السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية

| الكتاب | السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، مارس 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19682 / 2021 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور

2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يسرُّ مركز معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث، أن يقدم لك أيها القارئ العزيز الطبعة الثانية من كتاب "السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية".
وفي هذا الكتاب يتكلم قداسة البابا شنوده عن السيدة العذراء من الناحية العقيدية في الفكر اللاهوتي، وأوجه الخلاف مع الكنائس الأخرى، وبخاصة من ينكرون كرامة العذراء وشفاعتها ودوام بتوليتها، وإثبات كل هذا من الوحي الإلهي...
ونتمنى لك عزيزي القارئ، وقت قراءة جيد وممتع بشفاعة أمنا وسيدتنا العذراء القديسة مريم، وبصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز مُعلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث
قداسة البابا شنوده الثالث
أمنا السيدة العذراء
أمنا السيدة العذراء[1]
السيدة العذراء هي أنقى وأقدس نساء العالم كله، وعوَّضتنا عن أخطاء أمنا حواء. كون إن ربنا ينتظر في تجسده وميلاده إلى أن تولد هذه الفتاة القديسة، ينتظر آلاف السنين، كل هذا يدل على عظمة هذه الإنسانة القديسة التي استحقت أن يسكن الله في جوفها.
نلاحظ أن الملاك طوَّبها عندما بشرها ببشارة الميلاد، ففي (لو1: 28) قال لها: "سلام لك أيتها الممتلئة نعمة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ". ونفس هذه العبارة (مباركة أنتِ في النساء) كانت تحية أليصابات لها: "مباركةٌ"، "أنتِ في النساء" تعني بين جميع نساء العالم تكونين أنت المباركة فيهم (لو 1: 42).
كما ينطبق عليها أيضًا صلاة التسبحة التي تقولها الكنيسة: نساء كثيرات نلن كرامات ولم تنل مثلك واحدة منهن، مأخوذة من (أمثال 31).
فلم تنل امرأة في الوجود مثلما نالت العذراء. إن كان قد قيل أنه لم تلد النساء مَن هو أعظم من يوحنا المعمدان من جهة الرجال والأنبياء، فلم تلد النساء أيضًا من هي أعظم من السيدة العذراء في كل نساء العالم.
نمجِّدها لشخصها وأيضًا لكونها والدة الإله. لها ألقاب تختص بالمسيح: فما دام المسيح هو نور العالم وهو النور الحقيقي، تكون هي أم النور. وما دام المسيح هو المخلِّص الذي خلَّص العالم كله، تكون هي أم المخلِّص. ما دام المسيح هو القدوس تكون هي أم القدوس. ما دام المسيح هو الرب، فهي أم الرب. وما دام المسيح هو الله، فتكون هي والدة الإله.
نسميها أيضًا "عروس النشيد"، أي (نشيد الأناشيد). فالعروس التي فيه إما أن ترمز للكنيسة، وإما ترمز للسيدة العذراء، هذه أو تلك. نشبِّهها أيضًا بالكَرمة التي وُجد فيها عنقود الحياة.
هناك أوصافٌ كثيرة جدًا موجودة في التسبحة في الإبصلمودية السنوية أو الكيهكية.. ليتكم تأخذونها مجالًا لتأملاتكم الشخصية وأيضًا لفهمكم اللاهوتي.
من اهتمام الكنيسة بالسيدة العذراء تعيِّد لها الكثير من الأعياد، فتقريبًا جميع القديسين أو على الأقل غالبيتهم القصوى نعيِّد لعيد نهاية حياتهم نياحةً أو استشهادًا، لكن العذراء نعيِّد بميلادها وبنياحتها، بل نعيِّد بالبشرى بميلادها، نعيِّد أيضًا لنياحتها ولصعودها إلى السماء.
العذراء أيضًا نضع باستمرار أيقونتها عن يمين المذبح متذكِّرين عبارة "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك". فإن كان المذبح يمثِّل عرش الله، فتكون هي قائمة عن يمين العرش، وحتى في هذه الأيقونة نرسمها عن يمين المسيح. فعبارة "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك" نأخذها بناحيتين، ناحية منهم أنها في أيقونة العذراء عن يمين المسيح، وناحية ثانية أن أيقونة العذراء توضع عن يمين المذبح فتكون يمين اليمين. ونبني الكنائس على اسمها، فكنيسة العذراء التي بُنيت في فيلبي من أقدم الكنائس، كانت على اسم العذراء في معجزة متياس الرسول.
ونحتفل لها بشهر كامل (السابق للميلاد)، تقريبًا غالبية التسابيح تكون عن العذراء، لأن نحن نحتفل بميلاد المسيح فنمجِّد الشخصية التي ولدت المسيح.
البروتستانت لا يمجِّدون العذراء، لا يبنون كنائس على اسمها ولا على أي اسم أحد من القديسين، ولا مذابح ولا أيقونات ولا يتشفعون بها ولا يقيمون لها كرامة أكثر من غيرها. البعض يعتبرها أخت، فيقول أختنا. والبعض يقول أنها تزوَّجت يوسف النجار وأنجبت بنين وبنات، الذين يطلق عليهم لقب إخوة يسوع! لا أعرف في السماء ماذا يكون موقفهم من السيدة العذراء!
نحن نقول أن العذراء دائمة البتولية، بمعنى أنها عذراء قبل أن تلد وعذراء بعد أن ولدت. هذا ما قيل عنها في سفر حزقيال النبي في الباب الشرقي، حزقيال يقول رأيت بابًا في المشرق دخل منه رب المجد وظل هذا الباب مغلقًا كما هو (حز 44: 1، 2)، فهذا دليل على بتولية العذراء أن رب المجد دخل إلى مستودعها وخرج وظل هذا الباب مغلقًا كما هو.
دوام بتولية العذراء تقف أمامها عند البروتستانت مجموعة من الآيات، من ضمنها عبارة ابنها البكر: "وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ" (مت1: 25)؛ ومن ضمنها: "لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ" (مت1: 20). فعبارة "امرأتك"، وعبارة "ابنها البكر"، وعبارة "لم يعرفها حتى ولدت".. فيقولون من الجائز عرفها بعد أن ولدت، أو عبارة "قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى"، معناها أن احتمال يكونوا اجتمعوا. وعبارة "إخوته"، إخوة يسوع.
[1] من محاضرة "السيدة العذراء وأمومتها" لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 29 مارس1994م
أعياد العذراء
أعياد العذراء[1]
يوم 21 طوبة تذكار نياحتها، ولا نكتفي بهذا، بل كل يوم 21 في الشهر القبطي، نعيِّد فيه أيضًا للسيدة العذراء، لأنها أمنا كلنا...
ولكننا لا نكتفي بأن نعيِّد للعذراء في يوم نياحتها، إنما نعيِّد لها أيضًا في يوم ميلادها (أول بشنس). وأكثر من هذا نعيِّد لها في يوم بشارة الملاك بميلادها (7 مسرى). وذلك لأن ميلاد العذراء هو بدء قصة الخلاص... إنه يوم اختيار الإناء الطاهر الذي سيحل فيه الله الكلمة في ملء الزمان، ويتجسَّد منه.
ونعيِّد للعذراء يوم 3 كيهك، تذكار دخولها إلى الهيكل، ونعيِّد في يوم 24 بشنس تذكارًا لعيد دخولها إلى بلادنا مصر. وفي يوم 16 مسرى، نعيِّد بعيد صعود جسد العذراء إلى السماء. وفي يوم 21 بؤونة نعيِّد للعذراء في يوم بناء أول كنيسة على اسمها (في مدينة فيلبي).
وقد قرَّر المجمع المقدس أن نعيِّد للعذراء أيضًا في يوم 2 أبريل تذكار ظهور العذراء وتجلِّيها على قباب كنيسة العذراء بالزيتون.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 22 يونيو1979م
السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة
السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة[1]
صورتها كما يرسمها الوحي الإلهي في الكتاب المقدس
سوف لا نتكلَّم عن أمنا القديسة العذراء من جهة فضائلها الروحية وهي كثيرة، ولا عن تاريخ هذه القديسة العظيمة ومعجزاتها وهي كثيرة أيضًا. ولكننا سنتكلَّم عن العذراء من الناحية العقيدية في الفكر اللاهوتي...
سنتحدَّث عن عظمة السيدة العذراء ومركزها في الكتاب المقدس، وما ورد عنها من نبؤات وإشارات ورموز.
كما سنتحدَّث عن ألقاب السيدة العذراء وما تحمل من معانٍ لاهوتية، وما يُثبت ذلك من آياتٍ في الكتاب المقدس.
وسنتحدَّث أيضًا عن عقيدتنا في العذراء وأوجه الخلاف مع الكنائس الأخرى، وبخاصة من ينكرون كرامة العذراء وشفاعتها ودوام بتوليتها، ونُثبت كل ما نقول من الوحي الإلهي... وأيضًا ما ورد عن العذراء في الأجبية والقدّاس والإبصلمودية وباقي كتب الكنيسة.
عظمة السيدة العذراء
عظمة العذراء قرَّرها مجمع أفسس المسكوني المقدَّس الذي انعقد سنة 431م بحضور مائتين من أساقفة العالم، ووضع مقدِّمة قانون الإيمان التي ورد فيها: "نعظِّمك يا أم النور الحقيقي، ونمجِّدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله، لأنكِ ولدتِ لنا مخلِّص العالم، أتى وخلَّص نفوسنا"، فعلى أية أسس وضع المجمع المسكوني هذه المقدِّمة؟
هذا ما سنشرحه الآن ...
العذراء، هي القديسة المطوَّبة التي يستمر تطويبها مدى الأجيال كما ورد في تسبحتها: "هُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو48:1). والعذراء تلقِّبها الكنيسة بالملكة، وفي ذلك أشار عنها المزمور(9:45) "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك". ولذلك فإن كثيرًا من الفنانين، حينما يرسمون صورة العذراء يضعون تاجًا على رأسها وتبدو في الصورة عن يمين السيد المسيح.
ويبدو تبجيل العذراء في تحية الملاك جبرائيل لها: "السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة، الرَّبُّ معكِ. مباركةٌ أنتِ في النساء" (لو28:1).
وكونها مباركة عن جميع النساء ببركة خاصة، كما شهد بها الملاك، شهدت بها أيضًا القديسة أليصابات، التي صرخت بصوتٍ عظيم وقالت لها: "مباركةٌ أنتِ في النساء، ومباركةٌ هي ثمرة بطنك" (لو42:1). وأمام عظمة العذراء تصاغرت القديسة أليصابات في عينيْ نفسها وقالت في شعورٍ بعدم الاستحقاق: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1: 43).
ولعل من أوضح الأدلة على عظمة العذراء ومكانتها لدى الرب أنه بمجرد وصول سلامها إلى أليصابات، امتلأت أليصابات من الروح القدس، وأحسَّ جنينها فارتكض بابتهاج في بطنها، وفي ذلك يقول الوحي الإلهي: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو41:1). إنها حقًا عظَمة مذهلة، أن مجرد سلامها يجعل أليصابات تمتلئ من الروح القدس!
مَن من القديسين تسبَّب سلامه في أن يمتلئ غيره من الروح القدس؟! ولكن هوذا أليصابات تشهد وتقول: "هوذا حين صار سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني".
امتلأت أليصابات من الروح القدس بسلام مريم، وأيضًا نالت موهبة النبوة والكشف، فعرفت أن هذه هي أمّ ربها، وأنها "آمنت بما قيل لها من قبل الرب". كما عرفت أن ارتكاض الجنين كان عن "ابتهاج"، وهذا الابتهاج طبعًا بسبب المبارك الذي في بطن العذراء: "مباركة هي ثمرة بطنك" (لو1: 41- 45).
عظمة العذراء تتجلَّى في اختيار الرب لها من بين كل نساء العالم...
الإنسانة الوحيدة التي انتظر الله آلاف السنين حتى وجدها، ورآها مستحقَّة لهذا الشرف العظيم "التجسد الإلهي"، الشرف الذي شرحه الملاك جبرائيل بقوله: "الروح القدس يحلُّ عليك، وقوةُ العليِّ تظلِّلك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو1: 35).
العذراء في عظمتها تفوق جميع النساء
لهذا قال عنها الوحي الإلهي: "بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا" (أم 31: 29). ولعل من هذا النص الإلهي أُخذت مديحة الكنيسة "نساء كثيرات نلن كرامات ولم تنل مثلك واحدة منهن".
هذه العذراء القديسة، كانت في فكر الله وفي تدبيره، منذ البدء
ففي الخلاص الذي وعد به أبوينا الأوليْن، قال لهما: "نسل المرأة يسحق رأس الحية" (تك3: 15). هذه المرأة هي العذراء، ونسلها هو المسيح الذي سحق رأس الحية على الصليب.
عظمة العذراء.. الله يعظِّم قديسيه[1]
العذراء أم النور. العذراء والدة الإله. نعظمك يا أم النور: هكذا نقول في بداية قانون الإيمان.
وتعظيم القديسين تعليم إلهي كتابي
فيوحنا المعمدان الذي ارتكض في بطن أمه لما سمعت سلام العذراء، قال عنه الكتاب: "يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ" (لو1: 15)، وقال: "أنه أعظم من ولدتهم النساء" (مت11: 11).
فإن كان يوحنا هكذا عظيمًا، فكم بالأولى العذراء التي قال لها الملاك: "الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوة العليِّ تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعى ابن الله".
والله يعظِّم أولاده في أعين غيرهم
هكذا قال الرب ليشوع: "الْيَوْمَ أَبْتَدِئُ أُعَظِّمُكَ فِي أَعْيُنِ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أَنِّي كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ" (يش3: 7).
"عَظَّمَ الرَّبُّ يَشُوعَ فِي أَعْيُنِ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ، فَهَابُوهُ كَمَا هَابُوا مُوسَى كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (يش4: 14)، وبنفس الوضع عظَّم الرب أبينا إبراهيم وقال له: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً" (تك12: 2).
فكم بالأولى العذراء التي القدير صنع بها عظائم (لو1: 49)، والتي أول آية صنعها كانت بشفاعتها (يو 2).
العذراء التي استحقت أن تكون والدة الإله، هذه التي قال الوحي الإلهي أن جميع الأجيال تطوِّبها (لو 1 : 48).
كثيرون نالوا عظمة في جيلهم، أما هذه فتطوِّبها جميع الأجيال.
لقد عظَّم الرب إيمان المرأة الكنعانية، التي هي من جنس ملعون (تك9: 25)، وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!" (مت15: 28)، فكم بالأولى العذراء التي "آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 45).
وقد عظَّم الرب المتواضعين، فقال: "فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 4)، فكم بالأحرى هي "أم الرب" التي قالت: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ" (لو1: 38). وإن كان الرب قد عظَّم نينوى، المدينة الخاطئة التائبة، فكم أجدر بهذا تكون هي التي قال عنها المزمور: "أعْمالٌ مَجيدةٌ قَدْ قيلَتْ عَنْكِ يا مدينَةَ الله" (مز87: 3).
عظَّم الله الإناء الذي حلَّ فيه الرب. وفي عظمتها دعاها أمًّا للرسل.
ومن على الصليب، قال للقديس يوحنا الرسول عن العذراء: "هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 27). فإن كانت قد صارت أمًا للرسول العظيم الذي هو أبونا، تكون إذًا أمًا لجميعنا. وقد قال الكتاب: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ" (خر20: 12)، وكأم روحية للبشرية جمعاء، نحن نكرِّمها.
* * *
أم النور الحقيقي
العذراء هي أم المسيح، الذي قيل عنه إنه: "النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو1: 9)، إذًا فهي أم النور الحقيقي.
وبنفس الوضع نتحدَّث عن العذراء من جهة كل أسماء وألقاب المسيح...
والدة الإله: ما دام المسيح هو الله (يو1: 1) (رو9: 5) (يو20: 28)... إذًا فالعذراء هي والدة الإله. وقد حفظ لها هذا اللقب المجمع المسكوني المنعقد في أفسس سنة 431م ضد هرطقة نسطور.
وبهذا اللقب نادتها القديسة أليصابات قائلة: "من أين لي هذا، أن تأتي أم ربي إليَّ" (لو1: 43).
