الرب راعيَّ

الرب راعيَّ[1]
هيأت قدامي مائدة تجاه مضايقي.
إذن هناك مضايقون، ويقول له أيضًا: “إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي” (مز23: 4).
إذن هناك ظل الموت، وهناك مضايقون. ومع ذلك هو شاعر أن الرب معه…
ليست عبارة إن الرب معي، معناها أن يمنع عني وادي ظل الموت، أو يمنع المضايقين!! كلا أبدًا كل هذه المضايقات موجودة، ولكنه معي، وأنا مسرور وسط الضيقات.
لكن قبل أن يتكلم عن وادي ظل الموت وعن الضيقات، تكلم أولًا عن الخبرات الجميلة فقال:
في مراع خضر يربضني، إلى ماء الراحة يوردني.
يقودني إلى المراعي الخضراء… حقًا إن الله حينما خلق الإنسان، وضعه في جنة. والعروس في سفر النشيد تقول إنه يرعاها بين السوسن (نش6: 3). ولكن ما هي المراعي الخضراء يا داود؟ يقول:
المراعي الخضراء هي وسائط النعمة التي أعيش فيها.
وهي أيضًا أسرار الكنيسة السبعة… لقد مهّد الله لي كل وسائط النعمة. أنا شاعر أنني سائر في مراعِ خضراء. أتغذى بالروحيات، كما أتغذى بالجسديات سعيدٌ… في مراع خضر يربضني: في عمل النعمة، في عمل الروح القدس في عمل الكنيسة.
عبارة (المراعي الخضر) تشير إلى معنى آخر:
تشير إلى أن السائر في طريق الرب، يشعر بلذة في طريقه، وأن وصية الرب ليست ثقيلة (1يو5: 30). أو أن الفضائل ضاغطة على النفس!
لا بل أولاد الله يشعرون بأن وصية الرب مضيئة تنير العينين (مزمور19). فيقول كل منهم أن الله يرعى حياته الروحية في مراعٍ خضراء. ويقول أيضًا:
وإلى ماء الراحة يوردني.
والماء في الكتاب المقدس يرمز إلى عمل الروح القدس. ولهذا يقول الرب: “مَنْ آمَنَ بِي… تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ” (يو7: 38، 39). الماء الذي يعطي الحياة. فيكون المؤمن كشجرة مغروسة على مجاري المياه (مز1). إلى هذا الماء الحي يوردني.
لذلك فإن الكنيسة تبارك الناس بالماء، في آخر كل قداس.
وأول ماء راحة دخلته في حياتك، هو ماء المعمودية.
يغسلك من القديم كله “غسل الميلاد الثاني” (تي3: 5). وكما قال القديس حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد دعوة الرب له: “لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ” (أع22: 16).
إنه ماء الراحة. يريحك من كل الخطايا القديمة. يريحك من الإنسان العتيق (رو6: 6). هذا أول ماء راحة لابن الله. وماذا بعده؟
هناك أنواع أخرى من ماء الراحة.
أحيانًا تخطئ. وماء الدموع يغسلك. ويكون ماء راحة.
السيد المسيح قال للمرأة السامرية إن ماء العالم “كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ” (يو4: 13، 14).
هذا هو ماء الراحة الذي يروي الإنسان، ولذلك يقول في المزمور “كأسي رّيًا”. إن كانت نفسك عطشانة إلى هذا الماء، إذن “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ” (مت5: 6).
هناك ماء راحة قال عنه داود النبي في المزمور: “اشتاقت نفسي إليك يا الله، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء”…” كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ هَكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ” (مز42: 1، 2). أنت يا رب هو الماء الحي. أنت هو ينبوع المياه الحية (إر2: 13). أنت ماء الراحة الذي يرويني.
