الراهب أنطونيوس السرياني – 1954م

وصف حالة الرهبنة وقت دخول "نظير جيد" الدير
(2)
الراهب أنطونيوس السرياني – 1954م
وصف حالة الرهبنة وقت دخول "نظير جيد" الدير
وصف قداسة البابا شنوده الثالث حالة الرهبنة قبل دخوله إلى الدير مقارنة بالرهبنة في الوقت الحاضر بأن الرهبنة حاليًا أفضل بكثير مما كانت عليه في أيامه... ففي أيامه كان يوجد جيل جديد من خدام التربية الكنسية ترهب مع جيل قديم يختلف في المبادئ وطريقة الحياة الرهبانية، أما حاليًا فتقريبًا كل رهبان الأديرة من الجيل الجديد، الذي هو من خدام التربية الكنسية ومن الأشخاص الروحيين، غالبيتهم، والجيل القديم كله ينقرض يومًا بعد يوم، من الجيل القديم كانت توجد عناصر طيبة، لكن الغالبية كانت لها مبادئ أخرى.
وإنه عندما دخل قداسته في الرهبنة، لم تكن هناك المشروعات الزراعية التي قامت بها الدولة بعد ثورة يوليو 1952م، ومسائل الاستصلاح الزراعي.. بل كان الإنسان الذي يأتي إلى الدير- كما حدث وجاء قداسته لأول مرة - يسير على الأقدام في أرض غير مُعَدَة ورملية، من الريست هاوس (rest house) إلى الدير.
وفي أيامه لم تكن هناك الكهرباء في الأديرة، إلا مولد كهربائي صغير، يُستخدم غالبًا في أيام الأعياد الكبرى، أو لتشغيل بعض الماكينات، حاليًا الكهرباء توفرت، والتَحَضُر أي المَدَنِيْة في الأديرة ازدادت، الحياة صارت سهلة عن ذي قبل. وحينما بُدِءَ في بناء صهريج للمياه، وكان ذلك في دير السريان سنة 1955م، كان هو الصهريج الأول في جميع أديرة الرهبنة القبطية.
ما قبل دخول الأستاذ نظير جيد الدير
ما قبل دخول الأستاذ نظير جيد الدير
ملاحظة إخوته لميوله للرهبنة
لاحظ شقيقاه أنه يقوم بعملية تدريب في حياته كلها، فابتدأ يأكل من صنف واحد من الطعام، ويدرب نفسه على الفضائل المسيحية، وابتدأ يقرأ كثيرًا في كتب القديسين مثل کتاب بستان الرهبان وغيره من الكتب الروحية.
كانت الأسرة كلها تسكن معًا، الأستاذ روفائيل وزوجته وأولاده، والأستاذ شوقي وزوجته، فكان يقول عبارته الجميلة "تذهبون كل واحد إلى خاصته"، أما هو فكان يذهب إلى حجرته التي نظمها على شبه القلاية. لقد عاش الرهبنة في سكنه في منزل أسرته بشبرا، على قرب من كنيسة الأنبا أنطونيوس. فعمل مدخلًا منفردًا من الشارع إلى سلم خاص يدخل به إلى سكنه المستقل ويختلي في الأوقات التي لا يكون فيها في الخدمة والتعليم. لقد شعر الشاب نظير جيد بعمق الصلاة والقراءة للتأمل في البرية. وكان قلبه يهيم بها ويشتاق إليها وكثيرًا ما عبّر عن مشاعره تلك قبل ذهابه إلى الرهبنة.
كما أن أشعاره تكشف عمق اختياره وتذوقه لحلاوة حياة الوحدة والعشرة مع الرب، حتى قبل ذهابه إلى الرهبنة وتوحده في مغارة في البرية. اسمعه يقول بكل مشاعره سنة 1946م (أي قبل دخوله إلى الدير بثمان سنوات) وكانت بعنوان (غريب):
تركتُ مفاتن الدنيا | ولم أحفل بناديها |
قراءات نظير جيد عن الرهبنة؟
قراءات نظير جيد عن الرهبنة؟
لم تكن كتابات ومؤلفات الآباء عن الرهبنة متوفرة مثلما توفرت فيما بعد. فعندما طلبوا منه مرةً في اجتماع المدرسين في كنيسة الأنبا أنطونيوس سنة 1947م أو 1948م، أن يلقِي كلمة في اجتماع المدرسين عن القديس أرسانيوس. لم يجد قداسته أي كتب عن القديس أرسانيوس في ذلك الوقت لكي يكتب عنه، فأخذ يبحث في كتب التاريخ، فلم يجد إلا صفحة على الأكثر، وبعد ذلك ذهب إلى دار الكتب، وبدأ يقرأ في دوائر المعارف، منها المعارف البريطانية E.B ومنها دائرة المعارف الكبرى.. ثم أخذ يبحث في الكتب التي تحوي أسماء كتب، وما الذي كُتِبَ فيها عن القديس أرسانيوس، ثم يبحث عنها في دار الكتب. كل ذلك لكي يُلقِي درسًا عن القديس أرسانيوس، الذي حاليًا يوجد الكثير من الكتب التي كُتبت عنه، أما في أيامه فلم تكن كل هذه الأمور والكتب متوفرة، ولا حتى كتاب بستان الرهبان كان موجودًا، إلى أن ابتدأ يُنسخ لهم منه نسخ تُوَزَع عليهم، عملته جمعية النساخ والتحرير، التي كان يرأسها شخص اسمه فرنسيس توفيق... "في أيامنا لم تكن الكتب متوفرة، ولم يكن سوى فهمنا نحن لمبادئ الرهبنة السليمة، وبعض المعلومات الضئيلة التي تصل إلينا من هنا ومن هناك... وغالبية الرهبان الذين كنا نراهم، كانوا رهبانًا يخدمون في الكنائس، والراهب الذي كنا نعرفه بالأكثر هو القمص مينا المتوحد الذي صار قداسة البابا كيرلس السادس".
علاقته بالأنبا ثاؤفيلوس
علاقته بالأنبا ثاؤفيلوس
بدأت علاقة الأستاذ نظير جيد بنيافة الأنبا ثاؤفيلوس حينما زار دير السريان لأول مرة، وشعر بالحب نحوه، كان علمانيًا لم يترهب بعد، وكان هو أسقفًا للدير، وأول شيء جذبه في شخصه، البساطة الكبيرة والتواضع، كان طيبًا جدًا جدًا، ولطيفًا في معاشرته، ومتواضعًا للغاية. وكان سبب هذه الزيارة هو لإلقاء محاضرة على الرهبان. قال قداسة البابا شنوده: "وأنا علماني أتذكر في أول زيارة إلى الدير، دعاني نيافة الأنبا ثاؤفيلوس رئيس الدير لكي ألقي كلمة على الرهبان.. فتكلمت عن الحياة الرهبانية وكيف تكون.. شيء عجيب أن علمانيًا يزور الدير، فيجمعون له الرهبان لكي يحدثهم عن الحياة الرهبانية، وكيف تكون!".
ومرة أخرى في إحدى زياراته للدير مكث ثلاثة أيام، وعند رجوعه سأله نيافة الأنبا ثاؤفيلوس: "كيف ستسافر؟"، فقال له: "في الأتوبيس الصحراوي"، فقال: "أنا سأسافر معك"، وعلق قداسة البابا شنوده على هذا الموقف: "وجلسنا متجاورين! هو أسقف وأنا علماني، وفي الأتوبيس نظر إليَّ وقال: "ما هي إرشاداتك ونصائحك بعد الزيارة؟! استغربت أن أسقفًا يقول لإنسان علماني هذا الكلام!".
لقد كان كل مَن يذهب إلى مقر دير السريان كنيسة العذراء العزباوية، بالقاهرة لينال بركة العذراء مريم يجلس بجوار نيافة الأنبا ثاؤفيلوس يأخذ من بركته ومن معلوماته.
مرة أخرى ذهب الأستاذ نظير إلى الدير في أسبوع الآلام وكان وحده، وعندما جاء عيد القيامة تناول طعام إفطار العيد معه. وبهذه الطريقة التي للأنبا ثاؤفيلوس كثر عدد الشبان الذين يحضرون أسبوع الآلام في دير السريان.
ولقد كتب الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا شنوده) مقالًا بعنوان "رأيت راعيًا" يسرد فيه كيف تأثر كثيرًا بمحبة وتواضع نيافة الأنبا ثاؤفيلوس.
وحكى هذه القصة: كان في الدير أخ متوعك الصحة، فمر عليه الأب الأسقف في قلايته عدة مرات في اليوم الواحد، ورغم أن باب القلاية كان مفتوحًا، إلا أنه في كل مرة كان يقرع في تواضع على الباب.. وهو يقول: أغابي، ثم ينتظر، فإذا رد الراهب دخل واستفسر عن صحته واطمأن عليه.
متى بدأ البابا شنوده حياة الرهبنة؟
متى بدأ البابا شنوده حياة الرهبنة؟
لم يدخل البابا شنوده إلى الرهبنة سأمًا من الحياة، أو عجزًا عن متابعة مسيرته، فقد كان ناجحًا جدًا في حياته وهو علماني، وكان مُكرسًا لله، وكانت تأتي له دعوات للوعظ خارج القاهرة في كثير من المحافظات، وكان يعظ في الكنائس، وكان محبوبًا، وكان خادمًا ناجحًا جدًا في مدارس الأحد، ولكنه ذكر أن كل هذا لم يكن يشبع قلبه إطلاقًا، "كنت أشعر أن في قلبي فراغًا لا يملؤه إلا الله..".
من المبادئ الرهبانية عند قداسة البابا شنوده الثالث أن الرهبنة تبدأ في القلب وذلك قبل أن يأخذ صاحبها وضعه الرسمي حين يُرسم راهبًا في أحد الأديرة. كانت الرهبنة في البداية تعني موت القلب عن العالم ويبدأ الموت عن العالم في القلب، فإذا مات القلب عن العالم دخل صاحبه في الرهبنة، وبعد ذلك يأخذ الوضع الرسمي فيصبح راهبًا. تبدأ الرهبنة فينا قبل أن نبدأ فيها على نحو رسميّ.
وهذا ما حدث لقداسته في الواقع، فقد بدأ يشعر الشاب نظير أن كل شيء في العالم لا يشبع القلب من الداخل، كانت عملية الموت عن العالم أو موت العالم في قلب الإنسان قد بدأت تستولي على قلبه وتنمو فيه يومًا بعد يوم، وكان يُعبر عن تلك الأحاسيس في سلسة مقالات شرع في كتابتها في الفترة الممتدة ما بين عام 1951م و1954م حيث أنه ترهبن سنة 1954م وقد جاءت هذه المقالات تحت عنوان: (انطلاق الروح). وما قصده هنا هو انطلاق الروح من روابط العالم كلها حين تكون الروح طليقة في علاقتها مع الله.
واحدة من هذه المقالات كان عنوانها: «لست أريد شيئًا من العالم» كتبها قبل دخوله الرهبنة، قال فيها: "لست أريد شيئًا من العالم شيء أشتهيه (هذه صورة عن تجارب المبتدئين)"، وقال أيضًا: "لست أريد شيئًا من العالم لأن العالم أفقر من أن يعطيني مــا أريد، فلو تحقق الذي أريده في العالم لانقلبت هذه الأرض سماءً، ولكنها مثلما أرى لا تزال أرضًا. لست أريد شيئًا من العالم لأنني لست من العالم، وكل ما أريده هو التخلص من هذا العالم، أريد أن أنطلق من أسواره".
كما كتب قداسته قصيدة حول هذا المعنى أيضًا تعبر فكرتها الرئيسية عن نهاية كل شيء، والمقصود بها هو أن مصيرنا في يوم من الأيام أن نترك الدنيا ونرحل إلى العالم الآخر، وكل ما نبحث عنه ونجاهد في سبيله سوف نخلفه وراءنا وراحلين عن هذا العالم.
فلا بُد إذًا أن نستعد لهذا الموت قبل أن يأتينا. وذكر بهذه المناسبة قول السيد المسيح للغنيّ الغافل: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَتِي وَخَيْرَاتِي" (لو 12: 18). هذا ما كان يفكر به حين نظم قصيدة بعنوان: وماذا بعد هذا. كان ذلك في عام 1948م بعد تخرجه في الجامعة بسنة، حين بدأت فكرة الرهبنة تتبلور في داخله وهو لا يزال طالبًا في الجامعة. وقد نشرت هذه القصيدة في مجلة مدارس الأحد عام 1948م وجاء فيها:
سأهدم في المخازن ثم أبني | وأجمع فضتي وأضمُّ تَبري |
المقصود هنا ليس شؤون المال وإنما شؤون عظمة الإنسان:
سأسكن في قصور شاهقات | وأحيا مثلما تشتاق نفسي |
ثم أذكر في الأبيات القادمة بأن العظمة تأتي من خلال العلم، هناك بالطبع أشياء أخرى كثيرة، ولكني ركّزت على العلم:
سأقضي العمر في جد وكدّ | وأجلس فوق عرش العلم وحدي |
الحياة إذًا بمجموعها لا تستحق من الإنسان أن يتعب من أجلها، فسيأتي عليه حين من الدهر، يتركها فيه لا محالةَ، شاء أم أبــى. يتوجب عليه إذًا أن يبحث عن الأشياء التي لا تبقى معه ولا يبقى معها، ألا وهي محبة الله، وتلك هي الغاية في العالم الآخر. يشير هنا إلى آية مشهورة من أقوال القديس «بطرس الرسول» يقول فيها: "غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18). عند هذه النقطة تبدأ الفكرة الرهبانية في التجلي: إننا سنعيش في العالم ونبلغ أقصى مداه وحتى منتهاه، وماذا بعد، لا شيء، سوى الخواء وقبض الريح.
الحكمة إذًا تتمثل في الاهتمام بالعالم الآخر. ونحن نبدأ العالم من الآن، أو كما يقول بعض الآباء "نتذوق الملكوت من الآن إلى أن نذهب إليه فيما بعد". يقول: "هكذا بدأت أعدّ نفسي لهذا الأمر. إن عليَّ واجبات في هذا العالم لا بد أن أنتهي منها، لا بأس، إن للناس حقوقًا عليَّ لا بد أن أوفّيَها لهم. حسنٌ، لم أكن أفكر إذًا فيما إذا كان ينبغي أن أحيا الرهبنة أم لا أحياها، بل كنت مُصممًا عليها ماضيًا نحوها، فلما وجدت الوقت مُناسبًا اندفعت إلـــى حياة الرهبنة، وكان هذا يعني بالنسبة إليَّ حياة الوحدة الكاملة، أي أن ينفرد الإنسان ويمعن في الانفراد ويلج في عمق حياة الوحدة حتى يصل إلى نهايتها.
وهذه الدرجة هي التي يسمونها في كتب الآباء درجَة السوّاح، أي الذين سيهيمون في الجبال، ليس لهم مكان معين يقيمون فيه، وإن اختاروا مكانًا معينًا يقيمون فيه، وإن اختاروا مكانًا وعُرف ذلك المكان لجئوا إلى غيره، وعاشوا بلا اسم ولا لقب ولا مكان ولا دير. وحول هذا المعنى كتبت آخر قصيدة، وذلك قبل بدء حياة الرهبنة في يوليو سنة 1954م وقد جاء فيها:
أنا في البيداءِ وحدي | ليس لي شأنٌ بغيري |
ثمَّ يمَّمتُ شطرَ الرهبنةِ كي أحيا تلك الحياة الطليقة، بدأت أولًا بحياة المجمع في «دير السريان»".
تفضيل الرهبنة على الرسامة قسًا
تفضيل الرهبنة على الرسامة قسًا
لم تبق إلا الخطوة الأخيرة وهي الرهبنة، فكل ما سبق كان مقدمات وخطوات في الطريق، وأصبح موضوع الرهبنة ينتقل من كلمة "هل" إلى كلمة "متى". في تلك الفترة عُرِض عليه أكثر من مرة أن يكون قسيسًا فاعتذر؛ لأن قسسنا متزوجون وهو لا يريد هذه الحياة، كان يشعر أن حياة البتولية فيها حرية أكثر بحيث يستطيع الإنسان أن ينتقل حينما يشاء، ويختار نوع الحياة الذي يناسبه في استخدام وقته كما يحب وفي استخدامه لنوع المعيشة الذي يروقه حتى في أكله وصومه دون شريك له في الحياة يسأله ويراقبه ويتدخل في خصوصياته، بل يعتبرها من خصوصياته هو.
