السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة (3)

السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة (3)1
العــــــذراء الكرمـــــــة الحقَّانــــــــية
الكنيسة تلقِّب العذراء بالكرمة الحقَّانية التي وُجد فيها عنقود الحياة.
فما معنى هذا اللقب؟ وهل يتعارض مع لقب المسيح “الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ” (يو15: 1)؟
مقدِّمتان
أولاً: السيد المسيح يمنحنا بعض ألقابه
أ) السيد المسيح يقول إنه هو الراعي (يو10: 11، 12). وهذا اللقب يطلِقه داود على الرب في العهد القديم (مز23: 1). ويلقَّب به الرب في سفر حزقيال (34: 15).
ومع ذلك فإن الرب يلقِّب بعض أولاده بالرعاة، على الرغم من كلامه عن الراعي الواحد (يو10: 16) (حز34: 23)، فقال: “وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي” (إر3: 15). وقال لبطرس: “اِرعَ غنمي، اِرعَ خرافي” (يو21: 15، 16).
وأصبح لقب “الراعي” خاصًا بالأساقفة خلفاء الرسل: “اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28)، “ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ” (1بط5: 2).
ب) السيد المسيح يلقِّب نفسه بالنور، فيقول: “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ” (يو8: 12) (يو9: 5)، ومع ذلك يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم” (مت5: 14)، “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ” (مت5: 16).
جـ) قيل عن المسيح أنه هو الأسقف: “هو رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا” (1بط2: 25)، ومع ذلك يقول عن خلفاء الرسل أنهم أساقفة (أع20: 28) (1تي3: 2) (تي1: 7) (في1: 1).
د) قيل عن المسيح أنه هو الكاهن: “كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ”(مز110: 4) (عب5: 6).
وما أكثر الآيات في الكتاب عن الكهنة، بل عن الكاهن العظيم ورئيس الكهنة، الذين أعطاهم الرب “كَهَنُوتًا أَبَدِيًّا فِي أَجْيَالِهِمْ” (خر40: 15) “كَهَنَتُكَ يَلْبَسُونَ الْبِرَّ” (مز132: 9، 16). وقد قدَّس الرب الكهنة (لا 8: 12)، وألبسهم ثيابًا مقدَّسة للمجد والبهاء (خر28: 2).
ه) قيل عن المسيح أنه الابن: “أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ” (1يو4: 14). وقيل عنَّا أيضًا أننا “أبناء الله” (1يو3: 1) (متى5: 45).
و) إن ألقاب السيد المسيح التي أعطاها لنا كثيرة جدًا ليس هذا مجال سردها كلها.
ثانيًا: الألقاب لنا بمعنى، وللمسيح بمعنى آخر
فهو الابن بمعنى بنوة من جوهر الله وطبيعته ولاهوته، لذلك لُقِّب بالابن الوحيد (يو3: 16). أما بنوَّتنا فنوع من التبنِّي أو من محبة الله (1يو3: 1).
والمسيح كاهن قدَّم ذاته ذبيحة، أما الكهنة من البشر فهم خدام ووكلاء السرائر الإلهية.
وهو النورُ الحقيقي. ونحن نور بمعنى أننا أخذنا من ملئه (يو1: 16)، وصرنا ننير للآخرين بنوره.
وهو الراعي للكل، حتى لمن يقيمهم رعاة من البشر. والصفات التي تمنح لنا محدودة، أما صفات الله فغير محدودة.
في هذا المعنى ليس عجيبًا أن يكون المسيح (الكرمة) بمعنى، وتكون العذراء (الكرمة) أيضًا، بمعنى آخر.
لقب الكــــرمة
يُطلق هذا اللقب على الرب، وعلى الكنيسة، وعلى الشعب كله، وعلى العذراء، وعلى أي فرد قديس…
فقد أُطلق على الرب في قوله: “أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ” (يو15: 1). وأُطلق على الكنيسة (على الشعب)، في نشيد الكرمة (إش5: 1- 7) في سفر إشعياء، حيث يقول الرب: “احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي: مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟” ويقول: “إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ” (إش5: 7) ونفس المعنى ينطبق على مَثَل (الكرم) و(الكرَّامين) الذي قاله الرب (مت21: 33- 41). وفي هذا المَثَل: الكرم هو الكنيسة، والكرَّامون هم الرعاة. أما الله فهو صاحب الكرم…
ونحن نصف الكنيسة بالكرمة، ونقول للرب في ألحاننا: “ارْجِعَنَّ. اطَّلِعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانْظُرْ وَتَعَهَّدْ هذِهِ الْكَرْمَةَ، وَالْغَرْسَ الَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ” (مز80: 14، 15).
فهل وصف الكنيسة بالكرمة، نسلب فيه مجد الله، بينما هذا هو اللقب الذي أعطاه السيد المسيح لها؟! وهل تلقيب الشعب بالكرمة، سلب لمجد الله، بينما هذا هو تعليم الكتاب نفسه؟!
أم هي مجرد رغبة في مهاجمة الكنيسة؟! التي يقول عنها الكتاب “غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ. أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ” (إش27: 2، 3).
بل إن لقب الكرمة يُطلَق على كلِّ أمٍ مباركة. فيقول الكتاب: “امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ” (مز128: 3). والله بهذا المعنى يقول لإسرائيل: “أُمُّكَ كَكَرْمَةٍ، مِثْلِكَ غُرِسَتْ عَلَى الْمِيَاهِ. كَانَتْ مُثْمِرَةً مُفْرِخَةً مِنْ كَثْرَةِ الْمِيَاهِ. وَكَانَ لَهَا فُرُوعٌ قَوِيَّةٌ” (حز19: 10، 11).
هل كثيرًا أن يُطلق لقب الكرمة على العذراء كأم؟!..
الحرف يقتل..
هؤلاء الذين لا يتناولون من الكتاب سوى آية واحدة، هي: “أنا الكرمة وأبي الكرَّام”، ويشنون بها هجومًا على العذراء، إنما يغفلون باقي آيات الكتاب، ولا يتكلَّمون بالحق الكتابي، فالحق واضحٌ في هذه الآيات التي ذكرناها، وفي غيرها أيضًا…
إن الحرف يقتل، كما قال الرسول (2كو3: 6). فلندخل إذًا إلى روح الكتاب، وندرك معناه، فنحيا.
والكتاب ليس مجرد آية واحدة، إنما هو كتاب. ولقب الكرمة يستخدمه لدلالات كثيرة، ولا يجوز أن نحصر معاني الكتاب في مفهوم ضيق، ونقول هذا هو (الحق الكتابي)!! وما أصدق قول المزمور:
“لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا” (مز119: 96) …
إن كانت الكرمة هي المسيح، يكون الآب هو الكرَّام. وإن كانت الكرمة هي الكنيسة، يكون الآب هو صاحب الكرم. ويكون الكرَّامون هم الرعاة، دون سلب للقب الله ككرَّام بمعنى آخر… وإن كانت الكرمة هي العذراء، يكون المسيح هو عنقود الحياة الذي ولد منها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد الثالث والعشرون 8-6-1979م



