الصلاة وكيف تكون؟

| الكتاب | الصلاة وكيف تكون؟ |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يونيو 2019م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19680/ 2021م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
الصلاة وكيف تكون؟
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة الطبعة الثانية
مقدمة الطبعة الثانية
يسر مركز مُعلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث أن يصدر الطبعة الثانية من كتاب "الصلاة وكيف تكون؟" لمثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث. وقد تلقف شعب الكنيسة هذا الكتاب بفرحٍ كبير، ونفذ الكتاب بمجرد صدوره. كما حرص كل مَن قرأ هذا الكتاب الرائع على إهدائه إلى أصدقائه ومحبيه. نظرًا لأن الكتاب قدم موضوع الصلاة بطريقةٍ سلسة وروحانية وحيَّة تدفعهم لممارستها واختبارها.. ومن فرط متعتهم يرغبون في مشاركة أحبائهم معهم لاختبار هذه الفضيلة الملائكية التي تحدث عنها الكتاب.
وقد كان الهدف من الكتاب هو تجميع أغلب ما كتبه قداسة البابا شنوده عن الصلاة ليشبع عقولنا وقلوبنا عن مفهوم الصلاة وكيف نحياها ونمارسها.
وقد سبق وكتب قداسة البابا شنوده في كتاب "الوسائط الروحية" فصلاً عن الصلاة، كأحد الوسائط الروحية المهمة في حياة الإنسان الروحي، ولكن قمنا بتجميع المقالات التي لم تنشر عن موضوع الصلاة ووضعنها في هذا الكتاب ليكون دليلاً لكل إنسان مسيحي يريد أن يعرف ويتعلم الصلاة الحقيقية التي هي صلةٌ مع الله نفسه.
وفي هذا الكتاب "الصلاة وكيف تكون؟"، تقرأ عن ما هي الصلاة؟، وكيف تصلي بخشوع، وروحانية وعمق، تدرايب في الصلاة، وأسئلة عن الصلاة وغيرها من الموضوعات الأخرى.
ومن ضمن أقوال قداسة البابا شنوده عن الصلاة التي ستقرأها في هذا الكتاب: "إن الصلاة هي مفتاح السماء. هي أحد مفاتيح قلب الله.. مع أن قلب الله مفتوح باستمرار. إلا أنك بالصلاة، تشعر أن قلبه مفتوح لك".
وأيضًا "إن الصلاة هي وقت فرح بالرَّب... قلوب فرحة بالرب، تقف أمامه وتغنِّي. لا نضرب على أوتار عود، بقدر ما نضرب على أوتار قلوبنا".
بركة والدة الإله العذراء مريم، وقداسة البابا شنوده الثالث.. تكون معنا، وترشدنا دائمًا.. وليتحنن الله علينا ويرحمنا ويعلِّمنا كيف نصلِّي بلا انقطاع.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
ما هي الصلاة؟
ما هي الصلاة؟*
الصلاة في معناها البدائي هي حديث مع الله.. أما من جهة العاطفة، فهي رفع القلب إلى الله. لأن القلب يتحدَّث مع الله بالشعور والعاطفة، أكثر مما يتحدَّث اللسان بالكلام. وربما يرتفع القلب إلى الله بدون كلام..
لذلك فإن تنهُّد القلب صلاة..
وحنين القلب إلى الله صلاة..
وعواطف الحب في القلب نحو الله صلاة..
إن الصلاة بين الإنسان والله هي صلة بين الإنسان والله. إن لم توجد هذه الصلة القلبية فلن ينفع الكلام شيئًا.
الصلاة هي عاطفة حب مع الله. الحب يدفع إليها كسبب، والحب يتمشَّى فيها باستمرار، والحب أيضًا هو نتيجتها.. لهذا نجد مشاعر هذا الحب ظاهرة في صلوات داود ومزاميره، يقول:
"يا الله أنت إلهي، إليك أبكر، عطشت نفسي إليك. التحقت نفسي وراءك. متى أقف وأتراءى أمام الله، اشتاقت نفسي إلى الله، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء" (مز63: 1)، "كشوق الإيل إلى جداول المياه، كذلك اشتاقت نفسي إليك يا الله" (مز 42: 1).
كثيرون يصلون ولا يشعرون بتعزية، لأن الحب غير موجود..
مجرد كلام لا يعزِّي، قال عنه الرب: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6).
إن أردت أن تحدِّث الله بعاطفة، فتحدَّث معه بصراحة وانطلاق.. بغير تكلُّف، ولا تحاول أن تتخيَّر ألفاظًا معيَّنة. كلِّمه كما يكلِّم الصديق صديقه، والحبيب حبيبه، وكما يكلِّم الابن أباه..
لأن الصلاة ليست علاقة رسمية..
الصلاة تواضع من الله، الذي يقبل أن نتحدَّث إليه، وهو ربُّ الكل وخالق الكل، ونحن تراب ورماد.
هو يريدك أن تتحدَّث معه، متى تشاء أنت لا هو.. إنه ينتظرك في كل وقت، لكيما تفتح له قلبك وتكلِّمه، وأنت ممتنع!!
تصوَّروا التراب والرماد، وهو يمتنع عن الكلام مع خالق السموات والأرض غير المحدود! الملك واقف على الباب يقرع، والعبد في الداخل لا يجد وقتًا يفتح فيه للملك!!
إنها كبرياء من الإنسان، إذ يعتذر بأنه ليس لديه وقت للصلاة! ليس لديه وقت يتقابل فيه مع ملك الملوك ورب الأرباب! ربما من محبة الله وتواضعه، أنه أعطى الإنسان فرصة لهذا التدلُّل!
الصلاة؛ هي فتح القلب لله، لكي يدخل ويطهِّره. إنها علاج لمشاكل الإنسان الذي لا يعتمد على ذراع بشري.
عليها يعتمد الإنسان، الذي لا يتكِّل على جهاده الخاص وقوته، في أي عمل من أعماله العامة أو الروحية، حتى في توبته ورجوعه إلى الله وفي ذلك قال مار إسحاق: "مَن يظن أن له بابًا آخر للتوبة غير الصلاة، فهو مخدوع من الشياطين".
الصلاة هي إدخال لله في كل موضوع وفي كل مشكلة.
تشعر بها أنك لست وحيدًا في الحياة، وإنما هناك مَن يسندك، ومَن يقف معك. ومِن هنا فإن الصلاة تجلب السلامَ والاطمئنان. وبها يتأكد الإنسان أن مشاكله قد تسلَّمتها يد أمينة قوية، تديرها كما ينبغي. إن كانت مشاكلنا ما تزال قائمة، فربما هذا دليل على أننا لم نعرف كيف نصلِّي.
عندما تصلِّي من أجل مشكلة، إما يحل الله المشكلة وتنتهي. وإما أن تبقى، ويعطيك سلامًا في قلبك من جهتها. وهذا أيضًا لون من حل المشكلة...
المشكلة موجودة، ولكنك غير متضايق منها، لا تحس وجودها. وأصبحت لا تشعر بأنها مشكلة... إنها فاعلية الصلاة.
* من عظة لقداسة البابا شنوده سنة 1968م، نُشرت في مجلة الكرازة بتاريخ 14 أكتوبر1977م
كيف تكون الصلاة؟
كيف تكون الصلاة؟*
ما هي الصلاة، وكيف تكون؟
الصلاة هي أرقى ما في الروحيات. وكل أعمالنا الروحية من المفروض أن تقودنا إلى الصلاة، وأن تكون مصحوبة بالصلاة.
وإذا وصلنا إلى الصلاةِ بمفهومها الحقيقي، نكون قد وصلنا إلى علاقةٍ حقيقيةٍ مع الله. نستطيع حينئذ أن نُبطل كل عمل، ونبقى في الصلاة وحدها، وكفى.
ليست الصلاة فرضًا، وليست مجرد أمر من الله أو وصية علينا أن ننفذها، على الرغم من وجود وصايا كثيرة خاصة بالصلاة، وليست هي اضطرارًا ولا إرغامًا... إذًا ماذا تكون؟
الصلاة – ببساطة – هي علاقة حب مع الله..
إنسان يحب الله. ومن محبته له، يريد أن يكلمه باستمرار.. وبكثرة الحديث معه، توجد عشرة، وصداقة، ويتعمق الحب، ويتعمق في الصلاة بالأكثر.. يدخل إلى أعماق الله، ويدخل الله إلى أعماقه، وتتقدم الصلاة خطوة أخرى..
في الأول، كان الإنسان في الصلاة يتكلَّم مع الله.. ثم صار الله يتكلَّم أيضًا معه، يتحدَّث في قلبه...
يرشده، يقوده، يملأه من المشاعر الروحية، يوحي إليه بمعانٍ جديدة لعبارات الصلاة، ومعانٍ جديدة لآيات الكتاب ما كانت تخطر له من قبل. وصدق الشيخ الروحاني حينما قال:
"سكِّت لسانك، ليتكلَّم قلبك.. وسكِّت قلبك ليتكلَّم الله".
كان القديسون يصمتون، ليس خوفًا من أخطاء اللسان، فأفواههم كانت مملوءة حكمة وبركة. وإنما كانوا يصمتون لتكون لهم فرصة أطول للكلام مع الله. وفي الكلام مع الله كانت متعتهم الروحية، لذتهم وشهوة قلوبهم. لذلك فإن القديس أرسانيوس مُعلِّم أولاد الملوك، حينما سأله القديس مكاريوس الإسكندراني: "لماذا تفرّ منا يا أبتاه؟"، أجابه: "يعلم الله أنني أحبكم جميعًا. ولكني لا أستطيع أن أتحدَّث مع الله ومع الناس في نفس الوقت".
لذلك يقول بعض آباء الرهبنة: "الشخص الكثير الكلام، يدل على أنه فارغ من الداخل".. والمقصود بعبارة (فارغ من الداخل)، أنه - أثناء كلامه - لا يوجد في داخله عمل روحي مع الله. لقد شغله الكلام عن العمل الجواني، عن العمل الروحي الخفي السري، داخل القلب...
هذا الإنسان المشغول في الأحاديث العالمية، ليس لديه وقت للحديث مع الله، الله يدعوه إلى التحدُّث معه فيجيب:
"اِذهب الآن، ومتى حصل لي وقت، أستدعيك" (أع 24: 25)!!
ما أعجب الذين يعتذرون عن الصلاة، بأنه ليس لديهم وقت! بينما يضيع الكثير من وقتهم في أمور تافهة لا تفيدهم شيئًا: في مناقشات غبية، وفي مجادلات وتسليات وثرثرة، وفي الأخبار والتعليق عليها، وفي التسليات.. وربما يضيع وقتهم في خطايا..
ليتهم يوفرون جزءًا من وقتهم الضائع، للصلاة..
من الصعب أن يدَّعي إنسان بأنه ليس لديه وقت للصلاة. والأجدر أن يقول في صراحة إنه ليست لديه رغبة. لأنه إن وُجِدت الرغبة والإرادة، فلا بد أن يوجد الوقت..
إن الدافع الحقيقي للصلاة، هو الرغبة في الوجود مع الله.
إنه الاشتياق إلى الله، كما يقول داود النبي: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ.. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ.. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز 42: 1، 2).
إنسان لا يحتمل أن تمر عليه فترة غربة عن الله..
إن مر عليه وقت لم يتحدَّث فيه مع الرب، يشعر بحنين شديد في داخله، يلح عليه بقوة أن يركع ويرفع يديه إلى فوق، أو على الأقل يرفع قلبه إليه. بأي وضع...
هل جربتم الحنين إلى الله؟ هل ذُقتم حلاوة الصلاة التي ليست هي كلامًا، وإنما حب..؟ هي حركات في القلب، حتى بدون أية حركة من الشفتين..
صلاة الحب هذه تتميز بأنها لا تُحارَب أبدًا بالملل..
قد يستمر الوقت بالساعات، كحبيب اختلى بحبيبه، أو صديق يناجي صديقه، دون أن يشعر بالوقت..
إن وصلت إلى هذا الوضع، سوف لا تحتاج أن تتعلَّم كيف تصلِّي. بل ستفتح قلبك، ويعلِّمك الروح كل شيء..
وكما سُئل أحد القديسين: "كيف أتعلَّم الصلاة؟ فأجاب: "بالصلاة".
الصلاة حينئذ ستكون مدرسة، تعلِّمك الحياة مع الله. وإن وصلت في حياتك مع الله إلى هذه الصداقة والألفة، حينئذ ستتكلَّم معه بكل صراحة وبغير كُلفة"، ستعرف معنى "الدالة مع الله"..
إن مشكلتنا الأولى في الصلاة، أن الله بالنسبة إلينا ليس في مركز القلب..
إننا نتحدَّث إليه، كما لو كان بعيدًا عنّا، أو كما لو كان غريبًا عنّا. علاقتنا به ما تزال في نطاق الرسميات وليس الحب.
وهنا نقف أمام سؤال جوهري، يفرض نفسه علينا.
هل محبتنا لله تعلِّمنا الصلاة؟ أم أن الصلاة توصِّلنا إلى محبة الله؟ وبأي الاثنين نبدأ؟
إن كنت قد وصلت إلى محبة الله، فلا بد أنك ستصلِّي صلوات مملوءة بالحب. وإن لم تكن قد وصلت إلى هذه الدرجة، فاطلب في صلاتك أن يمنحك الله محبته، يسكب محبته في قلبك بالروح القدس. صلِّ وإن كنت لا تحب، واطلب المحبةَ بلجاجة.
فإن الصلاة مفتاح لكل الفضائل؛ بها تطلب من الله أن يدخل في حياتك، وأن يقود هذه الحياة في طريق سليم..
الصلاة تُدخِلك في حياة الشركة مع الله..
إن كان الرب قد قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5)، فيجب إذًا أن تتأكَّد من أن الله يشترك معك في كل عمل، بل أيضًا في كل فكر، وفي كل شعور، وفي كل حركة. هذا لا يأتي إلا بالصلاة لكي تُظهر للرب رغبتك في اشتراكه معك، وتحيا في هذه الشركة المقدسة..
بهذا لا تكون الصلاة عملاً روحيًا تقوم به في وقت معيَّن، إنما تُدخل الصلاة في كل عمل من أعمالك.
وهكذا تصلِّي في كل حين ولا تمل، وتدخُل في حياة الصلاة، لكي يدخل الله في حياتك، بكل تفاصيلها.
ثم تتدرَّج إلى خطوة أخرى فلا تطلب الله كمعين يُعينك في كل عمل تمتد إليه يدك، إنما تطلبه لذاته.
فالإنسان القديس - حينما يصلِّي- لا يطلب من الله شيئًا، وإنما يطلب الله نفسه، وكما قال داود النبي: "طلبتُ وجهك، ولوجهك يا رب ألتمس. لا تحجب وجهك عني" (مز 27: 8، 9).
كلما تزداد محبة الإنسان لله، حينئذ تصغر قيمة كل الأشياء في نظره، ويحسبها كنفاية. وحينئذ يصبح الله بالنسبة إليه هو الكل في الكل، ولا تعود له شهوة أخرى سوى الله، ويخجل في صلاته من طلب أي شيء آخر، بل إنه يقول مع المرتل: "وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ" (مز 73: 25).
حينئذ تُصبح الصلاة بالنسبة إليه هدفًا لا وسيلة.
هو لا يصلِّي ليطلب، إنما يصلِّي لأن الصلاة هي لذته وشهوته ومتعته، بها يشعر بالوجود في حضرة الله، وهذا أيضًا يكفي. وبالصلاة ينقله الله إلى جو من المشاعر الروحية، فيحس وكأنه في السماء وليس على الأرض، ويختبر ما أسماه القديسون (مذاقة الملكوت) فيذوق وينظر ما أطيب الرب.
لذلك آباؤنا القديسون فضلوا الصلاة على كل عمل آخر..
ومن أجل الصلاة تركوا كل شيء وانفردوا بالله.
ولم يصلّوا من أجل احتياجهم إلى شيء. وإنما من أجل محبتهم لله. وكانت محبة الله تُشبعهم، ومعها لا يعوزهم شيء..
ليتنا إذًا نبدأ بهذا..
شعور النفس باحتياجها إلى الله..
شعورها بأنها بدون الله في فراغ. وفراغ مؤلم قاس، لا يمكن أن يملأه إلا الله ولهذا تلجأ النفس إلى الصلاة كتعبير عن محبتها لله، وكإشباع للشوق الذي يُلهبها من الداخل..
حينئذ لا نقول إن الله يطالبنا بأن نصلِّي، وإنما رغبة قلوبنا واحتياجها إلى الله، تدفعنا إلى الصلاة، لنتمتع به..
وبهذا، فإننا في الصلاة لا نقدِّم لله طلباتنا، وإنما نقدِّم قلوبنا، نقدِّم مشاعرنا وعواطفنا وحبنا.
وتكون الصلاة انسحابًا من العالم، وارتماءً في أحضان الله.
وتكون شعورًا بأن العالم لم يعد يُشبعنا بكل ما فيه، لأن أرواحنا تجد شبعها بعيدًا عن العالم، في الله وحده، في خلوة معه، حيث تنحل من كل شيء، لكي ترتبط به وتنسى كل شيء، ولا يبقى في ذهنها سواه. كما قال بطرس الرسول: "تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت 19: 27).
هنا حقًا نحسُّ عُمق عبارة القديس الذي سألوه:
"ما هي الصلاة؟" فأجاب: "هي الموت عن العالم".
إن ماتت نفوسنا عن العالم، حينئذ تحيا بالله، وحينئذ تعرف كيف تصلِّي.. وتكون صلاتها بلا طياشة فكر.
إن طياشة الفكر أثناء الصلاة، دليل على أن المُصلِّي ما يزال مرتبطًا بالعالم بطريقة ما ودليل على أن بعض أمور العالم ما تزال لها أعماق في النفس، والنفس تهتم بها، والفكر مرتبط بها..
بل إن هذه الطياشة دليل على أنَّ الله لم يملك العقل بعد، وهناك ما يشاركه فيه..
"أيها الآب السماوى، ليأتِ ملكوتك.. انظر يا رب إلى هذا القلب، وطهره من كل فكر غريب، لكيما يصبح كله لك... امنحنا وقت الصلاة فكرًا نقيًا، لا يتشاغل عنك بشيئ. امنحنا الحب الذي يحرق كل الاهتمامات الأخرى. وتبقى أنت وحدك".
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7 أبريل 1978م
الصلاة هي أعمق الروحيات
الصلاة هي أعمق الروحيات*
جميع الناس يصلّون، ويرفعون أكفَّ الضراعة إلى الله. ووسط صلوات الكثيرين، نريد أن نتحدَّث اليوم عن الصلاة: فما هي الصلاة؟ وكيف تكون؟ وهل كل (صلاة) هي في الحقيقة صلاة؟ وهل هناك صلوات مقبولة، وأخرى غير مقبولة؟ وما هي شروط الصلوات المقبولة؟
إن الصلاة جزءٌ من طبيعة الإنسان، كأنها غريزة فيه.
ومن هنا كان جميع الناس يصلّون. حتى أن الوثنين أيضًا يعرفون الصلاة، وذلك لأن القلب بدون الصلة بالله، يشعر بفراغ كبير. فالله له وجود في حياتنا، ولسنا نحن معتزلين عنه. إنه معنا. ونلاحظ أنه حتى الطفل يقبل فكرة الله وفكرة الصلاة بدون شرح، إنها فيه بالفطرة. وإن قلنا أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فإننا نستطيع أن نطبِّق هذه القاعدة روحيًا وجسديًا. فروح الإنسان تشتاق إلى الله، وتجد لذة في الالتقاء به والمكوث معه..
الصلاة هي إذًا اشتياق إلى الله.
روح الإنسان تشتاق إلى عشرة أخرى غير عشرة المادة. وفي داخل كل منا اشتياق إلى غير المحدود، واشتياق آخر إلى مثالية عالية غير موجودة في هذا العالم.. ومن هنا يلجأ الإنسان إلى الله، ليُشبِع شوقه الروحي.