ويُذكر أن الأنبا بنيامين - مطران المنوفية الأسبق المتنيح - قد عرض على الأستاذ نظير جيد سيامته كاهنًا في المطرانية. ولكنه كان قد اختار الرهبنة طريقًا له.
علاقته بالدير قبل الرهبنة
علاقته بالدير قبل الرهبنة
قال قداسة البابا شنوده عن حبه للرهبنة قبل الدخول إليها: "كنت راهبًا في قلبي ولم يكن يعوزني سوى الملابس السوداء أرتديها، والقلنسوة أضعها على رأسي، والمنطقة أتمنطق بها؛ بل وأنا علماني كنت دائم الزيارات إلى الدير.. وفي بعض الأحيان كانت لي مسؤولية في الدير كالمكتبة مثلًا فآخذ مفاتيحها معي وأنا نازل..". وكان يذهب إلى تلاميذه من الرهبان الذين كان يُدَرِسْ لهم في مدرسة الرهبان وكانوا موجودين في العالم.. يزورهم في دير السريان.. وكان يحب دير السريان. وذكر أن أول مقالة كتبها عن زيارته إلى دير السريان، ربما تكون في سنة 1951م تقريبًا، نُشرت في مجلة (مدارس الأحد)، بعنوان "تَمَنْيتُ لو بقيت هناك"، ثم ازدادت زياراته إلى الدير وكان أول من يقضي العيد في الدير، وأحيانًا كان هو والأنبا ثاؤفيلوس، يتناولا الفطار سويًا بعد خروج الكنيسة، في عيد الميلاد وعيد القيامة..
وبعد ذلك صار اثنان من أصدقائه يذهبان معه إلى هناك منهم أمين نصر الذي أصبح فيما بعد الأنبا أرسانيوس، ومنهم محب باقي سليمان الذي أصبح أبونا أنطونيوس باقي سليمان[1]، الذي تنيح سنة 1972م. كانوا يذهبون هم الثلاثة فقط إلى الدير، ثم بعد ذلك كثرت الزيارات للدير حتى أصبح مئات من الناس يذهبون الآن إلى الأديرة. بعد ذلك أحبّ نظير جيد الرهبنة وذهب لكي يتَرَهب.
[1] ابنه حاليًا سيم كاهنًا في الزقازيق، وشقيقه القس يوحنا باقي كاهن كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة
الوقت المثالي
الوقت المثالي
بعد كل تلك الفترة التي تردد فيها نظير جيد على الأديرة وبخاصة وادي النطرون وبالذات "دير العذراء" الشهير بالسريان؛ وأصبحت له صلة وثيقة بالدير وبرئيسه ورهبانه، وقضاؤه كل الأعياد في الدير وليس وسط أسرته، وكلما كان يجد وقت فراغ يقضيه في الدير، واعتادت أسرته على هذا الجو في الذهاب والمجيء من الدير، أما هو فكان يشعر أنَ عليه واجبًا حيال أسرته ينبغي أن يؤديه، ولكن لما جاء الوقت الذي شعر فيه أن تركه للأسرة لا يؤثر عليها إلا من الناحية العاطفية فقط شعر أنَّ الوقت قد جاء.
لقد كان أهله يعرفون أنه باستمرار يذهب للأديرة، ففي اليوم الذي أراد فيه أن يذهب إلى الدير إلى غير رَجْعْة، قال لأخيه الكبير، الذي يعتبر وليّ أمره، ورباه منذ صغره: "أنا ذاهب الدير إن شاء الله، خِلْصِتْ السنة الدراسية في الإكليريكية... وليس لديّ أي شيء سأذهب إلى الدير" فقال لي: "متى سترجع إن شاء الله؟". قلت له: "لا أعرف. كل ما أعرفه أني ذاهب إلى الدير". فقال لي: "طيب تروح بالسلامة". وبعد ما ترهبن، بعث له جوابًا كتب فيه "أنا ترهبت وصار اسمي الراهب أنطونيوس السرياني، ولن أقابل أي إنسان يفوت عليَّ في الدير..".
مشاعر الطريق للدير
مشاعر الطريق للدير
يصف قداسة البابا شنوده مشاعره وأحاسيسه في طريقه للدير، بأن أول يوم ذهب فيه للرهبنة، لم يكن هناك طريق مُمهد مثلما يوجد الآن.. فركب عربة من القاهرة إلى الإسكندرية ومن الإسكندرية إلى الطريق الصحراوي، وقال في نفسه إنها آخر مرة يركب فيها الأتوبيس في حیاته، ومن (REST HOUSE) يوجد طريق مسفلت، فقال وهذه آخر مرة سأسير فيها على الطريق المسفلت في حياتي، وبعدها مشي من قرية الهوكارية إلى الدير في طريق لم تكن هناك المزروعات ولا الإصلاح الزراعي، الذي بدأ فيما بعد.
انتظار واستقبال الأنبا ثاؤفيلوس لنظير جيد
انتظار واستقبال الأنبا ثاؤفيلوس لنظير جيد
كما سبق وذكرنا أن الشاب نظير جيد ارتبط بعلاقة محبة مع نيافة الأنبا ثاؤفيلوس رئيس دير السريان العامر بوادي النطرون. وكان يدعوه وهو علماني ليعلم الآباء الرهبان! ولم يكن غريبًا أن يستقبله بفرح عظيم، فكم كان ينتظر هذا اليوم الذي ينضم فيه إلى البرية شباب متعلم، ينخرطون في الرهبنة لينهضوا بها ويعيدوا لها مجدها، وكان الأنبا ثاؤفيلوس يری في نظير جيد ضالته المنشودة، وفتح له قلاية الكرنك ليبدأ من اللحظة حياة جديدة هي حياة النسك والبتولية. وأيضًا من المصادفة أو التدبير الإلهي المفرح أن قديسو شيهيت أعلنوا فرحتهم بقدوم الناسك الجديد، لأن يوم 15 يوليو كان يوم عيد قدیس البرية الأنبا بيشوي وبعدها بثلاثة أيام، أول أحد - ۱۸ يوليو - في القداس الإلهي بكنيسة العذراء السريان - أجمل كنائس البرية وأقدم مكان في الدير بعد مغارة الأنبا بيشوي التي غرب الكنيسة، وشجرة مار إفرام السرياني التي شرق الكنيسة - تمت طقوس الرهبنة بید الأنبا ثاؤفيلوس، وأصبح نظير جيد الراهب أنطونيوس السریاني. وحمل اسم حبيبه القديس أب الرهبان..".
يوم رهبنة نظير جيد، والتنبؤ بسيامته بطريركًا
يوم رهبنة نظير جيد، والتنبؤ بسيامته بطريركًا
"كان المتنيح الأنبا بنيامين مطران المنوفية الأسبق (1950–1962م) يتميز بالشفافية الروحية الفائقة، كما كانت له روح النبوءة والحكمة والإفراز، فضلًا عن الروحانية التي كان يعيشها والسيرة الطاهرة النقية التي كان يسلكها من أجل المسيح.. فكان عندما يتكلم نيافته، يشعر الجميع بمصداقية قوله، والصراحة والوضوح بكلمات لا تحتمل التأويل أو التغيير. لذلك نجد الناس كانت تستريح لآرائه وأفكاره، وتثق في مصداقيته، وتأخذ بها. وكان يكفي لأي موضوع أن يُقال فيه: إن هذا رأي الأنبا بنيامين.. هذا كلام الأنبا بنيامين..".
في يوم 18 يوليو 1954م، كان الأنبا بنيامين يجلس مع مجموعة من المحبين، يتحاور معهم، ويحدثهم في موضوعات شتی.. ثم التفت إليهم بكل تركيز قائلًا لهم: «يا أحبائي بطركنا أترهبن النهارده!»، تعجب الحاضرون من هذا الكلام.. ولكنهم لم يستطيعوا أن يراجعوه في الكلام! وكانت التساؤلات في داخلهم: بطركنا اترهبن! كيف؟! وحاليًا يجلس على كرسي القديس مار مرقس الرسول، قداسة البابا يوساب الثاني، وهو بطريرك الكنيسة! إذًا لا بد أن الأنبا بنيامين كان يرى ما لا يراه الآخرون.. إنها روح النبوة التي فيه. وتلك هي الثقافة الروحية التي عنده.
لقد عرف الأنبا بنیامین بالروح أن البطريرك القادم للكنيسة في المستقبل قد تم تكريسه راهبًا كان يدرك الخطة الإلهية، والتدبير الإلهي للكنيسة تجاه من سيجلس على عرش مار مرقس في المستقبل..
لقد تحدث الأنبا بنيامين عن هذا الموضوع تكرارًا، وأمام مجموعات كثيرة من أبناء الكنيسة، وكأنه كان يؤكد هذه الحقيقة..
"وبالفعل كان يوم 18 يوليو 1954م، يومًا مشهودًا في تاريخ الكنيسة، وفي تاريخ الرعاية، وفي تاريخ الرهبنة القبطية.. ففي هذا اليوم المُبارك كان ترتيب الله وتدبيره أن يتم تكريس الأستاذ نظير جيد راهبًا في دير السيدة العذراء السريان ببرية شيهيت بوادي النطرون بيد المتنيح الأنبا ثاؤفيلوس أسقف دير السريان باسم الراهب أنطونيوس السریاني.. وهو الأب الفاضل الذي أصبح في ۳۰ سبتمبر ۱۹۷۲م أسقفًا للتعليم باسم الأنبا شنوده، بيد المتنيح البابا كيرلس السادس.. ثم أصبح صاحب القداسة والغبطة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث، الذي جلس على كرسي القديس مار مرقس في 14 نوفمبر ۱۹۷۱م، وهكذا تحققت نبوءة المتنيح الأنبا بنيامين التي تكلم عنها".
اختيار اسم "أنطونيوس السرياني"
اختيار اسم "أنطونيوس السرياني"
اختار قداسة البابا شنوده لنفسه اسم "أنطونيوس السرياني" لسببين:
الأول لأنه كان يحب حياة الأب أنطونيوس، أول راهب عاش حياة الرهبنة، ووضع أسسها، وكان كل عظماء الرهبنة في القرن الرابع من تلاميذه.
والثاني لأنه نشأ في كنيسة الأب أنطونيوس في شبرا، وكان مُتعلقًا باسم الأب أنطونيوس، وأما كلمة السرياني: فلأنه عاش في دير من الأديرة القبطية اسمه دير السريان، وسُمي دير السريان لأن أغلب الرهبان في وقت من الأوقات كانوا من السريان. وحينما بدأت الرهبنة في مصر لم يكن لهؤلاء أديرة في بلادهم، فكانوا يعيشون في هذا الدير. ولما انتشرت الرهبنة في كل أنحاء العالم صار للسريان أديرتهم الخاصة.
وهكذا رُسم باسم الراهب أنطونيوس السرياني. وظل هذا الاسم مُحببًا له طيلة عمره، حتى بعد أن صار بطريركًا، كان يسمي أغلب الكهنة الذين يرسمهم باسم أنطونيوس، ولا سيما لكنائس المهجر.. وسأله يومًا أحد المحاورين، ما أحب الأسماء التي تسميت بها إلى قلبك، فأجاب: أحب الأسماء إلى قلبي (الراهب أنطونيوس السرياني)".
سبت لا ينتهي
سبت لا ينتهي
كتب قداسة البابا شنوده في مذكرته في يوم رهبنته هكذا: "انقضت أيامي الستة التي تعبت فيها عاملًا في الأرض، وها قد دخلت في سبتي الذي لا ينتهي، الذي لم يقل الله عليه: وكان مساء وكان صباح يوم سابع، فقد استراحت حواسي من كل ما كان يشغلها في العالم، وأصبحت علاقتي بالناس كعلاقة مُسافر بمناظر تبدو من نافذة قطار يسير بسرعة فائقة! لما دخلت الدير، دخلت بجدية وحب لهذا الطريق..
كل هدفي أن أعيش حياة الوحدة الكاملة التي حرمت منها الآن.. لم أعش داخل الدير، ولكن الدير هو الذي عاش في داخلي.. ولم أعش في البرية التي كنت فيها، ولكن قلبي تحول إلى برية قفرة لا يوجد فيها شيء من العالم.. الناس كلهم لهم أغراض كثيرة في العالم وأنا ليس لي أي غرض في هذا العالم".
حبيس في القلاية من أول شهر
حبيس في القلاية من أول شهر
ثم أخذ الراهب أنطونيوس السرياني الشهر الأول من رهبنته، حابسًا في قلايته، وفي هذه الفترة كتب أول قصيدة في حياته الرهبانية، وهي قصة آدم وحواء، وسقوطهما بواسطة الحية في الجنة، تمثيلية صغيرة، تصورهم وهم يغنون ويقولون:
آدم (يغني): | تعالى الله مولانا |
| وبورك حيثما كان |
ويظلان يغنيان إلى أن تهيج الجنة كلها معهما، ويبدأ كل وَحش يغني معهما إلى أن يقول آدم:
آدم (يغني): | هلمي دولة الوحش |
| زرافات وحدانا |
لغاية لما يخطئ...
وصف للدير وأسواره وأول قلاية عاش بها الراهب أنطونيوس
وصف للدير وأسواره وأول قلاية عاش بها الراهب أنطونيوس[1]
تصل مساحة دير السريان العامر إلى حوالي فدان ونصف، لا تستطيع عين الناظر أن تصل إلى نقطة النهاية، وكلما تحركت العين تصطدم بالأسوار العالية الممتدة من الغرب إلى الشرق وسط الكثبان الرملية. وقد شبه نيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السريان هذا المنظر للسور الممتد مُحتضنًا الدير، كشبه سفينة في وسط مياه البحر، عرضه من الناحية الغربية ضيق ويأخذ في الاتساع كلما اتجهنا شرقًا تمامًا كسفينة نوح.. وأيضًا شبهه بصندوق الميت الذي هو ضيق من ناحية ومتسع من الناحية الأخرى، علامة على أن الراهب الساكن فيه إنسان مات عن العالم وصلوا عليه أوشية الراقدين.. ولهذا السبب جاء الشاب نظير جيد إلى هذا الصندوق منذ خمسين عامًا مُكرسًا حياته لله.. كما قال في كتابه انطلاق الروح: "لماذا تتمسك برغبات معينة في العالم، والعالم يبيد وشهوته معه، إنك غريب مثلي على الأرض، وستأتي ساعة تترك فيها هذا العالم وتترك فيه كل ما أخذته منه.. عريانًا خرجت من بطن أمك وعريانًا تعود إلى هناك.. ستترك رغمًا عنك كل ما في العالم من عظمة ومال وشهرة وتتوسد حفرة كأحقر الناس، ومهما بلغت في العالم من سطوة أو متعة أو شهرة، فإن هذا سوف لا يمنع جسدك الفاني من التعفن، وسوف لا يمنع الدود من أن يرعى في جثتك حتى يأتي عليها"[2].
وفي الدير عندما تصل الأقدام إلى شرق شجرة مار إفرام السریاني وتقترب من السور البحري عند كنيسة المغارة يجد الزائر ربوة عالية في طرفها قلاية وهذه أول قلاية أقام فيها قداسة البابا شنوده.. وتُسمى «الكرنك» وكما يروي الآباء الشيوخ إنها كانت تُستخدم لإقامة الآباء البطاركة عند زيارتهم للدير، ولكن الراحل الأنبا ثاؤفيلوس خصصها للراهب أنطونيوس إذ كان يحبه حبًا كبيرًا.
ثم على يمين الباب الأثري للدير من الجهة الغربية يقع الحصن، ويبلغ ارتفاع الحصن ثمانية عشر مترًا وطوله أربعة عشر مترًا وعرضه ثلاثة عشر مترًا، بعد الدخول من باب الحصن يصعد الزائر فوق السلالم الضيقة أربعة أدوار وعند الطابق الثاني، يدخل من باب ضخم ليجد قنطرة من الخشب السميك يصل طولها إلى الأرض وكانت تُرفع بسلاسل مثبتة من خلفها ليحتمي الرهبان داخل الحصن عند غارات البربر وغيرهم، وفي الدور الرابع أعلى الحصن – توجد كنيسة رئيس الملائكة ميخائیل (شفيع وحارس الرهبان)، كما يوجد أعلى حصن في كل الأديرة كنيسة لرئيس الملائكة ميخائيل لأنه الملاك الحارس.
