الصمت والكلام
يتناول قداسة البابا شنوده الثالث موضوعًا يمسّ حياة كل إنسان وهو “الصمت والكلام”، موضحًا أن اللسان يمكن أن يكون سبب خلاص الإنسان أو سبب هلاكه، لأن الكلمة تعبّر عن حالة القلب. فالكلمة الصالحة تخرج من قلب صالح، والكلمة الشريرة من قلب شرير.
العلاقة بين القلب واللسان:
يشدد البابا على أن الخطية في الكلام ليست مجرد خطية لسان، بل خطية قلب أولًا، فالكلام يكشف ما في الداخل كما تكشف الثمرة نوع الشجرة. لذلك يجب أن يكون القلب نقيًا ليكون الكلام نقيًا أيضًا، لأن “من فضلة القلب يتكلم اللسان”.
فضيلة الصمت:
يرى البابا أن الصمت فضيلة عظيمة تحفظ الإنسان من الزلل، وتتيح له فرصة التفكير والصلاة. ويذكر قول القديس أرسانيوس: “كثيرًا ما تكلمت فندمت، وأما عن سكوتي فما ندمت قط”. الصمت يمنح فرصة للتأمل وضبط النفس، ويعلّم الإنسان حسن الاستماع الذي هو بدوره فضيلة روحية.
الصمت المضر والكلام الواجب:
لكن البابا يوضح أن ليس كل صمت فضيلة، فهناك صمت مضر إذا كان بدافع الخوف أو الجبن، خصوصًا في المواقف التي تتطلب قول الحق أو الدفاع عن المظلوم. فكما ندان على كلامنا، يمكن أن ندان على صمتنا إذا كان سلبياً. الصمت من أجل الله حسن، والكلام من أجل الله أيضًا حسن.
الكلام الصالح:
يشرح قداسته أن الكلام الجيد فضيلة إيجابية، بينما الصمت فضيلة وقائية. فالكلمة الصالحة يمكن أن تواسي، وتعلّم، وتهدي، وتهدئ الغضب، كما يقول الكتاب: “الجواب اللين يصرف الغضب”. الكلام الصالح هو الذي يخرج بحكمة ووداعة وصدق، ويُقال في وقته المناسب.
ضوابط الكلام:
يجب أن يكون الكلام بتروٍ، وقليلًا، وعميقًا، وفي الوقت المناسب. ويجب أن يُقال الحق ولكن بلطف، دون كبرياء أو تسلط. فليس من الحق أن تجرح الآخر باسم الصراحة، بل أن تنصح بوداعة ومحبة كما أوصى الرسول بولس: “أصلحوا مثل هذا في روح الوداعة”.
القديسون والكلمة:
القديسون استخدموا ألسنتهم للبنيان، مثل القديس يوحنا ذهبي الفم والقديس أغريغوريوس النزينزي، الذين كانت كلماتهم مملوءة نعمةً ومعرفةً. والبابا يذكّر أن المسيح نفسه كان يتكلم “بسلطان”، وكلامه كان “روحًا وحياة”، فالكلمة قد تكون وسيلة خلاص إذا خرجت من قلب نقيّ مملوء بمحبة الله.
خاتمة:
يدعو البابا كل إنسان أن يزن كلامه، وأن يتكلم فقط بما يبني ويفيد، وأن يصمت حين يكون الصمت خيرًا. فالصمت ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للوصول إلى الكلمة الصالحة التي تخرج بسلام وتكون سبب بركة وخلاص للسامعين.


