الرهبنة والقديس الأنبا شنوده

تتحدث المحاضرة لِـقداسة البابا شنوده الثالث عن الرهبنة القبطية منذ نشأتها في القرن الرابع، وتعرض خصائصها الروحية، ثم تركز على سيرة القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، أحد أعظم آباء الرهبنة في تاريخ الكنيسة القبطية.
أولاً: الرهبنة حلم السماء على الأرض
يوضح قداسة البابا أن الرهبنة كانت حلمًا عجيبًا للبشرية في القرن الرابع، حين اختار رجال ونساء ترك العالم ليعيشوا حياة صلاة دائمة ونسك عميق وفضيلة كاملة.
ويُذكر القديس الأنبا أنطونيوس كأول من أسّس طريق الوحدة، والقديس باخوميوس كمنظّم لحياة الشركة، ليقدّما معًا صورتين متكاملتين للرهبنة: الوحدة والخدمة المشتركة.
ثانياً: خصائص الرهبان الأوائل
تميّزت حياتهم بالبساطة والهدوء والصلاة والتأمل، حتى اجتذبت العالم كله إليهم. وجاء الزوار من بلاد بعيدة ليكتبوا عنهم مثل بلاديوس ويوحنا كاسيان وجيروم، فحُفظ تراثهم في كتب مثل بستان الرهبان الذي صار مرجعًا روحيًا خالدًا.
ثالثاً: سيرة القديس الأنبا شنوده
يُعد الأنبا شنوده من أبرز من حملوا مشعل الرهبنة. وُلِد في قرية شندويل قرب سوهاج، ونشأ في بيت تقيّ. منذ طفولته ظهرت عليه النعمة والمعجزات، وكان متقدًا بالروح، حتى رآه الناس يصلي وأصابعه تضيء كالمصابيح.
دخل الرهبنة صغيرًا، وتولّى رئاسة الدير الأبيض بعد نياحة خاله، فوضع قوانين صارمة للرهبان، وجمع بين الحزم والرحمة. كان قويّ الشخصية، يكره الظلم، ويحب الفقراء والمظلومين، ويدافع عن الحق بلا خوف.
رابعاً: معجزاته وتعاليمه
امتلأت حياته بالمعجزات: كشف الأسرار، ردّ المسروق، شفاء المرضى، ونقل روحيّ معجزيّ إلى القسطنطينية.
علّم الرهبان والشعب التوبة والنسك، وكتب قوانين وعظات ورسائل عديدة، عُرفت بدقّتها ولاهوتها العميق. وكان لا ينطق إلا بما يضعه الرب على فمه.
خامساً: دوره الثقافي واللغوي
يُعتبر الأنبا شنوده مؤسس الأدب القبطي، إذ كتب بلغتنا القبطية الصعيدية في زمن كانت فيه اليونانية هي السائدة. بأسلوبه القوي وتراثه الضخم، حفظ الهوية القبطية من الذوبان، وصار صوته صدى للإيمان الوطني والروحي معًا.
سادساً: أثره وانتشار تراثه
انتشرت مؤلفاته في متاحف ومكتبات العالم: المتحف القبطي، المتحف البريطاني، مكتبة فيينا، المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، وغيرها. وقد أحيا العلماء في أوروبا وأمريكا دراسته وترجموا نصوصه، خاصة بعد مجهودات البروفيسور “ستيفن إميل” الذي جمع كتاباته ونشرها.
وهكذا صار الأنبا شنوده صوتًا خالدًا للرهبنة القبطية، ونموذجًا للنقاوة والقوة والتعليم الحي.
الخلاصة الروحية
تُبرز المحاضرة أن الرهبنة القبطية ليست مجرد انعزال، بل جهاد حبّ واتحاد بالله. والأنبا شنوده مثال الراهب الكامل: المصلّي، الغيور، المحب للفقير، والغيور على الإيمان والعدالة. حياته كانت نورًا يبدّد ظلمة الجهل والظلم، وكلماته ما تزال تُلهب القلوب نحو القداسة.