وقد قضى الراهب أنطونيوس السرياني في هذا المكان أوقاتًا، يصفها الأنبا متاؤس بأنها كانت من أجمل أيام رهبان الدير وطالبي الرهبنة، حيث تتلمذ على يد أبونا أنطونيوس السرياني الكثيرون، ومن بينهم الأنبا متاؤس نفسه، وكثيرًا ما كان يجلس معهم يحدثهم في الروحانيات والحياة الرهبانية، وكانت الجلسة فوق الرمال تستمر لساعات طويلة خاصة في الليالي القمرية، وكان يقول لهم: "الليالي القمرية في الدير حرام فيها النوم"، وكان مُحبًا في معاملته معهم وعندما كان يريد أن ينصرفوا لم يكن يقول لهم: "قوموا"، ولكنه كان يختتم حديثه بكلمات يوحنا الحبيب "وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هكَذَا أَفْعَلُ. قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا" (يو14: 31).
[1] عن ملف صحفي أعدته ونشرته جريدة (وطني) بمناسبة اليوبيل الفضي لرسامة قداسته بطريركًا عام 1996م، أجرى رئيس التحرير المهندس يوسف سيدهم حوارًا مطولًا مع نيافة الأنبا متاؤس داخل دير السريان.
[2] فصل: انطلق من رغباتك الأرضية، كتاب انطلاق الروح
كيف يعيش الراهب حياته الأولى؟
كيف يعيش الراهب حياته الأولى؟
يتذكر قداسة البابا شنوده الفترة الأولى من رهبنته فيقول: "الفترة الأولى من الرهبنة هي فترة خدمة في الدير، المقصود بها أن يعيش الراهب وسط الرهبان، ويقوم بمسئولية معينة في خدمة الدير، وعن طريق الاختلاط يتعرف على نفسه من الداخل ويتعرف عليه الرهبان، فإن كان فيه خطأ يتنبه إليه ويصلحه، ولكن لا يلجأ الراهب إلى الوحدة مباشرة؛ لئلا تكون في نفسه أخطاء يغلق عليها في مكان وحدته وتثبت فيه وتنمو..".
وقد أُتُيحت له الفرصة في الدير كي يتعرف على ما تكشف عنه الطباع، والنماذج كثيرة منها هل يسرع الراهب للذهاب إلى الكنيسة للصلاة إذا دق الجرس في نصف الليل أم يتكاسل ويكمل نومه؟؟ هل إذا تصرف معه راهب آخر بطريقة أتعبته هل يغضب أم يتحمل وإذا غضب هل يفقد أعصابه ويخطئ بلسانه وبتصرفه أم يحتفظ بهدوئه؟".
أما عن مدة الرهبنة فيقول البابا شنوده: "إنها لا تُقاس بالأيام والسنين وإنما تُقاس بحالة القلب من الداخل، فإذا تنقى القلب تمامًا وسكنه الهدوء والحب نحو الجميع، وإذا ما تدرب على الطاعة دون تذمر، وإذا ما تدرب أيضًا على الصلاة حينئذ يمكن أن يدخل إلى حياة الوحدة ويستطيع أن يدخلها تدريجيًا".
وهو يقصد بالتدرج على الصلاة أن الإنسان حينما يأتي من العالم مباشرة لا تكون له القدرة على مداومة الصلاة ولا يكون قد وصل إلى متعة الحديث مع الله وإنما يدخل في هذا الأمر تدريجيًا بحيث تزداد صلواته طولًا وعمقًا، طولًا من حيث المدة التي يقضيها في الصلاة، وعمقًا من حيث نوعية الصلاة حيث تكون صلاة بفهم وبحرارة وبإيمان وبخشوع وبحب نحو الله، وبحيث إذا انتهت صلاته يعز عليه أن يختمها فهو يشتاق لأن يستمر فيها، إذا وصل إلى هذا الوضع يمكنه عندئذ أن يبقى في الوحدة. المختصر المفيد فإن الرهبنة تعني مقاومة النفس والانتصار عليها".
خدمته في الدير
خدمته في الدير
تولى الراهب أنطونيوس السرياني مسئولية مكتبة الدير ومطبعة الدير واستقبال السواح الأجانب، بالإضافة إلى العمل العام في الدير مع التعود على مواعيد الصلاة في الدير والاشتراك فيها يوميًا.
فقد "كلفه نيافة الأنبا ثاؤفليس المتنيح، مسئولية الإشراف على المكتبة وتنظيمها، وقام بمعالجة بعض المخطوطات وتجليدها وحفظ الكتب وترتيبها وفهرستها، ونشر بعض منها كإصدارات بمطبعة الدير، وخدم أيضًا بمجمع الدير (المطبخ)، خدم في كل ما أُسند إليه بكل أمانة واجتهاد. وكان يعكف على قراءة أقوال الآباء، وقال عنها: كانت أحب القراءات لقلبي".
ولما ترهب قداسته ازداد حبه لديره أكثر فأكثر وخدم فيه خدمات كثيرة وشاقة سواء في المكتبة التي نظمها وفهرسها كأحسن ما يكون، وأحضر لها دوائر المعارف والمراجع، كما أصدر عدة كتب عن طريق مطبعة الدير التي كان يُشرف على تشغيلها، كذلك كان يقوم بشرح معالم الدير وآثاره ويعطي فكرة عن الرهبنة القبطية وروحانيتها وعراقتها للزوار الأجانب وذلك بسبب علمه الواسع وتمكنه من اللغات الأجنبية.
وكثيرًا ما كان ينام في المكتبة ليقرأ جميع الكتب الموجودة وكتابة ملخص لكل كتاب بها.
وكل ما كان يقوم به في الدير هو المكتبة والمطبعة، وكان يصدر باسم الدير كتبًا مترجمة أو مؤلفات أو مخطوطات محققة. وكان أول کتاب قام بتأليفه في الدير هو "الزوجة الواحدة"، وأعد للنشر كتابًا كان قد صدر له من قبل هو "انطلاق الروح" وكان عبارة عن عدة مقالات نشرت في مجلة مدارس الأحد واهتم بتجميعها د. وليم سليمان قلادة وقد أُعيد طبع هذا الكتاب عشر طبعات وبلغت عدد النسخ التي طبعت أكثر من مائتي ألف نسخة.
وبالنسبة لكتاب "شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية"، كانت هناك مشكلة واقعية في المحاكم حول ما إذا كان يحق للإنسان المسيحي أن يتزوج من أكثر من واحدة! وكان الأمر ضروريًا لحسم هذا الموضوع، فوقع الاختيار على الأب أنطونيوس السرياني ليقوم بهذا العمل الخطير فجاء بحثًا وافيًا.
يقول البابا شنوده: "في فترة المجمع لأول مرة في تاريخ الأديرة أيضًا بنینا بیت الخلوة في دير السريان، وكان يشرف عليه إداريًا القمص أغاثون - نيافة الأنبا أغاثون - فيما بعد - وكنت أنا أشرف عليه روحيًا، وكنت أب اعتراف لكثيرين".
وهكذا كان الراهب أنطونيوس السرياني هو صاحب فكرة إنشاء بيت الخلوة بدير السيدة العذراء السريان.
رفضه مقابلة أقربائه بالجسد في الدير
رفضه مقابلة أقربائه بالجسد في الدير
حين ذهب إلى الدير، أرسل لشقيقه شوقي (المتنيح القمص بطرس جيد) خطابًا في أربع صفحات، وبعدها خطاب في ثلاث صفحات، ثم صفحتان، ثم صفحة، ثم عبارة واحدة قال فيها: "أعتذر عن الكتابة بعد ذلك"، وقتها علم إخوته أنه لن يعود مرة أخرى. ويتذكر قداسته هذه الفترة قائلًا "أخي شوقي كان يعمل شيئًا لطيفًا لكي أكتب له، وهي أنه يبعث يسألني في أمر ما، وربما يكون عارفه أفضل مني...".
وطيلة فترة وجوده بالدير، لم يتقابل بأي أحد من أقاربه، حتى أن شقيقه الأكبر شوقي ذهب للدير مع أخيه الأكبر روفائيل، وكان الدير مغلقًا، ولم يوافق على الخروج لهم، بل دخل القلاية وأرسل لهم ورقة يقول فيها: "لقاؤنا يجب أن يكون في السماء"، وكان يقول: "أنا كان كل فكري إني دخلت الدير، ولن أخرج منه أبدًا".
مشاعره تجاه إخوته الرهبان في الدير
مشاعره تجاه إخوته الرهبان في الدير
"ذات يوم زار دير السريان المرتل الكبير المعلم ميخائيل البتانوني (وهو من حفظة التراث القبطي للألحان والتسبحة ومن أبرز مرتلي الكنيسة في العصر الحديث) وأثناء زيارته كلف المتنيح الأنبا ثاؤفيلوس أبونا أنطونيوس بالاهتمام بضيف الدير. فذهب ليعد له طعامًا فطلب نوعًا من الطعام من الراهب المسئول عن المجمع (مطبخ الدير) فقال عن غير قصد إن هذا الطعام غير موجود. فذهب أبونا أنطونيوس لرئيس الدير يطلب أن يحضره له ليهتم بالمعلم ميخائيل في اليوم التالي. فغضب رئيس الدير وذهب للراهب وأعلمه أن الطعام موجود فاعتذر له الأب الراهب، وقال إنه لم يكن يعرف. غضب هذا الأب من أبونا أنطونيوس وعنفه بشدة ظنًا منه أنه اشتكاه لرئيس الدير، وهذا لم يكن أبدًا دافع أبونا أنطونيوس في طلبه. فحزن جدًا أبونا أنطونيوس وقال لنا عن هذا: "أنا تضايقت جدًا لأن كل قصدي أن نجيب الحاجة الناقصة لأجل الرهبان ولكي نهتم بضيف كبير مثل المعلم ميخائيل. كيف أتسبب لأحد في مشكلة مع رئيس الدير حتى لو بدون قصد. كيف أترك فرصة لأحد يتصور أني أستغل علاقتي الجيدة بالأب الأسقف. أنا لازم أروح لأبونا وأقول له اعتبرني خادم لك أسبوع أعمل كل ما تحبه مني".. وبالفعل ذهب للأب الراهب وأوضح له اللبس الذي حدث وأنه لم يقصد أبًدا أن يشتكيه وأن يخدم تحت يده في طاعة كاملة، فسامحه الأب الراهب لكنه رفض أمر الخدمة هذا. فألح عليه أبونا أنطونيوس حتى وافق. وفعلًا ظل أسبوعًا كاملًا يخدم تحت يد هذا الراهب الطيب باتضاع وطاعة ليمحو من داخله أثر هذا الموقف. وصارت بينهم علاقة طيبة منذ هذا الوقت. وهذا درس كيف كان يكسر دومًا حيل عدو الخير منذ الصغر ومنذ بداية حياته بالدير حتى نياحته. وكيف كان حريصًا على مشاعر إخوته من الآباء الرهبان فكل أمر كان يمر به كان يأخذ منه خبرة يضيفها لخبرات حياته".
عن هذه الحادثة يذكر القمص بطرس بطرس جيد - ابن شقيق قداسة البابا شنوده - أنه سمع هذه القصة من قداسة البابا شنوده الثالث قبل نياحته بقليل، وكان تعليق قداسته "أنه وضع في قلبه أن يطيعه كما تطيع السجادة مَن يدوسها".
الراهب أنطونيوس السرياني وعلاقته بالأنبا بنيامين المتنيح
الراهب أنطونيوس السرياني وعلاقته بالأنبا بنيامين المتنيح
لم يكن غريبًا أن يذهب نیافته كثيرًا إلى دير السريان ويجلس بالساعات مع أبونا أنطونيوس السرياني! فكان دائمًا يسأل ويحرص على مقابلته، ويتحاور معه حول الخدمة في الكنيسة، إذ كان يشعر داخليًا أن أبونا أنطونيوس السرياني سيكون صاحب دور متميز ومكانة كبيرة في الكنيسة، وسوف يؤثر على الأجيال القادمة.
عن هذا الارتباط وهذه العلاقة بين الأنبا بنيامين وأبونا أنطونيوس السرياني يقول القمص قسطنطين نجيب: "كان الأنبا بنيامين يأتي إلى دير السريان ويسأل عن أبونا أنطونيوس السرياني.. وكان دائمًا يجلس معه ويلتقي معه.. كان يأتي إلينا في الدير كل عشرة أيام. ويجلس معنا أنا وأبونا بيشوي كامل.. ثم كان يجلس كثيرًا مع أبونا أنطونيوس".
البابا والبرية
البابا والبرية
يذكر الراهب بولس الأنبا بيشوي الذي خدم لفترة خلال السنوات الأخيرة في سكرتارية البابا شنوده الثالث أنه لا يمكن معرفة شخصية قداسة البابا شنوده الثالث دون أن نعرف أولًا ما هي البرية في حياته وأثرها في نفسه. فارتباط قداسته بالبرية وبالحياة الديرية والمغارة وحياة الوحدة، والسكون، والتأمل هو ما شكَّل الجانب الأكبر من شخصية قداسته التي اتسمت بالحزم والنسك والزهد في العالم والقوة والاحتمال، ففي أوقات فرحه كانت تلك الفترة هي أسعد ما يتحدث عنه. وفي أوقات ألمه كانت هي الملجأ والعون. ولكنه بكل صفاته القوية. كان ذا قلب رقيق عطوف متسامح محب لأبعد حد، وهذا هو التوازن العجيب في شخصيته المعتدلة. فلم يأخذ من البرية قسوتها بل أخذ منها صفائها وهدوئها، وهذا ما كنا نشعر به في وجودنا معه، إنه يجمع صفات قد لا تتوفر كلها معًا في إنسان واحد، كنت تشعر تجاهه بالبساطة وسهولة التعامل والمرح. وفي ذات الوقت بهيبته وقوته وقوة شخصيته.
البرية لم تكن بالنسبة له مكان إنما حياة. حياة عاشها في الدير والمغارة والقاهرة وفي كل مكان عاش فيه. حين كتب قصائد عن الرهبنة والعزلة عن العالم. لم تكن مجرد كلمات منمقة. أو ملكات أديب أو رجاحة عقل لشاعر مميز. كان كل هذا حقًا شهوة قلبه. وظل هذا الشعور معه حتى نياحته. لم ينسى ما عاشه فيها من تعزية وسلام ونعمة من الله".
كيف عاش الرهبنة؟
كيف عاش الرهبنة؟
كما أن نيافة الأنبا بيشوي - مطران دمياط وكفر الشيخ المتنيح أشار إلى أن أبيات قصيدة (أنا في البيداء وحدي) تكشف عن خطة حياة عاشت في قلب قداسة البابا وهو خادم في مدارس الأحد، ومدرس في الكلية الإكليريكية، وواعظ في رتبة الشماسية. إنها خطة الرهبنة التي قال عنها إنها تبدأ براهب يعيش في مجمع الرهبان بالدير إلى مبتدئ في الوحدة. إلى راهب يصمت الأسابيع، أي أنه يعتكف في قلايته طول الأسبوع. ثم يتقابل مع الرهبان في قداس الأحد، تلي ذلك درجة متوحد في مغارة، ثم متوحد لا مغارة له، وهكذا يصل مُحب الوحدة إلى درجة سائح.
وقد قطع البابا شنوده أو الراهب أنطونيوس السرياني طريقه المرسوم مُبتدئًا بحياة الشركة في الدير، حتى أحبه الكل. ثم سكن في الحصن وحده في قلاية منعزلة كمبتدئ في الوحدة وصار ناسكًا في هذه القلاية الخالية من كل وسائل الراحة. صامتًا في قلايته هذه. ثم خرج إلى الوحدة في المغارة القريبة من الدير. ثم إلى المغارة البعيدة عن الدير (12 كيلومتر). عاشت الرهبنة في قلبه قبل أن يعيشها وصار قريبًا من أن يصير سائحًا في البرية لا مغارة له".