إنها أيضًا أم القدوس (لو1: 35)، وهي أم عمانوئيل (متى1: 23)، وهي أم المخلِّص (لو2: 11). إنها أم الكلمة المتجسِّد.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 1 يونيو 1979م
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 25 مايو 1979م
العــــــذراء الكرمـــــــة الحقَّانــــــــية
العذراء الكرمة الحقَّانية[1]
الكنيسة تلقِّب العذراء بالكرمة الحقَّانية التي وُجد فيها عنقود الحياة.
فما معنى هذا اللقب؟ وهل يتعارض مع لقب المسيح "الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو15: 1)؟
مقدِّمتان
أولاً: السيد المسيح يمنحنا بعض ألقابه
أ) السيد المسيح يقول إنه هو الراعي (يو10: 11، 12). وهذا اللقب يطلِقه داود على الرب في العهد القديم (مز23: 1). ويلقَّب به الرب في سفر حزقيال (34: 15).
ومع ذلك فإن الرب يلقِّب بعض أولاده بالرعاة، على الرغم من كلامه عن الراعي الواحد (يو10: 16) (حز34: 23)، فقال: "وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي" (إر3: 15). وقال لبطرس: "اِرعَ غنمي، اِرعَ خرافي" (يو21: 15، 16).
وأصبح لقب "الراعي" خاصًا بالأساقفة خلفاء الرسل: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28)، "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ" (1بط5: 2).
ب) السيد المسيح يلقِّب نفسه بالنور، فيقول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو8: 12) (يو9: 5)، ومع ذلك يقول لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (مت5: 14)، "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ" (مت5: 16).
جـ) قيل عن المسيح أنه هو الأسقف: "هو رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25)، ومع ذلك يقول عن خلفاء الرسل أنهم أساقفة (أع20: 28) (1تي3: 2) (تي1: 7) (في1: 1).
د) قيل عن المسيح أنه هو الكاهن: "كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ"(مز110: 4) (عب5: 6).
وما أكثر الآيات في الكتاب عن الكهنة، بل عن الكاهن العظيم ورئيس الكهنة، الذين أعطاهم الرب "كَهَنُوتًا أَبَدِيًّا فِي أَجْيَالِهِمْ" (خر40: 15) "كَهَنَتُكَ يَلْبَسُونَ الْبِرَّ" (مز132: 9، 16). وقد قدَّس الرب الكهنة (لا 8: 12)، وألبسهم ثيابًا مقدَّسة للمجد والبهاء (خر28: 2).
ه) قيل عن المسيح أنه الابن: "أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ" (1يو4: 14). وقيل عنَّا أيضًا أننا "أبناء الله" (1يو3: 1) (متى5: 45).
و) إن ألقاب السيد المسيح التي أعطاها لنا كثيرة جدًا ليس هذا مجال سردها كلها.
ثانيًا: الألقاب لنا بمعنى، وللمسيح بمعنى آخر
فهو الابن بمعنى بنوة من جوهر الله وطبيعته ولاهوته، لذلك لُقِّب بالابن الوحيد (يو3: 16). أما بنوَّتنا فنوع من التبنِّي أو من محبة الله (1يو3: 1).
والمسيح كاهن قدَّم ذاته ذبيحة، أما الكهنة من البشر فهم خدام ووكلاء السرائر الإلهية.
وهو النورُ الحقيقي. ونحن نور بمعنى أننا أخذنا من ملئه (يو1: 16)، وصرنا ننير للآخرين بنوره.
وهو الراعي للكل، حتى لمن يقيمهم رعاة من البشر. والصفات التي تمنح لنا محدودة، أما صفات الله فغير محدودة.
في هذا المعنى ليس عجيبًا أن يكون المسيح (الكرمة) بمعنى، وتكون العذراء (الكرمة) أيضًا، بمعنى آخر.
لقب الكــــرمة
يُطلق هذا اللقب على الرب، وعلى الكنيسة، وعلى الشعب كله، وعلى العذراء، وعلى أي فرد قديس...
فقد أُطلق على الرب في قوله: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ" (يو15: 1). وأُطلق على الكنيسة (على الشعب)، في نشيد الكرمة (إش5: 1- 7) في سفر إشعياء، حيث يقول الرب: "احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي: مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟" ويقول: "إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ" (إش5: 7) ونفس المعنى ينطبق على مَثَل (الكرم) و(الكرَّامين) الذي قاله الرب (مت21: 33- 41). وفي هذا المَثَل: الكرم هو الكنيسة، والكرَّامون هم الرعاة. أما الله فهو صاحب الكرم...
ونحن نصف الكنيسة بالكرمة، ونقول للرب في ألحاننا: "ارْجِعَنَّ. اطَّلِعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانْظُرْ وَتَعَهَّدْ هذِهِ الْكَرْمَةَ، وَالْغَرْسَ الَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ" (مز80: 14، 15).
فهل وصف الكنيسة بالكرمة، نسلب فيه مجد الله، بينما هذا هو اللقب الذي أعطاه السيد المسيح لها؟! وهل تلقيب الشعب بالكرمة، سلب لمجد الله، بينما هذا هو تعليم الكتاب نفسه؟!
أم هي مجرد رغبة في مهاجمة الكنيسة؟! التي يقول عنها الكتاب "غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ. أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ" (إش27: 2، 3).
بل إن لقب الكرمة يُطلَق على كلِّ أمٍ مباركة. فيقول الكتاب: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ" (مز128: 3). والله بهذا المعنى يقول لإسرائيل: "أُمُّكَ كَكَرْمَةٍ، مِثْلِكَ غُرِسَتْ عَلَى الْمِيَاهِ. كَانَتْ مُثْمِرَةً مُفْرِخَةً مِنْ كَثْرَةِ الْمِيَاهِ. وَكَانَ لَهَا فُرُوعٌ قَوِيَّةٌ" (حز19: 10، 11).
هل كثيرًا أن يُطلق لقب الكرمة على العذراء كأم؟! .. الحرف يقتل..
هؤلاء الذين لا يتناولون من الكتاب سوى آية واحدة، هي: "أنا الكرمة وأبي الكرَّام"، ويشنون بها هجومًا على العذراء، إنما يغفلون باقي آيات الكتاب، ولا يتكلَّمون بالحق الكتابي، فالحق واضحٌ في هذه الآيات التي ذكرناها، وفي غيرها أيضًا...
إن الحرف يقتل، كما قال الرسول (2كو3: 6). فلندخل إذًا إلى روح الكتاب، وندرك معناه، فنحيا.
والكتاب ليس مجرد آية واحدة، إنما هو كتاب. ولقب الكرمة يستخدمه لدلالات كثيرة، ولا يجوز أن نحصر معاني الكتاب في مفهوم ضيق، ونقول هذا هو (الحق الكتابي)!! وما أصدق قول المزمور:
"لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا" (مز119: 96)...
إن كانت الكرمة هي المسيح، يكون الآب هو الكرَّام. وإن كانت الكرمة هي الكنيسة، يكون الآب هو صاحب الكرم. ويكون الكرَّامون هم الرعاة، دون سلب للقب الله ككرَّام بمعنى آخر... وإن كانت الكرمة هي العذراء، يكون المسيح هو عنقود الحياة الذي ولد منها.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 8 يونيو 1979م
تشبيهات السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة
تشبيهات السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة[1]
العذراء من حيث حملها تشبَّه بتشبيهات كثيرة
1- العليقة (خر3)
كما كانت النار تلتهب فيها ولا تحترق، كذلك كانت العذراء: بداخلها جمر اللاهوت، وقد استطاعت طبيعتها البشرية أن تحتمل.
2- المجمرة الذهبية (الشورية)
الفحم المتَّحد بالنار داخل الشورية، يشير إلى ناسوت المسيح متَّحدًا بلاهوته. أما المجمرة ذاتها فتشير إلى بطن العذراء، التي حملت داخلها اللاهوت متَّحدًا بالناسوت. أما كونها من ذهب، فهذا يدل على نقاوة العذراء وعلى عظمتها.
3- عصا هارون التي أفرخت (عدد 17)
فكما أن هذه العصا أفرخت وحملت براعم الحياة بدون أي زرع بشر وبمعجزة، كذلك العذراء وهي بتول، بدون زرع بشر، حملت الله الكلمة الذي فيه الحياة، بالروح القدس، بمعجزة.
4- لوحا الشريعة
كما كان هذان اللوحان يحملان كلمة الله، كذلك العذراء حملت الله الكلمة.
5- قسط المَنِّ
لقد شبَّه المسيح نفسه بالمن، بالخبز الحي النازل من السماء، وكل من يأكله يحيا به (يو6). وإن كان المسيح متشبِّهًا بالمَنِّ، فالعذراء تشبَّه بالقسط الذي كان بداخله هذا المَنّ.
6- تابوت العهد (خر25)
كان فيه قسط المن، وعصا هارون، ولوحا الشريعة. وهو في هذا يشبه العذراء وفي داخلها المسيح، الذي يرمز إليه المن، وبراعم العصا، وكلمة الله التي على اللوحين. وكما كان تابوت العهد من خشب السنط الذي لا يسوِّس، كذلك كانت العذراء في طهارتها. والذهب الذي يصفِّح التابوت من الداخل ومن الخارج، يرمز إلى نقاوة العذراء وعظمتها، من الداخل وفي نظر الناس.
7- باب حزقيال (حز44: 2)
رأى حزقيال النبي بابًا مغلقًا، وهذا ولا شك دليلٌ واضح على دوام بتولية العذراء.
العذراء كمسكن لله تشبَّه بما يأتي:
8- السماء الثانية
السماء هي مسكن الله. والعذراء سكن فيها الله، لذلك تُسمى "السماء الثانية".
9- مدينة الله
العذراء كمسكن الله، تُسمَّى أورشليم، أو صهيون، أو مدينة الله. فيقول المرتِّل: "أعمالٌ مجيدة قد قيلت عنك يا مدينة الله.. صهيون الأم تقول: "إنَّ إنْسانًا وإنْسانًا وُلِدَ فيها، والعَلي هُوَ الَّذي أسَّسَها إلَى الأبَد" (مز87).
10- خيمة الاجتماع (قبة موسى)
خيمة الاجتماع، كان يحل فيها الرب، والعذراء حلَّ فيها الرب. وفي الأمريْن أظهر الله محبته لشعبه.
11- سحابة إشعياء (إش19: 1)
قال إشعياء النبي: "وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ: هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا". وقد جاء الرب إلى مصر، تحمله العذراء على كتفها، فكانت هي السحابة التي تكلم عنها إشعياء النبي. وفي كل مكان حل فيه الرب في مصر، كانت تسقط الأصنام وتنكسر، ويرتعب الشعب من هذا، كقول الوحي.
ألقاب أخرى للعذراء...
12– الحمامة الحسنة
إنها تشبَّه بالحمامة في بساطتها، وفي حلول الروح القدس عليها، والروح ظهر بشكل حمامة. كما تشبَّه بحمامة نوح التي حملت إليه بشرى الخلاص، ورجوع الحياة إلى الأرض. والعذراء حملت أيضًا بُشرى الخلاص، وبميلادها للمسيح الفادي بدأ رجوع الحياة بعد موت الناس بالخطية.
13- باب الحياة – باب الخلاص[2]
السيدة العذراء قيل عنها في سفر حزقيال أنها الباب الذي دخل منه رب المجد وخرج (حز44: 2).. فإذا كان الرب هو الحياة، تكون هي باب الحياة. وقد قال الرب: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو11: 25). وقال: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). لذلك تكون العذراء هي باب الحياة. الباب الذي خرج منه الرب مانحًا حياة لكل المؤمنين به.. وإذا كان الرب هو الخلاص، إذا كان قد جاء خلاصًا للعالم، يخلِّص ما قد هلك (لو19: 10)، حينئذ تكون العذراء هي باب الخلاص.
وليس غريبًا أن تلقَّب العذراء بالباب، فالكنيسة أيضًا لُقِّبت بالباب. وقال أبونا يعقوب عن بيت إيل: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 15 يونيو 1979م
[2] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 29 يونيو 1979م
العذراء عند البروتستانت
العذراء عند البروتستانت
عقيدتنا في دوام بتولية العذراء[1]
موضوع دوام بتولية العذراء موضوع قديم جدًا، تحدث عنه آباء الكنيسة منذ القرنين الثاني والثالث للميلاد، وكذلك تحدث عنه آباء القرنين الرابع والخامس. وقد سبق في 1962م أن ترجمنا مقالاً للقديس إيرونيموس (ݘيروم) دافع فيه عن دوام بتولية العذراء ضد رجل يُسمى هلفيديوس سنة 383م وكل الآراء التي يعتمد عليها البروتستانت حاليًا لا تخرج عن آراء هلفيديوس هذا.
ملخَّص آراء مهاجمي دوام بتولية العذراء
- عبارة "ابْنَهَا الْبِكْرَ" (لو2: 7، مت1: 25) معتقدين أن البكر معناه الأول وسط إخوته.
- عبارة "امرأتك" التي قيلت ليوسف النجار عن العذراء (مت1: 20)، كلمة امرأة عمومًا متى أُطلقت على العذراء (مت1: 24).
- عبارة "لم يعرفها حتى ولدت.."، وكذلك "قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى من الروح القدس" (مت1: 18).
- الآيات التي وردت فيها عبارة " إخوته" عن السيد المسيح مثل (مت12: 46، يو2: 12، مت13: 54- 56، مر6: 1- 3، أع1: 14، غل1: 18، 19).
وبمعونة الله سنرد على كل هذه الاعتراضات:
ابنها البكر
الابن البكر، هو الابن المولود أولاً، حسب ترجمة هذه الكلمة بالإنجليزية First born والكتاب المقدس أوضح في تعريف معنى البكر، إذ يقول الوحي الإلهي، قبل تأسيس الكهنوت الهاروني: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر13: 2).
فكان كل فاتح رحم، يصير مقدسًا للرب، مخصصًا للرب، سواء وُلد بعده ابن آخر أو لم يولد. ولا ينتظر أبواه إن كان إنسانًا، أو مالكيه إن كان من البهائم حتى يولد له إخوة (يصير بهم بكرًا!!) ثم يخصصونه للرب. إنما من مولده يصير قدسًا للرب، لا لأنه كبير إخوته، إنما لأنه فاتح رحم. وهكذا يمكن جدًا أن يكون الابن البكر هو الابن الوحيد.
وهكذا كان السيد المسيح هو الابن البكر، وهو الابن الوحيد، وقد صدق القديس چيروم حينما قال: كل ابن وحيد هو ابن بكر، ولكن ليس كل ابن بكر هو ابن وحيد. إن تعبير البكر لا يشير إلى شخص وُلد بعده آخرون. ولكن إلى واحد ليس له من يسبقه...
ولذلك فإن بكر الحيوانات النجسة كان يُقبل فداؤه، من ابن شهر (عدد18: 16، 17). وبكر الحيوانات الطاهرة كان يقدَّم ذبيحة للرب. وما كانوا ينتظرون حتى يولد أبناء بعده. إنه بكر حتى لو لم يولد بعده، لأنه فاتح رحم.
وهكذا فإن السيد المسيح - كابن بكر للعذراء - قدَّموا عنه ذبيحة للرب في يوم الأربعين (يوم تطهير العذراء بعد ولادتها). وفي هذا يقول الكتاب المقدس عن السيدة العذراء: "وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ، وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ" (لو2: 22- 24).
واضح أن السيد المسيح طُبقت عليه شريعة البكر في يوم الأربعين من مولده. وطبعًا لا علاقة هنا بين البكر وميلاد إخوة آخرين...
وهنا يسأل القديس ݘيروم: هل حينما ضرب الرب أبكار المصريين، ضرب فقط الأبكار الذين لهم إخوة، أم كل فاتحي الرحم سواء كان لهم إخوة أم لم يكن؟!..
عبارة "امرأتك"
عبارة "امراتك" تعني زوجتك. وكانت تُطلق على المرأة منذ خطوبتها. وفي تفسير قول الملاك ليوسف النجار: "لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 20).