الصلاة هي أعمق ما في الروحيات. هي تفرُّغ القلب لله..
هي عمل الملائكة، وعمل الإنسان حينما يتشبَّه بالملائكة..
هي عمل النسّاك والمتوحِّدين، الذين تركوا كل شيء من أجل محبتهم لله، ووجدوا في هذه المحبة ما يكفيهم وما يغنيهم.
الصلاة هي راحة للنفس. هي الميناء الهادئ الذي ترسو عنده النفس بعيدًا عن أمواج العالم المتلاطمة.
الصلاة هي واحة خضراء في برية العالم القاحلة..
هي الوقت الذي تلتقي فيه النفس بمن يريحها. تجد القلب الكبير الذي تأتمنه على أسرارها، وتستطيع أن تحدِّثه بكل صراحة عن متاعبها وعن ضعفاتها وسقطاتها، وهي موقنة تمامًا أنه لن يحتقر سقوطها بل يقابلها بكل حنو، ويعينها على القيام ويشجعها..
الصلاة هي خلوة النفس مع الله.
هي لقاء مع الله، لقاء حب..
هي تلامس قلب الإنسان مع قلب الله.. وهي تمتُع النفس بالله. وشعورها بالفرح والاطمئنان بالوجود في حضرة الله.
الصلاة هي صلة بالله. وربما من هذا المعنى اشتق اسمها.
وهكذا يكون الإنسان في حالة صلاة، إن وُجِدت هذه الصلة، وإن شعر بالوجود في حضرة الله. وإن أحس القلب أنه قائم فعلاً أمام الله يتحدَّث إليه.
ليس المهم هو طول الصلاة ونوع الكلام الذي يقال فيها، بقدر ما تتركَّز الأهمية بالشعور بأن هناك صلة مع الله.
إن لم توجد هذه الصلة، لا يعتبر الإنسان مصلِّيًا، مهما ركع ومهما سجد، ومهما ظن أنه كان يتحدث مع الله!
إن اللمبات الكهربائية – مهما كانت قوية وجميلة – فإنها تكون عديمة الفائدة، إن كان لا يسري فيها التيار الكهربائي. هكذا الصلاة إن لم يكن يسري فيها الشعور بالوجود في حضرة الله.
الصلاة هي تقديس للنفس، برفع الفكر إلى الله، ورفع القلب إلى الله فيتطهَّر الفكر بالصلاة، وكذلك القلب أيضًا.
ذلك أنه عندما يرتفع الفكر إلى الله، يبعُد عن المادة وعن محبتها والانشغال بها. ويكون في مستوى روحي أعلى من المادة. وهكذا يدخل القلب والفكر في مستوى آخر، له سموه وروحانيته، يدخلان في عشرة مع الملائكة وأرواح الأبرار. وفي مثل هذه الصلاة تبطُل من العقل كل الأفكار الرديئة، كما تبطُل طياشة الأفكار، ويجتمع العقل مع الله.
بالصلاة يصل الإنسان إلى ما يسميه القديسون "استحياء الفكر".
فالفكر الذي تقدس بالصلاة، يستحي من التفكير في أي شيء رديء. وهكذا يخجل الإنسان من أن يستضيف في ذهنه فكرًا شريرًا في الموضع الذي كان يوجد الله فيه، في العقل وقت الصلاة. وبهذا تساعد الصلاة على حياة التوبة ونقاوتها..
لكل هذا كانت الصلاة رعبًا للشياطين.
فالشياطين يخافون جدًا من عمل الصلاة. ويرونه سعيًا إلى إمدادات إلهية ومعونات سمائية تصل إلى النفس، فتحطِّم قوى الشياطين التي تحاربها. لذلك فإن الشياطين تحاول بكل جهدها أن تعطِّل الإنسان عن القيام بالصلاة. ونقصد الصلوات الروحية التي تخيفهم. أما الصلاة الفاترة أو السطحية، فلا يهتم الشياطين بمقاومتها، إنها لا تؤذيهم.
إن الصلاة الروحية تسبِّب حسد الشياطين، وتذكِّرهم بما فقدوه.
تُشعرهم بالدالة الموجودة بين الإنسان والله، فيتعبون ويحاولون أن يمنعوا الصلاة. فإن أصرَّ الإنسان على الصلاة، حينئذ يحاول الشياطين أن يشتِّتوا فكره، بأن يقدِّموا له تذكارات ومشاغل وأفكارًا ليجذبوه إلى شيء آخر بعيدًا عن الله.
الصلاة هي طعام الروح. هي غذاء الملائكة.
هي عاطفة مقدسة تغذِّي القلب. بل في أثنائها قد ينسى الجسد أيضًا طعامه، ولا يشعر بجوع. ومن هنا كان ارتباط الصوم بالصلاة فعندما تتغذَّى الروح بالصلاة، يمكنها أن ترفع الجسد معها وتُشغله عن التفكير في طعامه، وتُعطيه طعامًا آخر. وبهذا تستطيع الروح – بالصلاة – أن تحمل الجسد.
الصلاة هي حركة القلب، حتى بدون كلام..
الصلاة ليست مجرد حديث، فقد تكون خفقة القلب صلاة. وقد تكون دمعة العين صلاة. وقد يكون رفع البصر إلى فوق، أو رفع اليدين صلاة.
إن الله بمعرفته للقلوب – في مشاعرها وفي احتياجاتها – يعرف اللغة التي تخاطبه بها هذه القلوب، خارج نطاق الألفاظ. كالأب الذي يدرك مشاعر وطلبات ابنه، دون أن ينطق بها هذا الابن. وهكذا يقول داود النبي في مزاميره لله: "انصت إلى دموعي" ذلك لأن دموعه كان لها صوت خفي يسمعه الله.
الصلاة هي تسليم حياتنا لله، ليعمل هو فيها..
هي رفض من الإنسان أن يستقل بحياته منفصلاً عن الله، فهو يريد من الله أن يعمل معه، ويعمل به. فلا يعمل هو وحده!
الصلاة هي إذًا دعوة من الإنسان لله أن يتدخل في حياته، ويديرها بحكمته الإلهية حسب مشيئته الصالحة الطوباوية. كما لو أن هذا الإنسان يُعلن في صلاته – بكل اتضاع وانسحاق قلب – أنه لا يستطيع أن يعتمد على ذهنه البشري وحده وأنه بدون الله لا يستطيع أن يعمل شيئًا..
الصلاة هي شرفٌ عظيم لنا: أن نتحدث مع الله.. بل هي تواضع من الله: أن يستمع إلينا!
ربما نجد صعوبة في الوصول إلى أحد ملوك الأرض أو أحد رؤسائها أو أمرائها لنتحدث إليه. أما التواضع العجيب فهو أن يسمح لنا ملك الملوك ورب الأرباب، أن نتحدث إليه في أي وقت وأي مكان، بلا مانع ولا عائق..!
الصلاة هي السلم العجيب الذي نصعد به إلى الله، أو هي الجسر الذهبي الذي بين الأرض والسماء.. بل إنه بالصلاة تتحول النفس إلى سماء، وتتمتع بالوجود في حضرة الله!
والعجيب أنه مع هذا الشرف العظيم، يمتنع البعض أحيانًا عن الصلاة محتجًا بقلة الوقت، أو قد لا تكون له رغبة!
يمتنع الإنسان – الذي هو تراب – عن التحدث مع خالق السماء والأرض، الذي تسبِّحه وتسجد له طغمات الملائكة!!
ليست الصلاة تفضلاً منا على الله! كما لو كنا نعطي الله شيئًا من وقتنا أو من مشاعرنا!! وليست هي ضريبة يفرضها الله علينا! وليست هي عملاً نُغصب عليه بأمر سماوي! كلا..
إنما الصلاة هي أخذ لا عطاء.. بها نأخذ من الله بركات ومواهب وعطايا دون أن نعطيه شيئًا. وإن كنا نقدم لله وقتًا أو قلبًا، فإنما لكي يملأ هذا القلب من محبته، ويقدِّس هذا الوقت ببركته..
اعتقادنا الخاطئ في أن الصلاة إعطاء منا، هو الذي يجعلنا – في كبرياء وتمنُّع – نقصِّر في أدائها. أقصد نقصِّر في حق أنفسنا أولاً وقبل كل شيء. لأننا نحن المستفيدون من الصلاة وليس الله.. فلنحاول أن نصلِّي، لكي نأخذ بركة ومعونة. ولكي نتمتَّع بالحديث مع الله، ولكي تتقدَّس قلوبنا وأفكارنا وحياتنا كلها.. وإن صلينا، ليتنا نعرف كيف نصلِّي، وكيف نخاطب الله..
الصلاة هي فترة من الخشوع نقضيها أمام الله...
خشوع للجسد وللروح أيضًا، خشوع في السجود وفي الركوع.
إن داود النبي – في مزاميره – لا يقول عن سجوده: "لصِقت بالتراب رأسي" إنما يقول: "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي" (مز 119: 25) هذا عن ملء الانسحاق.
وخشوع الجسد يشمل ضمنًا خشوع الحواس، فلا تتشتَّت هنا وهناك أثناء الصلاة – كذلك يشمل جمع الفكر– فلا يسرح فيما يصلِّي.
إن سرحان فكرك أثناء الصلاة في أمور متعدِّدة، إنما يدل على اهتمامك بهذه الأمور أكثر من اهتمامك بكلمات الصلاة. لذلك عليك أن تُعد نفسك روحيًا قبل أن تصلِّي. وتُخلي فكرك مما يشغله، لكي ينشغل بالله وحده. ويحسُن أن يكون ذهنك منشغلاً بفكر روحي!!
ولتكن صلاتك بفهم وتركيز وعاطفة...
فتعني وتقصد كل كلمة تقولها في الصلاة ولا يهمك طول الصلاة وإنما عمقها، فإن حوربت بأن تطيل الصلاة بدون عمق، قل لنفسك: "أنا ما وقفت أمام الله لكي أعدّ ألفاظًا"! ولتخرج ألفاظ الصلاة من قلبك، وليس من مجرد شفتيك. فإن الله قال عن اليهود في العهد القديم: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر 7: 6).. إن الصلاة التي تقولها من قلبك، تتَّصف بالحرارة وأيضًا بالإيمان..
ولا تكن صلواتك مجرد طِلبات تطلبها. لئلا يظن أنك لولا الطلب ما كنت تصلِّي!
الصلاة تشمل أيضًا الشكر والحمد، وفيه تسبيح الله وتمجيده.. وفيها أيضًا الحب والعاطفة. وما أجمل قول داود النبي في مزاميره: "طلبت وجهك، ولوجهك يا رب ألتمس. لا تحجب وجهك عني" (مز 27: 8، 9).. في الصلاة تفتح قلبك لله بكل ما فيه. وتتحدَّث عما في قلبك بصراحة. وتعرضه أمام الله، فيسكب الله فيه من الحب والنقاوة ما يجعله لائقًا بالتحدُّث عن الله.
والصلاة تكون مقبولة، إن صدرت من قلب تائب. وإن لم تكن كذلك، فقل له: "تَوِّبْنِي يا رب فَأَتُوبَ" (إر 31: 18).
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة الجمهورية، بتاريخ 29 يونيو2004م
صفات الصلاة المقبولة؟
صفات الصلاة المقبولة؟*
مبارك هو إلهنا الطيب الذي منحنا أن نُصلِّي. تواضع منه أن يسمح لنا بأن نتحدَّث إليه، وتواضع منه أن يُصغي إلينا.. مَن نحن التُّراب والرَّماد حتى نقترب إلى الله ونقف أمامه ونتحدَّث إليه.. ونضم أنفسنا إلى صفوف الملائكة الواقفة أمام عرشه تُسبِّحه وتتبارك بالوجود في حضرته؟! حقًا إنه تواضع من الخالق أن يسمح لمخلوقاته بهذه الدالة.
لذلك عار كبير وخطية كبرى، أن تقول: ليس لديَّ وقت للصلاة!! عجيب أن الخالق يسمح لنا أن نُكلِّمه، ونحن المخلوقات نعتذر بضيق الوقت!! إنَّ أمور عديدة تافهة نجد لها وقتًا.. ومحادثات لا قيمة لها نجد لها وقتًا. لماذا إذًا نحتج بضيق الوقت في الحديث مع الله؟!
إنَّ داود النبي كان ملكًا وقائدًا وقاضيًا للشعب، وله أُسرة كبيرة. ومع ذلك يقول للرب: "سبع مرات في النهار سبَّحتك على أحكام عدلك"، "في نصف الليل نهضت لأشكرك"، "سبقَت عيناي وقت السحر لأتلو في جميع أقوالك" (مز 119).
المشكلة إذًا لا تكمن في الوقت، وإنما في عدم الرغبة.
إن كانت لديك رغبة في الصلاة، فلا شك أنك ستجد لها وقتًا.. ثم يجب أن تعرف أنَّ الصلاة بركة لك وأنك فيها تأخذ ولست تُعطي. فهل تظن أنك تُعطي لله وقتًا حينما تُصلِّي؟! أم أنَّ الله مُحتاج إلى صلاتك؟! بل أنت تأخذ في الصلاة قوة ومعونة، وتأخذ لذَّة روحية ومُتعة بعِشرة الله وحلاً لمشاكلك.. مُجرَّد وجودك في حضرة الله متعة حتى لو لم تفتح فمك بكلمة واحدة، حتى لو لم يتحرَّك ذهنك بأي فكر. كطفل في حضن أبيه، لا يطلب شيئًا سوى أن يبقى هناك.
ما أجمل ما قاله بعض الآباء عن الصلاة، إنها مذاقة الملكوت.
على أنه ليست كل صلاة مقبولة، لأنه ليست كل صلاة، صلاة.
فما هي إذًا شروط الصلاة المقبولة؟
يجب أوَّلاً أن تكون بالروح؛ فيها روح الإنسان تخاطب روح الله، وقلبه يتصل بقلب الله. وهذه الصلاة التي من الروح والقلب، هي التي تفتح أبواب السماء، وتدخل إلى حضرة الله، وتُكلِّمه بدالة، وتأخذ منه ما تريد..
بل إنَّ هذه الصلاة هي أيضًا التي تشبع الروح. كما قال المرتل في المزمور: "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، فتشبع نفسي كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ" (مز 63: 4، 5).
الصلاة الروحانية تكون أيضًا بخشوع أمام الله.
إن محبَّتنا لله لا يمكن أن تنسينا هيبته وجلاله ووقاره. وهكذا في خشوعنا ندرك أدب الحديث مع الله.
وخشوعك أمام الله هو خشوع الروح وخشوع الجسد أيضًا.. أمَّا عن خشوع الجسد فيشمل الوقوف والركوع والسجود. بحيث لا تقف وقفة متراخية ولا متكاسلة. ولا تستسلم للشيطان الذي يحاول أن يُشعِرك في وقت الصلاة بتعب الجسد أو بمرضه أو بإنهاكه أو بحاجته إلى النومِ!
إنَّ خشوع الجسد لازم، لأنَّ الجسد يشترك مع الروح في مشاعرها، ويُعبِّر عنها، كما أن تراخي الروح وعدم اهتمامها، يظهر كذلك في حركات الجسد، مثل انشغال الحواس بشيء آخر أثناء الصلاة.
أمَّا عن خشوع الروح، ففيه تكون الصلاة بانسحاق القلب. إذ يشعر المُصلِّي أنه - وهو طبيعة ترابية - يقف أمام الله الكُلي العظمة غير المحدود، الذي طالما غمرنا بإحسانه، ونحن نجحد وصاياه بخطايانا الكثيرة. ففي خشوعه يشعر بعدم الاستحقاق.
والصلاة الطاهرة تكون بإيمان وبعُمق وفهم.
إذ يؤمن المُصلِّي أن الله يسمع ويستجيب ما دامت صلواتنا حسب مشيئته. كذلك في صلاته يقول كل كلمة بفهم ويقصد كل أعماقها. وهو يُصلِّي من عُمق قلبه ومن عُمق احتياجاته ومن عُمق فكره. وهذه الأعماق تمنح الصلاة حرارة.
على أننا نريد أن نُقدِّم بعض ملاحظات هامة لتكون الصلاة روحانية ومقبولة..
لا تكتفِ بالصلوات المحفوظة فقط. وإنما درِّب نفسك على صلوات خاصة تقولها لله بقلب مفتوح أمامه لا يخفي عنه شيئًا، تعبِّر فيها عن كل مشاعرك، وتذكر فيها كل احتياجاتك، وتطلب فيها معونة في ضعفاتك.
درِّب نفسك على الاستيقاظ المُبكِّر، وبدء اليوم بالصلاة. حيث يكون قلبك صافيًا، ولم يزدحم بعد بأفكار العمل وسائر المسئوليات. كما يكون بيتك هادئًا لم تدركه ضوضاء النهار. فتخلو مع الله بدون مُعطِّل. ويكون الله هو أول مَن تتحدَّث إليه في يومك، وتأخذ منه بركة لهذا اليوم.
درِّب نفسك على إطالة الوقت في الوجود مع الله. وما أجمل قول داود النبي في المزمور: "محبوبٌ هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي". وهنا اسأل نفسك: كم من الوقت تقضيه مع الله في يومك؟ مقارنًا ذلك بالأوقات الكثيرة التي تقضيها في أحاديث وترفيهات لا تفيدك شيئًا. ولا تجعل الوقت الذي تقضيه مع الله في نهاية مشغولياتك، بل في قمة مشغولياتك.
تدرَّب أن تُدخِل الله في كل موضوع وكل مشكلة لك. فلا تقف وحدك في كل مشاكلك وكل مشاغلك. ولا تعتمد فقط على مُجرَّد ذكائك أو على معونة الآخرين. إنما اشعر بأنك لا تستغني عن الله في كل ما يعرض عليك من أمور. موقنًا أن أمورك قد تسلَّمتها يد أمينة قوية هي يد الله التي ستدبِّر كل شيء حسنًا.
تدرَّب على الصلاة من أجل الآخرين، وبخاصة كل الذين هم في احتياج. صلِّ من أجل معارفك وزملائك وأهل بيتك، ومن أجل المجتمع الذي تعيش فيه، ومن أجل المرضى والتعابى، ومن أجل الوطن والمناطق التي تحتاج إلى معونة وسلام.
وأخيرًا، إن كنت لم تصل بعد إلى الصلاة الطاهرة الروحانية المركزة، فلا تمتنع عن الصلاة لهذا السبب. بل تدرَّج حتى تصل إلى كمال درجة الصلاة. والمعروف جيدًا أنك تتعلَّم الصلاة بالصلاة.
كذلك حاول أن تستمر في الصلاة، كُلَّما أردت أن تنهيها، مشتاقًا أن تبقى في الجو الروحي الذي للصلاة، غير مفضلٍ عليها أيَّة مشغولية أخرى..! والله الذي قبل صلوات الأبرار، هو يقبل صلواتك أيضًا.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 6يوليو2008م
كيف تصل إلى الله؟
كيف تصل إلى الله؟*
يظن البعض أنه يُصلِّي، بينما صلاته لم تكن صلاة، ولم تصعد إلى الله! فما هي الصلاة إذًا؟ وكيف تكون؟
الصلاة هي جسر يوصل بين الإنسان والله.
إنها ليست مُجرَّد كلام، إنما هي صلة.. هي صلة بالله قلبًا وفِكرًا.. إنها إحساسك بالوجود في الحضرة الإلهية، أي بأنك أمام الله واقفًا أو راكعًا أو ساجدًا. وبغير هذا الإحساس لا تكون الصلاة صلاة. وبالإحساس بالوجود في الحضرة الإلهية ينسى الإنسان كل شيء، أو لا يهتم بشيءٍ. ولا يبقى في ذهنه سوى الله وحده. ويتضاءل كل شيء أمامه، ويُصبح الله هو الكل في الكل وليس سواه...