خروجه للوحدة 1956م
خروجه للوحدة 1956م
الاشتياق للوحدة
يقول قداسة البابا شنوده: "كانت لي قلاية متفردة في حصن الدير، قلاية الكرنك، ولكن نفسي اشتاقت إلى حياة الوحدة والتأمل الروحي، واخترت لنفسي مغارة في الجبل تبعد مسافة حوالي 4 كم، وكان ذلك في فبراير عام 1956م. وبعد ذلك وجدت أن المغارة القريبة من الدير يمكن أن يزورني فيها ناس، فذهبت في عام 1960م إلى مغارة بعيدة في منطقة البحر الفارغ وتبعد 12كم عن الدير، لا يأتيني هناك إلا أبنائي في الاعتراف من الرهبان.. وأول من جاءني من العلمانيين كان نيافة الأنبا باخوميوس (مطران البحيرة) قبل ذهابه للكويت ليخدم کشماس مكرس هناك مع القس أنجيلوس المحرقي (نيافة المتنيح الأنبا مكسيموس مطران القليوبية).. وقد عشت في هذه المغارة أكثر من ست سنوات لا أرى فيها وجه إنسان.. وقد كانت هذه الفترة من أعظم فترات حياتي؛ فقد كنت أصلي وأقرأ فقط واستطعت أن أقرأ الآلاف من الكتب والمراجع الدينية، وأهمها أقوال الآباء القديسين، وتمتعت بالهدوء والسلام القلبي واحتفظت بعلاقة طيبة مع رهبان الدير". كما أكد قداسته على هذا الكلام في حواره مع الكاتب والإعلامي مازن الصباغ قال: "بعد أن أمضيت في الدير فترة انطلقت إلى مغارة قريبة من الدير على بعد ثلاثة كيلو مترات ونصف، وعشت فيها وحيدًا، ثم ذهبت بعد ذلك إلى مغارة أخرى على بعد حوالي اثني عشر كيلو مترًا من الدير وعشت عزلة فيها، فكنت أقضي الأسابيع دون أن أرى وجه إنسان، وكانت تلك الأيام أسعد أيام حياتي وأقربها إلى الله".
يقول نيافة الأنبا متاؤس- رئيس دير السريان: "عاش الراهب أنطونيوس السرياني في الدير حياة الرهبنة الحقيقية، وبدأ بالتوحد في قلاية داخل الدير ثم في مغارة قريبة من الدير" ، "ولكن الراهب أنطونيوس كان يشتاق إلى حياة التوحد فترك القلاية وذهب إلى مغارة في قلب الصحراء تبعد عن الدير عدة كيلومترات. ومنها انتقل إلى مغارة.. في منطقة تُسمى البحر الفارغ وكان الرب معه يرعاه بعنايته".
ويقول نيافة الأنبا موسى- أسقف عام الشباب: "أحب العزلة والدير، بل قضى سنوات في المغارة، لا يرى إنسانًا ولا يهتم بأن يراه إنسان. وصار الراهب الذي أحب العزلة والدير، بل قضى سنوات في المغارة".
"ثم أراد أن يسكن بمغارة، سعيًا للوحدة أكثر، فسكن في مغارة تبعد عن الدير بضع كليومترات، وكان بجوار مغارة للراهب عبد المسيح الحبشي، الذي كان يرى قداسته أنه رجل راهب نادر الوجود في نسكه وزهده، وسكن في تلك المغارة نحو ست سنوات، كان يقضي كل وقته في الصلاة والقراءة، فقرأ على حد قوله مئات الكتب وكان أيضًا يعمل في تجهيز كتب المكتبة". وعن فترة تواجده بالمغارة قال: "كنت أقرأ طوال النهار حتى آخر ضوء تستوعبه عيني للقراءة" حتى أنه قرأ ذات يوم كتابًا ضخمًا عن حياة غاندي الزعيم الهندي الشهير، وقال إنه قرأ الكتاب ولم يتركه حتى انتهى منه (وقد استشهد به كثيرًا). فكان يحب شخصية غاندي جدًا، حتى أنه كان يضع تمثالًا صغيرًا أمامه لغاندي على مكتبه في الكلية الإكليريكية".
و"كان حريصًا على أن يعود مع غروب كل سبت إلى قلايته بالدير ليشارك إخوته الرهبان صلاة قداس الأحد".
وصف المغارة الأولى
وصف المغارة الأولى
"بدأ يتدرج في طريق الوحدة فسكن في قلاية منفردة في حديقة الدير وسكن في قلاية منفردة في مبنى الحصن داخل الدير خالية من كل مظاهر الراحة الجسدية، ولكنها تساعد كثيرًا في حياة الصمت والسكون والنسك والتجرد والإحساس بوجود الله. ثم سكن الراهب أنطونيوس السرياني في مغارة قريبة من الدير على بعد 4 كيلو مترات غرب دير السريان الصحراء وبعد ذلك سكن في مغارته المشهورة على قمة البحر الفارغ على بعد ۱۲ كيلو متر جنوبي دير السريان في عمق الصحراء".
هكذا "عاش أبونا أنطونيوس بضع سنوات في مغارة بوداي النطرون تبعد حوالي أربعة كيلو مترات غربي الدير. والمغارة قوامها من الحجر الرملي وسقفها من الحجر الجيري وهي حوالي 3.5 مترًا طولًا ومترًا واحدًا عرضًا ومترًا وعشرة سنتيمترًا ارتفاعها. فيما عدا طاقة صغيرة بارتفاع مترًا وسبعين سنتيمترًا، التي تمكن الراهب من الوقوف للصلوات، وبقرب مدخل المغارة كان لأبونا أنطونيوس مكتب صغير، وحصيرة حيث يدرس ويكتب القاموس القبطي، وفي رف محفور في الصخر كان يحتوي على كتب المراجع والأناجيل والكتب التفسيرية ومجموعة كاملة من كتابات آباء الكنيسة، وإلى جانب مكتبه مسافة بها الكتب الإضافية ومفاتيحه، حتى يمكنه غلق المغارة بالقفل، وفي نهاية المغارة يوجد سرير أبونا أنطونيوس المصنوع من الحجر الرملي كما يوجد مطبخ صغير بها حيث يجهز طعامه الخفيف"، إذ كان كل ما في المطبخ الصغير "موقد يستخدمه قليلًا في صنع الفول المدمس، وكثيرًا في إنارة المغارة عندما يسود الظلام الصحراء المخيفة".
حياة الإيمان وحفظ مجمع التسبحة
حياة الإيمان وحفظ مجمع التسبحة
يقول قداسة البابا شنوده: "الرهبنة وحدة، وهي درجات، وكما قال مار إسحاق: تبدأ براهب يعيش في مجمع الرهبان بالدير، إلى مبتدئ في الوحدة، إلى راهب يحتفظ بصمت الأسابيع، أي أنه يعتكف في قلايته طول الأسبوع، ثم يتقابل مع الرهبان في قداس الأحد، تلي ذلك درجة متوحد في مغارة، ثم متوحد لا مغارة له، وهكذا يصل مُحب الوحدة أخيرًا إلى درجة سائح..
"أول يوم سكنت المغارة - طبعًا حفرنا المغارة بنفسنا، أنا وبعض الزملاء -، وأول يوم سكنت في المغارة افتكرت أن الشياطين هيجربوني وتبقى حكاية، فبدأت أتلو تسبحة الدير لدرجة أنني في فترة بسيطة كنت حفظت مثلًا المجمع، وفي المجمع كنت أقول أهو دلوقتي يعرفوا إن أصحابي کتار فلا يتعبونني.. تصوروا مثلًا لما نقول في ربع من الأرباع (إبخورس تيرف إنتي ني أنجيلوس إبخورس تيرف انتي ني مارتيروس) یعني کل مصاف الملائكة وكل مصاف الشهداء الـ 144 ألف.. قلت أكيد هيخافوا، يعرفون إني رجل له أصحاب کثيرون 144 ألفًا... وبعدين لا جاءت شياطين تحاربني ولا حاجة، يظهر إنهم ماحسوش بيَّ في الجبل.. المهم ساعتها أنني عشت في المغارة وقتًا، ثم لم يعجبني أن المغارة إلى جوار الدير؛ فسكنت في مغارة أخرى عند البحر الفارغ على بعد ۱۲ کیلو تقريبًا من الدير، كانت تمر عليَّ فيها أسابيع لا أرى وجه إنسان. كانت فترة جميلة، وكانت المغارة هي أعلى مكان في الجبل، يمتد البصر إلى عشرات الكيلومترات أمامها، دون أن يعترضه شيء.. يعني مكان هادئ.. هذه الفترة كانت أكثر فترة في حياتي عشتها في الوحدة".
وقد "عاش الراهب أنطونيوس السرياني في المغارة البعيدة حياة الإيمان وسط وحوش البرية والحشرات مثل الثعابين والعقارب ولكن عناية الله حرسته، وقد شهد نيافة الأنبا صرابامون بما رآه من معجزات عناية الله في هذه الفترة.
وقد فتح قداسة البابا بحياته في المغارة الطريق لكثير من الرهبان المتوحدين في جيلنا هذا ليحيوا حياة الوحدة والسكون وكثيرًا ما تكلم قداسته بشغف عن حياة السكون وحياة السياحة في البرية ولولا أن فاجأ المتنيح قداسة البابا كيرلس السادس الراهب أنطونيوس السرياني بسیامته أسقفًا للتعليم لكان الراهب أنطونيوس السرياني قد انضم إلى السواح الذين يحيون بلا مغارة في البرية محققًا أحلامه وأشواقه الروحية التي خرج إلى البرية لأجلها".
اختبارات البابا في البرية
اختبارات البابا في البرية
عاش البابا شنوده كسائح في البيداء فيقول قداسة البابا شنوده: "فاكر مرة من المرات كان عندي لمبة جاز، والمكان الذي يوضع فيه الزجاجة اتفك.. فقلت أصحى بدري وأذهب إلى قلايتي في الدير، ومشیت ۱۲ کيلومتر وأحضرت لمبة جديدة وبعض الأشياء الأخرى. ورجعت ۱۲ كيلومتر إلى المغارة أي ۲٤ كيلومتر ذهابًا وإيابًا. وفي ذلك اليوم مر عليَّ واحد بعد القداس، فخفت أن يتوه في الطريق فمشيت معه 4 کيلومتر، ورجعت 4 كيلومتر.. فيكون مجموع ما مشيته في هذا اليوم ۳۲ کيلومتر.. ولما جاء وقت الغروب خرجت أتمشى في الجبل!
أتذكر أيضًا لما كنت أمشي بالليل في الصحراء، كان ممكن أتوه لأن الدنيا ظلمة، ولا أعرف أي اتجاه أسلك فيه، فإذا وجدت حاجة لفتت نظري وأردت أن أنظر إليها، كنت أرسم بالعصا سهمًا على الأرض، ثم أنظر في أي اتجاه کما أريد وبعد ذلك أرجع للسهم مرة أخرى!".
نسكيات
نسكيات
ويقول قداسته: "الأكل البسيط الموجود في المغارة، كان له طعمًا لذيذًا جدًا، أحسن من أكل العالم المملوء بالدسم.. ربنا يعطي لذة في حياة البساطة للناس العايشين في الجبل.. كنت أنام على حصيرة، وقالبين طوب وفوقهم فوطة (مخدة!!)، وكنت أنام وأنا مبسوط.. أيام زمان كنا نعيش على لمبة جاز شمعة.. ولما يرتفع مستوانا تبقى 10 شمعات.. آخر رقي لنا كان لمبة 15 شمعة.. لكن الجاز هو الجاز وليس الكهرباء!
الواحد لو أراد أن يغسل الملعقة بعد الأكل.. كان يكفيه ملؤها ماء، ويكون تحتها الصحن يغسله بالمياه التي وقعت من الملعقة، وبعدين نغسل المعون (الحلة)، وتبقى كل العملية من غسيل الملعقة، والصحون والمعون حوالي نصف كوب ماء!
ومرة دخلت الدير ووجدت راهب يغسل وجهه، وفاتح الحنفية والمياه نازلة من الحنفية بدون ما يقفلها! فقلت: يااا.. ده بيغسل وشه بمياه تكفيني أسبوعين!
إبحار في كتب الآباء
إبحار في كتب الآباء
أبحر قداسة البابا شنوده في كتب الآباء وقال: "في الحقيقة أني كنت أحب الرهبنة كما هي، يعني رهبنة الآباء.. كانت القدوة الأصلية لي، هي رهبنة الآباء وكتب الآباء"، و"أكثر فترة قرأت فيها أقوال الآباء القديسين.. نفعتني فيما بعد لما بقيت أسقف للتعليم، وبدأت أتكلم من أقوال الآباء، فكان الكلام جديدًا على الناس؛ لأنه لم يكن أحد يكلمهم في أمثال هذه الموضوعات في ذلك الزمان.
قرأت قراءات كثيرة جدًا جدًا في أقوال الآباء بل أيضًا حينما كنت مسئولًا عن مكتبة الدير، استوردنا كتب الآباء من الخارج لأول مرة في الأديرة كلها، كنا نجلبها من مكتبة في أكسفورد اسمها "Blackwell's library " فيها كتاب للـ "Patristic" وكتاب "Theology".. مؤلفات كثيرة فكنا نستوردها، وبدأنا نضع في مكتبة الدير مجموعات من كتب الآباء، بعديها بعدة سنوات بدأت أديرة أخرى تستورد مثل هذه الكتب.
وأثناء وجودي في الدير أيضًا ترجمنا بعضًا من أقوال الآباء، كنا في كل عيد ننشر نبذة عن العيد إما من المخطوطات وإما ترجمة من أقوال الآباء.
فترة قراءة، وفترة علم ومعرفة، وفترة وحدة، وهدوء، وسكون.. كنت أشعر فيها بجمال الحياة وهدوئها وخاصة في وقت الليل.. من ضمنها على ما أظن قلت:
هدوء الليل موسیقی |
| وأنغام تداعبني |
كنت أشعر بصوت الريح كما لو كان أنغام وموسیقی؛ یعني الحياة في الوحدة متعة لمن يستطيع أن يستغل الوقت في هدوء، الذي لا يستطيع أن يستفيد من الوقت تصبح الوحدة بالنسبة ليه متعبة لا يقدر عليها.. أيضا نظمت بعض قصائدي منها قصيدة "همسة حب"، دي كانت في المغارة، أيضًا قصيدة "تائه في غربة" وقصيدة "من تكون".
علاقته بالراهب عبد المسيح الحبشي
علاقته بالراهب عبد المسيح الحبشي
يقول قداسة البابا شنوده في رده على سؤال موجه من بعض رهبان دير القديس مار مينا بصحراء مريوط عن شخصية الأب عبد المسيح الحبشي ومنهجه، حيث أجاب قداسة البابا شنوده: "لا أعرف بالضبط تدبير حياته في المغارة، وإن كنت قد سكنت في مغارة إلى جواره لبعض الوقت، كان من الصعب على أحد التتلمذ على يديه، إذ كان لا يتكلم إلا فيما يريده فقط. أتذكر جيدًا أنني تقدمت إليه بسؤال روحي لحياتي الخاصة، فأجاب: شوف يا باتي (باتي = أبي) أنا زمان زمان كنت في الحبشة، بعدين خرجت من الحبشة وظللت أمشي حتى وصلت لدير البراموس. ثم راح يشرح لي المتاعب التي واجهته في دير البراموس، وتركه للدير للإقامة في المغارة. هذا وقد أخذت منه هذه القصة مدة ساعة كاملة.. بدأت بميلاده وانتهت بالوحدة في المغارة، فلما انتهى من كلامه نظر إليَّ وقال: أنا موش راهب ولا قسيس ولا أعلم شيئًا عما تقوله ثم تركني ومضي".
