الصــوم وروحانيته

الصــوم وروحانيته
بمناسبة صوم الميلاد المجيد، أحب أن أكلمكم اليوم عن الصوم وروحانيته
الصوم هو أول وصية أعطيت للإنسان. إذ أمره الرب أن يمتنع عن أكل صنف معين من الطعام. فماذا كان يعني هذا الأمر؟
كان يعني أن يسيطر الإنسان على جسده، فلا يعطيه الحرية الكاملة، ليعمل مايشاء أو يأكل مايشاء.
وكان هذا يعني أن يرتفع الإنسان فوق مستوى الجسد. فلا تقوده فى التصرف رغبات الجسد، ولا يستسلم للجسد فيما يشتهي. إذن فترة الصوم، هي فترة غير جسدانية.
وإذا كان طعام الجسد من المادة، إذن فالإنسان في فترة الصوم لا يرتفع فقط فوق مستوى الجسد، وإنما يرتفع أيضًا فوق مستوى المادة.
معني هذا أن الإنسان في الصوم لا يكون ماديًا ولا جسدانيًا، بل يكون جسده تحت سلطانه، ولا يكون هو تحت سلطان الجسد. وبهذا يعطي روحه فرصة أن تنطلق من سلطان الجسد.
ولما كان الصوم هو أول وصية أعطيت للإنسان لذلك نجد أن السيد المسيح بدأ خدمته على الأرض بالصوم. خضع الإنسان الأول لسلطان الجسد بالأكل من الشجرة المحرمة، فصحح الرب وضع البشرية بأن أخضع الجسد، ومنعه حتى عن الأكل المحلل. ولما سأله الشيطان أن يحول الحجارة إلى خبز، أجابه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” وبهذا أظهر أن الإنسان ليس مجرد جسد يحيا بالخبز، وإنما فيه روح تحيا بكلمة الله.
وبهذا نقل الحديث إلى الوضع الروحي للإنسان. وفي مناسبات أخري كثيرة تحدث الرب عن الطعام الروحي للإنسان.
قال: ” اِعْمَلُوا لَا لِلطَّعَامِ ٱلْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ ٱلْبَاقِي لِلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ” وحدثنا عن الخبز الحي، الخبز النازل من السماء، لكي يوجه تفكيرنا في إتجاه روحي. وقال في هذا عن نفسه ” لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ. طعامي أنْ أعمَلَ بِمَشيئَةِ الذي أرْسَلني “.
نسأل إذن: هل كان المسيح على الجبل صائما أم كان يتغذى.
الإجابة أنه كان صائمًا بالجسد، ويتغذي بالروح.
إن الصوم له جذور عميقة في النفس البشرية، حتى أنه موجود في جميع الأديان. تتبعوا الصوم مثلا عند الهنود، وعند البوذيين، وعند معتنقي اليوجا… ولكن الصوم المسيحي يتميز بأنه ليس قاصرًا على منع الجسد، إنما فيه الغذاء الروحي بعمق.
هو ارتفاع فوق المستوى الجسداني، وأرتفاع فوق المستوي المادي، وهو إعطاء الروح غذاءها، والإهتمام بالطعام الذي للحياة الأبدية.
لذلك كل الآباء يحذروننا من مضار البطنة، ومن مضار التخمة، ومن مضار الأهتمام بالأكل. لأن كثيرين إهتمامهم الأول هو “لقمة العيش”. من أجلها يتعبون ويشقون ويتنافسون ويرتكبون الأخطاء. وبستان الرهبان يقول “البطن هي أصل لكل الأوجاع”. وكثيرون يتفننون في العناية بالأكل ومظهره ورونقه وشهيته إهتمامًا يخرج عن الحد. وسط كل هذا الإهتمام يأمرنا الكتاب أن نرتفع فوق مستوي الأكل، ونهتم بطعام آخر لا نعرفه.
