الرهبنه القبطية : قديمًا وحديثًا

الرهبنه القبطية : قديمًا وحديثًا1
نشأت الرهبنة كحياة وحدة وصلاة، بعيدة بُعدًا كاملًا عن العالم وعن الخدمة وعن الكهنوت، لأشخاص ماتوا عن العالم، وما عادوا يرجعون إليه…
ولم يكتف الآباء الُأول بالحياة في الأديرة، بل خرجوا منها إلى الجبال والبراري تائهين فيها. ووصل بعض منهم إلى درجة السواح الذين كان كل منهم يعيش عشرات السنوات لا يرى فيها وجه إنسان. وحاليًا زحف العالم على الأديرة، وقرب الاتصال بالمدن والقرى.
صارت المواصلات سهلة من المدينة إلى الدير. وكثرت وسائل الاتصالات، إلى أن وصلت إلى التليفونات تتصل بها الأديرة بالمدن، بل عبر البحار والمحيطات إلى قارات أخرى. وأصبح السفر سهلًا، ليس فقط بالسيارات بل بالطائرات أيضًا. وكثر حديث الرهبان مع الزوار.
أين إذًا حياة الوحدة والعزلة؟!
وأين الموت عن العالم، الذي ربما لا يتوافر إلا لندرة ربما تعد على الأصابع؟! وأين طغمة السواح بين الرهبان؟! لقد تغير الوضع في حياة الوحدة. من الذي يحياها حاليًا؟!
وكانت الرهبنة حياة نسك شديد، بعيدة تمامًا عن المال والقنية. كان فيها الراهب ينذر الفقر الاختياري. فهو لا يملك شيئًا، لا يرث ولا يورث. وقلايته فقيرة مثله. وكانت حياته كلها صومًا. ومع ذلك كانت صحته أفضل من صحته في أيامنا. يمشي في الجبل ولا يتعب. ويطوي الأيام ولا ينهك، ولا يشكو…
كانوا ملائكة أرضيين أو بشرًا سمائيين ينبهر الناس من فضائلهم ويطلبون صلواتهم. كانوا يتدربون على الصلاة الدائمة. وكانت صلواتهم كالنفس الداخل والخارج، ولا تتوقف، ويسهرون فيها الليل يسبحون الله، بدون انقطاع وبدون ملل. لا ينشغلون بشيء آخر غير الصلاة. لذلك فضلوا الصمت، لكي يعطيهم فرصة للحديث مع الله. لذلك قيل:
الرهبنة هي الانحلال من الكل للارتباط بالواحد، الذي هو الله… فهل نحيا الآن حياة الصلاة؟ أم توجد ارتباطات كثيرة تشغلنا عن الله!
هل نجد في الله كفايتنا، يملأ القلب والفكر، فلا ننشغل بغيره؟! أم يعاتبنا الله بما سبق أن قاله لمرثا: “أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ” (لو10: 41 ،42). فهل كل اهتمامنا بهذا الواحد، لأنه النصيب الصالح…
هل ظل الهدف الرهباني كما كان في القرن الرابع؟ وهل ظلت الوسيلة كما هي: الوحدة والصلاة والنسك؟ أم تغير الهدف أم فقدناه. هل تُبكّتنا كتب الآباء وسيرتهم؟ وما كتبه بلاديوس، وكاسيان، وروفينوس، وبرصنوفيوس، وإشعياء المتوحد؟ هل يمكن أن يعود الزمن كما كان في أيام الآباء؟ وهل نحن نريد ذلك ونسعى إليه؟! هل يمكن أن يوجد أنطونيوس جديد. وبولا جديد، وواحد من الثلاثة مقارات وآبائنا القديسين؟ وهل لو حاولنا أن ننشئ ديرًا مثل أديرة القرن الرابع أو الخامس، سنجد من يسكن فيه من الرهبان؟
إنها صلاة نرفعها إلي الله أن يعيد إلينا ماضينا. فنحبه ونحيا فيه. ولا تستهوينا المدينة الحاضرة، ولا تغرنا أساليبها، فننسى ما خرج الآباء من أجله، حين فضّلوا البرية وما قيل عنها: “إن مجرد نظر القفر يميت من القب الحركات العالمية”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة والعشرون – العددان 25، 26 (14-7-2000م)