ولكننا كنا نحبه جميعًا جدًا، ونذهب إليه في مغارته، حاملين إليه ما أمكننا من الطعام والشراب. كان رجلاً ناسكًا جدًا، أكله أكل صيام طوال السنة، لا يأكل اللحوم ولا الأسماك على الإطلاق، وكنا نحمل إليه في المغارة بقول وزيت وملوخية جافة وخبز وعسل أسود وما شابه.وكان هو يجلس معنا يحكي لنا، لم نكن نسأل لأنه لم يكن يجيب، كانت له طريقته في التعليم، ففي ذات مرة رسم على الأرض ما يشبه كل من البحر والدير ثم قال إن الراهب في الدير مثل السمك في البحر، إن خرج من البحر يموت في الحال. وهكذا في الإرشاد، كان يرشد فيما يريد دون أن نسأله نحن. من بين علامات المحبة فيما بيني وبين أبونا عبد المسيح الحبشي، أنني كنت أساعده في الكلام لأنه كان يتكلم الحبشية وبالتالي فهو لا يعرف إلا القليل من العربية، فإذا احتاج إلى كلمة ما طلب مني قراءة أحد المزامير التي توجد بها تلك الكلمة، وهكذا وبينما أنا أقرأ يقف هو عند الكلمة التي يريد استخدامها. كما كان من عاداته أن يغير الحروف عندما يتكلم، نظرًا لعدم معرفته الجيدة باللغة العربية.مر وقت لم يكن يحصل فيه على الطعام من دير البراموس، بل كان يمشي من مغارته الواقعة بالقرب من دير البراموس حتى دير السريان لكي يحصل على بعض الخبز والماء، ومن كثرة المشي أخذ جسده ونظره في الضعف، فوقع ذات يوم بالقرب من دير البراموس، وأخذه الرهبان وأحضروه إلى الدير وقدموا له طعامًا، فلما انتهى منه قال: شوف يا باتي أنا شربت وأكلت وتكلمت، ولم يعد هناك قانون من قوانين القديس مكاريوس لم أكسره إذ أن قوانين القديس مكاريوس تقضي بأنه على الراهب ألا يأكل ويشرب ويتكلم مع الناس. كان أبونا عبد المسيح الحبشي رجلًا بسيطًا، ولكنه في الوقت ذاته جريئًا جدًا، ففي ذات يوم زار الدير اثنان من مطارنة الأحباش، وكان هو ما يزال موجودًا بالدير، فأوصلتهم إليه في القلاية، وفيما هما خارجان أمسك بثياب أحدهما قائلًا في تبكيت: ايه ده يا أباتي ... أنت واحد وزير! كان مُعترضًا على ملابسهما الفاخرة. وكان بشكل عام لا يأبه السلطة أو المراكز متى تكلم.
وتكرر الأمر ثانية، ففي ذات يوم عرف أبونا عبد المسيح أن بعض الأساقفة سوف يزورون الدير، فطلب أن يتقابل معهم لينال بركتهم، ولكن الرهبان والذين عرفوا عنه صراحته الشديدة، خشوا من ذلك، غير أنه وعدهم ألا يفعل ووافق الرهبان. فلما وصل الأساقفة إلى الدير وضرب لهم الناقوس سمع هو من مغارته التي تبعد حوالي نصف الساعة عن الدير، فحضر وأخذه الرهبان إلى حيث نزل الأساقفة، ومن الخارج لمح سرير ومكتب وكرسي فوتييه، وعندئذ وضع يديه على عينيه قائلًا: "موش قادر يا باتي.. اتركني يا باتي.. دي قلاية راهب ولا واحد ملكان.. يقصد ملكًا، فخجل الرهبان وانصرفوا".
خدمة.. داخل المغارة
خدمة.. داخل المغارة
يروي قداسة البابا شنوده عن مكانة المغارة بالنسبة له ويقول: "كانت المغارة عندي كالمنارة ومصدر إلهام ودراسة..
أنا فاكر زمان أثيرت قضية تعدد الزوجات، وقد أرسل لي نيافة الأنبا ثاؤفيلوس وقال لي: عاوزينك تشتغل في هذا الموضوع، لأنك عندك وقت للبحث! فجلست في قلايتي حوالي شهرين، وقرأت كل الكتب التي كتبت عن تعدد الأزواج والطلاق والزواج، وعن الأحوال الشخصية كلها.. وكتبت كتاب "الزوجة الواحدة في المسيحية" وأرسله إليهم في مارس 1958م، يعني ممكن الواحد يشتغل وهو قافل على نفسه في الدير، وممكن يخدم الكنيسة بدون أن يخرج من الدير".
الترشح الأول للبطريركية 1957م
الترشح الأول للبطريركية 1957م
"بعد أن تنيح قداسة البابا يوساب الثاني في نوفمبر عام 1956م، وتعين المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف البهنسا قائم مقام بطريركًا لحين سيامة البطريرك الجديد.
وقد تم ترشيح بعض الرهبان الشبان الجدد، وكان من بينهم الراهب أنطونيوس السرياني، وكُتبت له التزكية الخاصة به ونُشرت هذه التزكية في مجلة مدارس الأحد في يناير عام 1957م ووصفته بأنه:
رجل عابد الله، طاهر في سيرته، غيور على كنيسة المسيح أمين في المحافظة على تعاليمها وقوانينها وتقاليدها.
بلا لوم، متيقظ الضمير، عاقل حكيم، صالح للتعليم، متعقل بار، ورع، ضابط لنفسه، حلیم متواضع غير مخاصم ولا محب للمال، له شهادة حية من جميع الناس، مُحب للخير.
ملازم للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، قادر أن يعظ بالتعليم الصحيح، ويوبخ المناقضين.
درس العلوم الكنسية في الكلية الإكليريكية، ثم عمل أستاذًا بها.
متمكن من الكتاب المقدس، دارس للعقيدة الأرثوذكسية ومدافع عنها، متعمق في تاريخ الكنيسة، عارف بجهادها جيلًا بعد جيل.
عارف باحتياجات شعب الله الروحية، والاجتماعية، والثقافية، دارس المشكلات الكنسية.
غيور على خلاص النفوس، علم الكثيرين المسيحية، ووجههم التوجيه الأرثوذكسي السليم، وصيرهم تلاميذًا حقيقيين للمسيح، كي يعيشوا له کما يليق بأبناء الله الطاهرين الأتقياء، وقدم لهم بسيرته وحياته المثل الصالح والقدوة الأمينة.
شجاع في الحق، رائده المبدأ وحده، لا يجامل، ولا يحابي، ولا يهاب، ولا يتزعزع، يعلن صوت الله في وضوح وقوة.
تولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد، فكان الكاتب الأمين والمعلم المدقق، وفي وسط الأمواج المتلاحقة التي كانت تنتاب الكنيسة، قدم التعاليم السليمة الخالية من كل فكر دخيل.
امتلأ قلبه شوقًا إلى الرهبنة، وانضم إلى صفوف رهبان البرية، فحافظ على حياة الشك والعبادة والتقشف، وظل أمينًا لما رسمه آباء الرهبنة القديسون من أجل ذلك نحن نقدمه إلى أبناء الكنيسة المباركين ليختاره راعيًا صالحًا للكنيسة كي يعيد إليها بنعمة الله وتأیید روحه القدوس- عهود مجدها ويرعى كل فرد فيها بالحق والاستقامة ومخافة الله.
إلا أن المجمع المقدس في ذلك الوقت رفض فكرة الرهبان الشبان الصغار السن ليكون واحدًا منهم بطريركًا وأبًا للكل!! وتم إصدار لائحة انتخاب البطريرك عام 1957م وكان من بين شروطها: أن يكون عمره أكثر من أربعين عامًا وله أكثر من 15 عامًا في الرهبنة".
وجاء نص التذكية في مجلة مدارس الأحد:
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين
نحن الموقعين على هذا، أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بجدول انتخاب البطريرك.
تملأ قلوبنا المحبة العميقة لله مخلصنا ولكنيسته الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، وتدفعنا الغيرة الكاملة على مجدها.
وتتبدى أمامنا خطورة درجة رئيس أساقفة الإسكندرية، بابا وبطريرك الكرازة المرقسية، راعي شعب المسيح، ومعلمه، وحاميه وقائده إلى ملكوت الله خليفة مار مرقس، والمكمل لسلسلة الآباء والقديسين العلماء الذين رعوا كنيسة المسيح في كل الأزمان فرفعوا من قدرها، وكانوا نورًا للعالم ومنقذين للنفوس ومعلمين للمسكونة. ونبصر احتياجات شعبنا إلى الرعاية الصالحة، والتعليم الصحيح، والخدمة الأمينة.
وإذ نطلب إلى السيد الرب الإله يسوع المسيح، أن ينعم على بيعته المقدسة بالراعي الصالح الذي يرعى شعبه بالطهارة والعدل والمحبة الملتهبة نزكي: الراهب أنطونيوس السرياني
ليكون بابًا وبطريركًا ورئيسًا لأساقفة الإسكندرية وليبيا والخمس مدن وإثيوبيا وكل إفريقيا لأنه رجل عابد لله، طاهر في سيرته، غيور على كنيسة المسيح، أمين في المحافظة على تعاليمها وأوامرها وقوانينها وتقاليدها. بلا لوم، متيقظ الضمير، عاقل حكيم، معز صالح للتعليم. متعقل بار ورع ضابط لنفسه حليم متواضع غير مخاصم ولا محب للمال له شهادة حسنة من جميع الناس، محب للخير، ملازم للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، قادر على أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين.
عالم؛ درس العلوم الكنسية في الكلية الإكليريكية، ونال دبلومها، بعد أن استكمل دراساته العلمية في الجامعة، ثم عمل أستاذًا بالكلية الإكليريكية، متمكن من الكتاب المقدس، دارس للعقيدة الأرثوذكسية ومدافع عنها: متعمق في تاريخ الكنيسة عارف بجهادها جيلًا بعد جيل، فاهم للقوانين الكنسية، وتقاليد البيعة، وتعاليمها. عارف باحتياجات شعب الله الروحية والاجتماعية والثقافية، دارس لمشكلات الكنيسة، وأسباب القلق والاضطراب، خادم في كنيسة المسيح، غيور على خلاص النفوس، علم الكثيرين المسيحية ووجههم التوجيه الأرثوذكسي السليم، وصيرهم تلاميذ حقيقيين للمسيح، كي يعيشوا له كما يليق بأبناء الله الطاهرين الأتقياء، وقدم لهم بسيرته وحياته المثل الصالح والقدوة الأمينة.
شجاع في الحق، رائده المبدأ وحده، لا يجامل، ولا يحابي ولا يهاب ولا يتزعزع، يعلن صوت الله في وضوح وقوة.
ولقد تولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد، فكان الكاتب الأمين، والمعلم المدقق، وفي وسط الأمواج المتلاحقة التي كانت تنتاب الكنيسة، قدم التعاليم السليمة، الخالية من كل فكر دخيل.
وإن كلماته التي طالما أوصلت رسالة الله إلى أبنائه في أمانة وفي سلطان وفي غيرة، ستظل مرجعًا للباحثين عن المبادئ. والروحانية، والحق – ومثلًا للكاتب المسيحي والمفكر القبطي الأصيل.
ولقد امتلأ قلبه شوقًا إلى الرهبنة، فظل أعوامًا طويلة يتردد على الدير – يجرب نفسه ويدرب ذاته على الحياة فيه عامًا إثر عام. حتى إذا اطمئن إلى دعوة الله انطلق في هدوء لنظم إلى صفوف رهبان البرية، فحافظ على حياة النسك والعبادة والتقشف، وظل أمينًا لما رسمه آباء الرهبنة القديسون.
من أجل ذلك نحن نقدمه إلى أبناء الكنيسة المباركين ليختاروه راعيًا صالحًا للكنيسة كي يعيد إليها – بنعمة الله وتأييد روحه القدوس – عهود مجدها، ويرعى كل فرد فيها بالحق والاستقامة ومخافة الله، فيجد كل ابن للكنيسة الأمن والرعاية، ويظلل السلام على البيعة فتؤدي رسالتها كاملة.
مجدًا وإكرامًا للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى الأبد. آمين.
"إلا أن المجمع المقدس رفض فكرة الرهبان الشبان الصغار السن ليكون واحدًا منهم بطريركًا وأبًا للكل! فتم إصدار لائحة انتخاب البطريرك وبها ثلاثة شروط:
أن يكون مصريًا قبطيًا أرثوذكسيًا.
أن يكون من طغمة الرهبان المتبتلين.
أن يكون عمره فوق أربعين عامًا وله أكثر من خمسة عشر عامًا راهبًا. وبهذه اللائحة انتخب البابا كيرلس السادس عام 1959م، وأيضًا البابا شنوده الثالث عام 1971م.
في دير الأنبا صموئيل 1957م
في دير الأنبا صموئيل 1957م
قضى أبونا أنطونيوس السرياني وبعض رهبان دير السريان فترة ليست بكبيرة في دير القديس الأنبا صموئيل بمغاغة عام 1957م وكان رئيس الدير القمص مينا الصموئيلي (نيافة الأنبا مينا رئيس دير الأنبا صموئيل المتنيح) وكعادته في كل مكان كان نشيطًا ومصدر ثقة من حوله ويمكن الاعتماد عليه. وكان القمص مينا حين ينزل من الدير يوكل له شئون الدير. وكان عند عودته يكتب له أبونا أنطونيوس خطابًا عن سير أمور الدير.
ويومًا ما أحضروا لقداسته صورة من إحدى هذه الخطابات فكتب عليه (إنني أذكر خطابي هذا منذ 54 عامًا) وما هي إلا أشهر قليلة حتى عاد أبونا أنطونيوس لديره دير السريان ولمغارته.
العمل كأمين للدير 1958م
العمل كأمين للدير 1958م
اختار قداسة البابا كيرلس أبونا مكاريوس السرياني (نيافة الأنبا أثناسيوس) ليكون نائبًا بابويًا لإيبارشية بني سويف، والذي كان رُبيتة الدير، لذا وَكَّل نيافة الأنبا ثاؤفيلوس أمانة الدير لأبونا أنطونيوس السرياني، وعن هذا قال قداسة البابا شنوده: "قداسة البابا كيرلس اختار أبونا مكاريوس السرياني (الأنبا أثناسيوس حاليًا) أنه يكون نائبًا بابويًا في بني سويف، وأنبا ثاؤفيلوس قال لي: أرجوك تمسك مكانه رُبيتة الدير مؤقتًا، قلت له: يا سيدنا أنا عايز أفضل في وحدتي قال لي: معلش نحن غير ضامنين إن كان سيرسم أو لا، فإذا لم يُرسم هترجع.. الحكاية في بيتها.. وإن اترسم أوعدك بأني أرجعك لمغارتك. قلت له: حاضر.. في ذلك الوقت كانوا عملوا المشروعات الزراعية وكانوا عملوا معسكر جنب الدير بقاياه لا تزال موجودة حاليًا، في الـ Camp International وكانوا كل عشرة أيام يأتون بـأربعمائة شخص يعملون في الزراعة، وفي غرس الأشجار، وفي الليل يظلُّ هؤلاءِ الأشخاصُ يهيصونَ ويتنطَّطونَ ويضحكونَ ويغنُّونَ، ويبقى الدير جنبهم في أتون من نار، لذلك كنا مانعين زيارة الدير".
"ولما كنت أمشي مع رئيس الدير نيافة الأنبا ثاؤفيلوس في الجنينة يقول: يا ترى لو كنا نعمل كذا وكذا.. وبعدين يسافر أسبوع.. ولما يرجع يلاقي كل حاجة اتعملت! وده لأني كنت أطيع الرغبة التي في قلبه وليس القول الذي على لسانه!!".
و"بعد أن سيم الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف الراحل أسقفًا طلب المتنيح الأنبا ثاؤفيلوس من الراهب أنطونيوس السرياني أن يتولى عمل أمين الدير لحين اختيار أمين جديد للدير. وبكل الطاعة والمحبة ترك المغارة وحياة الوحدة وعاد إلى الدير ليعيش مع إخوته الرهبان حياة الشركة ولكنه أيضًا اختار مكانًا بعيدًا يستطيع منه أن يناجي الرب ويتحدث إليه.. اختار «قلاية» في أعلى الحصن".
عزوفه عن الكهنوت
عزوفه عن الكهنوت
ظل في الرهبنة بعيدًا عن الكهنوت وعن العالم مدة كبيرة من الزمن بلغت عدة سنوات وكثيرون ممن أتوا بعده بالدير صاروا كهنة، وكان الدير يستأذنه في هذا الموضوع لكنه ظل بعيدًا عن الرتب الكهنوتية حبًا في الحياة الرهبانية الأولى، وكان يفضل ذلك حتى يجد وقتًا أكثر للصلاة والعبادة الانفرادية.