فما هي إذن فوائد الصوم:
أول شيء أن يبدأ الإنسان بالشعور بالزهد: الزهد في الأكل، في الشرب، في الجسد، في المتعة، في اللذة، في الصحة، في القوة. وإلى جوار الزهد، يشعر بأن جسده يخف، وتسمو روحه. أما في الأكل فيشعر الإنسان بثقل في الجسد.
ولهذا الثقل في الجسد أضرار في الحياة الروحية:
إذا صلي الإنسان وبطنه ملآنة، تكون صلاته فاترة. ولعل من الملاحظات المعروفة أن كثيرين يصلون قبل الأكل ولا يصلون بعده. الإنسان الجوعان يفتكر الله أكثر من الشبعان. وغالبًا مايحدث بعد العشاء أن تثقل رأس المرء ويشعر برغبة في النوم.
دائمًا فضيلة الصوم تتمشي مع فضيلة الصلاة وفضيلة السهر. الذي يأكل كثيرًا لا يقوي على الصلاة، وقد يثقل جسده ويحب أن ينام. وهكذا كان الآباء الصائمون لهم قدرة عجيبة على السهر، وإذا سهروا ينشطون في الصلاة.
الصوم أيضًا يتفق مع المطانيات. ولذلك فقانون المطانيات أنها تتمشي مع أيام الصوم الإنقطاعي. اليوم الذي لا يجوز فيه الإنقطاع، لا تجوز فيه المطانيات. من الناحية الروحية تحلو المطانيات مع الصوم. ومن الناحية الجسدية يتعب الإنسان الذي يمارس المطانيات وبطنه ممتلئة. ولذلك كانت أكثر الأوقات مناسبة لها هي الصباح الباكر، أو الليل المتأخر جدًا…
الإنسان الصائم، جسمه خفيف، يستطيع أن يسجد ويقوم، بسهولة، دون أن يتعب. قواه الجسدية ليست مشغولة في عمليات الهضم والتثميل، لذلك بإمكانه أن يمارس المطانيات.
كذلك في الصلوات، أعمق صلوات الإنسان تكون وهو صائم.
لذلك تجدون أن الصلوات في أسبوع الآلام لها قوتها العجيبة وتأثيرها. حتى في تسجيل الألحان: فرق كبير بين أن تسجل لحنًا للبصخة في نفس أسبوع البصخة وأنت صائم، وجسمك منهك وضعيف، وصوتك خافت، وأن تسجل نفس اللحن في أي يوم من أيام السنة وأنت مفطر.
أيضًا في الصوم تكون نفس الإنسان منسحقة. فضعف الجسد يساعد على الإنسحاق، ينسحق الإنسان في جسده، فينسحق بالروح. فرق كبير بين إنسان يكلم الله وهو قوى، ممتلئ الجسم، وصوته عال يهز الجبل، وإنسان آخر يكلم الله، وصوته يخرج بصعوبة من فرط ضعفه.
ولهذا أيضاً كانت القداسات التي تصلي بعد الظهر أكثر روحانية وعمقا من القداسات التي تقام في الصباح. على العموم فإن الكنيسة لا تسمح لنا بالقداسات إلا ونحن صائمون، على الأقل تسع ساعات. لست أدري كيف يشعر الإنسان بلذة القداس إن كان يحضره وهو مفطر. وهكذا في ألحان الكنيسة وترانيمها وقسمتها تسمع عبارة (الصوم والصلاة). الاثنان معاً على الدوام.
إن صلاة واحدة تصليها وأنت صائم، أفضل من مائة صلاة تؤديها وبطنك ممتلئة بالطعام.
صلاة واحدة تصليها وأنت جائع وخائر القوى، ولو أنك لا تستطيع أن تقف على قدميك من الضعف، هي أفضل بكثير من مائة صلاة منك وأنت قوي، تصلي بصوت جهوري وبملىء فيك.
الصوم يسحق الجسد، فتنسحق الروح. لأن الشعور بالضعف يعطي الإنسان فرصة للإلتجاء إلى الله مصدر القوة. ولهذا كان الآباء يهتمون بأن يصوم الإنسان حتى يجوع.
