد حينما صام الرسل معًا في أعمال الرسل 13. لذلك الكنيسة حين تنظم الأصوام لا تبتدع شيئًا جديدًا، بل تسير على خط الكتاب المقدس.
ثالثًا: الرد على الاعتراضات البروتستانتية
-
عن قول بولس “لا يحكم أحد عليكم في أكل أو شرب” (كو 2:16): أوضح البابا أن هذا الكلام لا يخص الصوم المسيحي، بل يخص التهوّد، أي خلط المسيحية بالعادات اليهودية من جهة الطقوس والأطعمة النجسة.
-
عن قول بولس في تيموثاوس الأولى 4: يشرح البابا أن المقصود هو التحريم، لا النسك. فالصوم ليس تحريمًا للطعام، بل زهد مؤقت لأجل الروح، لأننا نأكل هذه الأطعمة في الفطر. إذًا الامتناع نسك وليس بدعة.
رابعًا: الصوم النباتي والبعد الروحي فيه
يستشهد البابا بأمثلة من الكتاب المقدس لتأكيد قيمة الصوم النباتي:
-
آدم وحواء أكلا طعامًا نباتيًا قبل السقوط.
-
دانيال النبي امتنع عن اللحوم والخمر في صومه.
-
يوحنا المعمدان عاش زاهدًا على طعام بسيط.
هذه كلها تؤكد أن الامتناع عن اللحم ليس تحريمًا بل تدريب للنفس على الزهد وضبط الجسد.
خامسًا: خطر تحويل الصوم إلى عبادة فردية فقط
يرى البابا أن البروتستانت حين جعلوا الصوم أمرًا اختياريًا شخصيًا، انتهى الأمر إلى إلغاء الصوم تمامًا. بينما الكنيسة الأرثوذكسية حافظت على الصوم كعبادة جماعية، تجمع المؤمنين بروح واحدة وفكر واحد، لتصير الكنيسة كلها جسدًا واحدًا يصوم ويصلي معًا.
الرسالة الروحية
الصوم في المفهوم القبطي الأرثوذكسي هو شركة في التوبة، ووحدة في العبادة، ونسك يهدف إلى نقاوة القلب، وليس مجرد حرمان من الطعام. هو زمن مقدس تُقدّس فيه الجماعة كلها أمام الله، لا عملًا شكليًا بل عملاً قلبيًا يعبر عن الحب لله والتذلل أمامه.