الصلاة هي عمل القلب، سواء عبَّر عنها اللسان أو لم يُعبِّر. إنها رفع القلب إلى الله، وتمتُّع القلب بالله. والقلب يتحدَّث مع الله بالشعور والعاطفة، أكثر مِمَّا يتحدَّث اللسان بالكلام.
ورُبَّما يرتفع القلب إلى الله بدون كلام. لذلك فإنَّ حنين القلب إلى الله هو صلاة. ومشاعر الحُب نحو الله هي صلاة. والصلاة كما قُلنا هي الصلة بين الله والإنسان. وإن لم توجد هذه الصلَّة القلبية فلن ينفع الكلام شيئًا. إذًا هي مشاعر فيها الإيمان، وفيها الخشوع، وفيها الحُب.
إن أحببت الله تُصلِّي. وإن صليت تزداد حُبًّا لله. فالصلاة إذًا هي عاطفة حُب نحو الله، نُعبِّر عنها أحيانًا بالكلام..
نرى هذا الحب وهذه العاطفة بكل وضوح في مزامير داود إذ يقول: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي.." (مز63: 1).
"كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ، عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 1).
إنه شوق إلى الله وعطش إليه، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء.
كثيرون يُصلِّون، ولا تصعد صلواتهم إلى الله، لأنها ليست صادرة من القلب... هي مُجرَّد كلام!! هؤلاء رفض الله صلواتهم. كما قال في العهد القديم عن اليهود: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أمَّا قلبه فمبتعد عني بعيدًا"(مر7: 6).. إذًا حينما تُصلِّي أيها القارئ العزيز، تحدَّث مع الله بعاطفة.
فالصلاة هي اشتياق المخلوق إلى خالقه، أو اشتياق المحدود إلى غير المحدود، أو اشتياق الروح إلى مصدرها وإلى ما يشبعها.
والصلاة المقبولة هي التي تصدر من قلب نقي. لذلك قال الله لليهود في العهد القديم: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش 1: 15).
إذًا ماذا يفعل الخاطئ المُثقَّل بآثامه؟ إنه يُصلِّي ليُساعده الله على التوبة. ويتوب لكي يقبل اللَّه صلاته... يُصلِّي ويقول: "توِّبني يا رب فأتوب" (إر 31: 18).
فالصلاة هي باب المعونة الذي يدخل منه الخاطئ إلى التوبة.. إذًا لا تنتظر حتى تتوب ثم تُصلِّي!! إنما صلِّ طالبًا التوبة في صلاتك لكي يمنحك الله إيَّاها.. ذلك لأنه بمداومة الصلاة يُطهِّر الله قلبك إن كنت تطلب ذلك بانسحاق أمام الله.
الصلاة هي تدشين للشفتين وللفكر..
وهي تقديس للنفس..
وأحيانًا هي صُلح مع الله..
فالإنسان الخاطئ الذي يعصي الله ويكسر وصاياه، يشعر أنه توجد خصومة بينه وبين الله. فلا يجد دالة للحديث مع الله. فإن بدأ يُصلِّي، فمعنى هذا أنه يريد أن يرجع إلى الله ويصطلح معه.. وبالصلاة يستحي أن يخطئ بعد ذلك، ويحب أن يحتفظ بفكره نقيًّا. فهو إذًا يصل إلى استحياء الفكر. وهذه ظاهرة روحية سليمة. وكُلَّما داوم على الصلاة، يدخل فكره وقلبه في جوٍ روحي.
الصلاة هي رُعب للشياطين، وهي أقوى سلاح ضدهم. الشيطان يخشى أن يفلت من يده هذا الإنسان المُصلِّي. ويخشى أن ينال المُصلِّي قوة يحاربه بها. كما أنه يحسده على علاقته هذه مع الله، العلاقة التي حُرِمَ هو منها.. لذلك فالشيطان يُحارِب الصلاة بكل الطُّرق.
يحاول أن يمنعها بأن يوحي للإنسان بمشاغل كثيرة مهمة جدًا تنتظره، وأنه ليس لديه وقت الآن للصلاة! أو يشعره بالتعب أو بثقل الجسد. وإن أصرَّ على الصلاة، يحاول الشيطان أن يُشتِّت فكره ليسرح في أمورٍ عديدة..
أمَّا أنت يا رجُل الله، فاصمد في صلاتك مهما كانت حروب إبليس. وركِّز فيها فكرك وكل مشاعرك. واعرف أن محاولته منعك من الصلاة، إنما تحمل اعترافًا ضمنيًا منه بقوة الصلاة كسلاح ضده. وثِق أنك في تمسُّكِكَ بالصلاة، فإنَّ نعمة الله سوف تكون معك ولا تتخلَّ عنك.
وفي صلاتِك، افتح أعماق نفسك لكي تمتلئ من مُتعة الوجود في حضرة الله.. اطلب الله نفسه وليس مُجرَّد خيراته ونِعمه.. تأكَّد أن نفسك التي تشعر بنقصها، ستظل في فراغ إلى أن تكملها محبة الله.. إنها تحتاج إلى حُب أقوى من كل شهوات العالم. وهي عطشانة، وماء العالم لا يستطيع أن يرويها. وكما قال القديس أغسطينوس في اعترافاته مخاطبًا الله: "ستظل نفسي حيرى إلى أن تجد راحتها فيك".
قُل له يا رب: "لست أجد سواك كائنًا يرفق بي ويحتويني... أنت الذي أطمئن إليه، فأفتح له قلبي، وأحكي له كل أسراري، وأشرح له ضعفاتي فلا يحتقرها بل يشفق عليها. وأسكب أمامه دموعي، وأبثه أشواقي. أشعر معه أنني لست وحدي، وإنما معي قوة تسندني.. بدونك يا رب أشعر أنني في فراغٍ، ولا أرى لي وجودًا حقيقيًا.. ومعك أشتاق إلى ما هو أسْمَى من المادة والعالم وكل ما فيه..".
هذه هي صلاة الحُب وهي أعلى من مستوى الطلب. فالقلب المُحِب لله قد يُصلِّي ولا يطلُب شيئًا.
وكما قال أحد الآباء: "لا تبدأ صلاتك بالطلب، لئلاَّ يُظن أنه لولا الطلب لما كنت تُصلِّي".
والصلاة قد تكون شكرًا لله على ما أعطاه لك من قبل.
شكرًا على عنايته بك ورعايته لك، وعلى ستره ومعونته وكل إحساناته، لك ولكل أصحابك وأحبائك. وقد تكون الصلاة تسبيحًا... وقد تكون مُجرَّد تأمُّل في صفات الله الجميلة.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 29 يونيو 2008م
متى نصلِّي؟
متى نصلِّي؟*
الصلاة ليست أمرًا أو فرضًا أو واجبًا على الإنسان، وليس عليه أن يصلِّي اضطرارًا. كما أن الصلاة ليست قانونًا من القوانين الروحية.. إنما الدافع إلى الصلاة هو اشتياقه إلى الله!! فالصلاة هي اشتياق إلى الله، هي حب لله يُعبَّر عنه بهذا الحديث وإن لم تكن حبًا ولا اشتياقًا، إذًا فهي مجرد كلام لا قيمة له. ولهذا نعتبر أن خفقة القلب صلاة، ودمعة العين صلاة وركوع القدمين صلاة، ورفع اليدين صلاة، ومشاعر القلب الداخلية، حتى إن لم يُعبَّر عنها بالكلام، هي أيضًا صلاة. الصلاة إذًا عبارة عن مشاعر.
الصلاة هي غذاء للروح كما يتغذَّى الجسد بالخبز تتغذَّى الروح بالصلاة. ولذلك ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لأن الإنسان ليس مجرد جسد يتغذَّى بالخبز، إنما هو أيضًا روح تتغذَّى بالصلاة. الصلاة هي متعة للقلب المُحب لله يجد فيها متعته ويجد فيها لذته، ولذلك فإن الشخص الذي يُصلي ثم يضجر ويمل ويُريد أن يُنهي الصلاة، هذا لم يدخل بعد في عمقها، لم يصل إلى المتعة الروحية واللذة الروحية التي تدفعه إلى الصلاة.
الصلاة موجودة في ضمير كل إنسان وفي طبيعة كل إنسان. لا يوجد شعب على الأرض كلها إلا ويصلِّي حتى أن الوثنيين أيضًا كانوا يُصلّون وأصحاب العبادات الأخرى كالبراهما والكونفوشيوسيين والبوذيين أيضًا يُصلّون. كل إنسان وضع الله في أعماقه حنينًا إلى الذات الكلية، إلى الكائن الأعلى الكلي الذي خلق الكون. هناك حنين في أعماق كل إنسان، لذلك سهل على كل إنسان أن يُصلِّي ويرفع قلبه إلى الله.
الصلاة إذًا هي رفع القلب. رفع القلب؛ أي أن القلب الذي ربما يعيش في الماديات ويحب الأرضيات نقطعه عن هذا المستوى ونُصعده إلى فوق.. نسمو به فيتحدَّث مع الله.
الصلاة هي عمل الروحيين.
أهل العالم والمشغولون بالمادة لا يعرفون الصلاة. أما الروحيون فإن عملهم هو الصلاة، والصلاة عمل يبدأ على الأرض ولا ينتهي، ويكمُل في السماء. كل الأعمال على الأرض تنتهي؛ أي إنسان له وظيفة على الأرض يأتي عليها وقت تنتهي فيه.. لكن العمل الذي لا ينتهي أبدًا هو الصلاة، يبدأ على الأرض ويكمُل في السماء، ويستمر في الأبدية في حديث مع الله، وفي متعة مع الله.
الصلاة هي فترة ذهبية للوجود في الحضرة الإلهية.
يكفي أن توجد في حضرة الله، ويملأك هذا الوجود بمشاعر روحانية ويسمو بقلبك وفكرك ويسمو بروحك وبمشاعرك وبإحساساتك، ويجعلك في عالم آخر.
بالصلاة تصير شريكًا للملائكة وبالصلاة تدخل في شركة الروح القدس، لأنك في وقت الصلاة تكون عاملًا مع الروح والروح عاملاً معك، لأن الروح نفسه يشفع فيك بأنَّات لا يُنطق بها. الصلاة هي امتياز معيَّن يُعطى لنا.. لذلك الإنسان الذي يعتذر عن الصلاة لم يفهم معنى هذا الامتياز!
الصلاة هي أنشودة النفس تتغنَّى بها في الحضرة الإلهية.
ولذلك من الأمور الجميلة أن نرى أن داود النبي مثلاً في مزاميره كان يُلحنها بألحان، ويضربها على القيثار والمزمار والعشرة الأوتار، يُلِّحنها ويعزفها ويُغنِّيها ويُكلِّم الله بغنائه أنشودة للنفس. ولذلك نحن في الكنيسة نُلحِّن الصلوات. صلاة القداس مُلحَّنة، ومردات الشمامسة مُلحَّنة، وأيضًا تسبحة الإبصلمودية مُلحَّنة، وكثيرٌ من مزاميرها لها لحن. وقديمًا كان كل مزمور له لحن؛ لأن الإنسان يتغنَّى بها أمام ربنا.
يتغنَّى بمحبة الله ورحمة الله وجمال الله وعظمة الله.. الصلاة هي أنشودته وأغنيته وترتيله وتسبيحه ولحنه وغنائه وفرحه وموسيقاه. هذه هي الصلاة، هي لحن النفس المُحبَّة.
صفات الصلاة
يقول داود النبي في المزمور: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز 122: 1). فرِحت بهم لأني سأقف أمام ربنا وسأرى الهيكل، وأتأمل في بيته.
"وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ" (مز 27: 4).. هذه مسألة حب، وليس مجرد طلبات، فالله ليس مدير بنك تطلب منه.. أبدًا.. إنما الله قلب مُحب يتعامل مع قلوب مُحبة.
صحيح أن في يده كل الخيرات، ويُعطيك إياها، لكن أعظم الخيرات التي يُعطيك الرب إياها هي محبته. لذلك الصلاة هي حب يرتفع إلى الله، وحب يتحدَّث مع الله وحب يعبِّر عن ذاته بالكلام أحيانًا، وبغير الكلام أحيانًا مثل واحد ينظر إلى فوق، مجرد نظرة فقط.. نفس تنظر إلى الله حتى دون أن تتكلَّم، وربنا يقول لها: "حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" (نش 6: 5).
هذا الحب الحقيقي الذي يتوجه إلى الله.. وليس الذي يقف أمام الله يقول: أريد، وأريد.. أعطني.. لا؟ اِبدأ أولاً بمحبة ربنا، بمشاعر، بعواطف، باشتياقاتك إلى الله وكل هذه تزدادونها.
هناك إنسان يقف أمام الله ويقول له: "يا رب أنا خجلان أن أطلب منك شيء.. لأنه أمامي هذا القلب الكبير الذي لا يُحد، وأمامي هذا الجمال الإلهي الذي لا يُنطق به، ثم أطلب طلبًا آخر!! أنا لا أطلب إلا أنت.. كما قال داود النبي: "طلبت وجهك ولوجهك يا رب ألتمس لا تحجب وجهك عني" أنا كل ما أطلبه هو وجهك فقط".
إذا كان تلميذ من تلاميذ القديس الأنبا أنطونيوس لما جلس معه وكل واحد سأل سؤال.. وأنبا أنطونيوس قال له: "ماذا تريد؟" قال له: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي".. أنا ليس عندي طلبات أو أسئلة.. أنا يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي.
يا ليتنا نقول لله أيضًا: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي، كفاية عليَّ جدًا، أنا لا أريد شيئًا".
الصلاة الطاهرة
الصلاة هي حب ولذلك نرى أن الله قد عاتب شعب إسرائيل أيام إشعياء النبي حينما كثُرت صلواتهم بلا عاطفة، بلا حب، بلا صلة، بلا علاقة.. قال لهم: "حين تبسطون أيديكم أستر وجهي عنكم، وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع" لأن "أيديكم ملآنة دمًا" (إش 1: 15) لذلك الصلاة من صفاتها أن تكون طاهرة.
تصطلح مع ربنا في الأول ثم تصلِّي.. لكن تصلِّي وأنت متخاصم لا ينفع.. إلا لو كنت تصلِّي لتطلب هذا الصُلح أو تعتذر عن هذا الخطأ لكن تصلِّي وأنت متخاصم غير معقول!!
إن كان هناك شخص بينك وبينه مضايقة في الليل والنهار وتأتي لتتحدَّث معه يكون كلام بلا معنى؟!! ولهذا يقول الرب: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ.." (أم 23: 26) أنا لا أريد كلامك. أنا أريد قلبك، وأنا أفهم لغة القلب حتى إن لم يتحدَّث.
"يا ابني أعطني قلبك" ويُعاتب ويقول: هذا الشعب يعبدني بشفتيه أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا.. إذًا الصلاة ليست مجرد حديث الشفاه وإنما الصلاة هي حديث القلب، قلب مفتوح يحكي لله كل شيء وقلب مفتوح يسكن الله داخله، ويسكن هو داخل قلب الله.. وتكون سكناه في قلب الله صلاة.
إذًا القلب عندما يرتفع لله تعتبر صلاة. في اللغة القبطية (تينتيهو). تيهو يطلب.. (تي) يُعطي و(هو) يعني وجهه.. أي (يعطي وجهه لله) يعني يرفع وجهه لله.
أول شيء في الصلاة أنها حب.
هذا الحب الذي عندما علَّمنا الرب أن نصلِّي، قال: "متى صلَّيتم قولوا أبانا الذي في السموات". نحن نعبِّر عن هذا الحب بأن نُكلِّم الله كبنين يُكلِّمون أباهم السماوي وليس كعبيد يكلِّمون سيدهم.
كبنين يحدثون الله في حب..
لكن مسألة الحب وحدها لا تكفي لأن هناك أشخاصًا يتدلَّلون في الحب فيفقدون هيبة الآب.. ولذلك الصلاة لكي تكون صلاة حقيقية ينبغي أن يُخلط فيها الحب بالخشوع لأننا لا نُكلِّم أبًا عاديًا إنما نكلِّم أبانا الذي في السموات.
صحيح يا رب تواضعٌ منك أنك سمحت لي أن أصلِّي، وأنت ملك الملوك ورب الأرباب وخالق الكل. أنت غير المحدود وغير المحوى، سمحت لي أنا التراب والرماد أن أتحدَّث إليك، لكني أعرف أمام من أنا أتكلَّم.
لذلك الصلاة تكون في خشوع.. حقًا إن الابن يحب أبيه، لكن في نفس الوقت يهابه؛ نوع من التوقير والخشية والهيبة، ليس بالخوف ولكن الهيبة والتوقير. ودليل الهيبة والتوقير أننا نسجد في الصلاة وأننا نقف في خشوع أمام الله. يوجد من يقف في غير احترام.. لكن الشخص الذي يصلِّي في خشوع، يقف أمام الله كمن يقف أمام لهيب نار، كما يقف التراب أمام خالق الأكوان كلها. تقف أنت أمام الله في خشوع في هيبة رفع اليدين وبسطهما، رفع العينين إلى فوق، انتصاب الجسد في غير انثناء ولا التواء ولا ارتخاء ولا تكاسل ولا تهاون بألفاظ الخشوع، بألفاظ الاتضاع. هكذا تكون الصلاة..
أيضًا الصلاة بحرارة ودموع؛ ليس دموع الحزن إنما دموع تأثُّر العاطفة المُلتهبة أمام الله. هناك ناس من حرارة صلواتهم يُصارعون مع الله. يتصارعون مع الله كما تصارَع معه يعقوب أبو الآباء، وكما تصارَع معه إبراهيم أيام مشكلة سدوم، يتناقش ويجادل مع الله بدالة البنين في حرارة الصلاة ويتصارَع مع الله. إذًا الصلاة ليست مجرد كلام بل عاطفة ملتهبة، حرارة، فهم، تأمُّل، حب، قلب مفتوح لله.. هذه هي الصلاة.
الصلاة بإيمان
والصلاة أيضًا تتَّصِف بالإيمان لأن لا بد أن الإنسان يصلِّي بإيمان.. وأنواع الإيمان في الصلاة..
1- إيمان الاستجابة: هو أقل أنواع الإيمان يعني أنا أصلِّي وأنا مؤمن أن طلبتي ستُجاب.. هذا أقل أنواع الإيمان.
2- الإيمان أن أصلِّي وأؤمن أن الله لا بد أن يفعل الخير: بأية صورة سواءً باستجابة كلامي أو بعدم استجابته. يعني أنا أُصلِّي وأؤمن أن الله سيعمل الخير.
الله صانع الخيرات، وإذا كان ما أطلبه منه لفائدتي سيعطيني إياه، وإن لم يكن فلا داعي منه!!
ولذلك قال أحد الروحيين: "بعض الصلوات استجابتها في عدم استجابتها"؛ أي أن الله سَمعَ الكلام ووجد أنه ليس الأفضل لك.
كما طلب بولس الرسول الشفاء من مرضه فأجابه الله أن المرضَ مفيدٌ لك.. وتكفيك نعمتي.. أنا عارف إن المرض مفيدٌ لك، لذلك أعطيته لك.. كقول القديس باسيليوس الكبير في حديثه عن درجة عالية في الصلاة يقول: "متى صلَّيت فلا تطلب من الله الصحة، لأنك لا تعرف ما هو الأفضل لك الصحة أم المرض؟".
أحيانًا إنسان يعطيه الله مرضًا فيكون المرض بالنسبة له دافعًا إلى التوبة، وإلى الصلاة وإلى الاتصال بربنا أكثر من ألف عظة. كثيرًا ما تغيِّر الأمراض حياة الإنسان، وتُغير حياة الذين حوله.. ونشكر الله على هذا المرض لأنه غيَّر حياة الناس. أمراض كثيرة يشعر فيها الإنسان بضعفه فيأخذ اتضاعًا وانسحاقًا ولا يرتفع قلبه، ولا يتشامخ ويكون التواضع الذي أخذه من المرض أفضل بكثير ونعمة وبركة.
أنت تصلِّي وأنت مؤمن تمامًا أن الله سيعمل الخير بأية طريقة.