في مراعٍ خضر تربضني، وإلى ماء الراحة توردني. أي إنني حينما أسير معك أجد الراحة الكاملة، وأجد السعادة الكاملة، ليس كما يظن البعض إن من يسير مع الله يتعب!! أو إنه يُحرم من ملاذ الدنيا ونعمها.. أبدًا. فإنني حينما أسير معك يا رب، أستريح في المراعي الخضراء، وفي ماء الراحة.. وماذا يقول بعد هذا؟
يقول:
يرد نفسي. يهديني إلى سبل البر.
إن داود النبى يقول في اتضاع: إنه على الرغم من أن الله يقودني إلى مراعٍ خضراء، ولكنه يتركني إلى حرية إرادتي. وبحرية إرادتي قد أضل وأخطئ. فماذا يفعل الرب معي وأنا هكذا؟
يقول: “يَردُّ نَفْسي. يَهْديني إلَي سُبُل البرِّ… “.
وسبل البر تعني كل الطرق المؤدية إلى البر.
يرّد نفسي:
كل إنسان معرض للخطأ وله ضعفاته. وليس أحد بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. “إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا” (1يو1: 8). نحن الغنيمات التي ترعى في البرية، تسرح هنا وهناك. وقد تستهويها أرض معشبة فتسرع إليها. فإن رأى الراعي أنها بعدت عنه، يردها إليه.
الأصل إننا فيه ثابتون فيه. إن بعدنا عنه، يردنا إليه.
إننا نفخة من فيه، سكنت في هذا التراب. لسنا من هذا العالم، بل قد تغربنا فيه. وهدفنا هو الله، في الوطن السمائي الذي نحيا معه فيه. فإن أحببنا هذا العالم وتعلقنا بشهواته، فإن الله يبحث عنا ويردنا إليه، لذلك قال المرتل: “يرد نفسي..”.
عبارة (يرد نفسي) تدل على عمل الله في هدايتنا.
لست أنا يا رب الذي أستطيع أن أرد نفسي وأوصلها إلى التوبة، لأني لو كنت أستطيع ذلك، لرددتها عن الخطية من بادئ الأمر. “لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ… أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ” (رو7: 19، 23).
لذلك فأنا أصرخ وأقول: “تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلَهِي” (ر31: 18).
أنت يا رب الذي يرد نفسي، ويهديني إلى سبل البر.
يهديني إلى سبل البر:
الهداية إلى البر، هي من عمل الراعي الصالح، هذا الذي نقول له في المزمور: “طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي” (مز25: 4)، “عَرِّفْنِي الطَّرِيقَ الَّتِي أَسْلُكُ فِيهَا لأَنِّي إِلَيْكَ رَفَعْتُ نَفْسِي” (مز143: 8).. في الحق لست أعرف طريقي. بل أقول مع إرميا النبي: “عَرَفْتُ يَا رَبُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ طَرِيقُهُ. لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ” (إر10: 23).
أنت يا رب تعرف الطريق الذي يناسبني.
ويكون هو الطريق الذي يتفق مع إرادتك الصالحة.
أنت الذي يهديني إلى سبل البر، لأجل أسمه…
البعض يثيرون خلافًا في ترجمة إحدى صلوات القداس الإلهي. البعض يصلون كما في الخولاجي المقدس “وعلمنا طرق الخلاص”. والبعض يترجمونها “وعلمنا طريق الخلاص”. فما هو الصحيح؟
من جهة الله هناك طريق واحد، يخلص به العالم كله، وهو الفداء بالدم. وهذا ما قام به السيد الرب على الصليب.
ولكنه علمنا الطرق التي ننال بها الخلاص:
فمنها الإيمان:
كما قال: “لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو3: 16).
وكما قيل لسجان فيلبي: “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع16: 31).
ومن طرق الخلاص المعمودية.
كما قال الرب: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر16: 16).
وكما قال بطرس الرسول في يوم الخمسين لليهود الذين آمنوا “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا” (أع2: 38). وكما قال حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد عودة الرب له: “لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ” (أع22: 16). وكما قال بولس الرسول: “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” (غل3: 27).
