الصوم بيننا وبين البروتستانت
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عن مسألة الصوم بين الكنيسة الأرثوذكسية والطوائف الأخرى، موضحًا مفهوم الصوم من منظور كتابي وكنسي، وردًا على من يرفضون الأصوام العامة أو الامتناع عن أطعمة معينة.
1. الصوم في الخفاء والصوم العام
يوضح قداسة البابا أن هناك فرقًا بين الصوم الخاص الذي يكون بين الإنسان والله في الخفاء، والصوم العام الذي تشترك فيه الكنيسة كلها بروح واحدة.
-
الصوم الخاص يُمارس سرًا كما قال المسيح في (متى 6): “متى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك”.
-
أما الصوم العام فهو صوم تشترك فيه الكنيسة كلها مثل صوم نينوى، واستير، ونحميا، ويُعتبر عبادة جماعية وليست رياءً.
-
كما أن هناك صلوات وصدقات خاصة، توجد أيضًا صلوات وصدقات عامة، فالحياة الروحية تشمل الاثنين معًا.
2. وجود أصوام محددة في الكتاب المقدس
يرد البابا على من يقول إن تحديد أيام للصوم ليس كتابيًا، ويستشهد بما ورد في سفر زكريا 8:19 عن أصوام الشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر، مؤكدًا أن وجود أيام محددة للصوم تعليم كتابي، والكنيسة تنظم العبادة العامة لتوحيد الصوم والصلوات.
3. تفسير آية “لا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب” (كولوسي 2:16)
يشرح قداسة البابا أن بولس الرسول لم يكن يتحدث عن الصوم المسيحي، بل كان يرد على حركة “تهويد المسيحية” التي أرادت أن تُدخل العادات والنجاسات والسبوت اليهودية إلى الكنيسة.
-
المقصود بالآية هو رفض العودة إلى الطقوس اليهودية (مثل الأعياد، الهلال، السبت، النجاسات…) وليس منع الصوم.
-
فالصوم المسيحي يختلف تمامًا عن التقاليد اليهودية.
4. الصوم النباتي
يوضح البابا أن الأكل النباتي ليس تحريمًا للطعام الحيواني، بل هو نسك وزهد مؤقت.
-
الإنسان الأول (آدم) كان يأكل نباتيًا في الجنة (تكوين 1:29).
-
الشعب في البرية أكل المنّ النباتي، وعندما اشتهى اللحم غضب الرب عليهم (عدد 11).
-
النبي دانيال مثال للصوم النباتي حين قال: “لم يدخل فمي لحم ولا خمر ولا طعام شهي” (دانيال 10:3).
إذن الامتناع عن اللحم والبيض ليس تحريمًا، بل تدريب روحي للنسك والتواضع أمام الله.
5. الرد على “مانعين عن أطعمة” (1 تيموثاوس 4:1–3)
يؤكد البابا أن هذه الآية تتحدث عن البدع التي تحرّم الأطعمة والزواج تحريمًا تامًا، مثل بعض الفرق الغنوسية قديماً، وليس عن الصوم المسيحي.
-
الكنيسة لا تحرّم الأطعمة، بل تمتنع عنها مؤقتًا كنسك.
-
والدليل: نفس الأطعمة الممنوعة في الصوم تُؤكل بعد الفطر في الأعياد، إذًا لا يوجد تحريم بل تدريب روحي.
6. أمثلة على الزهد والنسك
-
يوحنا المعمدان كان يأكل طعامًا بسيطًا جدًا من الجراد والعسل البري.
-
السواح والرهبان يعيشون حياة زهد في البرية، وهذا ليس بدعة بل تكريس لله.
إذن، النسك ليس تحريمًا بل حبًا لله وتقديسًا للجسد بالصوم.
7. خطورة ترك الصوم للعبادة الفردية
يحذر البابا من أن جعل الصوم مسألة فردية فقط أدى إلى اختفائه تقريبًا في الطوائف البروتستانتية، وضعفه في الكنيسة الكاثوليكية أيضًا.
أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهي الكنيسة المحافظة على روح الصوم المشترك، إذ تصوم كلها بروح واحدة وفكر واحد، كما كانت الكنيسة الأولى في العهدين القديم والجديد.
✝️ الخلاصة الروحية
الصوم في المفهوم الأرثوذكسي هو:
-
تدريب روحي وليس حرمانًا.
-
عبادة جماعية لا تُلغي الصوم الفردي.
-
زهد نسكي لا تحريم للأطعمة.
-
وسيلة للاتحاد بالله والتواضع أمامه.
الكنيسة تصوم معًا لأنها جسد واحد للمسيح، وروح واحدة في العبادة، كما صام الأنبياء والرسل والقديسون في كل العصور.