ولذلك علَّمنا الرب أن نُصلِّي ونقول: "لتكن مشيئتك" أي أنا مؤمن يا رب وأنا أُصلِّي أن مشيئتك صالحة، إن نفَّذت كلام طِلبتي يكون خير، وإن لم تنفِّذ خير أيضًا.. ولذلك أصلي وأنا فرحان، عندي إيمان أنه ما دام الأمر وصل إليك إذًا أنا مهمتي قد انتهت.. لا أظل أقول سيستجيب أم لا..؟! كأحد الأقوال: "تُصلّون ولا تُستجابون، لأن هناك ملائكة يطلبون من أجلكم أن يُنجِّيكم الله من صلواتكم".
مثل قصة.. مرة قال أحدهم لي: "أنا كنت مقدم طلب على وظيفة، وصلِّيت ألف أبانا الذي ولم أحصل على الوظيفة، ثم الله أوجد لي وظيفة أخرى مُريحة وأفضل.. وشعرت أن الوظيفة التي كنت أطلبها لو أخذتها، كنت تعبت للغاية .. وشكرت ربنا أنه لم يستجب تلك الصلاة".
أنا يا رب لا أعرف الخير بالنسبة لي، أنا يا رب أقف أمامك وأنا لا أعرف شيئًا..! أنا أقف أمام كلي الحكمة، وكلي المعرفة، وأنت تعرف الصالح لي أكثر مني.
ونحن كثيرًا ما نصلِّي ونظن أن الله لم يستجب الصلاة، بينما هو يكون قد أعد شيئًا أفضل مما نطلبه، وهو أكثر حكمة.
الصلاة التي بإيمان في حكمة الله، إيمان في محبة الله، وإيمان بقدرة الله، إيمان أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب. إيمان بأني قد وضعت الأمر في يد الله وهذا يكفي...
متى تُصلي؟
سأقول لكم بعض النقاط يمكنكم التدرُّج فيها..
أولاً: أنصحك أن تبدأ اليوم بالصلاة.
خذ لنفسك تدريبًا أن الله يكون أول من تكلِّمه في يومك، لا تحدِّث أحدًا قبلَه.
حتى إن كنت نائم، وأيقظوك، فيقولوا لك: "هل استيقظت يا فلان؟" صلِّ في سرِّك ولو كلمتين، ثم رُد عليهم.
اِجعل الله هو أول واحد تكلِّمه في اليوم، قل له: "يا رب أنا أبدأ يومي بك، اليوم أنا أستبشر بك عندما تكون أول من أكلِّمه، أنا أكون مسرورًا".
ولو تحب ربنا حقًا ستُطيل الحديث معه، لكن إن قلت كلمتين ووجدت إنك غير قادر أنك تكمِّل، فمحبتك ليست كبيرة.
كلِّم الله.. أول واحد تشكره؛ لأنه حفظك في الليل، وأتى بك إلى نور يوم جديد، تشكره لأنه أعطاك يومًا جديدًا من الحياة، اشكره لأنه أعطاك أن تُصلِّي.. أعطاك هذا الفم المُصلِّي، وهذا القلب المُحب وتتحدَّث معه، وتعبِّر عن محبتك.. ثم ابدأ في صلواتك ومزاميرك.
ثانيًا: اِجعل الله في بدء كل عمل تعمله
تدرَّج في التداريب، البداية اِبدأ يومك بالحديث مع الله، ثم تدرَّج وابدأ كل عمل بالصلاة؛ صلِّ قبل الأكل، صلِّ قبل الشرب، صلِّ قبل المذاكرة، صلِّ قبل الحديث مع الناس. صلِّ أثناء ذهابك لتقابل أحدًا، قل له: "يا رب أعطني الكلام الذي أقوله، أعطني حكمة أتكلَّم بها، أعطني حكمة أرد بها.. أعطني الألفاظ التي تريدني أن أقولها، افتح يا رب شفتيَّ فيُخبر فمي بتسبيحك".
صلِّ في خروجك وفي دخولك، وفي أكلك وفي شربك، وفي عملك.. أن يعطيك الله حكمة في العمل ويعطيك فهم، ويعطيك معرفة. وأيضًا تُصِّلي أن يشترك الله في العمل معك.
إذًا تصلِّي في بداية اليوم وتُصلِّي في بداية كل عمل، وتنهي اليوم أيضًا بالصلاة وتنهي العمل بالصلاة.
ثالثًا: صلِّ بعد نهاية كل عمل، ونهاية اليوم.
كثير من الناس يصلّون قبل الأكل، ولا يصلّون بعد الأكل - كما لو كانوا يصلّون لكي يأكلوا! – وما داموا أكلوا فلا داعي للصلاة. ألاحظ أن كثيرًا من الناس يخجلون من الأكل بدون الصلاة، فيصلّون قبل الأكل.. ولكنهم لا يصلّون بعد الأكل!! ابدأ العمل بالصلاة، واختم العمل بالصلاة..
رابعًا: صلَّ أثناء العمل
ادخِل ربنا في العمل.. مثل داود النبي الذي كان يصلِّي: "عشية وباكر ووقت الظهر" أي ليس في بداية ونهاية النهار، إنما أيضًا أثناء النهار. لأنه لا يصح أنك طول اليوم تكون في غربة عن ربنا؟!
ثم يرتقي الإنسان فيُصلِّي السبع صلوات كما قال داود النبي: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز 119: 164). إن صلوات الأجبية لا تمر ثلاث ساعات من النهار إلا ونصلِّي فيها صلاة، ويقول الكتاب: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس 5: 17). "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو 18: 1).
ما معنى صلّوا كل حين ولا تملوا؟ هل كل حين تعني أن نُصلِّي فقط بدون أي عمل آخر، لأن كل حين تعني في كل وقت، أي ليس في وقت مُحدد للصلاة بل في كل وقت أي تعمل وتخلط العمل بالصلاة.
لماذا عندما نزور دير نأخذ خبزة من الدير كبركة؟ لماذا هذه الخبزة بركة؟!
لأنهم يطحنون الدقيق وهم يصلّون، ويعجنون الدقيق وهم يصلّون، ويقطعون الخبز وهم يصلّون ويضعونه في الشمس وهم يصلّون، ويخبزوه وهم يصلّون فيخرج الخبز كله صلاة، معجون بالصلاة، مُقطع بالصلاة، مخبوز بالصلاة، مختمر بالصلاة.
مثل امرأة في المنزل وأثناء الطبخ تُصلِّي، تُعد الخبز وهي تصلِّي. الرهبان أيضًا يصلّون أثناء العمل، راهب جالس مثلاً ينقِّي الأرز، وأثناء ذلك يقول: "اِرحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك، تمحو إثمي"، يصلِّي ويخلط الأكل بالصلاة.. فتكون أكلة مباركة.
تختلف عن امرأة وأثناء الطبخ تشتم، وتزعق للأولاد، وتنتهر الناس الذين لم يساعدوها، وتخلط الأكل بالنرفزة والغضب وتعب الأعصاب.
لذلك صلِّ في كل وقت، اِخلط عملك بالصلاة، مثلما نقول في القداس الإلهي: "اشترك في العمل مع عبيدك، في كل عمل صالح". نُدخِل ونُشرِك الله في كل عمل نعمله. ولهذا قيل: "أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ.." (مز109: 4).
هؤلاء الناس صارت الحياة لهم صلاة وصارت الصلاة حياة..
لأنه في كلِّ وقت يكلِّم الله. البعض يقول هؤلاء رهبان، أما نحن فمن أين لنا الوقت؟
أذكر لكم داود النبي الذي كان نبيًا وكان ملكًا وفي يده السلطة، مسئول عن كل أمور الدولة بكل تفاصيلها. وكان قائدًا للجيش، وكان قاضيًا تُعرض عليه المشاكل ويُصدِر فيها الأحكام.
وكان ربًا لأسرة كبيرة، ومتزوِّج عددًا كبيرًا من الزوجات، وله عدد كبير من الأولاد. ومع كل ذلك، لم يمنعه "المُلك والقضاء والجيش والأسرة الكبيرة" عن الصلاة! يقول: "سبع مرات في النهار سبحتك على أحكام عدلك، وعشية وباكر ووقت الظهر.. وكنت أذكرك على فراشي"، أي حتى عندما يذهب لكي ينام يذكر الله وهو راقد.
ثم ينهض في نصف الليل "نهضت لأشكرك على أحكام عدلك".
ثم يقول أيضًا: "سبقَت عيناي وقت السحر لأتلو في جميع أقوالك"، فهو سبقت عيناه وقت السحر قبل الفجر، يتلو في أقوال الرب ومع ذلك يقول له: "يا الله أنت إلهي إليك أبكر عطشت نفسي إليك". إليك أُبكر!! كيف وأنت طوال الليل، وعلى فراشك، وفي نصف الليل، وسبقْت وقت السحر، ثم تقول: "إليك أبكر، عطشَت نفسي إليك"؟!
في هذا أقول حقًا الذي يحب الله يستطيع أن يصلِّي..
خامسًا: استبدل وقت الأحاديث والكلام غير المفيد بالصلاة.
استبدل كل الكلام غير المفيد الذي تقوله أثناء النهار بصلاة. فإذا كنت تتحدَّث مع الناس في موضوعات تافهة وربما لا تكون مُلِّم بها.. استبدل الوقت الضائع منك في أحاديث - تدخل في عنصر الثرثرة التي لا لزوم لها - استبدلها بالصلاة. ابدأ بجزء، جزء..
مثل الذي يتحدَّث عن القنبلة الذرية أو أطفال الأنابيب وهو لا يعلم أي شيء عنهما، وغير دارس للموضوع طبيًا ولا علميًا ولا فاهم فيه أي شيء. وإن تحدَّثوا في أي موضوع علمي، أو سياسي أو اجتماعي، أو طبِّي.. هي أمور لا فائدة منها.
سادسًا: استبدل جزء من وقت الترفيه بالصلاة.
تستطيع أن تأخذ جزء من ترفيهاتك المختلفة، كالاستماع إلى الراديو أو مشاهدة التليفزيون. وقد تقرأ رواية لمدة ثلاث ساعات من الممكن أن تستبدلها بالصلاة، أو بعضها أو جزء منها.
كل شيء ممكن إن كانت لديك الرغبة والنية الصادقة ستجد الوقت لتصلي.. مثل الذي يمر عليه صديقه ويظل يسمع الحكايات، وتظل معه أكثر من نصف ساعة.
والوقت الذي يضيع في الخطايا والمشاكل والأمور التي تُتعب ضميرك..
استبدل وقت الخطايا بصلاة..
في مرة أمسكت ساعة للناس، وقلت لهم: "نريد أن نعرف كم من الوقت نأخذ في صلاة الساعة الثالثة – لأننا نقول أثناء النهار لا نقدر أن نصلِّيها؟!
ألا تقدر أن تقول: "أيها الملك السمائي المُعزي"؟! مرة صلَّيتها مع الناس أخذت 18 ثانية.. وباقي القِطع لم تستغرق دقيقة.. بينما الشيطان يحارب ويقول: "لا يوجد وقت"؟!! بينما تستطيع أن تصلِّي قِطع الساعة الثالثة كلها في دقيقة، أو دقيقة ونصف.. أليس لديك دقيقة لله؟!
الواقع.. ليس لأنه لا يوجد وقت بل لأنه لا يوجد حب لله..
لا توجد رغبة في الصلاة. أو إيمان بقيمة الصلاة بالنسبة لك في حياتك.
أنت تجد وقت لكل شيء تقتنع إنه نافع لك ومفيد.. ولو اقتنعت أن الصلاة نافعة لك ومفيدة ستجد وقت.
ومع ذلك أحب أن أقول: إن الصلاة ليست إعطاءً وإنما أخذ. أنت في الصلاة لا تُعطي الله إنما تأخذ منه، أنت المحتاج إليه..
في الصلاة الله لا يأخذ منك شيئًا إنما أنت تأخذ الكثير - على الأقل - تأخذ بركة، وتأخذ وقتًا مُقدسًا، وتأخذ طهارةً لفكرك، وطهارةً لقلبك، وتأخذ شرف الحديث مع الله، وتأخذ طهارةً لحياتك كلها.. فليعطنا الرب بركة الصلاة وطهارة الصلاة.
* جزء من عظة الصلاة لقداسة البابا شنوده الثالث، في دمنهور بمناسبة تدشين مذبح كنيسة الملاك، 29 يوليو 1978م
التمتُّع بالصلاة
التمتُّع بالصلاة*
الصلاة ليست مجرد كلام مع الله.
بل يمكن أن نقول: هي لقاء مع الله.
هي لقاء بين روح الله، وروح الإنسان المُصلِّي.
إما أن الله - فيها - ينزل إلينا، أو نصعد نحن إلى الله.
الصلاة هي جسر ذهبي يوصِّل بين السماء والأرض، لذلك شبَّهها البعض بسلم أبينا يعقوب (تك 28). إنها ليست مجرد كلام. فخفقة القلب صلاة، ودمعة العين صلاة، وطلبة الضمير صلاة.. كذلك رفع اليدين صلاة، كما يقول المرتل في المزمور: "لِيَكُنْ رَفْعُ يَدَيَّ كَذَبِيحَةٍ مَسَائِيَّةٍ" (مز 141: 2). فممكن أن يصلِّي الإنسان دون أن يفتح فمه، ودون أن يلفظ بأية كلمة. مثلما فعلت حنة التي صارت أمًا لصموئيل "فَإِنَّ حَنَّةَ كَانَتْ تَتَكَلَّمُ فِي قَلْبِهَا، وَشَفَتَاهَا فَقَطْ تَتَحَرَّكَانِ، وَصَوْتُهَا لَمْ يُسْمَعْ" (1صم 1: 13) ومع ذلك قيل عنها إنها "صَلَّتْ إِلَى الرَّبِّ، وَبَكَتْ بُكَاءً" (1صم 1: 10).
الصلاة عمومًا هي صِلة.. وهي اتِّصال بالله.
ولذلك فمعناها باللغة العربية أعمق من الكلمة الإنجليزية prayer التي تعني توسلاً أو طِلبة. فإذا وصل الإنسان إلى هذه الصلة، حتى دون أن يتكلَّم، فهو في حالة صلاة. أما إن لم يشعر بهذه الصلاة، فكأنَّه لم يُصلِّ، مهما قال..
الصلاة هي الإحساس بالوجود في حضرة الله.
والإحساس بوجود الله معك في نفس الوقت.
الصلاة هي رفع القلب إلى الله.
أو هي حنين القلب إلى الله.
لذلك يقول المرتِّل في المزمور: "بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ" (مز 119: 10). أو يقول: "عطشت نفسي إليك"، "اشتاق إليك كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء"، "باسمك أرفع يديَّ، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم" (مز 4،1:63) "كما يشتاق الإيَّل إلى جداول المياه، كذلك اشتاقت نفسي إليك يا الله" (مز 1:42).
الصلاة هي اشتياق المحدود إلى اللامحدود.
الصلاة هي بخور روحي صاعد إلى الله، من قلوبٍ حارة كالمجمرة..
سُئل القديس يوحنا الأسيوطي عن الصلاة الطاهرة، أي الطاهرة من كل تشتت للفكر، فقال: "إنها الموتُ عن العالم". ولعل إنسانًا يسأل: وما العلاقة بينها وبين الموت عن العالم؟
أي أن الإنسان يصلِّي، وقد تفرَّغ قلبه وفكره من العالم وكل ما فيه. ففي صلاته ينسى العالم وكل مشاغله ومشاكله.
وكأنَّه يقول لله: "ليتني أنسى الكل، لتكون أنت وحدك في فكري وقت الصلاة". أو يقول بيت الشعر
هي ذي العين وقد أغمضتها | عن رؤى الأشياء عَلِّي أن أراك |
وكما يقول الشيخ الروحاني: "محبة الله قد غرَّبتني عن البشر والبشريات" أي جعلتني غريبًا عنهم.
الصلاة الطاهرة هي رعبٌ للشياطين.
لذلك تحاول الشياطين بقدر إمكانها أن تُبعِد الإنسان عن الصلاة، لأنها تخاف من صلاته جدًا.
الصلاة هي حبٌ لله تعبِّر عنه الألفاظ. وحتى إن لم تعبِّر الألفاظ، يكفي ما في القلب من حب.
الصلاة هي طعام الملائكة والقديسين.
هي تعزية للمتوحدين، الذين ليس لهم عزاء بَشَري.
الصلاة هي غذاءٌ للنفس والروح.
هي شبعٌ روحي، تُغني الصائم عن الطعام المادي.
الصلاة هي تحويل الفكر إلى الله.
وهي تحويل نفس الإنسان إلى سماء، أو تحويله عرشًا لله.
الصلاة ليست مجرَّد فرض أو واجب أو وصية. وإلا صارت وصية تُعمل بتغصب، لأجل الطاعة فقط، بلا مشاعر! بل هي في حقيقتها رغبة وشوق.
الصلاة هي مفتاح السماء.
هي أحد مفاتيح قلب الله.. مع أن قلب الله مفتوح باستمرار. إلا أنك بالصلاة، تشعر أن قلبه مفتوح لك.
لا يستطيع أحد أن يصلِّي كما ينبغي، لو كان له طلب آخر غير الله.
فأعمق صلاة هي التي تطلب الله، وحده..
كما يقول المرتل في المزمور: "طلبتُ وجهَك، ولوجهِك يا رب ألتمس. لا تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (مز9،8:27).
"وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ" (مز 4:27).
عند القديسين تُصبِح الصلاة شهوة قلب.
يشتهون أن يصلّوا، ولا يستطيعون مقاومة هذه الشهوة، ولا يريدون أن يقاوموها..
الصلاة ليست مجرد طلب، وإلا يُظَن أنه لولا الطلب، ما كنا نصلِّي.
أو لولا الاحتياج ما كنا نصلِّي، انظروا إلى تسبحة السيرافيم: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ.." (إش6: 3). أي طلب يوجد في هذه التسبحة؟ لا شيء. إنها مجرد تمجيد وتسبيح..
لذلك كانت صلوات التمجيد والتسبيح، هي أعمق أنواع الصلاة.
هناك صلوات أخرى نتغنَّى فيها بعمل الله معنا..
مثل (المزمور 103): "باركي يا نفسي الرب، وكلُّ ما في باطني ليبارك اسمه القدّوس. باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل حسناته. الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل أمراضك. الذي يفدي من الحفرة حياتك. الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة الذي يُشبِع بالخير عمرك، فيتجدَّد مثل النسر شبابك..".
نقطة أخرى، وهي التأمُّل في صفات الله الجميلة.
مثلما يقول المرتل في نفس هذا المزمور: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ.." (مز 103: 8). وكما نقول في آخر كل صلاة من صلوات الساعات عن الرب: "الطويل الروح، الكثير الرحمة، الجزيل التحنُّن. الذي يحب الصديقين، ويرحم الخطاة الذين أولهم أنا. الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. الداعي الكل إلى الخلاص..".
الصلاة أيضًا هي تنعُّم للروح، ومتعة.
على رأي أحد الآباء الذين كانوا يصلّون بروحانية: "من حلاوة كلمة الصلاة في أفواههم، ما كانوا يستطيعون أن يتركوا تلك الكلمة لينشغلوا بكلمة أخرى.." أي أن كل كلمة من كلمات صلواتهم، كان لها عمقها ولذتها وتأثيرها في القلب وفي الفكر، فما يقدرون على تركها لتكملة باقي كلام الصلاة".
أحيانًا نصمت في الصلاة، لكي يتكلَّم الله، ونستمع إليه.
كما قال الشيخ الروحاني: "سكِّت لسانك، لكي يتكلَّم قلبك. وسكِّت قلبك لكي يتكلَّم الله"...
يتكلَّم الله، ونستمع إليه ونستزيده. ونقول له: "ماذا تريد يا رب أن أفعل. اِكشف لي مشيئتك. وعلِّمني يا رب طُرقك".