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: (هنا يدعو الخطيبة زوجة، كما تعوَّد الكتاب أن يدعو المخطوبين أزواجًا حتى قبل الزواج). ويقول أيضًا: (ماذا تعني عبارة "تأخذ إليك"؟ معناها أن تحفظها في بيتك... كمن قد عُهد بها إليك من الله وليس من أبويها. لأنه قد عَهد بها إليك ليس للزواج، وإنما لتعيش معك، كما عَهد بها المسيح نفسه فيما بعد إلى تلميذه يوحنا) (تفسير متى: مقالة 4: 11).
والقديس چيروم يقول أيضًا إن لقب "امرأة" أو زوجة كان يُمنح أيضًا للمخطوبات. ويستدل على ذلك بقول الكتاب: "إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُلٍ، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا... وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ" (تث22: 23، 24؛ تث20: 7).
وهنا استخدم الكتاب كلمة "امرأة" عن العذراء المخطوبة وكلمة "امرأة" تدل على الأنوثة وليس على الزواج.
والواقع أن حواء سُميت أولاً امرأة لأنها من امْرِءٍ أُخِذَتْ (تك2: 23). وسُميت حواء لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ (تك 3: 20).
فكلمة امرأة تدل على خلقها وأنوثتها. وكلمة حواء تدل على أمومتها.
ودليل أن كلمة امرأة بالنسبة إلى العذراء كانت تدل على خطوبتها وليس زواجها، قول القديس لوقا الإنجيلي: "فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ.. لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى" (لو2: 4، 5).
إذًا عبارة: "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك" معناها خطيبتك...
فمريم دُعيت امرأة ليس لأنها فقدت بتوليتها، حاشا. فالكتاب يشهد أنه لم يعرفها. ولكن دُعيت هكذا، لأن هذا هو التعبير المألوف عند اليهود، أن تدعى الخطيبة امرأة. بل الأنثى كانت تدعى امرأة. بدليل أن حواء عقب خلقها مباشرةً دُعيت امرأة، قبل الخطية والطرد من الجنة والإنجاب...
ونلاحظ أن الملاك لم يستخدم مع يوسف عبارة امرأة بعد ميلاد المسيح. وإنما قال له: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ" (مت2: 13). وفي عودته من مصر قال له: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت2: 20). وفعل يوسف هكذا في السفر إلى مصر وفي الرجوع: "قَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت2: 14، 21). ولم يستخدم عبارة امرأة.
عبارة امرأته استُخدمت قبل الحمل وأثناؤه لكي تحفظ مريم فلا يرجمها اليهود لأنها قد حبلت وليست امرأة لرجل. أما بعد ولادة المسيح، فلم يستخدم الوحي الإلهي هذه العبارة، لا بالنسبة إلى كلام الملاك مع يوسف، ولا بالنسبة إلى ما فعله يوسف، ولا بالنسبة إلى المجوس الذين "وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ" (مت2: 11)، ولا بالنسبة إلى الرعاة الذين "وجدوا مريم ويوسف والطفل مضطجعًا" (مت2: 16).
قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى
هدف الإنجيلي هو إثبات أن المسيح قد حُبل به من عذراء لم تعرف رجلاً لسببين:
- لإثبات أن المولود لم يولد ولادة طبيعية من أبوين كباقي الناس، إنما ولادته من عذراء دليل على لاهوته، إذ يكون قد وُلد من الروح القدس. وهذا ما عبَّر عنه الملاك بقوله: "لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 20).
- لأن ولادته من عذراء من غير زرع بشر، تجعلنا نؤمن أنه لم يرث الخطية الجدية. وبهذا يكون قادرًا على خلاصنا، لأنه إذ هو بلا خطية يمكن أن يموت عن الخطاة.
لذلك كان تركيز الرسول هو على أن العذراء لم تجتمع برجل قبل ميلاد المسيح لإثبات ميلاده العذراوي. أما كونها بعد ميلاده لم تجتمع برجل فهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات.
لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر
عبارة حتى، أو(إلى أن) until تنسحب على ما قبلها، ولا تعني عكسها فيما بعد. ومثال ذلك قول الكتاب عن ميكال ابنة شاول الملك: "ولم يكن لها ولد حتى ماتت" (2صم 6: 23). وطبعًا بعد أن ماتت لم يكن لها ولد.
وقول السيد المسيح: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20)، وطبعًا بعد انقضاء الدهر(سيظل معنا). وكذلك قول الرب للمسيح: "اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" (مز110). وطبعًا بعد هذا سيظل عن يمينه...
والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا...
إذًا كلمة "حتى" لا تعني بالضرورة عكس ما بعدها.
فيوسف لم يعرف مريم حتى ولدت ابنها البكر. ولا بعد أن ولدته عرفها أيضًا. لأن إذ كان قد احتشم عن أن يمسها من قبل ميلاد المسيح، فكم بالأولى بعد ولادته، وبعد أن رأى المعجزات والملائكة والمجوس وتحقق النبوءات وعلم يقينًا أنه مولود من الروح القدس، وأنه ابن العلي يُدعى، وأنه القدوس وعمانوئيل والمخلِّص.
إنه هو الذي تحققت فيه نبوءة إشعياء النبي القائل: "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»" (إش7: 14)، وأيضًا: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ" (إش9: 6، 7). ولعل هذا الجزء هو الذي اقتبسه الملاك في بشارته للعذراء (لو1: 31- 33).
عبارة "إخوته"
عبارة "أخ" في التعبير اليهودي قد تدل على القرابة، الشديدة كما تدل على الأخ ابن الأب أو الأم أو كليهما. والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
- ما قيل عن إخوَّة بين يعقوب وخاله لابان.
يقول الكتاب عن مقابلة يعقوب وراحيل: "فَكَانَ لَمَّا أَبْصَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ بِنْتَ لاَبَانَ خَالِهِ، وَغَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ، أَنَّ يَعْقُوبَ تَقَدَّمَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ وَسَقَى غَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ. وَقَبَّلَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَبَكَى. وَأَخْبَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ أَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا" (تك29: 10- 12). مع أن أباها هو خاله، وقد تكررت عبارة خاله في هذا النص مرات كثيرة.
وهنا استُعملت كلمة "أخ" للدلالة على القرابة الشديدة. وبنفس الأسلوب تكلَّم لابان مع يعقوب لما سأله عن أجرته، إذ قال له: "أَلأَنَّكَ أَخِي تَخْدِمُنِي مَجَّانًا؟ أَخْبِرْنِي مَا أُجْرَتُكَ" (تك29: 15). وهكذا قال لابان عن يعقوب أنه أخوه مع أنه ابن أخته.
- مثال أبرام ولوط
كان لوط ابن أخي أبرام "ابن هَارَانَ أخيه" (تك11: 31). ومع ذلك يقول الكتاب عن سبي لوط مع أهل سدوم: "فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ..." (تك14: 14). فاعتبر أن لوطًا أخوه مع أنه ابن أخيه. ولكنها القرابة الشديدة.
بنفس الأسلوب قيل: "أخوة يسوع" عن أولاد خالته كما سنبين الآن
مَنْ هم إخوة الرب؟
لما ذهب السيد إلى وطنه تعجَّبوا قائلين: "أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ (مت13: 54- 56)، (مر6: 1-3).
والقديس بولس الرسول يذكر أنه رأى "يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ" (غل1: 19). ويعقوب هذا يسمونه يعقوب الصغير (مر15: 40). لتمييزه عن يعقوب بن زبدي. ويُدعى أيضًا يعقوب بن حلفَى (مت10: 3). وكان من الرسل كما ورد في (غل1 :19).
والقديس متى الرسول يذكر أنه عند صليب الرب " نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ.. وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي" (مت27: 55، 56). فَمَن هي مريم أم يعقوب ويوسي هذه؟ هل هي مريم العذراء؟ وهل يُعقل أن العذراء أنجبت كل هذه المجموعة الكبيرة من الأبناء؟!
إنها مريم زوجة حلفَى أو كلوبا، التي قال عنها يوحنا الرسول: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ" (يو19: 25) - قارن مع (مت 27: 55، 56).
مريم أم يعقوب ويوسي كانت مع مريم المجدلية عند صليب المسيح (مت27: 55، 56). وهما نفسهما: مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي كانتا واقفتين وقت الدفن. "تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ" (مر15: 47). وهما أيضًا أحضرتا حنوطًا بعدما مضى السبت (مر16: 1). وهما أيضًا كانتا واقفتيْن عند الصليب مع مريم أمه. وهما اللتان قصدهما يوحنا الإنجيلي بقوله: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ" (يو19: 25).
إذًا إخوة يسوع هم أولاد خالته مريم زوجة كلوبا أو حلفَى أم يعقوب ويوسي وباقي الإخوة. أما عن الخلاف بين اسم حلفَى واسم كلوبا، فإما أن يكون خلافًا في النطق أو كما يقول القديس چيروم: من عادة الكتاب أن يحمل الشخص الواحد أكثر من اسم، فرعوئيل حمو موسى (خر2: 18) يُدعى أيضًا يثرون (خر3: 1)، وجدعون يُدعى يربعل (قض6: 32). وبطرس دُعِي أيضًا سمعان وصفا، ويهوذا الغيور دُعِي تدَّاوس (مت10: 3).
واضح إذًا أن مريم أم يعقوب ويوسي ليست هي مريم العذراء. ولم يحدث مطلقًا أن الكتاب دعاها بهذا الاسم.
ملاحظات
- من غير المعقول أن يكون لمريم أم المسيح كل هؤلاء الأبناء، ويعهد بها الرب على الصليب إلى يوحنا تلميذه. لا شك أن أولادها كانوا أولى بها لو كان لها أولاد...
- نلاحظ في أسفار يوسف ومريم في الذهاب إلى مصر والرجوع منها، لم يُذكر اسم أي ابن لمريم غير "يسوع" (مت2: 14، 20، 21). وكذلك في الرحلة إلى أورشليم وعمره 12 سنة ( لو2: 43).
- وليس صحيحًا ما يقوله البعض أن "إخوة يسوع" هم أبناء يوسف من امرأة أخرى ترمل بموتها. فالكتاب يذكر أن مريم أم يعقوب ويوسي كانت حاضرة صلب المسيح ودفنه كما ذكرنا (مر15: 47).
- وهنا نص كتابي واضح في نبوءة حزقيال يؤيد دوام بتولية العذراء. لقد رأى حزقيال النبي بابًا مغلقًا في المشرق. وقيل أنه: "هذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقًا، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقًا" (حز44: 2). إنه رحم العذراء الذي دخل منه الرب، فظل مغلقًا لم يدخله ابن آخر لها.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ أبريل 1986م
إكرامنا للعذراء
إكرامنا للعذراء[1]
إكرامنا للعذراء وموقف البروتستانت
البروتستانت لا يكرمون العذراء ولا يتشفعون بها ولا يقيمون عيدًا لها وينتقدون بعض الألقاب التي نصف بها العذراء ويسمّونها أحيانًا أم يسوع، بينما هذه التسمية تسمية للنسطوريين، ويترجمون كلمة الممتلئة نعمة بعبارة المنعم عليها.
والبعض يبالغون ويرون أنها مثل قشرة البيضة إذا خرج منها الكتكوت أصبح لا قيمة لها، لا قيمة لها على الإطلاق؟!
وأحد الإخوة البلاميس كان يقول العذراء هي أختنا، يعني بصفته أنه إنسان وهي إنسانة وهو من أبناء آدم وهي من أبناء آدم فتكون أخته... إن كانت أخته وهي أم المسيح فهو يكون خال للمؤمنين ويكون خال جميع المؤمنين!!
والبروتستانت أحيانًا ينسبون للعذراء أنها تزوَّجت وأنجبت أولادًا بعد المسيح، وغالبية الأقوال التي يقولونها عن العذراء وعدم احترامهم ربما رد فعل لمبالغات الكاثوليك في إكرام العذراء إكرامًا لا نوافق نحن عليه ويخرج عن حدود العقيدة...
فنتكلَّم في الوضع المعتدل عن إكرام العذراء، وكما نقول دائمًا إننا نعتمد في التعليم وفي العقيدة على الكتاب المقدس فإن وجد شيء في تعليمنا غير الكتاب لا نقبله.
العذراء قالت في تسبحتها في (لو1: 48) هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني. إذًا تطويب العذراء تعليمٌ إنجيلي، وعندما نقول جميع الأجيال فهذا يعني عقيدة عامة بدأت منذ ولادتها للمسيح ومنذ الحبل المقدس به إلى آخر الدهور.
لعل الكتاب أيضًا يذكر في إكرامها قول أليصابات: "مُباركةٌ أنت في النساء ومباركةٌ هي ثمرة بطنك! فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ؟ فَهوذا حين صار صوت سلامك في أذنيَّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" (لو 1: 42-45). طوَّبتها أليصابات التي كانت أكبر منها سنًا ودعتها أم الرب، أي والدة الإله، واعتبرت أنها غير مستحقة أن تزورها هذه الفتاة الصغيرة! من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ...
مُباركةٌ أنتِ في النساء، عبارة قالها أيضًا الملاك جبرائيل، فالكلام الذي قالته أليصايات في (لو1: 42ـــــ 45) قاله الملاك جبرائيل عندما دخل عليها وقال لها: "السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة الرب معكِ مُباركةٌ أنتِ في النساء". أيضًا "مُباركة أنتِ في النساء" تعني أنك أنتِ أفضل جميع النساء وأنتِ من بين جميع النساء تُعتبري المُباركة فيهن.
وصوت سلام مريم أثَّر على الجنين في بطن أمه، فارتكض الجنين بابتهاج (يوحنا المعمدان). بل أكثر من هذا يقول الكتاب في (لو1: 41) "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". مجرد سلام مريم جعل أليصابات تمتلئ من الروح القدس! مريم تعطيها السلام، وهي تمتلئ من الروح القدس! من صوت سلام مريم في أذن أليصابات.
فطوَّبها الملاك وطوَّبتها أليصابات، وكلام الملاك لها أفضل بكثير من كلامهِ لزكريا الكاهن. فالملاك أول ما قابل زكريا الكاهن قال له: "لا تخف يا زكريا، لأن طِلبتك قد سُمعت" (فقط)! لكن للعذراء، قال لها: "سلام لكِ.. الرب معكِ، مُباركةٌ أنتِ في النساء".. وقال لها: "لا تخافي.. لأنكِ قد وجدتِ نعمة عند الله"...إلخ. وقال لها: "الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظلِّلكِ، فلذلك أيضًا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله". كل هذا كلام مُباركة، وقوة الروح القدس يحل عليها وقوة العلي تظللها.
ونلاحظ أن الروح القدس عندما حلَّ في بطن العذراء حل حلولًا أقنوميًا كي يُكوِّن جسدًا منها لهذا الأقنوم. ليس مجرد نعمة أو بركة كسائر المؤمنين، لأن هنا فيه عملية تكوين جسد وتقديس مستودع، تحتاج أن الأقنوم نفسه يعمل.
نلاحظ أيضًا أن السيدة العذراء في تطويب الكتاب لها دُعيت ملكة أكثر من مرة.. يقول: "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك". ويقول: "اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَانْظُرِي، وَأَمِيلِي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، فَيَشْتَهِيَ الْمَلِكُ حُسْنَكِ، لأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُكِ فَاسْجُدِي لَهُ". ويقول: "كل مجد ابنة الملك من داخل" (مز45: 10-13). والكنيسة تأخذ من المزمور أيضًا هذه الآيات كلها وتأخذ أيضًا من سفر الأمثال: "إن نساء كثيرات نُلنَ كرامات ولم تنل مثلكِ واحدة منهن".
لهذا الكنيسة تمجِّد العذراء كملكة وابنة ملك، وتضع تاجًا على رأسها وتاجًا على رأس المسيح، وتجعلها عن يمينه: قامت الملكة عن يمينك أيها الملك.
ونبؤات كثيرة كانت حول السيدة العذراء... بل كانت هي شهوة الأجيال كلها لكي يتحقق وعد الرب أنه من نسل المرأة يأتي من يسحق رأس الحية، والمرأة هي العذراء... ونحن نعطي السيدة العذراء ألقابًا من واقع أمومتها للمسيح. كيف من واقع أمومتها للمسيح؟ يعني ذلك أن المسيح هو النور الحقيقي كما قيل في (يو1): "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ.. آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ"، "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ". فلذلك نسميها "أم النور"، لأن المسيح الذي وُلد منها لقبه النور، أو مثلًا المسيح لُقب بالمخلِّص، لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم، فهو مخلِّص العالم كله، لذلك نسميها أم المخلِّص. هذه تعبيرات موجودة كثيرًا في الكتاب.