رسامته قسًا بعد رفض متكرر 1958م
هكذا "لم يكن له هدف سوى الحياة بالدير كراهب بسيط حتى أنه لم يكن يرغب في قبول الكهنوت في البداية، وقَبِله كي يكون أب اعتراف لأحد المتقدمين للرهبنة وهو الراهب أغاثون السرياني (المتنيح الأنبا أغاثون) كان يفرح بكل رساماته لازدهار الكنيسة ولكن سيامة الآباء الرهبان كان لها في نفسه حقًا فرحة مميزة".
وعن يوم قداس استلام الذبيحة يقول قداسة البابا شنوده: "تسليم الذبيحة طبعًا فيه يكون الواحد لوحده، ومن يصلي معه يكون شريكًا وإلا كيف يَتَسَلَمْ إن لم يكن هو الخديم.. الذي سلمني الذبيحة كان هو أب اعترافي في ذلك الحين وهو القمص توما السرياني، وكان من شيوخ الدير.
وكان ذلك في الكنيسة الكبيرة بدير السريان، لأن كنيسة العذراء الصغيرة، كنا نصلي فيها في الشتاء، وكان الشتاء لم يأت بعد.
ولكن أفتكر أول مرة وقفت فيها أمام الهيكل أصلي صلاة الشكر، في ثاني أسبوع بعد رسامتي قسًا.. وقفت أقول صلاة الشكر.. فلم أستطع أن أقول شيئًا.. (فوجدت نفسي اتلخمت ومش عارف أقول أي كلمة.. أحاول أقول بالقبطي نسيت.. أحاول أقول بالعربي نسيت.. وجابوا لي الخولاجي).. وكان من أكثر المواقف الحرجة بالنسبة لي. حاليًا أشتاق إلى اليوم الذي وقفت فيه أتلجلج أمام الهيكل من هيبة الموقف، التي كانت لنا أول مرة".
إشاعة رسامته قمصًا
إشاعة رسامته قمصًا
إلا أنه لم يرسم قمصًا أبدًا، وقال: "بالنسبة لرسامتي قمصًا.. أنا لم أُرسم قمصًا أبدًا في حياتي، رُسمت من قسيس إلى أسقف ولم آخذ رتبة القمص. كان نيافة الأنبا ثاؤفيلوس يدعوني للرسامة قمصًا بين الحين والآخر، فكنت أقول له هذه العبارة: "ما الذي يعمله القمص ولا يقدر أن يعمله القسيس؟! طبعًا لا شيء".
وفي مرة ضغط عليَّ أن أُرسم قمصًا، فقلت له: "معقول يبقى قديس الدير القديس يحنس كاما مجرد قسيس وأنا أبقى قمص.. فسكت"، وبقيت بعيدًا عن القمصية إلى أن رُسمت أُسقفًا.. ولو أن الإعلانات في الجرائد وقتها كانت تكتب القمص أنطونيوس السرياني، وأنا لم أكن قمصًا".
أب اعتراف الرهبان الجدد
أب اعتراف الرهبان الجدد
بعد رسامة الراهب أنطونيوس قسًا في 31 أغسطس 1958م، أي بعد رسامته راهبًا بأربع سنوات، كثير من الرهبان الذين ترهبوا بعده رُسِمُوا قسوسًا، وهو كان يعتذر عن رسامته قسًا، لكي يحيا الحياة الرهبانية الأولى، التي كانت بعيدة عن الكهنوت.. إلى أن جاء وقت لم يجدوا فيه أب اعتراف للدير، على الأقل للرهبان الجدد. يروي قداسته ما حدث قائلاً: "أتذكر أن أول واحد من أجله، رُسمت أنا كاهنًا وصرت أبًا للاعتراف، كان هو نيافة الأنبا أغاثون حاليًا.. فهو عندما رُسم راهبًا لم يجدوا له أب اعتراف.. الأنبا ثاؤفيلوس - نيح الله نفسه - الذي رسمني كاهنًا، كان قد قال له: اكشف أفكارك لأبونا أنطونيوس (اللي هو أنا)، ويقرأ لك التحليل أبونا متياس - نيافة الأنبا دوماديوس حاليًا - وطبعًا كان وضعًا صعبًا.. فأخيرًا قبلت أن أكون كاهنًا من أجل أخذ اعترافات الرهبان الجدد.. وعلى شرط أنني أبقى في مغارتي ولا أتركها، لكي لا أعيش في سَجَسْ الدير واضطراباته.
أبونا أغاثون رُسم راهبًا في 24 أغسطس يوم الأحد سنة 1958م، وأنا رُسمت يوم الأحد 31 أغسطس 1958م، وفي الأسبوع الذي يليه رُسم أبونا مكاريوس راهبًا، وهو نيافة الأنبا أثناسيوس حاليًا.. تلك هي قصة رسامتي قسًا". بعد ذلك "أُضيفت إليَّ أعباء جديدة في مسألة الاعترافات ومسألة قيادة الرهبان روحيًا، وأصبح كل راهب جديد يُرسم أصير أنا أب اعترافه. وهذا الأمر كان يتعبني لأن معناها أن أفكار الدير كلها تدخل دماغي عن طريق الاعترافات.. أفتكر من السنة الأولى لي في الرهبنة لما كنت أقفل على نفسي فترة من الزمن، كنت أجد أحد أحبائي ممكن يخبط على بابي، يقول لي: ممكن تصلي من أجل فلان لأن حكايته كذا..، وأنا لا أريد سماع هذه الأخبار.. عايز أبعد عن الدير، لكن تيجيني أخبار الناس عن طريق الاعترافات..".
ذاع صيته خارج أسوار الدير
ذاع صيته خارج أسوار الدير
ذاع صيت الراهب أنطونيوس السرياني خارج الدير، واشتاق الكثير إلى مقابلته وأخذ بركته ومن بين هؤلاء، الراهب القمص أنسطاسي الصموئيلي، ويحكي عن لقائه بأبونا أنطونيوس قائلاً: "في عام 1959م لما انتهت دراستي الجامعية وسمعت عن الراهب أبونا أنطونيوس السرياني، وأردت أن أذهب لأخذ بركته - وكنا نخدم مع بعض في خدمة مدارس الأحد قبل ذلك – ولم نكن ذهبنا إلى دير السريان أبدًا ولا أي دير آخر فنزلنا في الريست ولم نكن نعرف أين نذهب؟
فأكملنا الطريق سيرًا على الأقدام، وكانت الأرض والرمال تهتز تحتنا.. ولم نكن ندرك أي شيء! وعندما وصلنا الدير.. أول من أخذنا بركته هو أبونا الراهب أنطونيوس السرياني فلما عرف قال لنا: هذه معجزة إنكم وصلتوا لأن الأرض التي تهتز تحتها مياه، وفيه ناس قبل كده ماتت فيها حتى جمل وقع ولم يقدروا أن يطلعوه.. وتأثر، وجاب لنا مياه دافئة وملح وغسل أرجلنا، ليس مجرد رشم صليب كيوم خميس العهد! هذا الموقف مش قادر أنساه أبدًا، حب واتضاع إلى أبعد الحدود فحبيته جدًا وتعلقت به جدًا".
قداسة البابا كيرلس السادس والراهب أنطونيوس السرياني
قداسة البابا كيرلس السادس والراهب أنطونيوس السرياني
زار القمص مينا البراموسي أديرة وادي النطرون بعد وقوع القرعة الهيكلية، واختياره بطريركًا 9 مايو 1959م،
يقول قداسة البابا شنوده: "أتذكر أنه عندما وقعت القرعة الهيكلية على قداسته ليكون بطريركًا جاء لزيارة وادي النطرون، وعندما أتى إلى دير السریان طُلب مني إلقاء كلمة تحيه للأب المختار للبابوية فتكلمت قليلًا وإذ به يمسك منديله ليمسح عينه من الدموع، فتأثرت كثيرة ببكائه أمام جميع الناس".
في سكرتارية قداسة البابا كيرلس السادس المرة الأولى 1959م
في سكرتارية قداسة البابا كيرلس السادس المرة الأولى 1959م
يحكي نيافة الأنبا متاؤس عن قداسة البابا شنوده فيقول إنه "كان يقيم في قلاية كان قد بناها القمص متياس السریاني - الأنبا دوماديوس مطران الجيزة حاليًا - حينما كان مُشرفًا على مزارع الدير وأمين الدير أيضًا وسلمها للراهب أنطونيوس عندما نزل للخدمة مع قداسة البابا كيرلس السادس ولكنه تركها مغلقة مفضلًا أن يستمر في قلايته أعلى الحصن".
وتحدث البابا شنوده في هذا الموضوع في أحد لقاءاته قائلًا: "كنت أجلس في المغارة عندما أتاني الراهب مكاري السرياني (الذي أصبح الأنبا صموئيل فيما بعد أسقف الخدمات والمسئول عن العلاقات الخارجية للكنيسة القبطية) وأخبرني بأن البابا مُحتاج إليك لفترة بسيطة لوضع بعض الأنظمة والقوانين لتنظيم الكنيسة، فنزلت إلى الكاتدرائية، وكان أول عمل طلبه مني البابا كيرلس هو وضع طقس رسامة أسقف لإثيوبيا، ثم عملت مندوبًا للبابا في العديد من اللجان، وظللت في ممارسة مهامي التي أكلف بها من البابا لمدة ثلاثة أشهر لم أغادر فيها باب البطرخانة، وبعدها هربت إلى الدير تاركًا القاهرة، وفي أول زيارة للبابا إلى الدير اعتذرت له".
لقد اختاره القديس البابا كيرلس السادس سكرتيرًا له، فمثل أبونا أنطونيوس السرياني قداسته، في بعض لجان المجمع المقدس، لمناقشة أمور تتعلق بالأحوال الشخصية وقوانين الكنيسة.. وضع طقس سيامة جاثليق إثيوبيا وكان يخدم معه آنذاك القس متياس السرياني (نيافة الأنبا دوماديوس المتنيح) والقس شنوده السرياني (نيافة الأنبا يوأنس المتنيح أسقف الغربية).. وكان يحضر قداسات كثيرة مع القديس البابا كيرلس السادس، ويومًا قال: "مَن قال إن البابا كيرلس كان يصلي قداس كل يوم؟ فاندهشنا وأكمل: "البابا كيرلس كان أحيانًا يصلي قداسين كل يوم، أقول لكم أنا: كان يحضر قداس يسمعه كله، ثم يصلي بعده قداسه الخاص، وبذلك يصلي أحيانًا أكثر من قداس"، حتى أن قداسته قال يومًا: "كنت أدخل الهيكل أصلي مزاميري لأن الوقت كان ضيقًا جدًا وأخاف ألا أُكملها".
وقد روى موقفًا عن هذه الفترة وعن كيف كان القديس البابا كيرلس يُقدّر رجال الإكليروس بصفة عامة ويقدره هو بصفة خاصة. حدث أن إحدى الشخصيات المسئولة كان يتحدث مع القديس البابا كيرلس السادس، في أمر يخص الكنيسة والأحوال الشخصية، فدعى قداسته القس أنطونيوس السرياني للحضور، ليناقشه، ثم دار حوار بين أبونا أنطونيوس السرياني وهذا الأخ، ولم يعجبه رأي أبونا أنطونيوس حتى أنه قال غاضبًا: "أنت كلامك هذا لا ينفع! ثم إني أنا جاي أكلم البابا لا لأكلمك أنت!"، فقام أبونا أنطونيوس وقال لقداسة البابا كيرلس: "لو وجودي فيه أي حرج يا سيدنا أنا ممكن أستأذن"، فرد قداسته: "لا أقعد يا بني"، ثم أخذ برأي أبونا أنطونيوس. هكذا كان دومًا صريحًا واضحًا بكل ثقة في نعمة الله، وليس في ذاته، ثم بعد فترة أراد العودة للدير، بعد استئذان قداسة البابا كيرلس السادس.
قلاية أمام كنيسة الملاك ميخائيل بالحصن
قلاية أمام كنيسة الملاك ميخائيل بالحصن
أمام باب الكنيسة (كنيسة الملاك ميخائيل) باب آخر لقلاية... القلاية عبارة عن حجرة صغيرة جدًا لها طاقة تسمح لضوء خافت بالمرور وطاقة أخرى تقود إلى الدور الأعلى عبر ثلاث درجات مختفية تمامًا عن العين، ولكنها تصل إلى حجرة أخرى أكثر ضيقًا.. في هذه القلاية قضى الراهب أنطونيوس السرياني سنوات إلى أن أخبره الأنبا ثاؤفيلوس أن البابا كيرلس السادس يستدعيه لمقابلته بالبطريركية. وذهبا معًا وهو لا يدري أن البابا كيرلس السادس يُعد له مفاجأة وكانت رسامته أسقفًا للتعليم".
يقول قداسة البابا شنوده: "إلى أن حدث في وقت من الأوقات إني قلت في نفسي: أنا لا أريد إن الرهبان يولفوا عليَّ، وكانوا يشعرون بالصداقة الكبيرة التي بيني وبين الأنبا ثاؤفیلس؛ فكل واحد عنده مشكلة يأتيني من غير أبنائي في الاعترافات قلت: "أنا سيأتي عليَّ وقتًا لن أقدر.. أنا سأمكث في الدير، وأقفل على نفسي داخل الدير، ولن أقابل أحدًا وأنا داخل الدير.. وفعلًا اخترت لي قلاية في القصر القدیم (الحصن)، وقفلت على نفسي وكنت لا أقابل أحدًا على الإطلاق.. كانت يمكن فترات هدوء أكثر من المغارة".
التوحد في مغارة البحر الفارغ 1961م
التوحد في مغارة البحر الفارغ 1961م
بحثه عن الوحدة باستمرار وعلاقته بالراهب صرابامون السرياني
"عاد أبونا أنطونيوس إلى مغارته مرة أخرى وكان كثير من الآباء يتردد عليه، لمحبتهم له ومشورته لهم باتضاع، لأنه كان أب اعتراف لكثيرين منهم ولهذا شعر بأنه لا يستطيع أن يكون مختليًا بنفسه دومًا، فأراد أن يسكن في مغارة أبعد، فظل يبحث مع أبونا صرابامون السرياني (نيافة الأنبا صرابامون) عن مكان بعيد مناسب. حتى ارتاحت نفسه لمكان، يبعد عن الدير حوالي سبع كيلومترات أو أكثر، وحفروا هناك مغارة على تلة عالية، ظل هو يحفر من جزء، وأبونا صرابامون من جزء آخر، حتى ظهرت طاقة مفتوحة، ففرح بها جدًا وقال: "بص يا أبونا صرابامون ديه هتبقى إيه؟" فقال: "دي هتبقى شباك يا قدس أبونا".
كان هذا في أبريل 1961م ووقتها كان أبونا صرابامون قد تتلمذ على يدي أبونا أنطونيوس السرياني في نهاية عام 1959م، وصار أب اعترافه حتى نياحة قداسته، وكان أبونا صرابامون يتمشى معه من الدير للمغارة والعكس، وكان أبونا أنطونيوس يعطيه تداريب عن الصوم والصلاة، وكيف يقضي وقته بقلايته، حتى أنه كتب له بعض نقاط عن كيف يقضي الراهب يومه بالقلاية.
وعن علاقة أبونا صرابامون بالراهب أنطونيوس، يقول الأنبا صرابامون- نيح الله نفسه: "أنا تتلمذت على يد قداسة البابا لما كان اسمه أبونا أنطونيوس السرياني"، المحبة التي كانت بيني وبينه، كانت تنسي الواحد أبوه وأمه وإخوته وتنسيه الدنيا كلها، وصار هو المحبة بتاعتي وأنا قلت له كثيرًا: "يا سيدنا أنت نسيتنا العالم كله بمحبتك.. لم نرى محبة مثلها!!".
ويقول نيافة الأنبا متاؤس: "ثم في مغارة بالبحر الفارغ تبعد عن الدير حوالي اثني عشر كيلو مترًا، وكان يذهب إليها ويرجع منها مشيًا على الأقدام".