الصلاة هي اعتراف ضمني بحاجتنا إلى الله.
ليست فقط حاجتنا في أمورنا المادية وفي مشاكلنا العادية.. بل بالأكثر احتياجنا القلبي والروحي إلى الله، وفرَحنا بالوجود مع الله كمن وجد غنائم كثيرة. وأيضًا حاجتنا إلى الله، ولكي يعمل فينا، ويعمل بنا ويعمل معنا.
وكذلك حاجتنا إلى شركة الروح القدس في حياتنا.
لأننا بدون الله لا نستطيع أن نعمل شيئًا (يو 5:15). نقول له في صلواتنا: ألسنا يا رب هياكل لك؟ (1كو 3: 16).
تعال إذًا واسكن في هياكلك. وإن وجدت أي هيكل يحتاج إلى تطهير، طهِّره. اجعلنا نشعر أنك فينا. تسكن في داخلنا، وتوجِّه حياتنا حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.
الصلاة هي تدشين للشفتين وللفكر. وهي تلذُّذ بعِشرة الله. لذلك يسمونها "مذاقة الملكوت".
الملكوت ليس فيه شيء مادي. لكننا نتذوَّقه بالعِشرة مع الله. فالعِشرة البسيطة مع الله على الأرض هي مذاقة للملكوت. الصلاة إن تحوَّلت إلى شهوة روحية، يمكن أن نصل بهذه الشهوة إلى الصلاة الدائمة. لأن الإنسان يحاول أن يداوم على ممارسة ما يشتهيه.
الصَلاة المقبولة
الصلاة المقبولة عند الله هي الصلاة الطاهرة.
والصلاة الطاهرة تصدُر عن قلب نقي مملوء بمحبة الله. إن لم تكن أنت كذلك، صلِّ إلى الله أن يمنحك هذه النقاوة وهذه المحبة.
صلِّ إلى الله لكي يعلِّمك كيف تصلِّي.
مثلما قال التلاميذ للسيد الرب: "عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ" (لو11: 1). افتح قلبك لله، واطلب إليه أن يدخل إلى هذا القلب، ويطهِّره مثلما دخل قديمًا إلى الهيكل وطهَّره. قل له: اِنضح عليَّ بزوفاك فأطهر. واغسلني فأبيَض أكثر من الثلج (مز50).
أعطني هذه الطهارة. وإن كانت الطهارة تحتاج إلى توبة، فقل له كما قال إرميا النبي: "تَوِّبْنِي يا رب فَأَتُوبَ" (إر 31: 18). إن التوبة هي من عندك، فامنحني إياها.
في صلاتك، افتح أعماقك لكي تمتلئ بالله.
ركِّز على الله، وليس على خيرات الله. لأن كثيرًا من الناس - في صلواتهم - يطلبون من الله خيراته. أما أنت فاطلب الله نفسه. اطلب أن يملأك منه، لأن الكتاب يقول: "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" (أف5: 18). فاطلب من الله إذًا أن يملأك بروحه. وثِق أن نفسك ستظل في فراغ، إن لم تمتلئ بالله.
اهتم بعمق الصلاة أكثر من طولها.
في قصة الفريسي والعشار، قال العشار جملة واحدة: "وخرج مبررًا" (لو 14،13:18). واللص اليمين قال أيضًا عبارة واحدة، وأخذ بها وعدًا أن يكون مع الرب في الفردوس (لو43:23). والسيرافيم قالوا جملة واحدة في تسبحة الثلاثة تقديسات، فاعتُبِرت تلك الجملة مثالاً لصلاة التسبيح (إش 6: 3). فاهتم إذًا بعمق الصلاة، ولتكن صلاتك بفهم.
حاول أن تُدخِل الله في حياتك كلها.
ليس فقط في المشاكل والأمور العويصة، بل في كل تفاصيل حياتك. اعرضها كلها عليه، واطلب إليه أن يتدخَّل في كل ما يخصك..
مبارك هو الرب الذي منحنا أن نصلِّي وأن نوجد في حضرته، وأن نتمتَّع بعشرته.
ومتواضع هو الله الذي يُصغي إلينا ونحن نصلِّي، نحن التراب والرماد! حقًا هو العالي، والناظر إلى الضعفاء والمساكين. ومحبوبٌ هو الرب الذي نكلِّمه كأب، والذي قال له داود النبي: "محبوبٌ هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز 119).
إنَّنا بهذا الحب نكلِّمه كأب. وهو بمحبته يكشف ذاته لنا، فنزداد حبًا له. وكلما نزداد حبًا، يزداد هو قربًا، وتزداد صلواتنا عُمقًا، وتزداد طولاً ومتعة. وكما هي متعة.. هي بركة لنا.
الصلاة هي عطية إلهية لنا، نأخذ منها، ولسنا نعطي الله فيها شيئًا!
الصلاة غير المقبولة
ليست كل صلاة مقبولة، وفي هذا يقول الكتاب: "صلاة الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم 15: 8)، (أم 21: 27).
ونحن نطلب من الله أن يقبل صلواتنا. فنقول له: "لِتَدْخُلْ طِلْبَتِي إِلَى حَضْرَتِكَ" (مز 119: 170).
ولكي تُقبَل صلاتك ينبغي أن تخرج من قلب نقي. فإن قلت: "ليس لي هذا القلب النقي، أقول لك: اطلبه إذًا في صلاتك، وجاهِد لكي تقتنيه".
ولكي تكون صلاتك مقبولة، ينبغي أن تصلِّي وأنت مصطلح مع الناس. لأنه إن كان في قلبك حقد أو عدم مغفرة، يقول لك الرب: "اتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت 5: 24).
تقول: "أُصلِّي، ولست أشعر أن الله يتقبَّل صلاتي"!!
أقول لك: ربما تصلِّي وليس في قلبك محبة لله.
صلِّ إذًا بحب نحو الله ونحو الناس. فإن الله يقول: "يا ابني أعطني قلبك" (أم 23: 26).
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 فبراير2002م
الصلاة غريزة في الإنسان
الصلاة غريزة في الإنسان*
من تأمُّلاتنا في الصلاة أيضًا.. الصلاة هي جزءٌ من طبيعة الإنسان، لذلك كل إنسان يُصلِّي، الكل يُصلّون، حتى الوثنيون أيضًا يُصلّون ويُؤمنون بالصلاة وقيمتها ولكنهم يصلّون لآلهتهم! أما فكرة الصلاة فيؤمنون بها.
فرعون في نِزاعه مع موسى النبي.. قال لموسى النبي أربع مرات: "صلِّ من أجلي أن الرب يرفع عني هذه الضربة".
اشتياق روح الإنسان إلى الله...
الإنسان جسد مادي وروح.. والروح الذي فيه يشتاق إلى الروح الأعلى، الروح الكلِّي، روح الله الروح القدس. الشخص الذي لا يشتاق إلى روح الله، روحه مُعطَّلة عن العمل، إنسان جِسداني لا يسلُك حسب الروح.
الروح الذي فيك تشتاق إلى عِشرة شيء غير مادي، الجسد يشتاق للماديات والروح تشتاق لشيء غير مادي وكل الماديات لا تُشبِعها. لذلك فالروح تشتاق إلى شيء غير مادي تُعاشِره وتلتصق به، وتصل إلى الخُلطة بالله في داخلك.
أيضًا اشتياق إلى غير المحدود لأنك خُلِقت على صورة الله غير المحدود.. تشتاق إلى غير المحدود وكل أمور العالم محدودة. لذلك تشتاق إلى كائن أعلى، إلى قوة فوق كل القوَى، إلى كائن قادر على كل شيء، موجود في كل مكان ضابط للكل.
اشتياق إلى مثاليات.. أيضًا اشتياقك إلى غير المحدود يجعل فيك اشتياق إلى المثاليات العالية غير الموجودة -حاليًا- في داخلك. مثاليات في الحب، في الحنان، في المغفرة في القدرة، في الرحمة، في العطاء، في البر، في القداسة، في المبادئ السليمة. ولا تجد هذه المثاليات في عالمنا المُظلِم الحالي المُسلَّم للشرير.
فتشتاق إلى صداقة غير عادية في قلبك.. تقول: "أنا مشتاق لأحد يفهمني وأفهمه، كثير من الناس على الأرض لا يفهمونني، أريد واحد يفهمني.. يفهم قلبي من الداخل، ويفهم تصرفاتي على حقيقتها، يفهم مشاعري وسلوكي، ويفهم احتياجاتي" ولا تجد هذا إلا في الله.
تقول: "أنا مُحتاج إلى شخص صديق أفتح له قلبي، وأطمئن إليه، وأئتمنه على أسراري، وإن حكيت له ضعفاتي ونقائصي لا يشمئز من ضعفاتي ونقائصي، وإن بكيت أمامه لا يحتقر دموعي. محتاج إلى مثل هذا الشخص.. شخص أُشرِكه في حياتي، وأشرح له كل أموري".
كثيرون يبحثون عن إنسان ليقولوا له أسرارهم.. وأحيانًا تكون هذه الأسرار حملاً ثقيلاً على الإنسان لا يقدر أن يحتمله بمفرده. يريد قلب يحكي له، يقول له: "حدث لي، كذا وكذا".. وأحيانًا لا يأتمِن البشر على أسراره..
ولكن الله هو القلب الوحيد الذي نستطيع أن نأتمِنه على كل شيء ونحكي له الكل ونكشف أمامه الكل.. ربما يوجد بعض البشر نقدر أن نأتمنهم، ونفتح لهم قلوبنا، ونحكي لهم أسرارنا، ونطمئِن إليهم..!
الفرق بين الحديث مع الله، والحديث مع الناس.
هناك فرق.. أن الله عندما نحكي له ضعفاتنا.. يستطيع أن يعالج هذه الضعفات، ويُعطينا القوة ويحوِّلها إلى طبيعة أخرى.. لكن البشر أقصى ما نأخذ منهم كلمة حنان، أو كلمة عطف، ونظل كما نحن.. ربما هم يصلّوا إلى الله من أجلنا..
ولكن كم بالأولى عندما يوجد بين كل واحد منا وبين الله صداقة مُباشرة.. ولهذا يلجأ الإنسان إلى الصلاة لأنه يحتاج إلى قلب آخر يكون معه.
إن شعور الإنسان بالترك والوحدة شعور مُتعِب جدًا..
ولكن في الصلاة يشعر أنه يوجد كائن آخر يقف معه، مُخلِص، ومُحِب، وأمين، وقادر، ويستطيع أن يفعل كل شيء..
الصلاة غريزة
لذلك نعتبر أن الصلاة غريزة.. غريزة روحية في الإنسان.
لا يستطيع الإنسان أن يعيش بمفرده. ربما أحد يقول: "ولكن كيف يعيش الرهبان بمفردهم؟" إلاّ أن الراهب لا يعيش بمفرده، بل يعيش مع الله.. مُجتمع مع الله.
ولذلك تُعتبَر البتولية زواج بالله، وتعتبر الصلاة هي خِطبة النفس إلى الروح القدس..
لأن بولس الرسول يقول: "لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ.. لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" (2كو 11: 2). الإنسان يُحب كائن يكون معه، ولا يُريحه أكثر من الله. جميع الناس ربما لا يكفون الإنسان.
لا يكفي الإنسان غير الله..
أغسطينوس قال: "يظلُّ قلبي قلقًا إلى أن يستريح فيك"، ولذلك نحن نحتاج إلى شخص نُحبُّه ونتلذَّذ بعِشرته. كثير من البشر لا يقابلوننا بنفس الحب، والمحبة تكون من جانب واحد، أو لا تكون بنفس الوفاء، والإخلاص. أو واحد يعرض على الآخر قلبه، ويجد أنه لا يقابله بنفس التجاوب، فيتعب من الداخل.
أما الوحيد الذي يُعطينا حبًا أكثر من حبِّنا بما لا يُحَد هو الله..
لو أعطيته قطرة حب يُعطيك مُحيطًا من الحب، ولو أعطيته ذرَّة من الحب يُعطيك جبلًا أو هرمًا من الحب وأكثر بما لا يُقاس.
الله هو الوحيد الذي إذا ابتعدنا عنه نشعر بفراغ.. هناك بعض البشر إذا ابتعدنا عنهم نشعر بفراغ، أو نشعر بشيء ناقص في حياتنا، شيء ناقص لا يُكمِّله إلا فلان.. فإذا كان البشر بهذا الشكل، فكم بالأولى ربنا؟!
الإنسان البعيد عن ربنا يشعر بفراغ كبير.. بل يشعر بضياع. وإنه ضائع وتائه وأنه ليس له وجود.. لذلك نحن لا نستغنَي عن عِشرة ربنا. والصلاة هي نوعٌ من العِشرة الإلهية، نوعٌ من الصداقة الإلهية.
يأتي الإنسان في آخر يومه.. ويقول: "اسمع يا رب أنا سأحكي لك ما حدث لي خلال يومي كله".. واحد يقول: "أنا لا أجد شيئًا أصلِّيه؟"، نقول له: "أحكي لربنا حياتك".
قل له: "اسمع يا رب أنا النهارده حدث لي كذا، وحصل لي كذا، وفي قلبي كذا، وفي مشاعري كذا، وفي فكري كذا، سأعرض عليك كل شيء بلا تحفُّظ، سأقول لك كل شيء".
من أجل ذلك أقول لكم: إن الصلاة تُعتبَر غريزة روحية في الإنسان.. كل إنسان من ضمن غرائزه الصلاة.
لذلك الطفل لا نجد صعوبة في تعليمه الصلاة لما نقول له: "يا حبيبي تعالى صلِّ، وكلِّم ربنا، لا يقول: "يعني إيه أصلِّي أو أكلِّم ربنا؟" أو "هو فين؟"!! لا يجادل. نستطيع أن نُعلِّم الطفل الصلاة بدون شرح، بدون تفهيم، بدون صعوبة، لأن عنده غريزة هي الصلاة من تلقاء نفسه يريد أن يصلِّي. بل أحيانًا الولد الصغير يقول: "تعالَ نصلِّي".
أهمية الصلاة
الله له وجود حقيقي في حياتنا، الشخص الذي لا يُصلِّي هو شخص غير طبيعي.. نفسيته نفسية مُنحرفة لا تسلك حسب طبيعتها، لو سلكت حسب طبيعتها لاشتاقت إلى مصدرها.. اشتاقت إلى الشخص الذي خرجت منه.. الله له وجود ثابت في حياتنا لذلك نُسمِّيه: "عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا".. يعني هو موجود معنا.. لسنا نعبد إلهًا مُعتزلاً عن مخلوقاته إنما إله مُتصِّل بمخلوقات، باستمرار معهم وكائن معهم، هو فيهم وهُم فيه.
بعض الناس يقولون لماذا نصلِّي؟! ليس من الضروري أن نصلِّي..
إلا أن من يقول هذا الكلام هو فاهم الصلاة خطأ، يعتقد أن الصلاة هي طلب من الله! أي أن الصلاة مُجرَّد طِلبات، أصلِّي عندما أحتاج إلى الله، وأنا الآن غير محتاج لشيء، فلا يوجد داعٍ للصلاة!! أو إنسان يقول: ماذا أطلب من الله؟!! أنا زاهد في كل شيء ومسلِّم له كل شيء: لتكن مشيئته.. ولن أطلب شيء خطأ! هذا أيضًا خطأ لأنه يظنُّ أن الصلاة مُجرد طلَب! لا أبدًا.
الصلاة ليست طلبًا، الصلاة هي حب مع الله، وصداقة مع الله وعِشرة مع الله، ليست بالضرورة الطلب، يعني زيارتك لأصدقائك تكون لأن بينك وبينهم طلَبات؟! لا يوجد أحد تزوره لمجرد الحب دون أن يكون هناك طلب؟! أو إنسان ترسل له خطاب وأنت لست محتاج لأي طلَب؟ الخطاب كله عبارة عن اشتياقات، وسلامات.. أو تحدِّث إنسان في التليفون بدون أن تطلُب منه شيء، فقط لمُجرَّد أنك تريد أن تتكلَّم معه من أجل الحب!
فلِمَ لا بالنسبة لربنا؟! أي لو لم يوجد طلب لا نكلِّمه! لماذا تُصبح علاقتنا بالله مُجرد علاقة منفعة وعلاقة طلبات؟!
جرِّب مرة أن تصلِّي وقل لله: "أنا يا رب لا أريد أن أطلب شيء، أنا أريد فقط أن أتلذَّذ بالوجود معك، أكلِّمك وتكلِّمني، ونتحدَّث معًا كالأصحاب.. كما كنت تُحدِّث أخنوخ، "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ" (تك 5: 24). أين الطلب الذي طلبه أخنوخ؟! الكتاب لم يقل أن أخنوخ طلب من الله شيئًا؟! مُجرد صداقة ومحبة.
السواح الزاهدون في كل شيء والمُتوحِّدين والنُسَّاك والعُبَّاد الذين زهدوا كل طلب.. لماذا كانوا يصلّون؟ ولماذا كانوا يقضون الليل كله في الصلاة؟!!
لا يوجد طلب ولكن يوجد شوق، ومحبة.. إنسان يحب ربنا، ويحب الحديث معه.
الملائكة عندما يتحدثون مع الله، لا يطلبون منه شيئًا، إنما مجرد حب. السيد المسيح نفسه عندما كان يصلِّي في جبل الزيتون وقضى الليل كله في الصلاة، لم يكن يطلب شيئًا. فالكتاب يقول: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" (يو 16: 15). لكن عبارة عن حب، جلسة حب مع الله.
إذًا الشخص الذي لا يصلِّي، محبته لربنا غير موجودة.. أقول هذا الكلام، لأن هناك أشخاص يقولون ما أهمية الصلاة.. طالما أنا لا أشتم ولا أكذب ولا أسرق ولا أزني؟ ... لا يوجد داعٍ للصلاة، كفاية أن قلبي "كويس"! نقول له: "لو تحب ربنا كنت تصلِّي"... أنت مع أبيك الأرضي لا تشتمه ولا تسرقه، لكنك تجلس تتحدَّث معه لمُجرَّد الحب.
الذي لا يصلِّي، محبته لله قليلة أو ضعيفة أو غير موجودة...
ولأن الصلاة هدفها الحب والتلذُّذ بالله... فممكن أن يصلِّي الإنسان في أي وقت، وليس من الضروري في وقت الاحتياج.. في أي وقت يصلِّي.. ويقول: "يا رب أنا مشتاق لك، وأريد أن أجلس معك، وأتحدَّث معك، أجلس معك كأخنوخ، وموسى النبي الذي جلس معك أربعين يوم على الجبل".. تتحدثون كالأصدقاء.
† أريد يا رب أن أجلس معك، كما جلَست مريم تحت رجليك، وتكلِّمني بنفس الكلام الذي قلته لها..
† أريد أن أجلس معك كالسيرافيم والشاروبيم المحيطين بعرشك..
† أريد فقط أن أجلس معك وأنظر إلى وجهك.. وأظل صامتًا بدون ما أطلب أي شيء.
أو مثل الولد الذي يعود أبوه بعد غياب.. ثم يجري ويقفز إلى حجره، وتسأله ماذا تريد؟ يقول: "لا أريد سوى أن ألتصق بك".. سعيد، وهو جالس في حضن أبيه.. لا يطلب شيئًا.. أبوه يقول له: قُم لتنام.. يقول له: لا أريد أن أنام.. أريد أن أجلس معك، فرحًا بالجلوس معك.. ولو أخذوه من أبوه يبكي ويقول: "لا أريد شيئًا، يكفيني مجرد الوجود معك، يكفيني مُجرد التمتُّع بك، والنظر إليك.. يكفيني مُجرد عِشرتك وحَضرَتك".
بالضبط كما تمر على صديقك، وتخبط على الباب، ويسألك: ماذا تريد؟ تقول له: لا أريد سوى رؤيتك.. لا يمكن أبدًا أن يرفضك بل سيرحِّب بك!!