ولأن المسيح هو الله كما ورد في (يو1:1) وفي (رو9: 5)، من أجل ذلك نسميها والدة الإله "ثيؤطوكوس". والمسيح هو الرب، لذلك أليصابات قالت من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ... (أم الرب، والدة الإله، أم المخلِّص، أم النور)...
لا بد أيضًا أن نعرف أن الذي يكرم العذراء إنما يكرم المسيح نفسه، لأنها هي أمه. وإن كان الكتاب يقول أكرم أباك وأمك، لإكرام أي أم عادية، فكم بالأَولى أم المسيح وأم المؤمنين جميعًا، هذه التي حل الروح القدس عليها، وهذه التي نالت المواعيد والتي فُضِّلت على جميع نساء العالم.
وأيضًا لها ألقابٌ أخرى في الكتاب المقدس[2]...
شبَّهها إشعياء النبي بالسحابة في مجيء المسيح إلى مصر، قال إن الرب راكب على سحابة وقادم إلى مصر في (إش19: 1).
ولسُكنى الابن الكلمة فيها سمَّتها الكنيسة بالسماء الثانية، لأن السماء هي مسكن الله. وسمَّتها بالخيمة، وقبة موسى خيمة الاجتماع التي كان يحل الله فيها، وسُمِّيت بمدينة الله: آيات كثيرة قد قيلت عنكِ يا مدينة الله... وأحيانًا تلقب بصهيون كما ورد في (مز87) يقول: "الرَّبُّ أَحَبَّ أَبْوَابَ صِهْيَوْنَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَسَاكِنِ يَعْقُوبَ.. ولصهيون يقال إنَّ إنْسانًا وإنْسانًا وُلِدَ فيها، والعَلي هُوَ الَّذي أسَّسَها إلَى الأبَد". وطبعًا هذا كلام عن العذراء فهي لُقبت بصهيون.
ولُقبت بأورشليم: سبِّحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صيهون، فتقال عن العذراء أيضًا.
ولأن المسيح شُبِّه بالمن المُخفى، وبالخبز الحي النازل من السماء كما ورد في (يو 6) فالسيدة العذراء شُبِّهت بحُقّ المن الذي كان يحفظ فيه المن.
ولدوام بتوليتها شُبِّهت بعصا هارون التي أفرخت، وشُبِّهت أيضًا بتابوت العهد، لأن تابوت العهد مصفَّح بالذهب من الداخل ومن الخارج. وهذا الكلام عن نقاوة العذراء وعظمتها أنها كالذهب من الداخل ومن الخارج، من الداخل أي في مشاعر قلبها، ومن الخارج من تصرفاتها الخارجية.
ولأن تابوت العهد كان يُحفظ فيه المن الذي هو رمز للمسيح، ولوحي الشريعة رمز لكلمة الله الذي هو المسيح، شُبِّهت العذراء بتابوت العهد، ولأن تابوت العهد كان من خشب السنط الذي لا يسوِّس، لا يتلف، رمز لقداسة العذراء. كل هذه صفات للسيدة العذراء مأخوذة من الكتاب المقدس.
أحيانًا تشبَّه بسلم يعقوب الواصل بين السماء والأرض لأنها كانت الصلة التي بين السماء والأرض وأحيانًا تشبَّه بالحمامة الحسنة رمزًا لوداعتها وبساطتها ونقاوتها، ولأن الحمامة ترمز للروح القدس والروح القدس حل عليها، وأيضًا لأن الحمامة أتت ببشرى الخلاص أثناء فلك نوح والعذراء أتت ببشرى الخلاص أيضًا.
شُبِّهت أيضًا بالعليقة المشتعلة بالنار، ومعروفة في الترتيلة. والنار رمز للروح القدس أو للاهوت نفسه، فقد قيل "إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29)، فكانت نار اللاهوت فيها وهي لا تحترق. وشُبِّهت بالمجمرة الذهبية لأنه إذا كان الفحم المتَّقد بالنار يرمز للناسوت المتَّحد باللاهوت، والاثنان موجودان في بطن المجمرة (الشورية)، لذلك شُبِّهت بالمجمرة الذهبية وشُبِّهت بشورية هارون.
تشبيهات كثيرة في الحقيقة لا نستطيع أن نوردها كلها، الإبصلمودية الكيهكية تجد فيها أشياء عجيبة جدًا من أسماء السيدة العذراء وألقابها، كلُّ لقب منها يحتاج إلى تأمل.
نحن نكرِّمها لأنها والدة الإله، نكرِّمها لأن الروح القدس حل عليها وقوة العلي ظللتها، نكرِّمها من أجل دوام بتوليتها، نكرِّمها من أجل قداستها.
نكرِّمها من أجل شهادة الكتاب المقدس لها والنبؤات التي ذُكرت عنها ومن أجل إكرام الرب لها، نكرِّمها من أجل معجزاتها وظهوراتها المتعددة.
الذي يكرِّم العذراء يكرِّم ابنها وينال بركة العذراء، أما الذي لا يكرِّمها ولا يتشفع بها فقد خسر خسارة ليست بقليلة، والعذراء لا تخسر شيئًا إن واحدًا من ملايين لم يكرِّمها، يكفيها إكرام الرب لها.
في إكرامنا للعذراء يظهر ذلك في طقوس الكنيسة، في الألحان، في التراتيل والمدائح، في طلب شفاعتها، في الأعياد الكثيرة التي نعيِّد بها للعذراء. نكرِّمها بأن يكون فيه صوم على اسمها، نكرِّمها ببناء الكنائس على اسمها، نكرِّمها بطرق كثيرة.
[1] محاضرة "دوام بتولية السيدة العذراء" لقداسة البابا شنوده الثالث بالكلية الإكليريكية، في 28 مارس 1989م
[2] (سبق الحديث عنها تفصيلاً في صـ27-34 من هذا الكتاب).
العذراء عند الكاثوليك
العذراء عند الكاثوليك[1]
أشياء تتعلق بالسيدة العذراء في العقيدة الكاثوليكية
نحن نمجِّد السيدة العذراء كثيرًا ونعطيها وضعًا أعلى من الرسل وأعلى من الأنبياء وأعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة، ونقول لها: سَموتِ يا مريم فوق الشاروبيم وعلوتِ يا مريم فوق السيرافيم. ونتشفَّع بها قبل جميع رؤساء الملائكة ونسمِّيها والدة الإله، ولها ذكصولوجيات كثيرة، ولها شهر هو الشهر المريمي.. هو شهر كيهك، كله احتفالات وتماجيد بالسيدة العذراء.
ونتشفع بها كثيرًا، ويوجد لها أيقونات في كل كنيسة من الكنائس، ونجعلها على يمين المذبح من الناحية البحرية باستمرار، وكنائس كثيرة تُبنى على اسم السيدة العذراء.
فنحن لا نقلِّل من شأنها، ونحن أيضًا نعترف بأنها دائمة البتولية. كانت بتولًا قبل الحبَل المقدس، وكانت بتولًا أثناء ولادتها للمسيح، وكانت بتولًا بعد ولادتها للمسيح. ولكننا مع ذلك لا نرفع العذراء بالطريقة التي يتحدَّث بها الكاثوليك ويعتقدونها، الطريقة التي لا تقبلها السيدة العذراء نفسها. تمامًا كما رفعوا بطرس الرسول رفعةً هو نفسه لا يقبلها، بالمثل يرفعون السيدة العذراء رفعةً أكثر هي نفسها لا تقبلها.
وكما أن كثيرًا من عقائد الكاثوليك عقائد مستحدَثة مثل عقيدة المطهر، وهي عقيدة مستحدثة، كذلك بعض عقائدهم في العذراء مستحدثة أيضًا، منها عقيدة الحبَل بلا دنس يسموها Immaculate Conception. هذه العقيدة ظلت بين الموافقة والمعارضة قرونًا طويلة حتى أذاعها البابا بيوس التاسع سنة 1854م وأصبحت عقيدة ثابتة عند الكاثوليك منذ ذلك الحين، أي من منتصف القرن التاسع عشر.
يقولون في هذه العقيدة أن الطوباوية مريم العذراء حُفظت طاهرة من كل دنس الخطية الأصلية التي سمّوها الـ Sin Original (الخطية الأصلية أو الخطية الجَدِّية) التي هي من جدودنا، من آدم وحواء. حُفظت طاهرة من كل دنس الخطية الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها.
وقالوا أيضًا ذلك امتياز ونعمة وحيدين من الله القدير. أي أن الله أعطاها هذا الامتياز وهذه النعمة تدبيرًا استثنائيًا لم يُعطى إلاّ لها، فجميع البشرية، حُبل بكل البشر بالخطية الجدية أو الأصلية ما عدا السيدة العذراء وحدها، كان هذا تدبيرًا استثنائيًا من الله تبارك اسمه. وكانت نعمة خاصة بها وحدها وامتيازًا خاص بها وحدها.
وقالوا أيضًا بتدخل خاص من الله قد وُقِّيَت من دنس الخطيئة الأصلية، أي نوع من الوقاية، الله أعطاها وقاية من ماذا؟ من الخطية الأصلية وهكذا أفتُديَت مريم بنعمة المسيح بصورة أكمل من سائر البشر.
البشر تحرَّروا من الخطيئة الأصلية الموجودة فيهم، وُلدوا بالخطية الأصلية ثم تحرَّروا منها. أما العذراء فقد وُقِّيَت، هي وقاية من الإصابة بالخطية الأصلية.
يقولون أن هذا الاعتقاد في وقاية العذراء من الخطية الأصلية له آيات في الكتاب المقدس، سنذكرها. ويقولون لا توجد آيات في الكتاب المقدس (تثبت العكس). لكن هناك آيات قد تكون متضمنة لهذا الموضوع. وقبل أن نتكلم على هذا الأمر، وقبل أن نورد الآيات الخاصة بهم:
يجب أن نوضِّح لماذا نحن نتمسك بأن العذراء وُلدت بالخطية الأصلية:
أولًا: نقول هذا لأن كل إنسان كان تحت حُكم الموت، كلنا كنا في صُلب آدم وفي حواء أيضًا حينما حُكم عليهما بالموت، فأصبح كل نسلهما محكوم عليه بالموت، البشرية كلها بما في ذلك السيدة العذراء. ولم يكن هناك غير طريق واحد هو الفداء بدم المسيح، لم يكن هناك غير ذلك. كما قال بطرس الرسول: "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" (أع 4: 12) وكما قيل: "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب 9: 22).
إذًا العذراء كانت محتاجة إلى هذا الخلاص وإلى هذا الفداء، مثلها مثل أي مخلوق. وهكذا قالت السيدة العذراء في تسبحتها المشهورة: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1 : 46، 47). إذًا هي اعترفت بأن هذا الذي سيولد منها هو الذي سيخلِّصها وأنها محتاجة إلى الخلاص. فلو كانت قد خلُصت من قبل وهي في بطن أمها ما كانت تبتهج بميلاد الله مخلِّصها.
ثانيًا: لو كان الله يجد طريقة واحدة لتخليص إنسان من الخطية الأصلية لعمَّم هذه الطريقة بالنسبة للبشر جميعًا، ولا حاجة إذًا إلى الفداء ولا حاجة إلى التجسد ولا حاجة إلى الآلام ولا حاجة إلى إهانات الصليب وإلى القبر إلى آخره. لأن لا توجد سوى هذه الطريقة وحدها، لذلك تجسَّد الرب. تقول عمل تدبير استثنائي للعذراء؟! هذا التدبير الاستثنائي لماذا لا يعامل به كل البشرية وخلُصت؟
فنحن نعارض هذه النقطة مع تمجيدنا للعذراء لأنها تتعارض مع الفداء، وهكذا أيضًا كان كثير من الآباء الكاثوليك يُعارضون هذا الأمر قبل أن يُعلن في منتصف القرن التاسع عشر.
مثال ذلك مثلًا القديس الكاثوليكي توما الإكويني، توما الإكويني هذا من أكبر اللاهوتيين عندهم، عمل كتاب ضخم اسمه Summa Theologica أي قمة اللاهوتيات. هو عندهم يُعتبر قديس، قال: إننا أمامنا تناقض بين عصمة العذراء من الخطية الأصلية، وبين شمولية الخطية للعالم كله.
كان يعارض الفرنسيسكان الذين بزعامة رجل اسمه Scott، راهب فرنسيسكاني، نادوا بعصمة العذراء من الخطية الأصلية، لكن الـ Dominicans كانوا يعارضون هذا الأمر بالنسبة للكاثوليك، ومن ضمنهم توما الإكويني.
هم وضعوا أمامهم بالنسبة للعذراء فكرتين، واحدة منهم فكرة الطهارة المثالية والقداسة المثالية، في الواقع فكرة الطهارة المثالية والقداسة المثالية هذه تكون في الحياة العملية. أي بالنسبة للخطايا الفعلية، لكن لا تكون للخطية المتوارثة من آدم، هذه شيء وهذا شيء آخر.
أيضًا قالوا فكرة التشابه والاختلاف بين مريم وحواء، فمريم هي صورة حواء قبل الخطية. وماذا أيضًا!!؟ قالوا هي سبب الخلاص. فالأولى جلبت الهلاك، وهذه جلبت الخلاص.
وقالوا أمرًا ثالثًا، فكرة الفداء بالوقاية. ما دام كل إنسان محتاج للفداء والعذراء محتاجة إلى الفداء، فقالوا: الفداء بالوقاية!!!
ما دام هناك فداء بالوقاية فلماذا لم يفدينا الله كلنا بالوقاية وتنتهي الحكاية؟ ما الداعي لكل هذا؟!
فكرة الفداء بالوقاية أدخلها Scott الفرنسيسكاني وقال هذه هي تمثل التوفيق بين عصمة مريم وبين الخلاص للجميع بالفداء.
وقال إن هذا أَكمل أنواع الفداء، والمسيح افتدى أمه بهذه الصورة. إذًا طالما إنه قادر أن يفتدي أحد بهذه الصورة، فلماذا لا يفتدي العالم كله؟ هل هو راغب أن يُصلب ويأخذ شكل عبد ويتألم، ويرغب أن يُشتم ويُبصق عليه وأن يجلد.. ما لزوم كل هذا؟ فمن الممكن أن تمر على الجميع.
الرهبنة الفرنسيسكانية تبنَّت فكرة Scott، بعكس الرهبنة الدومانيكانية. يقولون أن "البابا سكوت" أحيا عيد الحبل بالعذراء، أغناه بالغفرانات، فظل يوزِّع غفرانات لكي "يبسط" الناس، ومنع الفريقين (الفرنسيسكاني والدومنيكاني) من أنهم يتبادلوا الحرومات والأحكام.
وعندما جاء بيوس الخامس أدان العبارة التي تقول: "ما من أحد غير المسيح مُنزَّه عن الخطية الأصلية"، قال إن هذه العبارة خطأ. وفي عهد بيوس التاسع، كما قلنا من قبل، جعلها عقيدة سنة 1854م.
ما هي الآيات التي استندوا عليها؟
قالوا في (تكوين 3: 15) عندما قال الله لحواء بالنسبة للحية: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ"، قالوا هذه العبارة "يسحق رأسك" في مفهومها مكتوبة عن المسيح، أن المسيح هو نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية.
لكن لا مانع في التفسير الرمزي من أن انتصار مريم على الشيطان لم يكن كاملًا إلا لو كانت خارج سلطانه، أي كانت بعيدة عن ذلك.
أيضًا انتصارها على الشيطان هذا في الحياة الفعلية، لكن الأصل؟؟ المسيح كان هو الوحيد الذي وُلد مُنزهًا عن الخطية الأصلية لأن الروح القدس حل أقنوميًا في بطن العذراء وطهر مستودعها حتى ابنها الذي يولد منها يكون بعيدًا عن الخطية الأصلية.
فلو نحن عملنا ذلك فلا بد من أن نقول إن حِنَّة زوجة يواقيم أم العذراء لا بد أن الروح القدس يكون حلَّ عليها أقنوميًا لكي يطهِّر مستودعها، وهذا ما لم يقل به أحد.