قيل عن السيد المسيح أنه “جاع أخيراً ” (مت 4: 2). وقيل عن بطرس الرسول في صومه إنه “جاع كثيراً وأشتهي أن يأكل” (أع 10: 10). صدقوني إن أعمق ما في الصوم جسدياً هو الجوع. هناك قوم يصومون ولا يصلون إلى حد الجوع. وإن شعروا به لا يستمرون فيه بل يأكلون لتوهم. ولكن يستفيد روحيًا من يستمر في الجوع ويتعوده ويستفيد منه. والذي يصوم كثيرًا لا يشعر بالجوع بسرعة.
بالنسبة إلى الصائم الحقيقي، يفقد الأكل قيمته. ويتعود لا يأكل في كل مرة يري الأكل أمامه. يفقد الأكل أهميته.
فائدة أخري للصوم. وهي أن الإنسان عندما يبدأ الصوم، يشعر أنه دخل في فترة مقدسة تحتاج إلى حياة من نوع خاص. تمامًا كما يشعر الإنسان في يوم التناول أنه يوم غير عادى… والله قد رتب لنا هذه الفترات المقدسة من أجل تنشيطنا، ومن أجل تذكيرنا بالمثالية التي ينبغي أن نسلك فيها. لهذا فإن الإنسان يشعر أن الخطية التي يرتكبها في الصوم هي أكثر خطورة وأكثر مسئولية.
الصوم أيضًا يتمشي مع الأعتكاف، ومع الصمت. قال يوئيل النبي “قدسوا صوما، نادوا باعتكاف”. الصوم يليق به والأعتكاف لأجل التفرغ للعبادة. والأعتكاف يتمشي معه الصوم. كذلك إذا صام الأنسان وجاع كثيرًا، يصمت لأن الكلام يرهقه جسديًا وروحيًا. وإذا صمت يعتكف، لأن الكلام يعطله عن العمل الروحي…
الصوم في الكنيسة يسبق كل نعمة روحية. لذلك يسبق التناول، وجميع الأعياد. وأيضا يسبق الخدمة إذ يتذلل به الإنسان أمام الله لينال نعمة تساعده على الخدمة، وكذلك ليصل إلى حالة روحية تتناسب والخدمة.
السيد المسيح صام قبل خدمته. والرسل “فيما هم يصومون ويصلون قال الروح القدس أفرزوا لى برنابا وشاول لأجل العمل الذي دعوتهما إليه”. والكنهة الجدد يصومون قبل بدء خدمتهم.
وغالبية الطلبات التي نطلبها من الله نصحبها بصوم متذللين أمام الله لكي يستجيب مثلما تذلل أهل نينوي أمام الله بالصوم لينالوا الغفران ومثلما صام داود مصليًا لأجل أبنه المريض. ومثلما صامت أستير وكل الشعب… وهكذا كل الناس.
ولكن كلما يرتقي الإنسان في حياته الروحية يصبح الصوم بالنسبة إليه تدريبا دائما في كل حياته يريحه روحيا، حتى أنه يتعب إذا أفطر أو كسر صومه.
الصوم يصير أسلوب حياته الروحي، يعيش فيه بجسد خفيف… أدخلوا إذن الصوم لا كأنه فترة من التعب والتعذيب والضغط، بل كفترة نشاط روحي تتمنون لو تستمر.
أن الذين يفكرون في تقليل الأصوام، إنما يفكرون بطريقة جسدانية غير روحية. وحتى من الناحية الجسدية الصوم مفيد للجسد…
دانيال وأصحابه عندما صاموا “بدت مناظرهم أحسن وأسمن لحمًا من كل الفتيان الآكلين من أطايب الملك” (دا 1: 15). كثيرون يصومون من أجل جمال أجسامهم. وآخرون يصومون لرفع العبء الذي يرهق قلوبهم. وكل أو لئك يصومون لأجل الجسد: صحته وجماله. أفلا يجدر بكم أن تصوموا لأجل الروح.
صوموا من أجل الله، قبل أن يرغمكم العالم على الصوم من أجله…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد العاشر-7 ديسمبر1974م