ويقول نيافة الأنبا صرابامون: "لم يكن لدينا وقتها عربات يمكن أن نذهب بها إلى هناك، كنا نحمل الأدوات على الجمال، ونقضي اليوم عند منحدر الجبل نفرغ في الصخر مغارة لأبي الذي ذاق حياة الوحدة ويريد أن يقضي حياته بعيدًا عن الناس قريبًا إلى الله".
ويقول نيافة الأنبا بيشوي: "وقد نُحتت هذه المغارة على قمة التل ولها مدخل له باب بمصطبتين صغيرتين خارجه ثم حجرة اتساعها حوالي 2م × 2م وبها موضع للكتب للقراءة والدرس والكتابة والتأمل يعقبها المرقد المختفي وراء حاجز صخري بين حائطين والمرقد مرتفع عن أرضية المغارة حوالي 10 سنتيمترًا ومن نفس صخر المغارة ويواجه ذلك مكان للمبة الجاز التي قد تساعد في إعداد الطعام بالدماسة. وفي النهاية توجد مصطبة بجوار نافذة صغيرة تطل ناحية دير السريان أي ناحية الشمال للتهوية عند اللزوم ولها ضلفة صغيرة من الخشب والزجاج. وعاش قداسة البابا فيها كراهب لعدة سنوات.. وقد زرت هذه المغارة بنفسي مع نيافة الأنبا صرابامون بعد تنصيب قداسة البابا بطريركًا وقت أن كنت كراهب مُقيم في دير السريان وقمنا معًا بعمل بعض الترميمات بها. وزارها بعد ذلك قداسته ولكن حاليًا دخلت في منطقة عسكرية ويلزم تصريح للوصول إليها".
إذًا عاش الراهب أنطونيوس السریاني کراهب متوحد في المغارة البعيدة لعدة سنوات يذهب إلى الدير ماشيًا في البرية للصلاة في كنيسة الدير وأثناء مشيه في البرية كانت فرصته للتأمل وصلاة المزامير، وكان الراهب صرابامون السرياني (نيافة الأنبا صرابامون فيما بعد) هو تلميذه الذي يذهب إليه في المغارة لتوصيل بعض الاحتياجات، مثل الماء أو الخبز الجاف (القراقيش) أو الحبوب البقولية مثل الفول والعدس. وخلال هذه الفترة أثناء وجوده في هذه المغارة كتب بعض الكتب، كما قام أيضًا فيها في أواخر الستينيات بتأليف كتابه المشهور عن القديس مار مرقس الرسول وقت أن كان أسقفًا للتعليم.
آلام الظهر
أثناء حفره المغارة، رفع قداسته حجرًا كبيرًا فشعر بألم في ظهره، وتسبب له هذا في انزلاق غضروفي، ظل يؤلمه طيلة حياته، يشتد أحيانًا ويهدأ أحيانًا، وحين شعر بهذا قال لأبونا صرابامون (نيافة الأنبا صرابامون): "صلي أنت مزامير السادسة، وأنا أصلي التاسعة" وظل جالسًا حتى خف الألم قليلًا".
سرقة مغارته وخوفه على كتب الدير
"ذات يوم ذهبا سويًا (أبونا أنطونيوس وأبونا صرابامون) للمغارة كعادتهما، فوجدا المغارة قد سُرقت فقد جاء لص وكسر الباب والشباك ونزعهما، وسرق كل ما في القلاية من أشياء بسيطة يعيش عليها أبونا أنطونيوس فطلب منه أبونا صرابامون أن يعود معه للدير، حتى يصلحوا المغارة، فرفض وألح عليه فرفض، وقال: "أنا لو الخوف دخل جوايا، مش هاقدر أعيش في الوحدة تاني" وصمم أن يبيت فيها الليلة كما هي، بدون باب أو شباك أو أي شيء.
يقول قداسته "أنا لم يكن يشغلني ما بالقلاية ولا الباب ولا الشباك، أنا كل ما كان يشغلني كتب الدير، التي أشتغل فيهم، لأنهم أمانة عندي، حاجتي الخاصة غير مهمة، المهم كتب الدير فسألناه ماذا حدث فقال: "أنا كنت أضع الكتب في كيس، وألفها جيدًا، وأعد بعض الخطوات، وأحفر وأحطها في الأرض".
هذه إشارة لما كان ينادى به دومًا، أن حقه الشخصي لا يهمه، بل حق الكنيسة، فكان دومًا يسامح في أي إهانة شخصية له، أما حقوق الكنيسة وعقائدها وتراثها، فلا جدال ولا تنازل أو تساهل فيه.
التأمل في الطبيعة
التأمل في الطبيعة
كان قداسة البابا شنوده يحب التأمل، ويعتبره أحد الوسائط الروحية، وكتب عنه أنه هو الوصول إلى لون من المعرفة، فوق المعرفة العادية بكثير، معرفة فوق الحس، معرفة جديدة عليك، ومُبهِجة لروحك. تجد فيها غذاء ومتعة روحية. أو أن التأمل هو تفتُّح العقل والقلب والروح لاستقبال المعرفة الإلهية من فوق، أو من داخل الإنسان، من روح الله الساكن فيه. ومن التأملات الذي ذكرها قداسة البابا شنوده أثناء فترة وجوده في المغارة...
النملة
يقول قداسته: "حدث ذلك عام 1960م وكنت جالسًا على باب مغارتي في منطقة (البحر الفارغ).. ورأيت نملة تصعد على كومة من الرمل وإذا بالرمل ينهار من تحتها، فتسقط، وحالما تسقط لا تتردد لحظة واحدة، وإنما تقوم فتصعد مرة أخرى وينهار الرمل تحتها فتقوم بسرعة دون أن يدفعها الفشل إلى اليأس، وتكرر ذلك أمامي مرات عديدة جدًا حتى صعدت أخيرًا.
وتعجبت كثيرًا من هذه النملة، وأخذت درسًا، وقلت لنفسي: إنني لم أصل بعد إلى مستوى هذه النملة المُثابرة والعزيمة التي لا تعترف إطلاقًا بالفشل".
العصفورة
"كنت جالسًا أمام قلايتي في حديقة الدير، وكانت على الأرض بعض الحبوب، لعلها سقطت من أحد عمال المزرعة.. وأتت عصفورة لتلقط الحب.. وظننت أنها ستأكل حتى تشبع من هذه المؤونة.. ولكنها التقطت حبة واحدة أو حبتين وطارت تاركة كل هذا الخير وراءها غير حافلة به وغير آسفة عليه.. وتذكرت قول الرب: "إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا..." (مت 6: 26)، حقًا يا سيدي الرب إن العصفورة أفضل من بشر كثيرين، ولكنك لفرط محبتك وتشجيعك لنا نحن الضعاف قلت شیئًا أخجلنا وهو "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" (مت 6: 26)، وهكذا أعطتني العصفورة درسًا في القناعة، بل في التجرد، وأيضًا في حياة الإيمان".
قصة الجمل الأبيض
قصة الجمل الأبيض
كان الراهب أنطونيوس السرياني يأخذ ما يقوته وما يحتاجه من كتب وما شابه ذلك، على جمل من الدير للمغارة، التي تم حفرها بالبحر الفارغ بوادي النطرون، ثم يعود بالجمل أبونا صرابامون (نيافة الأنبا صرابامون)، وفي يوم 19 مارس 1962م، وكان يوم عيد الصليب، بعد وصولهما هرب الجمل، وأخذ يجري بعيدًا جدًا، وغاب عن رؤيته، ثم ظل أبونا صرابامون يبحث، حتى وجده واقفًا وأمامه جمل أبيض كبير ومتميز بقامته العالية الكبيرة، وقد وقف أمام جمل الدير يمنعه من الحركة، ما كانا يتشاجران، ولا كانا يتآلفان معًا.. ولكن الجمل الأبيض كان متصدرًا ليوقف جمل الدير عن المسير، وتقدم الأب الراهب فأمسك بمقود جمله وسار به. وهنا اختفى الجمل الأبيض. من أين أتى؟ وما شكله العجيب؟ وكيف اختفى؟ لم يعلم أحد.. "ولكننا نعلم أنه أوقف جملنا من الهروب حتى نأخذه، ثم اختفى!".
وما أن أمسك أبونا صرابامون الحبل الذي يقيد جمل الدير، حتى غاب الجمل الأبيض ولم يعد يراه، ثم عاد أبونا صرابامون ومعه الجمل، ففرح أبونا أنطونيوس وقال: "أنا كنت بصلي إنك تلقاه. لو كان ضاع الجمل كان الأنبا ثاؤفيلوس زعل"، لأن في ذاك الزمان لم يكن بالدير أي من وسائل النقل مثل الآن. وكان الجمل هذا له أهمية في خدمة الآباء الرهبان. ثم روى أبونا صرابامون له ما كان. فكان رأيه أن هذا الجمل إما يرمز للشهيد مار مينا أو للقديس الأنبا رويس ولكن أبونا أنطونيوس كان يرجح أنه الأنبا رويس. لأنه كان يخدم عنده بمنطقة الأنبا رويس. ولأن مار مينا عادة يكون معه جملان وليس واحدًا. ثم عاد أبونا صرابامون للدير".
إرشاد الأنبا باخوميوس للخدمة في الكويت
إرشاد الأنبا باخوميوس للخدمة في الكويت
يقول نيافة الأنبا باخوميوس- نيح الله نفسه: "البابا كيرلس السادس كان ينشئ كنيسة مار مرقس في الكويت وأنا كنت وقتها في الكلية الإكليريكية. فبعت لي وطلب مني إني أخدم في الكويت.. قلت أروح أطلب مشورة أبونا أنطونيوس السرياني - قداسة البابا شنوده - أعمل إيه؟! هذا الكلام كان وقت الصوم الكبير عام 1961م، رحت الدير لكي أقابله قالوا لي إنه في المغارة ولا يقابل أحد في الصوم. كان الربيتة "أمين الدير" أبونا مكاريوس السرياني (الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف).. أرسل له الرسالة مع أبونا صرابامون (الأنبا صرابامون) إني أريد رؤيته.. فرد عليهم "ممكن ييجي".
فذهبت مع أبونا صرابامون لمغارة أبونا أنطونيوس.. وكنت أول شاب يقابله في المغارة. وكان لقاءً روحيًا ممتعًا تعلمت منه درس مهم جدًا، سألني مجموعة أسئلة.. ماذا يوجد في الخدمة هناك؟ قلت له: لا أعرف.. فقال لي: وكم عدد العائلات هناك؟ قلت له: لا أعرف، قال: وكيف ستدبرون احتياجاتكم المادية؟ قلت له: لا أعرف.. كانت كل الإجابات لا أعرف.
هو كان يعرف إني أنا بحب أخدم ربنا وبحب خدمة الكرازة.. فقال لي: أنت مستعد تروح بالإيمان؟ قلت له: أروح بالإيمان. فقال لي: خلاص روح بالإيمان وربنا معاك.
المغارة كانت تبعد ۱۲ کیلو وهو عارف إننا بنصل تعبانين فعمل لي ملوخية طعمها كان لطيف أوي، وكان بيعملها وإحنا بنتكلم مع بعض لم يأخذ وقتًا. جاب سبرتاية "موقد بالكحول" وصحن يغلي فيه المياه ويحط الملوخية ويحط عليها طماطم وشوية ليمون وزيت، وإحنا كنا بنتكلم مع بعض! (ولغاية دلوقتي مش ناسي طعم الملوخية الحلوة ديه).
أخذت من أبونا أنطونيوس السرياني إرشادات قيمة، وفرحت إني هروح أخدم في الكويت. وصلينا مع بعض إن ربنا ينجح هذا المشروع لكي يكون مشجع لإنشاء كنائس أخرى".
قصائد روحية
قصائد روحية
أكمل قداسة البابا شنوده الثالث بعد دخوله الدير نظم القصائد والأشعار الروحية، فكتب عدد من القصائد مثل قلبي الخفاق، مَن تكون، كيف أنسى؟ وغيرها وعن هذه القصائد قال قداسته: "كان لديَّ وقت أيضًا وأنا في الدير لكي أُنشد شعرًا، وعندما كنت في المغارة، نظمت بعض القصائد.. حيث كنت في المغارة في الجبل، وتمر عليَّ أسابيع لم أَرى فيها وجه إنسان، فكان عندي وقت كافي، وهناك نظمت قصيدة "همسة حب" التي تم تلحينها، ويرتلها الناس حاليًا.. التي أولها:
قلبي الخفاق أضحى مضجعك |
| في حنايا القلب أخفي موضعك |
ونظمت أيضًا قصيدة: "مَن تكون".. وقصيدة "كيف أنسى؟".
كما نظم أيضًا مديح الأنبا أنطونيوس أب الرهبان، "أتذكر في بداية سنة 1962، قبل أن أنزل للسيامة أسقفًا في أواخر سبتمبر من تلك السنة، أنه كانت قد طَلَبَتْ مني كنيسة الأنبا أنطونيوس أن أُنظم لها قصيدة أو مديحة عن الأنبا أنطونيوس، فعملت لها مديحة أو ترتيلة للأنبا أنطونيوس، وهي التي تبدأ بـ:
في كنيسة الأبكار |
| في مجمع الأطهار |
ولحنوها وأصبحت موجودة في كتاب التراتيل..
أتذكر أيضًا في إحدى المرات كلمني أحد الأشخاص وقال لي: "إزاي السيد المسيح مرة يبكي ومرة يحزن ومرة ينتهر.. وإيه المشاعر دي؟ وهل تليق هذه المشاعر به؟".
طبعًا هذه المشاعر هي مشاعر الناسوت، ونظمت تلك الأبيات:
لكنها مشاعر |
| تمكث دائمًا معي |
إلى آخر هذا الكلام، على اعتبار أن الإنسان بدون مشاعر لا يكون إنسانًا".
وهناك بعض قصائد أخرى كتبتها ولم أُكملها، على ما أظن كانت توجد أشعار عن شمشون الجبار، وكيف سقط، وكان يخاطب نفسه وهو يجر الطاحونة وهو أعمى، فيقول:
أنا الجبار أم شبحي |
| أنا شمشون أم غيري |
في سكرتارية البابا كيرلس المرة الثانية 1961م
في سكرتارية البابا كيرلس المرة الثانية 1961م
"عُين الراهب أنطونيوس السرياني سكرتيرًا للجنة التي ناقشت الكتاب الذي كان قد أصدره نظمي لوقا. وبعد فترة عاد الأب أنطونيوس السرياني إلى مغارته بدير السريان".
"لكنه عاد مرة أخرى لسكرتارية البابا كيرلس في مهمة أخرى قصيرة أيضًا عام 1961م وسرعان ما عاد للدير كذلك على أثر خلاف نشأ بينه وبين الدكتور كمال رمزي استينو، أي قبل عشر سنوات تقريبًا من تنصيب البابا شنوده قبل أن يكون أسقفًا للتعليم وكان وقتها ما يزال الأب أنطونيوس السرياني سكرتيرًا للبابا كيرلس السادس".
صدام الراهب أنطونيوس السرياني مع د. كمال رمزي استينو
"يرجع سبب الصدام إلى كتاب ألفه الدكتور نظمي لوقا بعنوان "محمد الرسالة والرسول"، وأمر كمال الدين حسين وزير التعليم وقتها بطبع الكتاب وتوزيعه على مدارس مصر وسوريا أيام الوحدة بين الدولتين ولم يعترض د. كمال رمزي باعتباره عضوًا في الحكومة، وبسبب هذا الكتاب حرمت الكنيسة نظمي لوقا.
الأمر الذي قاد الأب أنطونيوس إلى ترك موقعه في المقر البابوي القديم بالدرب الواسع في كلوت بك وأراد العودة للدير في صحراء وادي النطرون.
ويستكمل القمص بطرس بطرس جيد: "وقد حضر للبطريركية (...) للضغط على الكنيسة لرفع الحرم عن نظمي لوقا، وقابل سكرتير قداسة البابا كيرلس في ذلك الوقت وهو القس أنطونيوس السرياني، الذي رفض باسم الكنيسة إزالة الحرم إلا في حالة تراجع نظمي لوقا عما كتبه. وعند ذلك احتد عليه في الحديث وقال له "أنت مش عارف أنت بتكلم مين؟"، فرد عليه أبونا أنطونيوس السرياني "المهم أنت تكون عارف أنت بتكلم مين؟ أنا راهب مات عن العالم وصلوا عليه صلاة الموتى".