يجب أن نلاحظ أن الخروج من التفسير الحرفي أو النص لكي كل أحد يتخيَّل رموزًا على حسب مزاجه الشخصي، هذا ليس تعليم كتابي. لذلك هم قالوا هذه العقيدة لم تُذكَر صريحًا في الكتاب، لكن مُتضَمَّنة. لنرى كيف مُتضَمنَّة؟
قالوا في (لوقا 1: 28)، وهذه يستخدمونها كثيرًا جدًا جدًا، أن الملاك قال للعذراء السلام لك أيتها الممتلئة نعمة، فقالوا: عبارة ممتلئة نعمة تعني بعيدة عن الخطية!! وقد قيل لها الروح القدس حلَّ عليكِ. والرسل الاثنى عشر كانوا ممتلئين من الروح القدس، ومع ذلك امتلاؤهم من الروح القدس لم يكن إثباتًا بأنهم تخلُّوا عن الخطية الأصلية ولا الفعلية، لأن كثيرًا من الرسل أخطأوا.
والنعمة ليس معناها أنها تكون بريئة من الخطية الأصلية، فربنا يعمل بنعمته في جميع خُدَّامه، ومع ذلك لا نقول: إن نعمته تعطيهم عصمة. وبولس الرسول قال: "وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10)، فنعمة المسيح العاملة فيه لم تعطه عصمة.
وقال: "أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ"، ولكن لا أنا بل نعمة المسيح، فهذه النعمة لا تُعطي عصمة. ونحن نأخذ نعمًا كثيرة من الله، ولكنها لا تُعطي عصمة. تقول: ممتلئة بالنعمة، فالرسل – كما قلنا - امتلأوا بالروح القدس، وامتلاؤهم بالروح القدس لم يعطهم عصمة.
من ضمن خطورة هذا التفسير، أنهم يجعلون العذراء مساوية للمسيح تمامًا في هذا الأمر. فما من أحد كان معصومًا من الخطية إلاّ السيد المسيح.
فلما تكون العذراء معصومة، ماذا يكون الفرق بينها وبين المسيح؟ وما معنى أن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الرب، وليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد، ولماذا قال المسيح للشاب الغني: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (مت19: 17).
فهنا وضع العذراء في مستوى كمستوى المسيح تمامًا... أمرٌ غير مقبول لاهوتيًا إطلاقًا، إن بعض الآباء يجعلها في مستوى المسيح.
هم يقولون: إنها بامتيازٍ من الله كانت معصومة من الخطية الأصلية ومن كل الخطايا الفعلية أيضًا. كانت في عصمة من كل خطية شخصية أو وراثية، كما قال البابا بيوس الثاني عشر. توما الإكويني رفض مسألة عصمتها من الخطية الأصلية واكتفى بعصمتها من الخطية الفعلية.
النقطة الثالثة التي يعتمدون عليها في (لوقا 1: 41، 42) عندما قالت لها القديسة أليصابات: "مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك"، فقالوا إنها جمعت بين البركتيْن، مباركة لها، ومباركة لثمرة بطنها. بينما في (تثنية 28: 3، 4) يقول: إن أطعت وصايا ربنا "تحلُّ عليك جميع هذه البركات"، وقال من ضمن البركات: "مُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ"، فالأمر هو هو.
يعني في الحقيقة نوع من محاولة إعطاء آيات الكتاب المقدس مفهومًا أكثر من مفهومها الحقيقي، كلام مزيَّد ليس له دلالته على ما يقولون.
يقولون: إن مريم عُصِمت أيضًا مثل المسيح من بدء حياتها من كل خطية. وهنا تشبيهها بالمسيح تشبيه غير معقول.
إننا نرى أن موضوع الحبل بلا دنس موضوع ضد الفداء وضد حاجة كل إنسان إلى الخلاص، ولهذا البروتستانت تمسَّكوا تمامًا بعبارة الخلاص بالدم. ويشدِّدون عليها جدًا، أن لا يوجد خلاص إلاّ بالدم. ونحن أيضًا نقول إنه لا خلاص إلا بالدم.
[1] محاضرة "العذراء عند الكاثوليك"، لقداسة البابا شنوده الثالث بالكلية الإكليريكية، في 13 فبراير1996م
الخلافات مع الكاثوليك حول السيدة العذراء
الخلافات مع الكاثوليك حول السيدة العذراء[1]
أولاً نحن نتَّفق مع إخوتنا الكاثوليك في عدة نقاط
- نتفق معهم في لقب العذراء كوالدة الإله، ونكون ضد النساطرة معًا.
- نتفق على أن العذراء ممتلئة نعمة. (البروتستانت يقولون "المنعم عليها").
- نتفق على دوام بتولية السيدة العذراء.
- نتفق على شفاعة السيدة العذراء وقبولها.
- نتفق على صعود العذراء إلى السماء، فنعيِّد بعيد صعود العذراء، وإن كان هناك خلافات في بعض التفاصيل.
- نتفق على أمومة العذراء للبشرية كلها، فكلنا نقول أمنا العذراء.
- نتفق على تمجيد العذراء.
- نتفق على أعياد للعذراء مريم كثيرة.
- نتفق على بناء الكنائس باسم السيدة العذراء.
- نتفق على عظمة السيدة العذراء بل نحن نضع السيدة العذراء فوق مستوى الملائكة ورؤساء الملائكة، ونقول في تسابيحنا: "سَمَوتِ يا مريم فوق الشاروبيم وعلَوتِ يا مريم فوق السارافيم"، ونذكرها في التماجيد قبل رؤساء الملائكة.
ونحب العذراء جدًا، وغالبية كنائسنا باسم السيدة العذراء. والعذراء بيننا وبينها علاقة كبيرة في ظهورات العذراء عندنا أكثر من أي مكان.
أما الخلافات مع الكاثوليك فهي
قلت ما سبق كمقدمة لكي عندما نناقش بعض النقاط المتطرِّفة التي لا نقبلها. لا نقول أننا لا نوقِّر العذراء كما يفعل البروتستانت، وإنما صدِّقوني وأنا أقرأ ما يقوله كثيرٌ من علماء اللاهوت الكاثوليك عن العذراء شعرت تمامًا في داخلي بمقدار الجرح اللاهوتي الذي أصاب الناس حتى قامت الحركة البروتستانتية كرد فعل.
المشكلة في جوهرها الأساسي مبالغة فائقة الحد في تمجيد العذراء لدرجة تخرج عن صميم العقيدة اللاهوتية وأريد في هذا المجال أن أضع بعض نقاط بسيطة.
- نقطة منها مسألة الحبل بلا دنس، الحبل بالعذراء بلا دنس وبالتالي براءة العذراء من الخطية الأصلية أو الخطية الجدية أو الخطية الموروثة.
- إخوتنا الكاثوليك أيضًا يؤمنون بعصمة السيدة العذراء فيرون أنها لم ترتكب إطلاقًا أية خطية فعلية في حياتها، ولا أية خطية شخصية، ولا أية خطية عرضية، ولا هفوات ولا سهوات، عصمة كاملة عُصِمت بها من الخطية. نحن طبعًا نقول أن السيد المسيح هو الوحيد الذي كان بلا خطية، وهم يقولون الاستثناء للمسيح والعذراء معًا.
- يعتبرونها أيضًا مشارِكة في عملية الفداء، ويعتبرون أنها مصدر كل نعمة، أو لا تأتي نعمة إلا بواسطتها. شفاعتها تأخذ معنى يختلف عن معناها عندنا في الأرثوذكسية بحيث تكاد تكون هي الشفيعة الوحيدة. هم لا يقولون هذا الكلام مباشرة ولكن الأمر ينتهي بذلك، لأنه لا يمكن أن تصلنا أية نعمة إلا على يدها، وما دام لا يمكن أن تصل إلاّ على يدها فيكون أي قديس تتشفع به تأتي الشفاعة عن طريق العذراء أيضًا.
- لها مجال في الغفرانات متسعٌ جدًا، لدرجة أن بعض الكاثوليك يعتبرون أن كل زوائد القديسين تُقدَّم للسيدة العذراء وهي التي تصرف منها! فليس كل قديس يعطي من زوائده، إنما الكل يحوِّل إلى العذراء والعذراء هي التي تعمل هذه الأشياء.
- أمرٌ آخر عند الكاثوليك اسمه عبادة مريم، من جهة الغفرانات في العالم الآخر يسمونها سيدة المطهر، يقولون إإإأن سلطان السيدة العذراء يمتد إلى حيث يوجد سلطان ابنها، سواء في الكنيسة المنتصرة أو الكنيسة المجاهدة أو الكنيسة المعذَّبة أي في المطهر، وأنها تستطيع أن تطهِّر المطهر أو تفرغه كما تشاء، وممكن أن المطهر يفرغ في أعياد السيدة العذراء. لا أعرف عندما يفرغ المطهر أين يذهبون؟! ولها أن تخلِّص من تشاء. هذه النقاط سنأخذها واحدة واحدة.
بمسألة "الحبل بلا دنس"، وقد تكلَّمنا عنها من قبل بالتفصيل، ونلخِّصها في نقاط. لماذا نرفض نحن هذه العقيدة؟
نرفضها لسببين (أو أكثر):
- أولًا لأنها ضد عقيدة الفداء، فنحن نعتقد جميعًا أننا كلنا قد ورثنا الخطية الأصلية وأننا لا نستطيع أن نخلُص إلا بالفداء بدم المسيح، وأن بدون سفك دم لا تحدث مغفرة. فكيف إذًا أمكن أن العذراء تخلُص من الخطية الأصلية بدون سفك دم؟ كيف أمكن. هذه المشكلة الأولى.
- المشكلة الثانية وهي أخطر منها: أنه لو كانت هناك طريقة يخلُص بها إنسان من الخطية الأصلية ومن الخطية الجدية ومن الحكم الذي وقع على أبوينا آدم وحواء، لو وُجدت طريقة غير الفداء، فلماذا لم يعمِّمها الله بالنسبة للبشرية، وكما عمل مع العذراء يعمل مع الكل؟
لماذا التجسُّد؟ ولماذا أخلى الرب ذاته وأخذ صورة عبد؟ ولماذا أُهين وشُتم؟ ولماذا صُلب؟ كأن المسألة تطعن في التجسُّد أيضًا بذاته.
عقيدة المطهر
- نقطة أخرى هي أن عقيدة المطهر عقيدة حديثة. وكما قلنا من قبل أن انبثاق الروح القدس كان في القرن الحادي عشر، أي في القرون الأولى لم يكن له وجود، وأيضًا الحبل بلا دنس عقيدة حديثة أعلنها البابا بيوس التاسع في 8 ديسمبر1854م وأصبح يوم 8 ديسمبر عيدًا للعذراء، عيدًا سنويًا.
وبعض الباباوات رؤساء كنيسة روما كانوا يمنحون غفرانات باسم السيدة العذراء في الاحتفالات بـ 8 ديسمبر، أو من يزور كنيسة على اسم العذراء في 8 ديسمبر، أو يحتفل بعيدها في 8 ديسمبر... إلى آخره. لدرجة أن البابا بيوس الثاني عشر وهو الذي أعلن عقيدة صعود العذراء سنة 1946م منح غفرانًا كاملاً لمن يعترف ويتناول في أية كنيسة من كنائس العذراء في يوم 8 ديسمبر كان سنة 1953م أو سنة 1954م. إذًا عقيدة الحبل بلا دنس ضد الفداء، وضد التجسد، وهي عقيدة حديثة.
والعجيب أن من ضمن مصادرها الرؤيا التي تُنسب إلى فتاة اسمها برناديت، التي يحتفلون بها ويسمونها (عذراء لورد). وهي بنت صغيرة 12 سنة أو 13 سنة، تقول أن السيدة العذراء ظهرت لها وقالت لها: أنا الحبل بلا دنس.
وفرضًا أن الرؤيا صحيحة، فقد تكون العذراء قالت لها أنا التي حبلت بالمسيح بلا دنس، لكن مع ذلك قالت الفتاة إنه ظهرت لها العذراء حوالي 18 مرة. وصارت فيما بعد راهبة ورئيسة دير في مدينة لورد بفرنسا.
لا نقدر أن نؤسس عقيدة على رؤيا رأتها فتاة صغيرة، لكن فيما بعد، بعد ما أُعلنت العقيدة بدأ البحث عن أصول لها في التاريخ وأصول لها في أقوال الآباء. كل هذه الأصول لم تكن موجودة قبل هذا الأمر، ولكن مثل شخص ابتدأ يكوِّن عقيدة فيبدأ يبحث لها في الماضي القديم.
بدليل أن في كل المجامع المقدسة السابقة قبل ذلك حتى المجامع الكاثوليكية لا يوجد بها شيء عن هذا الموضوع.
عقيدتهم بأن العذراء وسيطة لكل نعمة
جاء في أحد الكتب الكاثوليكية (كتاب من منشورات المطبعة الكاثوليكية ببيروت)، وهو من الكتب التي تمثل العقيدة ومكتوب عليه "فليُطبع":
يقول: إن مريم هي بولادتها للمخلِّص مصدر كل النِعم والسبيل لكل النِعم (قضية أكيدة) ومنذ انتقال مريم إلى السماء ما من نعمة تأتي إلى البشر إلاّ بشفاعتها الفعلية.
نحن كأرثوذكس نقول العذراء شفاعتها مقبولة ونحن نتشفع بها، ولسنا مثل البروتستانت الذين ينكرون الشفاعة، لكن لا نقول ما من نعمة تأتي إلى البشر إلا بشفاعتها الفعلية.
ويقولون أيضًا أُعطيت أن توزِّع نعمة المسيح الخلاصية على البشر، واشتراكها إنما هو في تطبيقها الفداء على البشر.
وقد تم شرح هذه النقطة سابقًا، ونضيف عليها الآتي: يقولون إن هذا الأمر جاء في إعلان بابوي، أعلن البابا لاون الثالث عشر في رسالته... إلى آخره: [إنه بتدبير إلهي ما من نعمة من كنز النعم الكبير الذي أتى به المخلِّص توزَّع علينا إلا عن يد مريم. وكما أنه ليس من يستطيع أن يتقرَّب من الآب إلا عن طريق الابن، كذلك ليس من يستطيع أن يتقرَّب من الابن إلاّ عن طريق أمه].
وكأن الكنيسة نفسها لا تستطيع أن تُقرِّب الناس إلى الله، ولا الكهنوت يُقرِّب، ولا الأسرار، ولا أي شيء. لا يوجد غير العذراء. وبعد ذلك البابا بندكتوس الخامس عشر يقول: [إن كل النِعم التي شاء صانع كل خير أن يوزِّعها على أبناء آدم المساكين، إنما يوزِّعها بتدبير من عنايته الإلهية عن يد العذراء القديسة وسيطة كل النِعم لدى الله].
والبابا بيوس الحادي عشر يقول في رسالة سنة 1937م: [الله أراد أن ننال كل شيء عن يد مريم]!!!
كما قلنا من قبل إن إخوتنا الكاثوليك في تمجيدهم لبعض القديسين يبالغون مبالغات تُخرِج الأمر عن وضعه اللاهوتي، فيبالغون مثلًا في تمجيد بطرس الرسول بأن يجعلوه خليفة المسيح على الأرض، وأنه رئيس لكل كنائس العالم! وهذا الكلام غير معقول.
ولأنهم يحسدون الكنيسة القبطية على مكانتها اللاهوتية في المجامع المسكونية وقوَّتها فيقولون إن مار مرقس كان سكرتيرًا لبطرس الرسول! ما سمعنا طوال حياتنا أن بطرس كان له سكرتير! أو يقولون أنه كان مترجمًا لبطرس الرسول! هذا الكلام تم نشره في كتاب مار مرقس.
وبطرس لم يكن محتاجًا لمترجم، أولًا لأن موهبة الألسنة كانت موجودة لكل الرسل أخذوها في يوم الخمسين، وثانيًا بطرس الرسول كان يخدم وسط اليهود، وهو عارف لغتهم. أو يقولون إن بطرس الرسول هو الذي أرسل مار مرقس إلى مصر يبشِّر في مصر، وبعد أن رجع مار مرقس قدَّم تقريرًا عن خدمته لبطرس الرسول!!! كيف تثبتون ذلك؟ إنه مجرد كلام لتمجيد بطرس بطريقة غير مقبولة.