كذلك الله.. ليس مجرد تاجر خردوات تمر عليه تأخذ ما تريد وتذهب، لا..
بل الله هو مصدر كل حب.
الله هو القلب الكبير الذي لا يستغني عنه أحد.
هو الحضن الواسع الذي يتَّسع لكل أحد.
متى يصير الله صديق لك؟
الله يعاتب الإنسان.. يقول له: لك أصدقاء كثيرون من التراب والرماد.. اِجعلني واحدًا من أصحابك، اِعتبرني صديقًا لك مثلهم.. هل أنا لم أبلُغ إلى درجة صديقك الذي تمكُث معه بالثلاث ساعات؟! وعندما تجلس معي تظل تنظر في الساعة كل ثانية!! أو الأجبية باقي بها كم ورقة؟!!
بينما تجلس مع الناس بالساعات، تجلس مع الطين، والتراب والرماد، مع الخطاة!! أما مع الله فلا تقدِر!! ممكن تقرأ الجرائد بالساعات، ولكن لا تجلس مع الله أو تقرأ في الكتاب المقدس لمدة نصف ساعة؟! ربما تجلس تستمع إلى الراديو، أربع ساعات، لكن لا تستطيع أن تسمع كلام الله.. هذا مستوى مادي عالمي ضعيف..
ولكن إذا سَمَوْنا في الروح وإذا ارتفعنا بالفكر، عندئذ نحب الله ونحب التواجُد معه..
لماذا لا تُحب الله؟
لأنك جسداني تُحب الماديات، تجلس مع البشر الذين مثلك، لكن لو كنت إنسان روحي لكنت تشتاق إلى الله، لأن الله روح وتجد لذتك فيه.
نحن نريد أن نصل إلى الوضع الذي نُصادِق فيه الله، ونجد لذَّة في الحياة معه، ونجد الوجود معه غِذاء لأرواحنا، نشبَع منه.. والكتاب يقول: "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ" (مت 5: 6).
متى نعتبِر الصلاة مكسَب لنا؟
حتى الآن الصلاة بالنسبة لنا هي خسارة وتضييع وقت.. لذلك آخر شيء نقوم به هو الصلاة.. ننتهي الأول من كل الأمور الأخرى، ثم الصلاة في النهاية إن تبقَّى لها وقت.
ولكن متى يأتي الوقت الذي تضع فيه الصلاة في مُقدِّمة اهتماماتك وتَشعر أنها أهم شيء، تترك وتعطِّل كل مشغولية من أجلها، وتُقدِّمها في البداية؟!
عندما يأتي هذا الوقت تكون السحابة قد استقرَّت على الخيمة، وتكون أنت قد دخلت إلى قدس الأقداس ورأيت الله.
حاول أن تهتم بأبديتك، حاول أن تُشابِه يوحنا في إتِّكائه على صدر المسيح، حاول أن تُشابِه مريم في جلوسها عند قدمي المسيح، اُطلب محبة الله، ولا تجعل الصلاة لمجرد الاحتياجات والطلبات وإنما من أجل الحب.
لا تقل: "أنا يا رب زعلان منك لأنك لم تعطني كذا" لا تكن هكذا، بل اُطلب الله، قل: "يا رب أنا أريدك أنت، أما أمور العالم فليس لها قيمة سواء جاءت أم لم تأتي، لا يهم، المهم أنت".
أنت المحتاج إلى الصلاة.
الله ليس مُحتاجًا إلى صلاتك لكن أنت المحتاج إلى الصلاة.. الله كان موجودًا بمفرده منذ الأزل. الأزلي الذي لا بداية له مرَّ عليه ملايين الملايين الملايين من السنين وأكثر، ولم يكن أحد معه.. هو وحده. من ضمن صفات الله أنه مُكتفٍ بذاته..
فهو ليس مُحتاجًا إلى كلام لكن نحن المُحتاجون إلى الوجود مع الله لأننا بوجودنا معه نُكمِّل وجودنا ونُكمِّل نقصنا.
كوِّن صداقة مع الله.. بل صداقة مع كل أقنوم على حدة؛ صداقة مع الروح القدس، صداقة مع المسيح، صداقة مع الله الآب، صداقة مع الثالوث القدوس.
حاول أن تُعِد قلبك للأبدية.. في الأبدية سنوجد مع الله دائمًا، كيف ستحتمل الأبدية؟! أريد أن أسألكم هذا السؤال؟ إننا سنعيش مع الله في الأبدية دائمًا.. فإذا كنت غير قادر أن تجلس معه عَشرة دقائق، فكيف ستجلس معه في الأبدية؟ كيف، إذا كنت لم تتمرَّن على الجلوس أو الكلام معه هنا؟!! إذا كنت لا تجد لذَّة في الحديث معه هنا، ولو جلست معه ربع ساعة تزهق وتمل.
فماذا سيكون موقفك هناك في الأبدية، في أورشليم السمائية مع ربنا؟ وجهك في وجهه طول الوقت.. ماذا ستفعل؟! تقول له: أرجِعني إلى الأرض مرةً أخرى؟!! تقول له: "اشتقنا للثوم والكراث، والبطيخ في أرض مصر"؟!! وفي هذه الحالة نكون لا نصلح للأبدية.
لا بد أن نذوق الملكوت من هنا، ونشعر بلذَّة في الوجود مع الله.. حتى عندما تذهب إلى الأبدية تشعر بلذَّة لأن لديك خبرة سابقة..
وسَّعوا قلوبكم لله، افتحوا قلوبكم ووسَّعوها، "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز 34: 8).
تمتَّعوا بمذاقة الملكوت من الآن، حتى إذا وُجِدتم فيه لا تملّون ولا تضجَرون.. بل على العكس تقولوا: "يا رب نريد أن نجلس معك أكثر وأكثر".
افتحوا قلوبكم لكي يسكب الله محبته فيها، سلِّموا أرواحكم للروح القدس لكي يحملكم الروح القدس، ويُوقِفكم أمام عرش الله، مرَّنوا أنفسكم على الملكوت من الآن.
الصلاة هي لذَّة في حضرة الله.
اعرفوا أن الصلاة هي قمة الفضائل جميعها.. أقصى ما يصل إليه الإنسان هو أن يجد لذَّة في حضرة الله وفي عِشرة الله.
نقاوة القلب كلها مُجرَّد تمهيد لهذه العِشرة التي فيها تقول للرب: "تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت 19: 27). لأجل هذه العِشرة ترك النُسّاك كلَّ شيء وزهدوا في العالم، وباعوا العالم كله لكي يعرفوا الله ويوجدوا فيه.. كما قال بولس الرسول: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في 3: 8).. من أجل هذا ترك ملوك عرشهم، وترك أمراء عرشهم، وجروا وراء الله يبحثون عنه لكي يقضوا الوقت معه.
الصلاة هي طريق المواهب كلها..
هي مصدر كل البركات..
هي مفتاح السماء. هي مفتاح خزائن الله..
قال عنها البعض: إنها سلم يعقوب الواصل بين السماء والأرض..
الصلاة أيها الإخوة هي رُعب الشياطين.. أكثر شيء ترتعب منه الشياطين هو الصلاة. هي أكره ما يكرهونه، وأقوى ما يخافونه، الصلاة هي أكبر سلاح ضد الشياطين.. الصلاة بها تستدعي الله ضدهم، يحدث بها استدعاء الله ضدهم، وعليهم. بالصلاة تشعر الشياطين أنك فَلَتّ منهم لذلك يُحاولون بقدر الإمكان أن يمنعوك عن الصلاة.
الشياطين مُستعدة أن تفتح لك كل باب مهما كان روحي على شرط أن باب الصلاة يُغلق.. مُستعدة تشغلك بأي مشاغل لكي لا تصلِّي، يقولوا لك: "لا مانع إنك تخدم ربنا وتنهمك في الخدمة ليل ونهار، لكن لا تصلِّي"، "لا مانع إنك تفتقد الآخرين، أو تعِظهم، لا مانع إنك تفتح كتب اللاهوت وتدرس وتملأ عقلك، معلومات المعرفة لن تفعل لك شيئًا.. لكن لا تصلِّي"، لذلك كل جهادنا الروحي إذا وصل إلى الصلاة، يكون قد تكلَّل بالنهاية الطيِّبة.
الشياطين إذا صلَّيت يُحاولون أن يُشتِّتوا فكرك أثناء الصلاة، فمثلاً، الشيء الذي كنت تنساه منذ أسابيع وشهور يذكِّرونك به ساعة الصلاة، لكي تترك الصلاة وتنشغل به!! لدرجة أن الشياطين مُستعدين أن يأتون لك بتأمُّلات روحية أثناء الصلاة، لكي تترك صلاتك وتجلس تدوِّن هذا التأمُّل.. وتمسك النوتة وتكتب التأمُّلات. وفي النهاية تكون قد تركت صلاتك.. مكرهم شديد!!
أقصى ما يكرهه الشياطين هو الصلاة، لأنهم بالصلاة يتذكَّرون الشيء الذي فقدوه.. هم في وقت من الأوقات كانوا ملائكة يتكَّلمون مع الله بدالة وحب، ثم فقدوا هذه الدالة والحب مع الله، وفقدوا الكلام معه.. فعندما يرون إنسانًا يصلِّي يتذكَّروا ما فقدوه. لذلك الصلاة تجلِب حسد الشياطين هم مُستعدين أن يعملوا أي شيء لكي يمنعوك من الصلاة..
لكن إن كنت ثابتًا في الله، صلِّ.
صلِّ مهما منعك الشياطين.. وإذا وجدت عقبات في الصلاة، اشعر بغِناها وأهميتها لأنها لو لم تكن صلاة مهمَّة لما كان الشياطين وضعوا لك عقبات. واعرف أن الشياطين خائفين من الصلاة لذلك يمنعوها..
لا تستسلِم للعقبات. صلّوا كل حين ولا تملّوا. املأوا كل وقتكم صلاة.. لا تستسلموا لمحاربات الشياطين حتى لو كانت المُحاربات تأخذ أسلوبًا روحيًا.
الصلاة تُقدِّس الشفتين وتُكرِّس العقل وتُقدِّس الإنسان كله، إذا صلَّيت تُصبح هيكل لله، وتصبح صلاتك كأنها ذبيحة مُقدَّمة لله.. داود يقول: "لِتَسْتَقِمْ صَلاَتِي كَالْبَخُورِ قُدَّامَكَ. لِيَكُنْ رَفْعُ يَدَيَّ كَذَبِيحَةٍ مَسَائِيَّةٍ" (مز 141: 2).
تصوَّر أن الصلاة تُعتبر بخور وذبيحة.. إذًا أنت كنيسة، وهيكل.
الصلاة تجعل السماء تنزل وتستقِر داخل النفس أو تحوِّل النفس إلى سماء. لأن النفس تكون مسكن لله في ساعة الصلاة.
بالصلاة إما إنك تصعد لله، وإما أن الله ينزل إليك.. ولكن على أي الحالات يحدث لقاء بينك وبين ربنا، يحدث التصاق بينك وبين ربنا.
عبارة جميلة جدًا قالها السيد المسيح عندما قال: "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20).
أتعرفون ما معنى "أكون في وسطكم"؟
أي أن المسيح جاء وحلَّ وَسطَنا، موجود وسطنا، ولذلك من أجمل الأشياء في الصلاة الشعور بحَضرة الله!! تشعر أن الله جاء، وتبدأ تُحسِّه، وتلمسه، وتشعُره، وتشعُر أنك في مهابة.. وتشعُر بأن الوقت مُقدَّس، وأن الله قد حلَّ فعلاً في النفس، وتجد نفسك في حالة أخرى..
لأن بالصلاة يحدث حضور لله في حياة الإنسان وفي داخل الكنيسة..
الصلاة عبارة عن عِشرة الملائكة، لأنها عمل الملائكة تشترك معهم في عمل واحد. الصلاة تسمو بالفكر، وترفع الفكر من المستوى المادي، وتُقيمه في الإلهيات، وتُجلِسه في السماويات.
الصلاة تُبطِل طياشة الفكر وتُبطِل الطياشة عمومًا ولذلك تُنقِّي الفكر وتقوده إلى التوبة.. قال مار إسحاق: "مَن يظن أن هناك باب آخر للتوبة غير الصلاة، فهو مخدوع من الشياطين".
ليتنا بعد كل هذا نُصلِّي ونتمتَّع بالله.
* محاضرة الصلاة جـ2 لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 11 يوليو 1969م
روحانية الصلاة
روحانية الصلاة*
الصلاة شرف بالنسبة إلى الإنسان، وتواضع بالنسبة إلى الله.
فمَن نحن التراب والرماد، حتى نتحدث إلى الله ملك الملوك ورب الأرباب؟! حقًا إن هذا شرف عظيم بالنسبة إلينا، لا نستحقه. وهو تواضع من الله إذ يتحدث إلينا. بينما قد نجد صعوبة في التحدث إلى بعض عبيده من البشر!!
الصلاة هي أخذ وليست عطاء.
اِحذَر من أن تفكر في وقت من الأوقات أنك حينما تُصلِّي، إنما تعطي الله وقتًا، وتعطيه مشاعر! ولذلك تعتذر عن الصلاة أحيانًا وتقول: "ليس لدي وقت..!" كلا، بل أنت في الصلاة تأخذ من الله الكثير، تأخذ بركة، وعِشرة طيبة، ومُتعة روحية، وهبات لا تُحصَى.. وهكذا نقول لله في القداس: "لست أنت محتاجًا إلى عبوديتي، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك".. أنا المحتاج أن آخذ منك حينما أصلي.. مجرد الشعور بأنني في حضرتك.. الشعور بالأمان في حضرة الله القوي والمتحنِّن والرحيم... في حضرة الآب الذي يحب أولاده، ويمنحهم من قلبه ومن عطفه.
الصلاة هي أغنية نقدِّمها إلى الله من قلوب سعيدة به.
داود النبي حينما كان يغنِّي مزاميره، لم يكن يصلِّي بالمزمار فقط.. بل أحيانًا بالعود، وبالقيثار، وبالعشرة الأوتار.. وأحيانًا معه جوقة عجيبة من المغنيين والموسيقيين، يستخدمون هذه الآلات الموسيقية، وأيضًا البوق والصنوج والصفوف والدفوف وباقي آلات العزف. الكل معًا يغنّون للرّب أغنية جديدة، في فرح بالرب.. كما حدث مع مريم النبيَّة أخت موسى وهارون، إذ أخذت الدُفّ في يديها، وخرجت وراءها النساء بدفوف ورقص، وهي تقول: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَظَّمَ.." (خر15: 20، 21).
حقًا ما أجمل أن تكون الصلاة أغنية يقول الرسول: "بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف5: 19).
إذًا فالصلاة هي وقت فرح بالرب.
وهكذا نجد غالبية صلواتنا ملحنة ومنغمة ولها موسيقاها، نغني بها للرب أغنية جديدة. وهكذا صلاة القداس الإلهي، هي أيضًا أغنية روحية مرتلة. وكذلك صلوات الإبصلمودية وكل التسابيح. حتى قراءة المزمور والإنجيل أثناء القداس الإلهي هو أغنية نقدِّمها إلى الله. إنها قلوب فرحة بالرب، تقف أمامه وتغنِّي.
لا نضرب على أوتار عود، بقدر ما نضرب على أوتار قلوبنا.
فالألحان عندنا هي صلاة، والصلاة هي لحن، هي أغنية. كلما نوجد في حضرة الله، تمتلئ قلوبنا فرحًا بالرب. ونغنِّي له في كل المناسبات بكل عواطفنا.. حتى في مناسبات الحزن، نغنِّي أيضًا في حضرة الرب بأسلوب الحزن، إنما هي عواطف مقدَّمة لله.
قديمًا كان كل مزمور له لحن، مثل المزامير الأخيرة التي تُكوِّن الهوسات الثاني والثالث والرابع. هذا هو العنصر العاطفي في الصلاة.
وهنا نذكر أن الصلوات المقبولة لها صفات..
صفات الصلاة المقبولة
ليست كل صلاة مقبولة أمام الله. فهناك صلوات رفضها، مثل صلوات المرائين، وصلوات قساة القلوب الذين قال لهم: "فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15). فما هي صفات الصلاة المقبولة إذًا؟
1- ينبغي أولًا أن نصلي بفهم.
بحيث كل كلمة تقولها في الصلاة، تكون فاهمًا لمعناها، كل كلمة تقولها لها عمقها عندك. كل كلمة في صلاتك، يشترك فيها اللسان مع العقل، والقلب، والمشاعر، والجسد. يشترك فيها الإنسان كله. كما نقول في بعض صلواتنا "قلبي ولساني، يسبِّحان القدوس". فالصلاة ليست مجرد كلام. بل لسانك يتحدَّث، وعقلك مُركِّز في الكلام ومعانيه، وتشترك بمشاعرك وكل قلبك، وروحك تقود العملية كلها...
2- وأيضًا يشترك جسدك، وتشترك حواسك في الصلاة.
جسدك يشترك بالركوع، بالسجود، بالخشوع، برفع اليدين، ورفع النظر إلى فوق. وجمع الحواس، فلا يتشتَّت السمع والبصر هنا وهناك، ولا تتشتَّت الحركات، بل يكون الإنسان ثابتًا، باحترام شديد في صلاته، يعرف أمام من هو واقف. إن الشاروبيم والسيرافيم وهم يقفون أمام الله، بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم، من هيبة الله الذي يقفون أمامه.. فكم بالأولى نحن.. إن الأب الكاهن، في صلاة الصلح في القداس، يمسك لفافة أمام وجهه، رمزًا لهيبة الله الذي هو يقف أمام عظمته.
3- وهكذا ينبغي أن تكون الصلاة أيضًا بفكر مجتمِع، غير مشتَّت.
فلا يصح أن تتكلَّم مع الله، وأفكارك شاردة في موضوعات أخرى. بل حاول أن تجمع أفكارك وتُركِّزها في الصلاة.
ويحسُن أن تمهِّد لذلك بقراءة روحية أو بترتيلة أو تأمُّل. ولا تقف للصلاة وعقلك مشغول بشتَّى الموضوعات. البعض يُغمِض عينيه أثناء الصلاة، حتى لا ينشغل بصره بأمور تجلب له أفكارًا. المصلِّي الحقيقي لا يحس بكل ما حوله. هو مع الله فقط وحده.. كما يقول داود: "مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ" (مز130: 1).
من عُمق قلبي، من عُمق مشاعري ومن عُمق احتياجي، من عُمق مشاكلي وسقطاتي أريد أن أرتفع إليك.
4- مثل هذه الصلاة لا بد أنها تكون بحرارة.
لأن الإنسان يسكب نفسه أمام الله. انظروا إلى حنة التي صارت أمًّا لصموئيل النبي، يقول الكتاب عنها إنها: "صَلَّتْ إِلَى الرَّبِّ، وَبَكَتْ بُكَاءً، وَنَذَرَتْ نَذْرًا" وإنها "كَانَتْ تَتَكَلَّمُ فِي قَلْبِهَا، وَشَفَتَاهَا فَقَطْ تَتَحَرَّكَانِ، وَصَوْتُهَا لَمْ يُسْمَعْ، أَنَّ عَالِيَ ظَنَّهَا سَكْرَى" (1صم 1: 10- 13). بكل عواطفها كانت تصلي، بكل حرارة، نفس منسكبة أمام الله.. وما أجمل ما قيل عن إيليا النبي أيضًا إنه "صَلَّى صَلاَةً" (يع5: 17). ماذا تعني عبارة "صلَّى صلاة"؟.. تعني أنها ليست أي كلام. بل صلاة لها عمقها ولها حرارتها.
يصلِّي صلاة، أي يصلِّي بالمعنى العميق لهذه الكلمة.
فقد يقف كاهن أمام المذبح، وتشعر في أعماقك أنه يصلِّي، بينما يقول كاهن آخر نفس القطعة من القداس، فتلاحظ أنه يتلو كلامًا ولا يصلِّي. وقد تسمع لحنًا واحدًا من اثنين من المرتلين، فتحس أن أحدهما يصلي، أما الآخر فيقدم نغمات وألحان بلا روح، بلا صلاة...
