السيدة العذراء عند الكاثوليك

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة عن نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى السيدة العذراء مريم، موضحًا أوجه التقدير المشتركة وأيضًا النقاط العقائدية التي تختلف فيها الكنيسة الأرثوذكسية عن الكاثوليكية في هذا الموضوع.
تمجيد العذراء في الإيمان الأرثوذكسي:
يؤكد قداسة البابا أن الكنيسة الأرثوذكسية تمجد العذراء تمجيدًا عظيمًا، فترفعها فوق الملائكة والأنبياء والرسل، وتدعوها “والدة الإله”، وتخصص لها شهر كيهك بالتراتيل والتماجيد، وتزين الكنائس بأيقوناتها وتكرمها كأم ومثال للطهارة والقداسة، لكنها لا ترفعها إلى مرتبة إلهية أو مساوية للمسيح.
نقد العقيدة الكاثوليكية في “الحبل بلا دنس”:
يشرح البابا أن الكاثوليك أعلنوا سنة 1854 عقيدة “الحبل بلا دنس” (Immaculate Conception)، التي تنص على أن العذراء مريم حُفظت من دنس الخطية الأصلية منذ لحظة الحبل بها، كامتياز خاص من الله. ويبيّن البابا أن هذه العقيدة حديثة نسبياً ولم تكن مقبولة في العصور الأولى، بل رفضها بعض اللاهوتيين الكاثوليك الكبار مثل توما الأكويني والدومينيكان، لأنها تتعارض مع مبدأ عمومية الفداء.
الرد الأرثوذكسي:
الكنيسة الأرثوذكسية ترى أن مريم، رغم قداستها الفائقة، وُلدت مثل سائر البشر تحت حكم الموت والخطيئة الأصلية، وكانت في حاجة إلى خلاص المسيح مثل الجميع، كما عبّرت بنفسها في تسبحتها: «تبتهج روحي بالله مخلّصي». ولو لم تكن محتاجة إلى الخلاص لما قالت ذلك.
رفض فكرة الفداء بالوقاية:
الكاثوليك يقولون إن الله افتدى مريم “وقائيًا” قبل أن تصاب بالخطيئة، لكن البابا يردّ بأن هذا المفهوم غير منطقي، لأنه لو أمكن الفداء بهذه الطريقة لكان الله قد خلّص جميع البشر دون الصليب أو الألم. الفداء تم بدم المسيح وحده، وليس بأي استثناء خاص.
موقف الكنيسة من شفاعتها:
الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن بشفاعة العذراء كأم حنونة تصلي لأجل البشر، لكنها ترفض التعليم الكاثوليكي القائل بأنها “وسيطـة الفداء” أو أن جميع النعم تُمنح فقط من خلالها. فالوسيط الوحيد في الخلاص هو يسوع المسيح كما قال الكتاب: «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح» (1 تيموثاوس 2:5).
التحذير من المبالغة:
ينبّه البابا إلى أن المبالغة في رفع العذراء إلى مستوى المسيح أدت إلى رد فعل معاكس عند البروتستانت الذين قللوا من شأنها تمامًا، بينما الموقف الأرثوذكسي هو الوسط الروحي المتزن الذي يمجدها دون تأليهها.
الخلاصة الروحية:
العذراء مريم هي أمنا جميعًا، نموذج الإيمان والطهارة، نكرمها ونطلب شفاعتها، لكن لا نضعها في موضع الفادي أو المخلّص. الفداء تمّ بدم المسيح وحده، والعذراء كانت أول المؤمنين بهذا الخلاص، متهللة بمخلصها الإلهي.