كذلك عن السيدة العذراء يقولون: "الحبل بلا دنس".
عقيدتهم بأن العذراء شريكة في الفداء
يعتقدون بأن العذراء كانت شريكة في الفداء co-redeemer،
Redeem تعني يفدي،
Redeemer تعني فادي،
وco-redeemer أي شريك في الفداء. المعروف أن الفداء تمَّ بواسطة المسيح وحده، فما معنى أنها كانت شريكة في الفداء؟
نعرف أن الفداء قد تم بواسطة دم المسيح. دم المسيح الذي سُفك من أجلنا والذي قال عنه: " هذَا هُوَ دَمِي.. الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت26: 28). ويقول الكتاب إنه "غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ" (رؤ1: 5)، ويقول: "بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط1: 19). فكيف كانت العذراء شريكة في هذا الدم المسفوك، ما معنى شريكة؟
وهل الفداء تأخذ هي أيضًا نصيبًا من فضله، وإن كنا نحن قد اُشترينا بثمن والذي اشترانا هو المسيح فهل تكون العذراء شريكة في الشراء، وإن كان المسيح في الفداء قد خلَّصنا ونلنا الخلاص بواسطته فهل تكون العذراء أيضًا شريكةً في الخلاص، وهي كانت محتاجة كذلك إلى الخلاص نفسه، وقالت "تبتهج روحي بالله مخلصي"؟؟
كلُّ هذا محاولة لتمجيد العذراء بطريقة لا تقبلها العذراء نفسها. والسيد المسيح يتكلَّم عن هذا الفداء الذي قام به، فيقول ما سجله القديس يوحنا: "لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا" (يو10: 17). فالمسيح هو الذي قدَّم نفسه، ولا يوجد من شاركه في هذا الأمر.
يقولون إنها قدَّمت ابنها الوحيد، فما معنى قدَّمت ابنها الوحيد؟! هي التي دفعته إلى الصلب؟! أهي التي أغرته أو أقنعته بتقديم نفسه عن حياة العالم؟ هو من نفسه قدَّم ذاته محبةً لخلاص الناس ومنهم العذراء.
عقيدتهم بأن العذراء واسطة في الخلاص
وأحيانًا يقولون بدل co-redeemer (شريكة في الفداء) يقولون كانت واسطة في الخلاص، هي صحيح التي ولدت المسيح لكن ليست هي التي تسبَّبت في الخلاص.
يقولون: أولًا وسيطة في الفداء لأنها ولدت المسيح، وكون أنها ولدته فهي شريكة في الفداء!
هل كل أم تلد ولدًا له أعمال مقدسة تكون شريكة في أعماله المقدسة؟ هل أليصابات كانت شريكة في كرازة يوحنا المعمدان؟ ثم هل ولدته من نفسها أم من اشتراك الروح القدس في هذه الولادة؟ نحن نقول تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، ويقولون: "شريكة في الفداء، لأنها قدَّمته ذبيحة لله الآب على الصليب"!؟
هل هي التي قدَّمته ذبيحة؟ قالت للناس: "تفضلوا خذوه واصلبوه، هدية مني لكم"! بالعكس لقد قالت: "أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، أما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك".
ما معنى قدَّمته للصليب؟ المسيح قدَّمه الآب، أم هو قدَّم نفسه، أم العذراء التي قدَّمته؟ كما قلنا من قبل في (يوحنا 10: 17، 18) "أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. ليس أحد يأخذها مني، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا".
يقولون إذا كان المسيح وحده على الصليب قدَّم ذبيحة المصالحة، إلاّ أن مريم التي كانت واقفة بجانبه على الصليب كانت تقدِّم معه ذبيحة بقلبها! وأيضًا كانت واقفة المجدلية، وكانت واقفة مريم زوجة كلوبا، وكان واقف يوحنا الحبيب. فهل وقوفها بجانبه تحت الصليب يعني أنها هي التي عملت المُصالحة؟؟
المصالحة لم تتم إلاّ بالدم وبالموت، وهي لم تكن شريكة لا في الدم ولا شريكة في الموت.
كون أنها كانت متألِّمة لأجله وهو على الصليب ليس معنى هذا أنها كانت مُشترِكة في آلامه من أجل الخلاص. آلام الصلب شيء والآلام العاطفية من العذراء شيء آخر، من طبيعتها، هذا أمر وذلك أمر آخر. وأيضًا كل الذين كانوا حول الصليب كانوا متألِّمين أيضًا.
يقولون أيضًا عندما قالت: "ليكن لي كقولك"، وقبِلت الحبل المقدس كانت بقبولها لهذا الحبل المقدس قد اشتركت في (عملية التجسُّد)، وبالتالي في عملية الفداء فيما بعد!
لا بد أن كل شيء يكون له حدود ولا تكون الأمور بهذا الشكل. قبولها لمشيئة الله: "ليكن لي كقولك"، هذه تدُل على حياة التسليم للإرادة الإلهية، ولا تدل على شركة في التجسد ولا شركة في الفداء...
[1] عن ثلاث محاضرات لقداسة البابا شنوده الثالث، محاضرة "العذراء بيننا وبين الكاثوليك" بتاريخ 28 /5/1986م ومحاضرة "الحبل بلا دنس" بتاريخ 9 نوفمبر1999م، محاضرة "معتقدات الكاثوليك في السيدة العذراء" بتاريخ 23 نوفمبر1999م
أسئلة حول السيدة العذراء
سؤال: ما رأيك أن البعض لا يصلي بقطع العذراء بالأجبية[1]
الجواب:
هناك أُناس، وللأسف بعض الرهبان، لا يصلُّون القطعة الثالثة من صلوات الأجبية، ويقولون كيف نصلِّي للعذراء؟
هناك فرق بين أننا نعبد العذراء أو نصلِّي للعذراء، وبين أننا نذكر العذراء في صلواتنا أو نكرِّم السيدة العذراء في صلواتنا.
فنحن في صلواتنا أحيانًا كثيرة نكلِّم الملائكة.
- (مزمور 148): "سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ".. نصلِّي هذا المزمور، ونقولها في التسبحة (لأن في التسبحة نأخذ بعض مزامير)، نقولها في الهوس الرابع، ونتكلَّم كثيرًا في هذا الموضوع. نقول: سبِّحوه (إزمو إبشويس ني أنجيلوس تيرو إنتى إبشويس)، يعني سبِّحوا الله يا جميع ملائكته.
- في (مزمور 103: 20) نقول: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ". فنحن نكلِّم الملائكة أثناء صلواتنا دون أن نقول إننا نصلِّي للملائكة. نكلِّم الملائكة لكن لا نصلِّي للملائكة.
- بل نحن في صلواتنا أيضًا نكلِّم أنفسنا، سواء صلواتنا الخاصة أو المزامير. فنقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 1، 2).
- ونقول أيضًا في قِطع الأجبية: "توبي يا نفسي ما دُمتِ في الأرض ساكنة". إنسان يخاطب نفسه أثناء الصلاة ليس معناه أنه يصلِّي إلى نفسه. يخاطب نفسه أثناء الصلاة، يخاطب الملائكة أثناء الصلاة. فنحن نخاطب العذراء أثناء الصلاة متشفِّعين بها وليس موجِّهين الصلاة إليها. نطلبها ونقول لها اذكرينا في كذا وكذا وكذا.
- نحن أيضًا نخاطب الطبيعة في صلواتنا، وخصوصًا في الإبصلمودية نكلِّم الطبيعة ونقول: "سبِّحيه أيتها الشمس والقمر، سبِّحيه يا جميع كواكب النور، سبِّحيه يا سماء السموات ويا أيتها المياه التي فوق السموات. نقول: (إزمو إيروف نيفيؤي إنتى نيفيؤي الليلويا، إزمو إيروف نسيو تيرو إنتى بي أأويني)، سبِّحوه يا جميع النجوم (نسيو تيرو). فهل نحن نعبد النجوم؟ أم نحذف (مزمور 148) كله؟ وإن حذفناه، هل سنحذف التسبحة أيضًا؟ والعجيب أن الذين يحذفون صلاة العذراء يقولون هذه التسبحة، ويقولون هذه المزامير، أما العذراء لا!
- سبِّحيه يا سماء السموات، يا أيتها المياه التي فوق السموات، سبِّحي الرب أيها التنانين وكل اللجج (ني إذراكون...)، والنار والبرد والثلج والضباب وكل الشعب يقول الليلويا، وأيتها الريح العاصفة الصانعة كلمته، وسبِّحوه أيتها الجبال وكل الآكام وكل الأرض والوحوش وكل البهائم والطيور ذات الأجنحة وملوك الأرض. سبِّحوه يا ملوك الأرض وكل الشعوب (ني أرإو إنتى إبكاهي نيم ني....)، والأحداث والعذارى.
فهل نحن عندما نخاطب كل هذه الكائنات أثناء صلواتنا فبذلك نعبدهم؟ بالطبع لا. ممكن أثناء الصلاة نكلِّم الطبيعة، ممكن أثناء الصلاة نكلِّم حتى الشياطين، ونقول: "اِبعدوا عنِّي يا جميع فاعلي الإثم، فإن الرب قد سمع صوت بكائي. اِبعدوا عنِّي". هل تقول: أنت سرحت في صلاتك وبدأت تكلِّم فاعلي الإثم؟ أم تعبُد فاعلي الإثم وتذكرهم في الصلاة؟ اِبعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم، فإن الرب قد سمع صوت صلاتي.
- نكلِّم الناس أثناء الصلاة نقول: يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم اِهتفوا لله بصوت الابتهاج. إننا نكلِّم كثير من الناس أثناء الصلاة.
- أيضًا في (مزمور 103): سبِّحي يا نفسي الرب وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس. ونقول: باركوا الرب يا جميع أعماله، في كل مواضع سلطانه، باركوا الرب يا جميع جنوده، باركوا الرب يا ملائكته.
- وأيضًا في (مزمور 113) يقول: سبِّحوا الرب يا عبيد الرب، سبِّحوا اسم الرب. ليكن اسم الرب مباركًا من الآن وإلى الأبد. ونقول: سبِّحوا الرب أيها الفتيان. كل هذه مزامير نصلِّيها، فهل صلاتنا بهذه المزامير معناها أننا نصلِّي للفتيان ولا نصلِّي لجنود الرب؟!!؟
- وفي (مزمور29) "قدِّموا"، نقول: "قدِّموا للرب يا أبناء الله، قدِّموا للرب مجدًا وكرامة، قدِّموا للرب مجدًا لاسمه، اسجدوا للرب في دياره المقدسة".
نكلِّم الملائكة، نكلِّم الطبيعة، نكلِّم الناس، نكلِّم الأرواح الشريرة، نكلِّم أنفسنا...
- ونكلِّم المدينة المقدَّسة ونقول: سبِّحي الرب يا أورشليم، سبِّحي إلهك يا صهيون، لأنه قوَّى مغاليق أبوابك وبارك بنيكِ فيكِ (مز147). وإن كنا نقصد بها الكنيسة فنكون نخاطب الكنيسة. أما أن لا نقول قِطع العذراء هذه لأن فيها كلام للعذراء؟! نستطيع أن نكلِّم العذراء، ولكن هذا لا يعتبر صلاة.
بصلواتِك تُغلق أبواب الجحيم، أي صلوات العذراء تمنع أن الجحيم يبتلع هذا الشخص (نوع من الشفاعة).
من يقفوا ضد العذراء لا يريدون أن يعطوا كرامة للعذراء، ولا شفاعة للعذراء. فأنا ممكن في الشفاعة استشفع بأحد أسلوبيْن، إما أن أقول يا رب بشفاعة مار جرجس اِعمل كذا وكذا، وإما أن أقول يا مار جرجس اتشفع فيَّ في كذا وكذا.
بمعنى إما مخاطبة مباشرة للقديس، أو صلاة إلى الله متشفعين باسم القديس. أما هؤلاء فيقلِّلوا من قيمة العذراء وقدرتها على أنها تنفع الإنسان.
الكاثوليك حتى بالنسبة للمطهر يعتبرون العذراء سيدة المطهر، وأنها تقدر تُخرِج ناس، وتقدر تخفِّف عقوبة على ناس... إلى آخره.
يقولون تمجيد أو صلاة. لكن هي فعلًا تطلب من أجلنا، لا أعتقد إنهم يرفضون شفاعة العذراء لكن لا يريدون أن تخاطَب أثناء الصلاة. فالأجبية عندهم غير باقي الأجابي الموجودة في الدنيا كلها. موجود فيها القطعة الثالثة لكن لا يصلون بها.
كأن لديهم وضع يختلف عن كل أوضاع الرهبان وكل أوضاع الكنائس، حتى كنائس الشعب العادي في الكرازة كلها.
*_______*_______*_______*
سؤال: لماذا نطوِّب العذراء؟
هل بسبب أمومتها؟ أم بسبب بتوليتها؟ أم بسبب إيمانها؟[2]
قرأت لأحد البلاميس أنه لا يجوز لنا أن نطوِّب العذراء كأم أو كبتول! وأن الأمومة الجسدية ليست هي الأمومة التي يكرِّمها الرب! وأن الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية أو القرابة الجسدية! وأن تطويبها هو بسبب إيمانها فقط. فما هو المفهوم الأرثوذكسي لكل هذه الأمور؟
الجواب
نحن نطوِّب العذراء على كل هذه الأمور: على أمومتها للرب، وبتوليتها، وإيمانها، وحياتها المقدَّسة. كل ذلك معًا، وبخاصة كونها والدة الإله، لأنها تميَّزت بهذا على كلِّ نساء العالم..
وكما نقول لها في اللحن: "نساء كثيرات نلن كرامات. ولم تنل مثلك واحدة منهن" (أم31: 29).
حقًا إن القديسة أليصابات قالت لها: "فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 45). ولكن هذا الذي آمنت أنه سيتم، هو أنها ستصبح والدة الإله. كما أن أليصابات لم تحصر تطويبها في هذا الإيمان، بل قالت أيضًا قبله: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1: 43) وقالت أيضًا في تطويبها: "مباركة أنت في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنك" (لو1: 43).
وكل هذا التركيز على كونها والدة الإله. ولا يجوز أن نأخذ عبارة واحدة من تطويب القديسة أليصابات للقديسة مريم، ونترك باقي الآيات التي تعطي صورة كاملة عن "الحق الكتابي"...
ونريد أن نقول إن كون القديسة مريم بتولًا ووالدة الإله، إنما هاتان صفتان ترتبطان بقضية الخلاص ذاتها.
فما كان ممكنًا أن يتم الخلاص بدون التجسد، والتجسد معناه أن يولد الرب من امرأة، من إنسانة بنفس طبيعتنا، وبهذا يمكنه أن ينوب عن البشر. ولهذا كان السيد المسيح يصر على تلقيب نفسه (ابن الإنسان)، لأنه بهذه الصفة، خلَّص البشر. ولم يصِر ابنًا للإنسان إلاّ ببنوته من مريم...
ولهذا فإن لقب (والدة الإله) الخاص بمريم العذراء، هو لقب يتعلق بالفداء، أو الخلاص، الذي لا يتم بدون التجسد...
وهل بتولية العذراء لها أيضًا علاقة بموضوع الخلاص؟
طبعًا، بتولية العذراء لها علاقة بموضوع الخلاص.
لأن المسيح ما كان ممكنًا أن يولد نتيجة زرع بشر طبيعي من رجل لامرأة، ويصير إنسانًا عاديًا!!
بل كان لا بد أن يولد من عذراء، بطريقة غير طبيعية، بالروح القدس، له أب واحد هو الله، وهكذا لا يولد بالخطية الأصلية. وإذ يكون هكذا قدوسًا، يمكن أن يفدي الخطاة...
لماذا إذًا لا نطوِّب العذراء على أنها بتول ووالدة الإله، وبخاصة لأن هذين الأمرين لازمان لخلاصنا؟!
وأية منفعة تُراه يحصل عليها إنسان أيًا كان مذهبه المسيحي، من عدم تطويب العذراء لكونها والدة الإله، ولكونها بتول!! وقد طوَّب القديس بولس البتولية وقال إنها أفضل (1كو7).