هناك إنسان يزعم أنه يصلِّي، ولا يصل إلى السموات من صلاته شيء. بينما آخر يصلِّي، فإذا واحد من الأربعة والعشرين كاهنًا الذين تحدث عنهم سفر الرؤيا، يأتي ومعه مجمرته الذهبية، فيحمل فيها هذه الصلاة لتصعد كرائحة بخور أمام الله... إنه صلَّى صلاة.
بعض الملائكة في السماء يشتمّون رائحة بخور زكية، فيبحثون عن سببها، ويكون أن (فلانًا) قد وقف يصلِّي.
الصلاة بحرارة، قد تظهر في ألفاظ الصلاة أو في قوتها، أو في لهجتها، وقد تظهر في دموع تصاحب الصلاة.
أما عبارة أن الإنسان يسكب نفسه في الصلاة، فلست أجد ألفاظًا في اللغة يمكن أن تعبِّر عنها.. أتركها لكم لتفهموها بأنفسكم. ولكن على الأقل أقول إن الإنسان يعصُر نفسه عصرًا، ويسكُبها أمام الله.
5- تصلَّي أيضًا بتأمُّل.
فمثلًا إن صلَّيت الصلاة الربيَّة، ووصلت إلى عبارة ليأتِ ملكوتك، يمكن أن تدخل إلى عمق مفهوم هذا الملكوت، كأن يملك الله على قلوب الناس وأفكارهم، وعلى أهدافهم ووسائلهم..
أو أن تتأمَّل ملكوت الله على الأمم والشعوب والممالك التي لا تعرفه.. أو تسرح في الملكوت الأبدي في أورشليم السمائية.. وهكذا تجد نفسك - في تأمُّلاتك - وأنت داخل في عمق أعماق هذا الملكوت.
6- صفات أخرى كثيرة.
هناك صفات أخرى كثيرة للصلاة المقبولة، كأن تكون الصلاة بحب كما سبق أن قلنا، وكذلك صلاة بخشوع، وصلاة بإيمان. يؤمن المصلِّي أن الله سيستجيب صلاته، أو على الأقل يؤمن أن الله سيعمل ما فيه الخير له...
* جزء من مقال روحانية الصلاة لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة 3 فبراير1989م
خشوع الصلاة
خشوع الصلاة*
خشوع الصلاة
على الرغم من أن الصلاة علاقة حب مع الله، إلا أنها ينبغي أن تكون مصحوبة بالخشوع. لأن محبة الله لا تنسينا هيبته ووقاره. نحن نتحدَّث إلى الله في حب، وأيضًا في احترام، وفي خشية، وفي توقير.
ليس هو خوف العبيد، إنما هو توقير الابن لأبيه.
لذلك يقول مار إسحاق: "إذا ما وقفت لتصلِّي، كن كمن هو قائم أمام لهيب نار". إبراهيم أبو الآباء الذي كان يُدعى خليل الله أي صديقه، عندما كلَّم الرب قال له: "إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ" (تك 18: 27).
لهذا قِف أمام الله منسحقًا، وثِق أنك بالانسحاق تنال طِلبتك.
لأنه قريب هو الرب من المنسحقي القلوب.
إذا وقفت أمام الله، فقل له: "من أنا يا رب حتى أقف أمامك؟! من أنا حتى أحشر نفسي وسط صفوف الملائكة القائمين أمامك، ووسط الشاروبيم والسيرافيم والأرباب والرؤساء والجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية؟!
أنا يا رب لا أنسى طبيعتي التافهة كتراب ورماد.. كما أنني لا أنسى خطاياي ونجاساتي، كشخص كسر وصاياك.
من جهة طبيعتي لا أستحق، ومن جهة خطيئتي لا أستحق، ولكنه تواضُع منك أن تستمع إلى صوتي، وتواضُع منك أن تلتفت إلى حقارتي. إن محبتك هي التي تشجِّعني أن أقترب إليك وأتحدَّث، أنا الخاطئ الذي فعلت كذا وكذا.
أنا يا رب لا أنسى إحساناتك، أنا الخاطئ الناكر الجميل...
لقد عملت معي كثيرًا، ولكني لم أقابل هذا الحب بمثله، بل أغضبت قلبك الحنون.. (وهنا يمكنك أن تذكر إحسانات الله إليك واحدة فواحدة، كما تذكر جحودك سقطة فسقطة، بشيء من المقارنة المخجلة لك).
ثم تقول بعد ذلك: ولكن مع كثرة خطاياي، يشجِّعني طول أناتك، ويعزِّيني قلبك الواسع؛ أنت الإله الطيب الحنون، الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا.. فيَّ أنا الخاطئ يظهر طول أناتك.. وفيَّ أنا النجس تظهر عِظم مراحمك.
وهنا تُكلِّم الله بصراحة كاملة، عن نفسك الساقطة المحتاجة أن ينضح عليها بزوفاه فتطهر.
ولا تكن صلاتك كلمات إنشاء، بعبارات منمَّقة مختارة منتقاة، بل لتكن كلمات صريحة من قلبك، بلا تكلُّف ولا تصنُّع، بل بصراحة قلب مفتوح أمام الله.
وخشوعك في الصلاة، هو خشوع الروح، وخشوع الجسد أيضًا.
الجسد خاشع، لا يقف وقفة متراخية، ولا وقفة متكاسلة، ولا يتذكَّر التعب والمرض والإنهاك، أثناء الصلاة.
هناك أشخاص إذا وقفوا للصلاة، يشعرون بتعب الجسد! بينما يقفون بالساعات متحدِّثين مع أصدقائهم، دون شعور بالتعب!
لذلك احترس من التعب الموهوم، والتعب الذي هو من حروب الشياطين.
قال القديس باسيليوس الكبير: "ولا تعتذر عن الصلاة بسبب المرض لأن الصلاة وسيلة لشفائك من المرض".
ما أسهل أن يجلب الشيطان عليك تعبًا ومرضًا، لكي يمنعك من الصلاة أو من الخشوع فيها. قال مار إسحاق:
"إذا بدأت الصلاة الطاهرة، فاستعد لكل ما يأتي عليك".
إن الصلاة تُتعِب الشيطان، يشعر بها أنك بدأت تفلت من يده، وأنك ستأخذ قوة تهزمه بها. كما أنه يحسدك على صلاتك التي تُذكِّره بأنه فقد هذه العِشرة التي لك مع الله. لهذا كله يحاربك وقت الصلاة، لكي يمنعك عنها، أو ليشتِّت فكرك، أو ليُفقِدك خشوعك واتضاعك.
لذلك أصمد أمام الشيطان في صلاتك، واحترس من حروبه، وتذكر قول الرسول: "نحن لا نجهل حِيَله" (2كو 2: 11).
ربما يحاربك الشيطان بتعب الجسد، وربما يحاربك بشرود الفكر، وربما يحاربك بالروحيات، فما هي هذه المحاربة الثالثة؟
من الجائز أن يأتيك أثناء الصلاة تأمُّل روحي جميل أو عميق، فتخشى على هذا التأمُّل من النسيان. وتحاول أن تُسجِّله، لكيما نتعزَّى به، أو لكي تستخدمه في الخدمة وتقوله لغيرك. فتترك الصلاة، لتكتب وتنشغل بالمعرفة عن الصلاة، وهكذا تفقد الصلة التي كانت لك منذ حين مع الله.. إنها محاربة.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، 21 أكتوبر1977م
الصلاة المنسحقة
الصلاة المنسحقة*
+ هناك صفات كثيرة للصلاة الروحية، منها أن تصلِّي بإيمان، وبانسحاق، وبفهم، وبتركيز، وبحب، وعمق، وحرارة، صلاة من القلب وليس من الشفتين فقط. ونحن نود أن نتكلَّم عن الصلاة بانسحاق القلب.
+ فالذبيحة عند الله، هي قلبٌ منسحِق (مز 50).
والله لا يرد المنسحقين أبدًا. وقد كانت صلاة العشار في انسحاقها مقبولة أمامه، خرج العشار بها مبرَّرًا، مع أنها كلمات قليلة.. جملة واحدة.
+ الصلاة المنسحقة هي صلاة معترفة بخطاياها وعدم استحقاقها.
لا تبرير فيها للذات، ولا أعذار، بل اعتراف باستحقاق الدينونة. صلاة لم يجرؤ فيها العشار أن يرفع عينيه إلى فوق، وفي مذلَّة وقف من بعيد...
+ الصلاة المنسحقة، قد تكون أحيانًا مصحوبة بالدموع.
مثل صلاة حنة أم صموئيل، ومثل بكاء بطرس بعد نكرانه، على أن تكون الدموع غير مصطنعة وغير متكلفة. ولا تكون أيضًا موضعًا للافتخار، تكبر بها النفس في عين ذاتها، أو في عيون الآخرين.
+ والصلاة المنسحقة تشكر أكثر مما تطلب.
ترى أنها غير مستحقة أن تطلب شيئًا، أو هي في خجل بسبب خطاياها لا تجرؤ أن تطلب سوى الرحمة. وهي تشكر على كل شيء، شاعرة أنها لا تستحق شيئًا.
+ والصلاة المنسحقة هي في نفس الوقت صلاة خاشعة.
في سجودها لا تلتصق رأسها فقط بالتراب، بل تقول مع المرتل: "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي" (مز 119: 25). تقف أمام الله في هيبة، وتكلِّمه باحترام، وبفهم، وبألفاظ متَّضعة.
+ الصلاة المنسحقة هي صلاة التراب والرماد.
صلاة إنسان لا يرى نفسه شيئًا، سوى تراب ورماد، كأيوب بعد التجربة (أي 42: 6)، وكصلاة أبينا إبراهيم (تك 18) ومثل صلاة نحميا في تذلُّـله وبكائه واعترافه (نح 1).
"مَن أنا يا رب حتى أتحدث إليك؟! إنه تواضع كبير من رب الأرباب أن يستمع إلى التراب".
* كلمة منفعة لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 24 أكتوبر1980م
تدريب الصلاة كل حين
تدريب الصلاة كل حين*
إنك لا تستطيع أن تصِل مرة واحدة في الصلاة إلى ما وصل له القديسون في سنوات عديدة، لذلك اِتبع التدرُّج الآتي:
1- ضع لنفسك صلاة قصيرة تناسبك، ويمكنك أن تردِّدها كثيرًا، من أعماقك، معبِّرًا بها عن مشاعرك الخاصة.
2- استخدِم هذه الصلاة في أوقات فراغك، لتُشغل بها نفسك، فلا تشرد أفكارك في التفاهات، أو فيما لا يليق من خطايا. وهكذا تكسب فائدة مزدوجة: الصلاة، وأيضًا مقاومة الأفكار، وتستغل وقتك فيما ينفعك روحيًا.
3- اشغِل عقلك بالصلاة، أثناء وجودك وسط أناس، يتكلَّمون كلامًا لا علاقة له بخلاص نفسك، ولا تستفيد منه، وفي نفس الوقت يُحرِجك أن تنسحب من الوجود معهم. فلا أقل من أن تكون موجودًا بجسدك، أما قلبك فهو منشغل مع الله في الصلاة، دون أن يشعر أحد.
4- يمكنك أيضًا أن تنشغل بهذه الصلوات أثناء ركوبك طرق المواصلات، أو أثناء انتظارك لها، أو وأنت في انتظار لأي أحد، وهذا في نفس الوقت يُنقِذك من القلق ومن الملل.
5- يمكن أن تتلو هذه الصلاة القصيرة المتكررة، أثناء جلوسك على المائدة لتناول الطعام، حتى تعطي غذاء لروحك أثناء تناول جسدك لغذائه. وفي نفس الوقت تحفظ آداب المائدة.
6- وإن كلَّمك أحد أثناء تلاوة هذه الصلوات، فلا تتجاهله وتصمت وتسبب لنفسك إشكالاً، إنما ردَّ عليه في اختصار وفي هدوء، وارجع إلى صلواتك مرة أخرى..
7- يمكن أيضًا أن تتلو هذه الصلوات وأنت على فراشك قبل أن تنام، فبالإضافة إلى عمل الصلاة، ينشغل عقلك الباطن بشيء روحي، ويتقدَّس فراشك، وتكون أحلامك نقيَّة.
8- كذلك حينما تستيقظ، اِبدأ في تلاوة هذه الصلوات، حتى قبل أن تقوم وقبل أن تغسل وجهك، فيكون أول فِكر لك هو فِكر روحي، وأول من تخاطبه هو الله.
9- كلما تجد فرصة سانحة للصلاة، انتهزها. وهكذا تنتصر على مشكلة (الوقت الضائع)، وتتعوَّد الصلاة.
10- كل هذه الصلوات، لا تمنع صلواتك بالأجبية، ولا صلواتك الخاصة، وأنت واقف في خشوع أمام الله.
† درِّب نفسك أن تبدأ اليوم بالصلاة، وتُنهيه بالصلاة.
† اِحرص أنك لا تسرع لكي تنتهي من صلاتك وتختمها، كما لو كانت الصلاة ثِقلًا عليك تريد أن تتخلَّص منه!
† وكلما تشعر برغبة في إنهاء الصلاة، استمر فيها. وعلى رأى مار إسحاق "اغصب نفسك على صلاة الليل، وزِدها مزامير". وحاول أن تُطيل في حضرة الله، وأن تسعد بذلك.
† صلِّ في كل مناسبة، وفي كل مكان. حتى وأنت موجود وسط الناس. هم يتحدَّثون معًا في أمورٍ شتى، وأنت في حديث مع الله، وقلبك مرفوعٌ إليه دون أن يشعر أحد..
† درِّب نفسك على الصلوات القصيرة المتكرِّرة.
† تدرَّب على الصلوات الخاصة، الصريحة مع الله. لا مانع أن تقول مثلاً "أنا يا رب كثيرًا ما أدين غيري وأنسى خطاياي! نجِّني من هذه الإدانة.. أنا يا رب كثيرًا ما أقلق ولا أحتفظ بسلامي القلبي. نجني يا رب من هذا القلق، وأعطني سلامك.. توبنى يا رب فأتوب".
* كلمة منفعة الكرازة لقداسة البابا شنوده الثالث، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 نوفمبر1980م، 15 فبراير2002م
أسئلة عن الصلاة؟
الخشوع في الصَلاة*
سؤال
ما حدود الخشوع في الصلاة، وبخاصة حينما لا يعرف ذلك عمليًا؟
الجواب
المفروض في الصلاة، توافر خشوع الجسد والروح.
أما خشوع الجسد فيتمثَّل في الوقفة المنتصبة، والأيدي المرتفعة إلى فوق، والسجود، والركوع أحيانًا، على شرط ألاّ يكون هذا لمجرد الاسترخاء كما يفعل البعض.
كذلك يتمثَّل الخشوع في ضبط الحواس، فلا ينشغِل البصر أو السمع في شيء آخر أثناء الصلاة.
كذلك يتمثَّل الخشوع في ضبط الفكر، فلا يطيش خارج الصلاة في موضوعات أخرى. كذلك في مشاعر القلب الداخلية من مهابة واحترام لله الذي يقف المصلِّي أمامه.
ولكن حيث لا يتوافر خشوع الجسد، يبقى خشوع الروح.
مثال ذلك الذي يصلِّي وهو مريض يرقد على فراشه، أو الذي يصلِّي وهو على فراشه قبل النوم مباشرة، بعد صلاته الخاشعة أمام الله. أو الذي يصلِّي في طرق المواصلات، وهو جالس على مقعده في الطائرة أو في سيارة أو في الأتوبيس أو القطار، ولكن عقله منشغل بالصلاة وقلبه مرتفع إلى الله.
أو الذي يصلِّي وهو جالس مع الناس، أو وهو سائر في الطريق، أو وهو واقف في مكان ما.
هؤلاء جميعًا عليهم أن يحتفظوا بخشوع الروح في مشاعر القلب والفكر.
الخطأ أن الإنسان يتهاون بإرادته في خشوع الجسد.
أما إن كان مضطرًا إلى ذلك كالأحوال التي ذكرناها، فلا لوم عليه. لأن الله يعرف حالة القلب.
إن القديس يعقوب المقطَّع كان يصلِّي. ولم تكن له ساقان تسجدان، ولا يدان ترتفعان إلى فوق، ولكنه كان خاشعًا بروحه.
والشهداء القديسون كانوا يصلّون، ولم تكن حالة أجسادهم تساعدهم على خشوع. وإنما كان الخشوع في قلوبهم. إذًا احتفظ بخشوع القلب. ولكن لا تتهاون بإرادتك ما دامت لك فرصة في خشوع الجسد.
___*_________*_________*____
الفتور في الصلاة أسبابه وعلاجه*
سؤال
أشعر في كثير من الأحيان بفتور في صلاتي. فلماذا؟ وكيف أتخلص من هذا الفتور، وتكون لي الصلاة الحارة العميقة؟
الجواب
1- قد يكون السبب هو تقييد الصلاة بقيود شديدة من حيث الزمان والمكان والطريقة والألفاظ.
أما أنت فحاول أن تكون صلاتك حرة طليقة.
2- لا تكن صلاتك في وقت غير مناسب: فبعض الأشخاص يصلّون في الصباح قبيل خروجهم إلى أعمالهم ويكونون في عجلة من أمرهم فيحاولون أن ينهوا الصلاة بسرعة، وقد يشرد تفكيرهم أثناء الصلاة فيفكِّرون في أعمالهم ومواعيدهم. وقد يصلِّي البعض في وقت متأخِّر مساءً حين يكون متعبًا ومرهقًا وعيناه مثقَّلتان بالنوم فيصلِّي وهو يفكِّر متى ينتهي من الصلاة بسرعة حتى ينام. أما أنت فيمكنك أن تصلِّي في أي وقتٍ مناسب لك بحيث لا تكون منشغلاً عن الصلاة باستعجال أو نوم.
وقد يكون الوقت غير مناسب من جهة الاستعداد الروحي فيصلِّي الشخص مباشرة بعد انشغال مادي عميق طويل وهو ما يزال منشغلاً بمشاكله العالمية. يُستحسن أن تكون هناك فترة تمهيدية، تُفرِغ فيها نفسك بقدر الإمكان من الاهتمامات الأخرى وتتَّصل بالله.
3- يُستحسن أن تمهِّد لصلاتك العادية بتأمُّل في الإنجيل أو بمحاسبة لنفسك على أخطائك، أو بالتأمُّل في المواقف التي ساعدك فيها الله أو بالتفكير في حالة الآخرين المعوزين، أو بالتفكير في مشاغلك ومطالبك التي تريد أن تعرضها أمام الله. وبعد هذه الفترة التمهيدية، إذا قمت لتصلِّي فستصلِّي بحرارة.
4- أحيانًا يصلِّي الشخص وهو لا يعرف سببًا معينًا للصلاة، فهو يصلِّي كما لقومٍ عادة، فتكون صلاته فاترة، أما أنت فعليك أن تصلِّي، وأنت شاعر تمامًا بأنك محتاج إلى الصلاة، إما لطلبات معيَّنة طارئة حدثت لك واحتجت فيها لمعونة، أو لطلبات عرفتها بالتمهيدات السابقة، وإما لأنك مشتاق إلى الله تشعر بحنين إلى التحدث إليه، دون أن تدري لهذا الحنين سببًا..
وإنما تريد أن تكون في حضرة الله وكفى.
ومثل هذا الشعور يجعل الإنسان في صلاة مستمرة أيًا كان المكان وأيًا كان الوقت ومثل هذه الصلاة لا تحتاج إلى تمهيدات.
5- يجب أن تكون صلاتك بفهم، فلا تردد ألفاظًا لا تعرف لها معنى، أو معناها لا يهمك، وإنما يجب أن يكون كل لفظ خارجًا من أعماقك، مُعبِّرًا عن شعورك ولذلك يحسن بك أن تتأمَّل كثيرًا كمنهج من دراستك الروحية في معاني الصلوات التي تحفظها من الأجبية، علمًا بأن مزاميرك لها تأثيرها العظيم حتَّى بمجرد التلاوة.