ومن طرق الخلاص: التوبة.
كما قال الرب: “بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو13: 3، 5). وبالإضافة إلى ذلك باقي الأسرار اللازمة للخلاص مثل سر الإفخارستيا الذي نقول عنه في القداس الإلهي “يعطى عنا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه”. وأيضًا سر مسحة المرضى (سر الميرون) الذي به يسكن الروح القدس داخلنا، ويرشدنا إلى كل الحق.. هذه هي طرق الخلاص اللازمة لكل منا، ولكنه يقول هنا:
يهدينى إلى سبل البر:
فما هي سبل البر هذه التي أسلك فيها كفرد، والتي تناسب حياتي وطبيعتي وعقليتي ومواهبي؟ كثيرًا ما يقف إنسان أمام طرق متشعبة أمامه، وكلها صالحة. ولكنه لا يدري ما الذي يختاره له الرب منها: هل التكريس أم الرهبنة أم الكهنوت أم الخدمة العادية؟ هل خدمة التعليم، أم خدمة الفقراء؟ أم خدمة الأسرة وتربية الأولاد؟ هل خدمة الغير أم حياة القدوة الصامتة في وداعة واتضاع.. أم هذه كلها. وفي كل هذا يتجه إلى الله قائلًا: “يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ”.
أنا لا أعرف في هذا الأمر بالذات: هل أتكلم أم أصمت؟ هل أوبخ مهما أصابني، وهل أنذر؟ أم أهدأ إلى نفسي وأصلي؟ هل أقدم عشوري وبكوري لهذا الاتجاه. أم ذاك؟ كل ما أعرفه أنني قد سلمت حياتي إلى يد الله، وهو يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه.
من أجل اسمه:
لست أسلك في سبل البر، من أجل الناس، ولا من أجل نفسي. فلست أريد أن أكون بارًا في عيني نفسي، ولا بارًا في أعين الناس “لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا لَكِنْ لاِسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا” (مز115: 1). اهدني إلى سبل البر، حتى لا يجدف على اسمه القدوس بسببي. كما يحذرنا القديس يعقوب الرسول قائلًا: “… يُجَدِّفُونَ عَلَى الاِسْمِ الْحَسَنِ الَّذِي دُعِيَ بِهِ عَلَيْكُمْ” (يع2: 7).
حتى لا يقول الناس: أهكذا أولاد الله؟ أهكذا أولاد الكنيسة ومدارس الأحد؟ أهكذا الذين يعترفون ويتناولون ويحضرون الاجتماعات الروحية؟!
عندما أخطأ داود النبي، وأتى ناثان النبي يشعره بخطيته، وينقل إليه رسالة من الله وعقوبة منه، قال له بصدد العقوبة: “مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهَذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ” (2صم12: 14).
اهدنى إذن إلى سبل البر، حتى لا أجعل أعداء الرب يشمتون بسببي، أنا المفروض فيَّ أن أعطيهم أمثولة حسنة بأعمالي…
اهدني يا رب إلى سبل البر، بروحي وجسدي. كما قال رسولك القديس يولس: “مَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ” (1كو6: 20). وكما قلت في العظة على الجبل.. “لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت5: 16).. نعم من أجل اسمك، كما نقول كل يوم في أول الصلاة الربانية “ليتقدس اسمك”..
أنا إذن مع الله. وهو الذي يرعاني. إن سرت في طريقه، يقودني إلى المراعي الخضراء وإلى ماء الحياة. وإن ضللت عنه، يرد نفسي ويهديني إلى سبل البر من أجل اسمه.
[1] قداسة البابا شنوده الثالث “تأملات في المزامير: الرب راعّي (ب) مز 22 (23)”، وطني 7 مارس 2004م، كما نُشرت بتاريخ 29 يوليو 2007م.