ثم أن العذراء، حينما قالت: "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" لم تقصد أن إيمانها هو سبب التطويب، بل قالت: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لو1: 48، 49)...
وطبعًا هذه العظائم، هي إمكانية أن تلد وهي بتول، وأن تلد الرب نفسه... أية عظائم أكثر من هذه؟
إن الإيمان يمكن أن يوجد عند أيه امرأة. ولكن ليست كل امرأة يمكنها أن تلد وهي بتول، وتلد الرب نفسه!
ولذلك فإن قصر تطويب العذراء على الإيمان فقط، هو جعلها كباقي النساء، دون تمييز، وهذا اتجاه بروتستانتي معروف...
أما كون الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية أو القرابة الجسدية، فليس هذا تعليمًا كتابيًا سليمًا.
يكفي أن الله جعل إكرام الوالدين في أول وصايا اللوح الثاني الخاص بالعلاقات مع الناس (تث5: 16).
وقد شدَّد بولس الرسول على وصية (أكرم أباك وأمك)، وقال أنها "أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف6: 2).
وفي العهد القديم كان القتل عقوبة من سب أباه أو أمه (مت15: 4).
وفي العهد الجديد يقول الكتاب: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ" (1تي 5: 8). والسيد المسيح قد وبَّخ الكتبة والفريسيين على تعاليمهم بعدم إكرام الوالدين بحجة "قربان" (مت15: 6). ولعل من اهتمام السيد المسيح بأمه، أنه خصَّها على الصليب بكلمتين من كلماته السبع واهتم برعايتها...
وأمثلة الاهتمام بالعلاقات العائلية لا تدخل تحت حصر...
إن القول بأن الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية والقرابة الجسدية فيه تحطيم للأسرة والمجتمع، ولا يتفق مع تعليم الكتاب، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، والذي لا يكرم أباه وأمه، لا يمكن أن يكرم أحد في الوجود! ويكون ابنًا عاقًا. وفي ناموس موسى كانوا يرجمونه. وفي العهد الجديد هو شر من غير المؤمن.
وبعد، إن المسيح أكرم العذراء كأم، وأكرمها أيضًا كإنسانة روحية. وهو اختار أقدس إنسانة لتكون له أمًا...
*_______*_______*_______*
سؤال: هل يصح أن نقول عن العذراء أنها سور خلاصنا؟[3]
إن أحد البلاميس يشكِّك في هذه التسمية، اعتمادًا على قول إشعياء النبي "تُسَمِّينَ أَسْوَارَكِ خَلاَصًا" (إش60: 18).
فهل صارت العذراء في مكانة الخلاص؟!
الجواب
إن الكتاب المقدس ليس آية واحدة، بل هو كتاب متكامل...
والذي يستخدم آية واحدة ويترك الباقي، لا يقدِّم صورة سليمة لمفهوم الكتاب، ولا المعنى المتكامل الذي يقدِّمه الوحي الإلهي.
إن كلمة "السور" تعطي في الكتاب معنى الحماية
لذلك قال أحد غلمان نابال الكرملي لأبيجايل عن داود ورجاله: "كَانُوا سُورًا لَنَا لَيْلاً وَنَهَارًا كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي كُنَّا فِيهَا مَعَهُمْ نَرْعَى الْغَنَمَ" (1صم25: 16)، أي كانوا يحمونهم ويحافظون عليهم.
وبهذا المعنى كان ينظر إلى "أسوار أورشليم"، لحماية المدينة من أعدائها. وأصبحت عبارة "مدينة بلا أسوار" تعني أنها عُرضة لهجوم الأعداء، بلا حماية، بلا حفظ... فهل اختص الله وحده بكلمة "سور"، أم أُطلق هذا المعنى أيضًا على بعض من البشر.
لقد أُطلق هذا اللقب على بعض الناس، ولعل في مقدِّمتهم إرميا النبي، الذي قيل له من فم الرب: "وَأَجْعَلُكَ لِهذَا الشَّعْبِ سُورَ نُحَاسٍ حَصِينًا" (إر15: 20).
فإن كان هذا النبي قد عيَّنه الله بنفسه لحماية الشعب، بحيث يكون سورًا لهم، وسورًا حصينًا، فليس ضد الإيمان. إذًا تكون العذراء سورًا. فهي ليست أقل من إرميا.
ويؤكد الرب لإرميا هذا المعنى أيضًا، فيقول له: "هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، لِمُلُوكِ يَهُوذَا وَلِرُؤَسَائِهَا وَلِكَهَنَتِهَا وَلِشَعْبِ الأَرْضِ" (إر1: 18).
ما أعجب أن يكون إرميا سورًا، لكل الأرض...
والعروس في سفر النشيد أخذت هي أيضًا لقب "سور".
"أَنَا سُورٌ وَثَدْيَايَ كَبُرْجَيْنِ. حِينَئِذٍ كُنْتُ فِي عَيْنَيْهِ كَوَاجِدَةٍ سَلاَمَةً" (نش8: 10). فإن اعتبرنا العروس هنا هي الكنيسة، تكون الكنيسة سورًا للمؤمنين، لحمايتهم من السقوط.
فإن كان إرميا سورًا، والكنيسة سورًا، ما الخطأ في أن تكون العذراء سورًا، تحمينا بصلواتها المقبولة أمام الله.
لقد نلنا الخلاص بدم المسيح. وهذا الذي نلناه يحتاج إلى صلوات تحميه، وتكون سورًا له، حتى لا نسقط بعد الإيمان.
وليس أقوى من صلوات العذراء، والدة الإله، سور خلاصنا.
*_______*_______*_______*
سؤال: هل يليق أن نقول عن العذراء "باب الحياة"؟
بعض الإخوة البلاميس قالوا كيف تقولون عنها في الأجبية "باب الحياة" أو "باب الخلاص"، والباب هو المسيح؟ وكيف تقولون عنها "الكرمة الحقَّانية"، وربنا يقول "أنا هو الكرمة"؟
الجواب: نجاوب بعض إجابات بسيطة لا تغيب عن أذهانكم المملؤة بالنعمة. نقولها من ناحيتيْن:
أولاً: هي شُبهت بالكرمة بمعنى، والمسيح أو الآب بكرمة بمعنى آخر... والبشر ككرمة بمعنى... إلى آخره. إذا كانت الكرمة هي الله تكون العذراء هي الغصن في هذه الكرمة، وإذا كانت العذراء هي الكرمة يكون المسيح هو عنقود الحياة الذي فيه، أي أن هذه بمعنى وتلك بمعنى. خطأ الناس أنهم يمشون بطريقة حرفية.
ثانيًا: لا ننسى إطلاقًا أن السيد المسيح أعطانا بعض ألقابه ولم يكن في هذا ما يخالف العقيدة، فالمسيح قال: أنا هو نور العالم، وقال: أنتم نور العالم... هو نور العالم بمعنى، ونحن نور للعالم بمعنى آخر. بنوره نعاين النور، هو النور الحقيقي ونحن نأخذ من نوره فنصير نورًا فنضيء للعالم، هكذا فليضيء نوركم قدام الناس. فالمسيح قيل عنه أنه نور وقيل عنا كبشر أننا نور، ولكن هذه بمعنى وهذه بمعنى.
المسيح قيل عنه أنه هو الراعي الصالح، والمسيح أقام في كنيسته رعاة، وسمَّاهم الكتاب المقدس رعاة، ونقول الرب راعيَّ، فالرب هو الراعي.
وفي حزقيال تكلَّم كثيرًا جدًا عن الرعاة كبشر، وفي رسالة بطرس الأولى يتكلَّم عن الرعاة، ويبقى المسيح راعي الرعاة الأعظم. فهو ممكن يكون راعي وهم الرعاة، وفي هذه الحالة يكون هو راعي الرعاة، مثلما قال له أغسطينوس: "يا رب أنا راعٍ لهؤلاء الناس، ولكنني أمامك أيها الراعي الصالح واحدٌ من قطيعك. أنا معلِّم لهم، ولكن قدَّامك أيها المعلِّم أتتلمذ عليك معهم. فهو المعلِّم بمعنى ونحن معلِّمين بمعنى آخر، وهو الراعي بمعنى ونحن رعاة بمعنى آخر. والمسيح أعطانا من ألقابه، بل قيل عنه أنه هو أسقف نفوسنا (بطرس الأولى 2: 25)، وأقام البعض في الكنيسة أساقفة في (أع 20: 28)، فهو أسقف الكنيسة وأعطى البعض أن يكونوا أساقفة.
وهو كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق وأعطى البعض أن يكونوا كهنة. هو كاهن بمعنى أنه قدَّم نفسه ذبيحة، فهو الكاهن والذبيحة، ونحن كهنة بمعنى آخر: نخدم سرائره المقدسة.
هو ابن الله ونحن أبناء الله.. هو ابن الله بمعنى أنه من جوهرهِ ومن طبيعته وله نفس لاهوته، ونحن أبناء الله بنوعٍ من التبنّي والإكرام والمحبة.
الألقاب موجودة، ولكن تُفهم هنا بمعنى وهنا بمعنى آخر. فلا داعي أن يغضب إخوتنا البلاميس ويتضايقوا إن العذراء تسمى الكرمة، ومع ذلك، نضع أمامهم بعض آيات:
خذوا مثلًا (إش 5: 1)، يقول: "لأُنْشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ: كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ"، هنا الكنيسة شبَّهها بكرمة، وانتظر الرب أن تصنع عنبًا فصنَعَت عنبًا رديًا. فالكنيسة نفسها شُبِّهت بكرمة، فهل نقول أن الكنيسة أخذت لقب المسيح نفسه؟
وفي (إش27: 2، 3) يقول: "غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ: أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ. أَحْرُسُهَا لَيْلاً وَنَهَارًا". فالكنيسة شُبِّهت بكرمة، الله غرسها ويسقيها، فهل تقول كيف تكون الكنيسة كرمة، والكرمة هذه اسم من أسماء الله؟؟
- في أوقاتٍ كثيرة ربنا يقول عن نفسه "أنا الكرمة"، وأوقات يقول إن الكرمة هي الكنيسة، كما في مثل الكرم والكرّامين الأردياء: الكرم كان الكنيسة، والكرّامين الأردياء هؤلاء كانوا كهنة اليهود.
- في (مز80: 14، 15) يقول: "يَا إِلهَ الْجُنُودِ، ارْجِعَنَّ. اطَّلِعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانْظُرْ وَتَعَهَّدْ هذِهِ الْكَرْمَةَ، وَالْغَرْسَ الَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ"... فشبَّه الكنيسة بالكرمة. ونحن نصلّي ونقول له: انظر وتعهَّد هذه الكرمة التي غرستها يمينك. فممكن الكنيسة تكون كرمة.
- بل كل امرأة ممكن أن تشبَّه بكرمة، فنقول في المزمور: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ". فكل أم كما ورد في (مز 128) تعتبر كرمة (امرأتك مثل كرمة)، هنا مكتوب مثمرة في جوانب بيتك. فما المانع إذا كانت كل أم تعتبر كرمة، فهل عندما نقول عن العذراء أنها كرمة، هذه هي التي تتعبكم؟؟
فالكنيسة ممكن أن تُسمى كرمة، وكلُّ أمٍّ ممكن أيضًا أن تُسمى كرمة، ونقول للرب: الكرمة التي غرستها يمينك. أيضًا "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ.. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِق" (يو15). وفي هذه الحالة السيد المسيح هو الكرمة.
باب الحياة: إذا كانت العذراء هي الباب الذي خرج منه المسيح والمسيح هو الحياة، ولقد قال: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ"، فتكون هي باب الحياة.
باب الخلاص: إذا كان خرج من العذراء المسيح الذي هو (مخلِّص العالم)، فهي تعتبر الباب الذي خرج منه، ومع ذلك نجد في حزقيال يقول: "إن باب من المشرق خرج منه رب المجد وظل مغلقًا" (حز44)، لأن رب المجد خرج منه، فشبَّهها حزقيال بالباب. فعندما يقول السيد المسيح أنا الباب بمعنى، والعذراء الباب بمعنى آخر. يقول في (حز 44): "فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: «هذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقًا، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقًا".
*_______*_______*_______*
سؤال: هل يناسب أن نكون عبيدًا للعذراء؟
في عبارة: "اِسبلي ظلِّك السريع المعونة على عبدك"، ممكن شفاعة العذراء تُقبل لكن كلمة "عبدك" غير مناسبة.[4]
الجواب: نحن عبيد عبيدها. ما هذا الكلام إن كلمة عبدك غير مناسبة؟ هل نتكبَّر؟؟!
ما معنى عبدك؟ تعني خادمك. وماذا فيها! عبدك لا تعني يعبدك، عبدك تعني خادمك. تمامًا كما نقول: سيدتنا وملكتنا كلنا، فهي سيدة وهي ملكة. ونقول بالقبطي: (تين شويس إن نيب ترينتي ثيئوطوكوس)، "تين شويس" تعني سيدة، "تشويس" هذه تقال على ربنا نفسه. نقول: (بين شويس أووه بينوتي أووه بين سوتير إيسوس بخرستوس)، فـ"بين شويس" نقولها على ربنا، ونقولها أيضًا على السيدة العذراء، ونقولها أيضًا على مار جرجس: "بين شويس إبؤرو جوارجيوس". فهل أصبحنا نعبده؟! فكون إن هو سيد ونحن عبيد هذه لا تعني إطلاقًا عبادة، إنما كما قيل في المزمور عن العذراء: "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك". فنحن نقول "إنها ملكة"، وإذا كانت ملكة فيكون الباقون عبيدًا لها. لكن ليس معنى ذلك أنهم يعبدونها.
كما يوجد في التاريخ ملوكًا لكن لا يُعبَدون، داود النبي سجد له رئيس الكهنة في (1مل1)، وسجد له رئيس الجيش، وسجدت له زوجته بثشبع، ليس فقط سجود، بل قالت: يا سيدي الملك. فإذًا سيد وسجود، لكن ليس معناه أنه أصبح إله. هذا سجود احترام.
وكلمة "عبدك" هي عبارة تقدير لها كملكة في السماء.
البروتستانت أحيانًا يقولون: أختنا، أي وصلت لمستوى الأخت. وإذا كانوا لا يحترمون الأكبر منهم، فهذه أشياء غير لائقة، وليس فيها روح التواضع بل فيها كبرياء.
وربنا استخدم كلمة السيد والسجود.
البركة التي أخذها يعقوب: "كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ" (تك27: 29). ولكن البعض من هؤلاء يقولون حكاية سيد وسجود هذه في العهد القديم، والعهد الجديد لا يوجد به أشياء مثل ذلك. لكن أريد أن أبيِّن لكم أن هذه الأشياء موجودة في العهد الجديد أيضًا.
في الرسالة التي قالها السيد المسيح لراعي كنيسة فيلادلفيا في (رؤ3: 7- 9)، قال للقديس يوحنا: "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي فِيلاَدَلْفِيَا: هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ، أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي. هنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ". ربنا يقول له هذا في العهد الجديد، في سفر الرؤيا. "هأنذا أصيرهم يأتون ويسجدون أمام رجليك، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ"... موجودة في العهد الجديد.
أما يوحنا عندما جاء ملاك الرب خرَّ ليسجد أمامه، فاعتفى ملاك الرب من ذلك، وقال له: "أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ" (رؤ 22: 8، 9)، هذا لأن أحيانًا كان يظهر الله نفسه في هيئة ملاك الرب كما ظهر في العليقة (سفر الخروج إصحاح 3). فهو (يوحنا) يسجد أمامه فيقول له: لئلا تحسبني إن أنا ربنا، لا. أنا عبد مثلك. لكن ليس معناها أن السجود ممنوع.
في (خروج 3) يقول عندما ظهر ربنا في العليقة: "وجاء (موسى) إلى جبل الله حوريب. وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ. فَقَالَ مُوسَى: أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟ فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذَا».. فَقَالَ: لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ"... إذًا ظهر له ربنا في هيئة ملاك الرب. فأحيانًا كانوا عندما يرون ملاك الرب ظاهر بهذه القوة، يظنون أنه الله. فهو تواضع من الملاك، وخشى أن هذا يعبده كإله. لكن السجود موجود كثير جدًا.