6- يجب أن تختار المكان المناسب، فهناك من يصلِّي في مكان يخاف أن يدخله شخص آخر، فتكون حواسه محترسة تترقَّب كل حركة خارجية، وتنصِت إلى كل صوت، وتستعد لترك الصلاة خوفًا من رؤية الآخرين أما أنت فمتى صلَّيت فأغلق بابك أو اختر لنفسك المكان المناسب، بحيث تستغرق في الصلاة ولا يهمِّك كل ما يدور حولك من حركات وأصوات.
7- لا تكن صلاتك متكلِّفة، وإنما كن صريحًا جدًا أمام الله. تخيَّله أمامك وفاتِحه بكل شيء، واكشِف أمامه نفسك وحدِّثه عن مطالبك ومشاكلك جميعًا، لا تخجل ولا تستر شيئًا في نفسك، اتَّخذه كأب حنون يعطف عليك حتى في أعماق إثمك. درِّب نفسك على محبة الله، فإنك متى أحببته ستكون صلاتك حارة من تلقاء نفسها.
8- قد يكون الإنسان فاترًا في صلاته مع الجماعة، إذ قد يفكر في تقدير الجماعة لعمق صلاته بدل التفكير في الله. أما أنت فإذا صلَّيت مع جماعة، فيجب أن تتناسى كل من حولك، وتتَّجه بفكرك إلى الله وإلى الله وحده.
9- قد يكون سبب الفتور هو انشغالك بإشكالات خاصة، لم تعطِ معها قلبك للصلاة. فلسانك يصلِّي، وقلبك مشغول بشيء آخر، ولهذا تكون صلاتك فاترة. لذلك إما أن تنسى هذه المشاغل أو تطرحها أمام وجه الله في صلاتك.
10- قد يكون فتور الصلاة ناتجًا عن فتور عام في كل حياة المصلِّي، وإنما هو قد استبقى الصلاة كأثر من آثار حياة عميقة ماضية، ولذا فهو يصلِّي بغير رغبة، ولا شوق، ولا اتِّحاد مع الله، ولا فَهم لما يقوله. مثل هذا الشخص عليه أن يُصلح حياته وأن يصلِّي من أجل هذه الحياة بالذات.
___*_________*_________*____
شرود الفكر أثناء الصلاة*
سؤال
أحيانًا أصلِّي، فيشرد فكري أثناء الصلاة، وأتلو صلاتي بسرعة، وأنا أفكر متى تنتهي.. مع إني أحب الصلاة.
الجواب
لشرود الفكر أسبابٌ كثيرة. وهو على نوعين
أ) نوعٌ هو محاربة من الشيطان، لكي يعطِّل الإنسان عن الصلاة.
وليس له سبب من داخل الإنسان، أو من أخطاء فكره أو عقله الباطن، إنما هي محاربة خارجية. وهذا النوع يحتاج إلى ثبات في الصلاة، وعدم التفات إلى الفكر أو التجاوب معه، ومحاولة التركيز بقدر الإمكان في الصلاة.
بـ) المحاربة التي من داخل الإنسان، ولها أسباب كثيرة.
† البدء في الصلاة بدون تمهيد روحي، حيث يقف الإنسان للصلاة وفي عقله أفكار كثيرة من مشاغل العالم، كثرة الالتقاءات بالناس، وما وصل إلى الفكر من كلام الناس ومن القراءات ومن المشاهدات..
وعلاج هذا أن يقوم المصلِّي بعمل روحي قبل الصلاة، يمهِّد للوجود مع الله، مثل القراءة الروحية، أو الترتيل أو محاسبة النفس، أو أي تأمُّل روحي، وينقل الفكر إلى مجال روحي.
† ما ترسَّب في العقل الباطن، من أفكار، ومن مشاعر ورغبات وشهوات، وما جمعته الحواس كالسمع والبصر، وما يحمله القلب والنفس من انفعالات. كل ذلك قد يطفو على سطح العقل الواعي أثناء الصلاة في هيئة أفكار تعطِّل الصلاة.
† كلما كان الإنسان يعطي أمور العالم اهتمامًا، فعلي هذا القدر يأخذ عمقها في قلبه. وإذا استولت على اهتماماته، فإنها تكون أكثر تأثيرًا على ذهنه من عبارات الصلاة، فتنحِّيها جانبًا وتأخذ مكانها...
يحتاج الإنسان أن يدرِّب نفسه على أن يأخذ أمور هذا العالم ببساطة، لا بتوتُّر، ولا بتأزُّم، ولا بتفكير يطغَى على كل مشاعره، ولا باهتمام أزيد مما تستحق. ويكون بهذا مستعدًا، إذا وقف في وقت الصلاة، أن ينسى كلَّ ما صادفه طوال اليوم.
أما إن أخذ الأمور بعمقٍ متعِب، فإنها ليست فقط تضايقه وقت الصلاة، إنما ترهِق أعصابه طوال اليوم، وربما تراوده في أحلامه، كما تراوده في صلواته.
أما إذا كانت هناك ضيقات تُتعِبك، فالقها أمام الرب. واذكرها في صلواتك، ولا تشغل بها قلبك، حتى لا تسرح بها في صلواتك...
† وقد يكون سبب شرودك في الصلاة، هو عدم اهتمامك بالصلاة، كأن تصلِّي بغير عمق، أو بغير فهم، أو بغير تأمل، أو بغير حرارة.
لهذا فإذ لا تعطي عمقك للصلاة، تأتي الأفكار وتحتل هذا العمق.
___*_________*_________*____
الصلاة بأسلوب المفرَد*
سؤال
إذا وقف إنسان بمفرده، وصلَّى الصلاة الربانية: هل يقول أبي الذي في السموات بدلاً من أبانا.. وهكذا باقي الطلبات يقولها بأسلوب المفرد؟!
الجواب
قلنا إن الرب علَّمنا في مناسبات عديدة، أن نصلِّي بأسلوب الجماعة، لأننا كلنا أعضاء في جسد واحد.
فالمسيحي لا يطلب المغفرة لنفسه فقط، بل لكل الناس أيضًا معه.
فيقول في الصلاة الربية: "اغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا". وهو لا يطلب أن ينجو وحده من التجارب ومن حيل العدو الشرير، بل ينجو الناس كلها أيضًا، فيقول: "لا تُدخِلنا في التجارب، بل نجِّنا من الشرير".
وفي صلاته تبدو محبته للغير.
ويبدو أيضًا انتماؤه للكنيسة.
كما يبدو أيضًا بُعده عن الذات. ليس في الصلاة الربية فقط، بل في صلوات كثيرة يصلِّيها المسيحي وحده من الأجبية. فيقول: "ارحمنا يا الله ثم ارحمنا" و"قدِّس أرواحنا، طهِّر أجسامنا. قوِّم أفكارنا. نقِّ نياتنا واشفِ أمراضنا..".
ويقول في الثلاثة تقديسات: "يا رب اِغفر لنا خطايانا، يا رب اِغفر لنا آثامنا، يا رب اِغفر لنا زلاّتنا.. يا من هو بلا خطية، يا رب ارحمنا". ويقول أيضًا: "حلّ واغفر، واصفح لنا يا الله عن سيئاتنا التي صنعناها بإرادتنا، والتي صنعناها بغير إرادتنا. التي فعلناها بمعرفة والتي فعلناها بغير معرفة".
وصلاة الشكر التي يصلِّيها الإنسان هو وحده، يصلِّيها بأسلوب الجمع أيضًا فيقول: "نشكُرك على كلِّ حالٍ.. لأنك سترتنا وأعنتنا وحفظتنا وقبلتنا إليك.. ويقول: "نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر، امنحنا أن نكمل هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلام مع مخافتك".
وفي قانون الإيمان يقول: "نؤمن بإله واحد"، ولا يقول: "أؤمن بإله واحد".. والأمثلة عديدة جدًا.
المؤمن في صلاته ليس أنانيًا مُركِّزًا حول ذاته. فهو لا ينسى غيره مطلقًا. إنه يصلِّي من أجل الجميع. كعضو في كنيسة جامعة.
وهذا لا يمنع من وجود صلوات فردية.
مثل مزمور"ارحمني يا الله كعظيم رحمتك". ومثل قوله في صلاة نصف الليل: "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة"، "بعينٍ متحنِّنة يا رب، انظر إلى ضعفي"، ومثل قوله في صلاة النوم: "توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة".
أما الصلاة الربِّية، فلا نملك أن نغيِّرها.
لقد علَّمنا الرب أن نقولها هكذا، باسم الجماعة.
وإن حاول أحد أن يصلِّيها بروحٍ ذاتية، فهل يفعل هكذا في كل الصلوات التي ذكرنا أمثلة منها؟!
___*_________*_________*____
عدم استجابة الصلاة*
سؤال
كيف أشعر أن الله يهتم بي، إن كنت أصلِّي ولا اُستجاب؟
الجواب
كل صلاة توافق مشيئة الله مستجابة. فإن شعرت أن صلاتك لم تستجب، فلا بد أن هناك أسبابًا:
1- من الجائز أن الله يُعد لك خيرًا أفضل مما تطلب.
2- أو أن الله سيستجيب طلبك، ولكن في الوقت المناسب حسب حكمته. فلا تستعجل ولا تقلق، إنما آمن بمحبته واستجابته.
3- تحتاج أيضًا أن تتعوَّد انتظار الرب، كما انتظر أبونا إبراهيم وأعطاه الرب نسلًا في الحين الحسن، وكما أعطى زكريا وأليصابات.
4- ومن الجائز أن ما تطلبه ليس مفيدًا لك، أو ليس مفيدًا الآن. إن الله يعطيك ما ينفعك، وليس حرفية ما تطلبه.
5- أو قد توجد خطية معيَّنة تعوق استجابة صلاتك.
___*_________*_________*____
أخاف من ضربة يمينية*
سؤال
هل من الخطأ أن أردِّد صلاة معينة أو آية باستمرار في ذهني؟ لأني أخاف من الضربة اليمينية!
الجواب
لا يا ابني، استمِر في عملك الروحي ولا تخَف، لأنه حسنٌ جدًا أن تشغل ذهنك بصلاة أو بآية تجعلها مجالاً للتأمل، والرب يأمرنا أن نصلِّي في كل حين ولا نمل (لو18: 1). ويقول الكتاب: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس5: 17).
وربما الخوف هنا من الضربة اليمينية يكون حربًا من الشيطان.
ذلك لكي يُبطِل عملك الروحي أو يوقفه.. فالشيطان ماكر في كل ما يأتي به من أفكار.. إنه باستمرار يبذر الشكوك حتى في الأمور الروحية...
ومع هذا، فالضربة اليمينية تعني أفكار الكبرياء والمجد الباطل.
ونصيحتي لك إن حاربتك الكبرياء بسبب صلاتك:
قل لنفسك: إن التلاميذ أقاموا موتى، وشفوا مرضى، وأخرجوا شياطين، ولم يصابوا بالكبرياء بسبب ذلك.. وإيليا أغلق السماء ثلاث سنين وستة أشهر (يع5: 17)، ولم يرتفع قلبه بسبب ذلك!
فماذا فعلت إذًا لكي يحاربني المجد الباطل؟! هل لأنني ردَّدت في ذهني بضع كلمات؟!
إذًا ماذا نقول عن الذين مارسوا الصلاة الدائمة؟!
والذين كانوا يقضون الليل كله في الصلاة، والذين مارسوا صَلب العقل في صلواتهم، والذين كانوا بصلواتهم يفتحون أبواب السماء؟!
تذكَّر الدرجات العليا لكي لا يرتفع قلبك. وتذكَّر أيضًا خطاياك حتى تنسحق في الداخل، وتُقيم توازنًا مع الحرب اليمينية.
وأيضًا قل لنفسك: ليس المهم هو ترديد الآيات، وإنما العمل بها.
وقل لنفسك أيضًا: هناك آيات أخرى بالآلاف، وأنا بعيدٌ عنها، وعن ترديدها، وعن تنفيذها.. فلماذا يرتفع قلبي بسبب آية واحدة أردِّدها؟!
___*_________*_________*____
حول الصلاة في البيت*
سؤال
أريد أن أصلِّي في البيت، ولكن أخاف أن أحدًا يراني، لذلك أضطرب أو أمتنع عن الصلاة. فماذا أفعل؟
الجواب
وماذا يهمك إذا رآك أحد وأنت تصلِّي. إن الذى يسير مع الله، لا يبالي بكرامة ولا بهوان، لا يُتعِبه مديح الناس ولا ذمَّهم، ولا تعليقاتهم. لذلك كن قوي القلب أثناء صلاتك، ولا تخجل من العمل الروحي.
المهم أنك أنت نفسك لا تطلب أن يراك أحد. أما إن رأوك فلا تتضايق ولا تُبطِل العمل الروحي بسبب ذلك، وإلا فسوف لا تصلِّي على الإطلاق.
إنك تذهب إلى الكنيسة وتتناول، ولا يهمك أن يراك أحد تذهب إلى الكنيسة أو يراك أحد وأنت تتناول!
وكذلك أنت تصوم الصوم الكبير وصوم الأربعاء والجمعة، والكل يعرف أنك صائم، ولا تُبطل صومك بسبب معرفة الناس.
فإن كان الكل يصومون ويذهبون إلى الكنيسة ويتناولون، كذلك الكل يجب أن يصلّوا في البيوت.
ليتك تُقنعهم في البيت أن يصلّوا، وهكذا يكون لك عملاً كرازيًا في البيت إلى جوار الصلاة. اِبدأ بأحب الناس إليك في منزلك، وأكثرهم استجابة للعمل الروحي وحاول أن يصلِّي معك. وشيئًا فشيئًا سيكثُر عدد المصلِّين في البيت، ولا يكن عملك غريبًا بالنسبة إليهم.
وإن لم تستطع يمكنك أن تصلِّي في الخفاء.
صلِّ بالليل وهم نيام، أو استيقظ مبكرًا وصلِّ وهم نيام أيضًا. أو قم بالصلاة في وقت انشغالهم بالضيوف أو بوسائل الإعلام، أو خروجهم للزيارة أو لأي سبب.
ويمكنك أن تقف أمام نافذة أو في شرفة، ويخيَّل للكل أنك واقف تنظُر، وفي الواقع تكون واقفًا مصليًا. وهذا الأمر يلزمه أن تكون حافظًا مزاميرك وصلواتك إن كانت صلاة أجبية، أو أن تصلِّي صلواتك الخاصة بينك وبين الله ولا أحد يعلم..
وبهذه المناسبة نتوجَّه إلى أسراتنا القبطية، بالاهتمام بصلاة البيت، واجتماع الأسرة كلها في روح واحد وقلب واحد يرفعون الصلاة إلى الرب، أو على الأقل تقديم الإمكانيات لمن يريد أن يصلِّي وحده، وعدم مضايقته، وعدم التعليق على صلاته.
___*_________*_________*____
ماذا أقول في الصلاة؟*
سؤال
أحيانًا أقف لأصلِّي، فلا أجد شيئًا أقوله. فهل يمكن أن ترشدني ماذا أقول في الصلاة.
الجواب
إن لم تجد شيئًا تقوله فأمامك الصلوات المحفوظة، اِمسك كتاب الأجبية وهو يعلِّمك كيف تصلِّي.
والكتاب هو الذي علَّمنا مبدأ الصلوات المحفوظة، حينما قدَّم لنا الرب صلاة (أبانا الذي في السموات)، كما قال الرسول ليكن: "كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ" (1كو26:14). وكانت الكنيسة منذ العهد القديم تستخدم صلوات المزامير، كما في مزامير المصاعد. وعلى أية الحالات لكي تتعلَّم الصلاة، أمامك النقاط الآتية:
1- هناك صلوات الطلب، اِعرض فيها على الرب كل احتياجاتك.
2- وصلوات الشكر، أُشكر فيها الرب على جميع إحساناته إليك.
3- وصلوات الاعتراف بالخطية، تتذكَّر فيها كل خطاياك أمام الرب وتندم عليها، وتطلب المغفرة في انسحاق قلب.
4- وهناك صلوات التمجيد والتسبيح، تتذكَّر فيها صفات الله الجميلة، وتناجيه بها.
5- وهناك عبارات الحب والدالة وكافة أنواع المشاعر تُكلِّم بها الرب من قلبك، بدالة... وعلى العموم تكلَّم مع الله بقلب منطلق، لا تحاول أن تتخيَّر ألفاظًا معَّينة، أو تتصنَّع شعورًا خاصًا، وإنما قُل كل ما في قلبك في بساطة كاملة كصديق يكلِّم صديقه، وكإنسان يفتح قلبه لقلب آخر يثق بمحبته ورعايته.
وإن لم تعرف هذا، فأمامك الصلوات القصيرة المتكرِّرة عبارة معيَّنة تستريح لها مثل عبارة "يا ربي يسوع المسيح ارحمني"، أو "اللهم التفِت إلى معونتي"، أو "أحبك يا ربي يسوع المسيح وأبارك اسمك".. إلخ. كرِّر مثل هذه العبارة من عمق أعماقك مرات عديدة، حتى تتشبَّع بها نفسك، وتخرج ممزوجة بكل عواطفك، وثِق أنها أمام الله مثل أية صلاة طويلة متكاملة المعاني.
يمكنك أن تمهِّد لصلاتك بجلسة روحية تسبِقها.
إن القراءة الروحية يمكن أن تكون مصدرًا قويًا لأفكارك وتأمُّلاتك في الصلاة، تعطيك شيئًا تقوله. وكذلك التراتيل ومحاسبة النفس والتأمُّل في الكتاب، إنها مصادر لأفكار الصلاة.
___________________________________________________________
* سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 يونيو1992م
* لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 نوفمبر 1980م
* لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 أغسطس1981م
* لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 أغسطس1993م
* لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 فبراير 1993م
* لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 أكتوبر1993م
* سؤال وجواب نُشر لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 سبتمبر1978م
* سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 سبتمبر1978م
صلاة
صلاة*
في هذه الأيام..
تتجه الأنظار إليك.. وتتركَّز فيك...
أنت يا رب أنت صاحب الباب المفتوح على الدوام، وصاحب القلب المفتوح لكل أحد..
أنت الرب، والراعي، والحافظ، والمُعين. أنت الساهر على كل نفس...
أنت يا رب القادر على كل شيء.
بيدك البشرية كلها، والكون كله.. وتستطيع أن تغيِّر الإنسان بنعمتك وليس شيء عسيرًا عليك.
كما أعطيت الإنسان طبيعة خاصة، يمكنك أن تعمل في هذه الطبيعة مرةً أخرى، وترتِّب مشاعرها وعواطفها حسب صلاحك يا محب البشر.
نسألك أن تعمل في القلوب وأن تمنح الحب للناس..
وتنزع الكراهية والعدواة والخصام وتنزع من القلوب القسوة والعنف..
وتغرس فيهم السلام والود فتعود البشرية كما كانت أسرة واحدة، لها أب واحد هو آدم، وأم واحدة هي حواء.
حقًا، إنك أعطيت الإنسان حرية، لكيما يفعل ما يريد، وتحاسبه فيما بعد. ولكننا نطلب إليك يا رب:
«لا تترك الإنسان دومًا إلى حريته. فحرية الإنسان تحتاج إلى ضبط منك، لكيما تقودها في طريق إرادتك الإلهية. حرِّر الإنسان أولاً من الداخل، من كل ما يتنافي مع الحب والبر. وحينئذ يستخدم حريته استخدامًا سليمًا.. إننا نصلِّي إليك، من أجل الأفراد والجماعات والأمم والشعوب كلها.. من أجل سلامة بلادنا وسلامها. ومن أجل سلام العالم كله. الذي انتشر فيه العنف والعدوان. كلهم أولادك... قم وصحِّح»..
* مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 يونيو1981م


