السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة (1)

السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة (1)1
صورتها كما يرسمها الوحي الإلهي في الكتاب المقدس
في سلسلة المقالات التي سننشرها تباعًا، سوف لا نتكلَّم عن أمنا القديسة العذراء من جهة فضائلها الروحية وهي كثيرة، ولا عن تاريخ هذه القديسة العظيمة ومعجزاتها وهي كثيرة أيضًا. ولكننا سنتكلَّم عن العذراء من الناحية العقيدية في الفكر اللاهوتي…
عناصر هذا البحث
سنتحدَّث عن عظمة السيدة العذراء ومركزها في الكتاب المقدس، وما ورد عنها من نبؤات وإشارات ورموز.
كما سنتحدَّث عن ألقاب السيدة العذراء وما تحمل من معانٍ لاهوتية، وما يُثبت ذلك من آياتٍ في الكتاب المقدس.
وسنتحدَّث أيضًا عن عقيدتنا في العذراء وأوجه الخلاف مع الكنائس الأخرى، وبخاصة من ينكرون كرامة العذراء وشفاعتها ودوام بتوليتها، ونُثبت كل ما نقول من الوحي الإلهي… وأيضًا ما ورد عن العذراء في الأجبية والقدّاس والإبصلمودية وباقي كتب الكنيسة.
عظمة السيدة العذراء
عظمة العذراء قرَّرها مجمع أفسس المسكوني المقدَّس الذي انعقد سنة 431م بحضور مائتين من أساقفة العالم، ووضع مقدِّمة قانون الإيمان التي ورد فيها: “نعظِّمك يا أم النور الحقيقي، ونمجِّدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله، لأنكِ ولدتِ لنا مخلِّص العالم، أتى وخلَّص نفوسنا”، فعلى أية أسس وضع المجمع المسكوني هذه المقدِّمة؟
هذا ما سنشرحه الآن …
العذراء، هي القديسة المطوَّبة التي يستمر تطويبها مدى الأجيال كما ورد في تسبحتها: “هُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي” (لو48:1). والعذراء تلقِّبها الكنيسة بالملكة، وفي ذلك أشار عنها المزمور (9:45) “قامت الملكة عن يمينك أيها الملك”. ولذلك فإن كثيرًا من الفنانين، حينما يرسمون صورة العذراء يضعون تاجًا على رأسها وتبدو في الصورة عن يمين السيد المسيح.
ويبدو تبجيل العذراء في تحية الملاك جبرائيل لها: “السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة، الرَّبُّ معكِ. مباركةٌ أنتِ في النساء” (لو28:1).
وكونها مباركة عن جميع النساء ببركة خاصة، كما شهد بها الملاك، شهدت بها أيضًا القديسة أليصابات، التي صرخت بصوتٍ عظيم وقالت لها: “مباركةٌ أنتِ في النساء، ومباركةٌ هي ثمرة بطنك” (لو42:1). وأمام عظمة العذراء تصاغرت القديسة أليصابات في عينيْ نفسها وقالت في شعورٍ بعدم الاستحقاق: “فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟” (لو1: 43).
ولعل من أوضح الأدلة على عظمة العذراء ومكانتها لدى الرب أنه بمجرد وصول سلامها إلى أليصابات، امتلأت أليصابات من الروح القدس، وأحسَّ جنينها فارتكض بابتهاج في بطنها، وفي ذلك يقول الوحي الإلهي: “فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (لو41:1). إنها حقًا عظَمة مذهلة، أن مجرد سلامها يجعل أليصابات تمتلئ من الروح القدس!
مَن من القديسين تسبَّب سلامه في أن يمتلئ غيره من الروح القدس؟! ولكن هوذا أليصابات تشهد وتقول: “هوذا حين صار سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني”.
امتلأت أليصابات من الروح القدس بسلام مريم، وأيضًا نالت موهبة النبوة والكشف، فعرفت أن هذه هي أمّ ربها، وأنها “آمنت بما قيل لها من قبل الرب”. كما عرفت أن ارتكاض الجنين كان عن “ابتهاج”، وهذا الابتهاج طبعًا بسبب المبارك الذي في بطن العذراء: “مباركة هي ثمرة بطنك” (لو1: 41- 45).
عظمة العذراء تتجلَّى في اختيار الرب لها من بين كل نساء العالم…
الإنسانة الوحيدة التي انتظر الله آلاف السنين حتى وجدها، ورآها مستحقَّة لهذا الشرف العظيم “التجسد الإلهي”، الشرف الذي شرحه الملاك جبرائيل بقوله: “الروح القدس يحلُّ عليك، وقوةُ العليِّ تظلِّلك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو1: 35).
العذراء في عظمتها تفوق جميع النساء
لهذا قال عنها الوحي الإلهي: “بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا” (أم 31: 29). ولعل من هذا النص الإلهي أُخذت مديحة الكنيسة “نساء كثيرات نلن كرامات ولم تنل مثلك واحدة منهن”.
هذه العذراء القديسة، كانت في فكر الله وفي تدبيره، منذ البدء
ففي الخلاص الذي وعد به أبوينا الأوليْن، قال لهما: “نسل المرأة يسحق رأس الحية” (تك3: 15). هذه المرأة هي العذراء، ونسلها هو المسيح الذي سحق رأس الحية على الصليب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد الحادي والعشرون 25-5-1979م