وأنا أذكر في كتاب الكهنوت كتبت مقالًا طويلًا عن الفرق بين سجود الاحترام وسجود العبادة، كذلك نحن نسجد أمام المذبح ولا نعبد المذبح ونسجد أمام الهيكل ولا نعبد الهيكل، بل نقول كما في المزمور: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ" (مز5: 7). فهل السجود أمام الهيكل يعني عبادة للهيكل، أو السجود أمام المذبح يعتبر عبادة للمذبح؟! لقد كان أبونا عبد المسيح الحبشي يسجد أمام كل أيقونة عندما يدخل الكنيسة. كل أيقونة يسجد أمامها. فسجود الاحترام غير سجود العبادة، وكلمة عبدك للسيدة العذراء لا تعني لاهوت خاص بها.
هذه الأمور موجودة، ليس عندنا فقط "الأقباط الأرثوذكس"، إنما موجودة أيضًا عند الـ Greek الأرثوذكس، وموجودة عند الكاثوليك أيضًا. ولكن البروتستانت هم الذين يتصرفون هذا التصرف. أما هؤلاء الرهبان لا يصلّون قطع السيدة العذراء في كل صلوات الأجبية من باكر إلى نصف الليل. يعني تبقى الكنيسة كلها طقس واحد وعبادة واحدة ما عدا هذه المجموعة تكون منفردة هكذا!
نحن نقول لله: "نباركك"، فهل معناها أننا نعطيه البركة؟ هذه الكلمات لها معنى لغوي ولا تؤخذ بهذا الشكل. عندما نقول لله نباركك، ونقول: باركوا الله يا جميع ملائكته، وباركي يا نفسي الرب، هل معناها بهذه المباركة أننا نعطيه بركة؟ أم أننا نعترف ببركة الرب. ونسبِّحك هنا تعني نطوِّبك.
أيضًا عندما تُملِّك العذراء تُملِّكها داخل مُلك الله، وليس خارج هذا المُلك. وأيضًا كل هذه التسابيح عبارة عن ترانيم.
هل تظن عندما تقول في الترنيمة "مَلِّكوها في القلوب"، هل هذا يعني أنها تنافس ربنا! بل حتى هذا يحدث بين الناس، يقولون لبعض لأحبائهم: "أنت ملكت قلبي".. هل معنى هذا أن ربنا أصبح بعيدًا؟ فملكت قلبي، وملكه ربنا، وملكه أبي وأمي، وملكه الناس كلها. يعني ملكية مشاعة، ولكن أيضًا لا يمنع أن يكون ربنا هو الكل في الكل.
*_______*_______*_______*
سؤال: هل كانت العذراء تعرف أن المسيح هو ابن الله؟
وهل عرفت ذلك قبل الولادة، أم بعدها، أم في معجزاته؟
الجـواب:
السيدة العذراء كانت تؤمن بلاهوت المسيح، وبأنه ابن الله، قبل الولادة. بل من وقت البشارة، حيث قال لها الملاك: "لِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو35:1).
وقد أكَّدت القديسة أليصابات هذا الأمر حينما قالت للسيدة العذراء في زيارتها لها وهي حُبلى: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو43:1). ولم يكن هذا إيمان أليصابات فقط، بل إيمان العذراء أيضًا، حيث قالت لها أليصابات: "فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ". وهذه شهادة بإيمان العذراء بما قيل لها...
يضاف إلى كل هذا ما قد رأته العذراء من معجزات ومن رؤى مقدسة في مناسبة ميلاد المسيح. وأستطيع أن أقول في ثقة أن العذراء كانت أول من آمن بلاهوت المسيح.
ولا ننسى أن القديسة العذراء كانت دارسة للكتاب المقدس، ومطَّلعة على نبوءة إشعياء التي ورد فيها: "وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش14:7)، وأيضًا: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش6:9).
وقد فهمت العذراء أن هذه الآيات المقدسة تنطبق عليها وعلى ابنها، يؤيد ذلك كل العجائب التي كانت تحدث أمامها، وما قيل إنها كانت تحتفظ بتلك الأمور متأملة بها في قلبها. لأجل هذا قالت: "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو 1: 48).
أما الشخص الثاني الذي آمن، فهو القديس يوسف النجار، وذلك نتيجة لبشارة الملاك له. والشخص الثالث هو أليصابات، والرابع هو يوحنا المعمدان الذي ارتكض بابتهاج في بطن أمه وهو جنين، عندما أتت العذراء وفي بطنها المسيح وهو جنين.
*_______*_______*_______*
سؤال: هل العذراء هي العروس أم الكنيسة؟[5]
قرأت لأحد البلاميس انتقادًا شديدًا لتسميتنا العذراء بالعروس، قائلاً إن الكنيسة هي العروس وليست العذراء... فنرجو التوضيح...
الجواب:
حقًا إن الكنيسة دُعيت العروس، كما قال يوحنا المعمدان، ولكن كل نفس بشرية هي أيضًا عروس للرب...
ومن مجموع هذه العرائس تتكوَّن العروس الكبرى، وبنفس الوضع وبنفس المعنى دُعيت الكنيسة عذراء، كما قال بولس الرسول: "خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" (2 كو11: 2).
هنا الكنيسة عذراء، عروس المسيح. وفي نفس الوقت يتكلَّم الكتاب عن كل نفس كعذراء للمسيح، فيقول: "لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى" (نش1: 3).
كون الكنيسة عذراء عروس للمسيح، لم يمنع أن تكون كل نفس عذراء عروس للمسيح، كما يعلِّمنا الكتاب المقدس.
والسيد المسيح نفسه هو الذي يقدِّم هذا التعليم، فيقول إن ملكوت السموات يشبه خمس عذراى حكيمات خرجن لاستقبال العريس، وكن مستعدات، فدخلن معه إلى العرس...
هؤلاء العذارى الحكيمات، رمز لكل نفس عروس للمسيح...
ولم يقل الكتاب أن عذراء واحدة عفيفة مخطوبة للمسيح هي التي كانت تنتظره ودخلت معه إلى العرس، لتتمتع بعريسها، بل قال (عذارى) يعني كل نفس على حدة.
فما يُطلق على الكنيسة هنا، يُطلق على كل نفس.
لذلك كل فتاة كرَّست نفسها للرب، تدعو ذاتها عروسًا للمسيح.
كذلك كل نفس تحبه، نفس رجل أو امرأة، هي عروس للمسيح، تنتظره لتدخل معه إلى عرسه السمائي. ولا نستطيع أن نصدم أية نفس من النفوس في محبتها للرب، ونقول إن العروس واحدة وهي الكنيسة!
وسفر نشيد الأناشيد يقدِّم هذه الحقيقة بأجلى وضوح.
ولا نستطيع أن نحرم أية نفس من تأملها في سفر نشيد الأناشيد، ونقول إنه خاص بالكنيسة وليس بالأفراد.
بل إن في هذا السفر تعبيرات لا يجوز أن تُطلق على الكنيسة، بل إن إطلاقها على الأفراد أنسب وأليق، مثل قول العروس النشيد: "أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ"؛ "حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ"؛ "طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ" (نش5). فمن الصعب أن توصف الكنيسة بأنها نائمة أو أنها رفضت أن تفتح للرب، وأن الرب تحوَّل عنها وعبر، أو: طلبَته فما وجدَته، ودعته فما أجابها. بل هذا الكلام يليق بالأفراد الذين قد يوصفون بالفتور الروحي وبالسقوط...
وتعبير عروس، مألوف جدًا في سفر النشيد.
"مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ!"، "شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا"، "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 8 ــــــ 12).
ونلاحظ في هذه الآيات استخدام عبارتيْ (العروس) و(عروس) بلا تفريق، تؤديان معًا معنىً واحدًا.
إن كلمات السفر من الممكن أن تعني الكنيسة حينًا، أو تعني أية نفس بشرية في أحيانٍ كثيرة.
وكلمات الكتاب من الصعب أن نحدَّها في مفهومنا الخاص.
من الصعب أن نضرب حولها نطاقًا ضيقًا، ونقول: هذا هو المفهوم الوحيد لعبارة قد يجعلها التأمل بلا حدود.
مثال ذلك السبعة رسائل إلى السبع كنائس التي في سفر الرؤيا، تؤخذ أحيانًا على أنها رسائل لكنائس معينة في زمن القديس يوحنا، وتؤخذ على أنها رسائل لأية كنيسة في أي عصر تجوز نفس الحالة، وتؤخذ أيضًا على أنها رسائل لكل نفس بشرية.
وكلمة الله لا تُحدُّ. وصدق داود النبي حينما قال:
"لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا" (مز 119) فإن كانت كلمة (عروس) يمكن أن تُطلق على أية نفس بشرية، لماذا لا تُطلق بالأولى على العذراء؟!
أي خطأ في هذا يجعل إنسانًا يتحمَّس ويهاجم؟! ويضيع وقته في الكتابة، ووقت غيره في الرد عليه!! ويثير شكوكًا للبعض! ألا توجد أمورًا جوهرية أكثر تحتاج إلى الرد وإلى الدفاع عن الكتاب، وبخاصة حينما يُتَّهم الكتاب كله بالتحريف والتزوير؟!!
وهل هي مشكلة حقًا أن يثور بشأنها التساؤل: هل هذا الكلام عن إنسان أم عن الكنيسة؟ أليس الإنسان نفسه كنيسة؟
ألم يقل الكتاب: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ" (1كو3: 16، 17) الإنسان إذًا كنيسة صغيرة، ومن مجموع هذه الكنائس تتكوَّن الكنيسة الجامعة. هو (الإنسان) عروس للمسيح، ومجموع هذه العرائس تكوِّن العروس الكبرى التي هي الكنيسة، جسد المسيح...
ويحقُّ لنا أن نخاطب كل نفس طاهرة، وليست العذراء فقط، ونقول لها: "وجدتِ نعمة أيتها العروس"... كم بالأولى العذراء الممتلئة نعمة؟!
*_______*_______*_______*
سؤال: عن طهارة السيدة العذراء
وقف أحد المتكلِّمين في إحدى الكنائس، وقال إن السيدة العذراء السماء الثانية، وهي أطهر من السماء الأولى التي بها عرش الله. إلا أنني في نفسي اعتبرت هذا القول هرطقة، فواجهته به، فقال: الله ينسب إلى ملائكته حماقة، والسماء ليست بطاهرة أمام عينيه. وبذلك فإن العذراء أطهر من السماء التي بها عرش الله، فهل هذا صحيح؟[6]
الجواب:
غير صحيح. نحن نمجِّد العذراء ونرفعها فوق الملائكة وفوق رؤساء الملائكة ونقول: سموتِ يا مريم فوق الشاروبيم، وارتفعتِ يا مريم فوق السيرافيم، ولكن لا يمكن أن نقول إنها أطهر من السماء التي فيها عرش الله، مستحيل. نوع من المبالغات التي في رفع العذراء تقلِّل من شأن السماء التي فيها عرش الله.
أما عن الكلام الذي يقوله (ينسب إلى ملائكته حماقة، والسماء ليست بطاهرة أمام عينيه)، فينبغي أن نفرِّق بين سماء وسماء. فالسماء الأولى التي هي الغلاف الجوي الذي تطير فيه الطيور والطائرات، فممكن يكون فيها حماقة. لا يوجد أي مانع في ذلك، وممكن أنها تكون غير طاهرة أمام عيني الله، وممكن أناس وهم راكبين طائرات ومحلقين في السماء يخطئون في الكلام داخل الطائرة، فيكون المكان ليس بطاهر. أو السموات التي تكون أعلى من ذلك مثل السماء التي صعد إليها رائد الفضاء الروسي وقال: صعدت إلى السماء ولم أجد الله! فهو أنكر وجود الله في السماء! هذه أيضًا لم تكن طاهرة أمامه.
أما السماء الخاصة بالله نفسه التي فيها عرش الله، التي يقول الكتاب عنها: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو 3: 13)، هذه السماء التي سُمِّيت سماء السموات لا يمكن أن يوجد بشري أطهر منها، التي يقول عنها السيد المسيح في العظة على الجبل: "لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ" (مت5: 34، 35).
فليس من الممكن أن يكون هناك أطهر من هذا المكان. فالمبالغات ليس لها أي ضرورة، وممكن تشكِّك الناس كما شكَّكت الأخ صاحب هذا السؤال. وعندما يقول السماء، لا يُظن أنها سماء واحدة وكل السموات بنفس الطريقة وأنها ليست بطاهرة أمام عينيه. فمن غير المعقول أن يكون عرش الله ليس بطاهرٍ أمام عينيه.
فالسيد المسيح يقول: "لا تحلفوا بالسماء لأنها كرسي الله" كرسي يعني throne، أي عرش. فغير معقول أن الله يقول إن عرشه ليس طاهرًا أمام عينيه، إنما يقصد السموات الأخرى.
*_______*_______*_______*
سؤال: أين يوجد جسد السيدة العذراء الآن؟
الجواب:
معروف أنه صعد. لكن هو يقول إلى أين صعد؟ وفي أي مكان هو موجود؟ من جهة أين يوجد، بصراحة أنا لا أعرف. هل موجود في الفردوس مع الابن، أو في مكان آخر، لا أعرف.
*_______*_______*_______*
سؤال: "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك"، "عن يمينك" ماذا يقصد بها؟
الجواب:
أيضًا لا أعرف. سامحوني هناك أشياء فوق مستوانا أن نعرفها. عندما يدَّعي أحد أنه يعرف كل شيء يكون بيرتئى فوق ما ينبغي. كل ما نعرفه أنها صعدت إلى السماء. أي سماء؟ هل الفردوس؟ هل مكان آخر؟ لا أعرف.
*_______*_______*_______*
سؤال: حول كرامة جسد العذراء[7]
قال أحد الإخوة البلاميس أن جسد العذراء مريم لا يتميَّز عن جسد أي مؤمن آخر، فجسدها ترابي يجب أن يخضع للفساد والتحلُّل. وهو بهذا ينكر صعود جسدها. فما رأيكم؟
الجواب:
إن جسد العذراء يتميَّز عن أي جسد بشري بكرامة خاصة، لأنه الجسد الذي حلَّ فيه رب المجد تسعة أشهر، وقدَّسه الروح القدس بحلوله فيه (لو 1: 35)، كما رضع السيد منه. فهل يترك الله هذا الجسد للفساد والتحلُّل ليأكله الدود والعفن، دون أي إكرام، وهو الذي أكرم أجساد كثير من القديسين؟!
وهذا الجسد الذي كان أكثر أجساد البشر طهارة، ألاّ ينال من الرب إكرامًا خاصًا بعد الموت. إن الذين لا يكرِّمون العذراء، كما لا يكرِّمون باقي القديسين، إنما يتجاهلون قول الرب لقديسيه، من يكرمكم يكرمني.
إن جسد العذراء سوف يكرَّم ليس فقط بعد القيامة فتلبس جسدًا ممجَّدًا، بل إن جسدها أكرمه الرب بعد وفاتها، وهو الذي أكرم جسد موسى قبل القيامة وأظهره على جبل التجلّي. وموضوع صعود العذراء هو موضوع سجَّله التاريخ، ولا يمكن إنكار التاريخ، الذي لسنا وحدنا الذين سجِّلناه، بل هو تاريخ عند كنائس كثيرة.
*_______*_______*_______*
[1] من محاضرة "عدم صلاة قطع السيدة العذراء بالأجبية"، لقداسة البابا شنوده بالكلية الإكليريكية في 23يناير 1996م
[2] سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 5 أكتوبر 1979م
[3] سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 28 سبتمبر1979م
[4] من محاضرة "عدم صلاة قطع السيدة العذراء بالأجبية"، لقداسة البابا شنوده بالكلية الإكليريكية في23 يناير 1996م
[5] سؤال وجواب، مجلة الكرازة بتاريخ 21 سبتمبر1979م
[6] من أسئلة محاضرة "بعض الآيات التي يسيء فهمها الآريوسيين" لقداسة البابا شنوده الثالث بالكلية الإكليريكية في 24 يناير1995م
[7] البابا شنوده الثالث: سنوات مع أسئلة الناس (أسئلة لاهوتية وعقائدية ب) صـ20 – 21