شهادة العالم الألماني أوتوميناردوس 1961م
شهادة العالم الألماني أوتوميناردوس 1961م
عن حياة الوحدة
في حوار مع البروفيسور الألماني "أوتومیناردوس" عن حياة الوحدة قال قداسته: "بالطبع حياة الوحدة بالنسبة لي أفضل جدًا، لكن خدمة الله أفضل بالنسبة للآخرين لذا يجب أن نترك بعض أمنياتنا الروحية من أجل الآخرين.. فالصحاري المصرية تناسب حياة الوحدة، الحياة الرهبانية في الأصل حياة وحدة، حياة صلاة، حياة تأمل وليس شيئًا آخر!
اعتاد الرهبان على تكريس حياتهم كلها للصلاة وتكريس حياتهم كلها لله وحده، حيث لا يكون شيء في فكرهم إلا الله وحده، لا يهتمون بأي شيء إلا خلاص نفوسهم. وكيف يحبون الله وكيف يتركون كل شيء من أجل الله، ومن أجل وجودهم مع الله دائمًا. وكيف يكون الله في قلوبهم وفكرهم طول الوقت لا يهتمون بأي شيء إلا بالله وحده. لكي يكونوا وسطاء بين السماء والأرض، ويطلبون من أجل الكنيسة ويصلون عنها لكي تكون حياتهم المقدسة مثالاً للآخرين.
ويعيشون حياة هادئة كي يكونوا هادئين في قلوبهم، وفي فكرهم، وعند إسداء نصيحة لأي شخص تكون النصيحة هادئة لأنهم لا يحبون إزعاج وصخب العالم؛ بل من خلال هدوء الجسد يكتسبون هدوء القلب والفكر".
Life of Solitude
Life of Solitude
"Of course life of solitude is far better for myself but the service of God is better for other persons.
We have to leave some of our spiritual wishes for the sake of others. The Egyptian deserts are suitable for the life of solitude The monastic life in its origin was a life of solitude a life of prayer a life of contemplation and not any other thing.
The monks used to have all their life for prayer to consecrate all their life for God only. Not to have in mind anything but God alone. Not to care for anything but only the salvation of the soul. How to love God How to leave everything for God's sake for being with God always. How to have God abiding in heart and in mind all the time not to care for anything but only for God only.
To be intermediates between heaven and earth to ask for the church to pray for the church to have their holy life as an example for others.
To live such quiet life in order to be also quiet in their heart... Quiet in their thinking. If also they advise any person they may give him a quiet advice. They are not mingling with disturbance with shouting of the world but through the quietness of the body they may gain the quietness of heart and the quietness of thinking.
ما كتبه العالم أوتوميناردوس عن الراهب أنطونيوس
ما كتبه العالم أوتوميناردوس عن الراهب أنطونيوس
يقول نيافة الأنبا متاؤس:
"في سنة 1961 أصدر عالم ألماني يُدعى البروفيسور أوتومينارودس كان يعمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. أصدر كتابًا هامًا باسم "رهبان وأديرة الصحاري القديمة" زار هذا العالم دير السيدة العذراء السريان عدة مرات واستقى منه الكثير من المعلومات عن الرهبنة والأديرة القبطية، ولما كتب كتابه أفرد فيه جزءًا لدير السريان كتب فيه الآتي: "اليوم في منتصف القرن العشرين نرى دير السريان في مقدمة أديرة وادي النطرون وذلك بفضل أسقفه الأنبا ثاؤفيلوس الذي يقضي كثيرًا من الوقت بين أبنائه الرهبان. ومن رهبان الدير يبرز واحد أكثر علمًا وثقافة من كل رهبان الكنيسة القبطية هو الراهب أنطونيوس السرياني. وبين كل الرهبان الأقباط يظهر كأفضل راهب وأعظم مثقف"؛ وهذه شهادة من رجل أجنبي مُحايد يعتز بها دير السريان أيّما اعتزاز ونشكر قداسة البابا شنوده الثالث الذي رفع رأسنا عاليًا في الداخل أو في الخارج".
علاقة البابا شنوده بالراهب شنوده السرياني
علاقة البابا شنوده بالراهب شنوده السرياني
ارتبط الأستاذ رمزي عزوز (الراهب شنوده السرياني ثم نيافة الأنبا يوأنس أسقف الغربية المتنيح) بصداقة قويَّة مع الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا شنوده الثالث)، حيث التحق الأستاذ رمزي بكليَّة الآداب قسم التاريخ عام 1949م، وحصل على درجة الليسانس عام 1952م، وعمل مُدرسًا للتاريخ بمدرسة الملك الكامل الثانويَّة بالمنصورة لمدة ثلاث سنوات ثم اشتاقت نفسه لحياة الرهبنة، وفي عام 1955م، توجه إلى دير السيدة العذراء السريان لزيارة صديق عمره الراهب أنطونيوس السرياني (المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث فيما بعد).
وهناك قرر أن يُنفذ حلم عمره ويصبح راهبًا، وبالفعل ترهب في 30 يوليو 1955م باسم الراهب "شنوده السرياني" وكان يبلغ من العمر نحو 32 سنة.
علاقة الأنبا مرقس بالراهب أنطونيوس السرياني
علاقة الأنبا مرقس بالراهب أنطونيوس السرياني
يقول نيافة الأنبا مرقس - مطران شبرا الخيمة وتوابعها: في أول مرة ذهبنا إلى الدير سألنا عن أبونا أنطونيوس، فحضر وقال لنا: كيف أتيتم إلى هنا؟ ولما عرف إننا أتينا مشي لأن عربيتنا عطلت.. غسل رجلينا بعناية ودقة وجففها.. وكل مرة كان يعرف إننا جئنا مشي، كان يغسل لنا أرجلنا فقلت له: أنا عايز أحضر صلوات الدير، ولكن ماذا نعمل في أوقات الفراغ، فقال لي: اشتغل في المطبعة تجمع الميامر لوحدها والملازم لوحدها. وفي مرة جاء واحد طلب مني ملزمة.. فكان ردي عليه: أبونا يزعل مني!
فذهبت لأبونا وقلت له: واحد طلب مني ملزمة وقلت له: لا، فرد أبونا أنطونيوس: لا إديله يستفيد.. إحنا مانزعلش غير من الخطية.
وكان يزورنا في بيت الخلوة وأذهب إلى القلاية الساعة 2 صباحًا، فتعلقت نفسي به جدًا جدًا وكنت أراسله وتعلقت به زیادة.. وعندما نجحت في الثانوية العامة، كانت الكلية الفنية العسكرية جديدة.. فذهبت لأبونا أنطونيوس قلت له: "ما رأيك؟"، قال لي: "أوعى تدخل فنية عسكرية لئلا تحب تترهبن ولا تعرف تترهبن"، وكانت هذه المرة الثانية التي يقول لي وأنا ما زلت صغيرًا عبارة (تترهبن)، فقررت أن أدخل هندسة عين شمس وكان هذا في عام 1962م".
وفي حديث آخر تحدث الأنبا مرقس عن صفات الراهب أنطونيوس السرياني التي تلامس معها وتأثر بها، فيقول: "تعرفت على الراهب القس أنطونيوس السریاني راهبًا ناسكًا، أتمتع بلقاءاته مع أولاده، فرض على كل من يأتي إليه حُبًا عجيبًا، الكل ارتبط به جدًا في حب وأعجب بقدسه لذكائه وسمو روحياته وعلمه الغزير المتنوع.. في اتضاع يرد على كل الاستفسارات، لا يتضايق إذا قاطعه أحد ولا يظهر على ملامحه أي ضيق، بل ربما يُعارضه أحد ولا يظهر على قداسته أي اعتراض أو تعجب أو استياء في أسلوب رقيق.. عرفنيِّ كيف أذهب إلى الدير وكيف ألتقي به لكي اعترف، وتعودت أن أذهب إلى الدير وألتقي به فكان في النهار يعلم والليل اعترافات. كنت أجلس مع قداسته ساعات طويلة، نهرًا من الحب والمعرفة وطول الأناة والإرشاد.. مُعلم في الرهبنة ومُعلم في الاعتراف.. أب اعتراف مثالي.. ودائمًا أتذكر كل كلمة قالها لي في أثناء الاعتراف.. أسير بها كدستور في حياتي.. كنت أتخيل ماذا لو لم أتقابل مع أبينا أنطونيوس السرياني.. لكن الترتيب الإلهي سمح بهذا اللقاء. عرفته في الدير مسئولًا عن المكتبة، المطبعة، الترجمة، النبذ، الكتب، عن الضيوف، عن الزراعة.. بدأت زياراتي للدير تزداد لوجوده هناك.
كنا نتعجب كيف يستطيع إنسان أن يعمل طول النهار ويسهر طول الليل، متى ينام، متى يقوم، متى يصلي؟ ونحاول أن نتعلم منه ولكن قدرات هائلة أعطاها له الله.. تمتع بها وأعطاها للآخرين، عَلّم المترددين على الدير الشجاعة، كيف يسير الإنسان في الظلام دون أن يخاف.. درب المترددين على بيت الخلوة على النظام وكيفية استغلال الوقت والاستفادة من كل دقيقة بل كيف يُعد الطعام ويساعد في إعداده.
عرفته مَدرسة تجري من فمها الآيات بشواهدها وأقوال الآباء بدقتها.. يحفظ كثيرًا عن ظهر قلب يتكلم في فروع متنوعة من المعرفة كأنه مُتخصص في كل فرع على حدة.. في الطب كطبيب.. في الزراعة كمزارع.. في المباني خبيرًا.. مهندسًا، حتى في العلوم والفنون.. حازمًا في حب ومُحبًا في حزم.. صعب أن يجمع إنسان الحب الحازم والحزم المحب ولكنه استطاع وكأنها صفات من صفاته لم يكتسبها بل يعيش بها كأنها من طبيعته.
عرفته ناسكًا في الملبس، ملابسه كراهب بسيطة في غير كلفة، لا يهتم بها، لا يفكر فيها، اهتمامه الأكبر بما في داخل هذه الملابس. في طعامه.. لا يهتم بنوعيته قدر الاهتمام بما يحتاجه الجسد بل الحد الأدنى للاحتياج.. يقضي طول النهار في الصوم وعند الضرورة يتناول ما يحتاجه الجسد في غير إفراط أو تغيير.
عرفته معلمًا اختاره نيافة الأنبا ثاؤفيلوس- أسقف ورئيس دير السريان- المتنيح.. ليعطي دروسًا للرهبان سواء في الدير أو في مدرسة الرهبان لكفاءته وغزارة علمه ومعرفته وقدرته على التعليم والتدريس. ويعلم في شتى فروع المعرفة والعلم والثقافة والأدب والشعر.
عرفته مُدافعًا، لم يوافق على وجود المعسكر بجوار الدير واعترض بشدة ووقف بشجاعة أمام المسئولين حتى تم إلغاؤه وحاليًا أسوار مهدمة. مُدافعًا عن العقيدة وحتى لآخر لحظة وقف بكل حزم وشجاعة وعلم وحوار... كان قويًا، قويًا في إقناعه بالعلم والمعرفة على أساس قوي من الحب".
الإنتاج الفكري والأدبي للراهب أنطونيوس السرياني
الإنتاج الفكري والأدبي للراهب أنطونيوس السرياني
لم تخل فترة الوحدة والمغارة من الإنتاج الفكري والمعرفي للراهب أنطونيوس السرياني، فقرأ الكتب، ونظم الشعر وألّف عدد من أعظم كتبه الروحية التي أثرت المكتبة المسيحية مثل شريعة الزوجة الواحدة، حياة التواضع والوداعة، كتاب مار مرقس وغيرها، لقد ذكر قداسته في مقدمة هذه الكتب بدايتها والدافع وراء كتباتها...
قصة مقدمة كتاب مار مرقس وتحميل الجمل بالكتب
يحكي قداسة البابا شنوده: "عندما أردت أن أكتب مقدمة كتاب مار مرقس دخلت المكتبة بالدير وأخرجت الكتب وكانت حمولة جمل.. ذاك فقط لكي أرى ما كتب عن القديس مار مرقس وحتى أكتب مقدمة الكتاب، احتجت لجمل بما حمل".
كتاب شريعة الزوجة الواحدة
كتب قداسة البابا شنوده في مقدمة الكتاب: "ربما يكون شرح البديهيات هو إحدى المعضلات، كما يقول المثل. وشريعة الزوجة الواحدة في المسيحية هي إحدى هذه البديهيات، ولكن شرحها لم يكن معضلة.. بل كان فرصة جميلة للتأمل في روحانية الزواج المسيحي، وحكمة الله في وضعه هذا القانون منذ بدء الخليقة، حينما خلق حواء واحدة لأبينا آدم..
وقد أُتيح لي أن أكتب هذا البحث في مايو سنة 1958 "أي منذ سبعة وعشرين عامًا تمامًا" بناء على طلب من الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، وكنت وقتذاك راهبًا في دير السريان بوادي النطرون. وكانت قد أثيرت قضية في ذلك الحين بخصوص موضوع "الزوجة الواحدة في المسيحية".. وتأخر إخوتنا وقتذاك في نشر البحث، إلى أن طُبعت طبعته الأولى في بداية الستينيات، بعد سيامتي أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية.
ولما أُعيدت المشكلة في هذه الأيام، رأينا أهمية إعادة نشر هذا الكتاب بعد أن نفذت طبعته منذ عشر سنوات.
وعلى الرغم من مرور سبعة وعشرين سنة على تأليفه، إلاَّ أنني- بالنسبة لظروفي الصحية - أعدت نشره كما هو تقريبًا، ما عدا الباب الأخير الذي أضفته إليه، من جهة شهادة أساتذة القانون المسلمين التي يثبتون بها اعتقاد المسيحيين جميعًا بشريعة الزوجة الواحدة.
ولما كانت الطبعة الثانية لهذا الكتاب، قد نفذت بعد صدوره بأسبوعين، لذلك سارعنا إلى الطبعة الثالثة وتلتها الرابعة بعدها بشهر تقريبًا، لتفي حاجة الطلبات العديدة من الكنائس والهيئات والأفراد. إنني أهدى هذا الكتاب إلى جميع رجال القانون في بلادنا، وإلى كل المهتمين بالأسرة وكيانها.. كما أهديه إلى اللجنة التي ستقوم بالإشراف على وضع قوانين الأحوال الشخصية.
وأصلي إلى الله أن يُبارك كل أسرة، كنواة لمجتمع متماسك نعيش فيه، تربطه عوامل الحب والألفة والتعاون. وفقنا الله جميعًا إلى مرضاته والعمل بوصاياه".
كتاب الدموع في الحياة الروحية
"ترجع قصة هذا الكتاب إلى ثلاثين عامًا.. كان ذلك سنة 1960م، وكنت في مغارتي في البحر الفارغ ببرية شيهيت. وكان لديَّ وقت لأجيب على أسئلة روحية يرسلها إليَّ بعض أبنائي الروحيين.
وفي إحدى المرات، جاءني خطاب يحوي العديد من الأسئلة، أجبت على أكثر من عشرة منها، وبقي هذا الموضوع. فقُلت لصاحب الخطاب (ها أنا قد أجبتك عن كل أسئلتك. وبقيت الدموع. حاضر يا (فلان).. من عيني الاثنتين..).
وحضّرت النقاط الخاصة بالموضوع، وبقيت معي.. ثم كانت رسامتي للأسقفية، وألقيت محاضرة عن هذا الموضوع سنة 1964م. أخيرًا عثرت على أوراقه كلها، ورأيت أن أنشرها، لئلا تتوه وسط أوراقي الكثيرة، أو تضيع..".
كتاب خبرات في الحياة – الجزء الأول
في مقدمة كتاب خبرات في الحياة – الجزء الأول كتب قداسته: "ولا أستطيع أن أحدد تاريخًا مُعينًا لهذا الكتاب: بعض خبراته كتبتها قبل الرهبنة، منذ حوالي أربعين عامًا، وبعضها وأنا في الرهبنة، وبعضها وأنا في الأسقفية أو البطريركية.. وكلها أمور عملية. ومع ذلك فخبرات الإنسان في الحياة لا تحصى..".
كتاب حياة التواضع والوداعة
في أبريل 2001م وفي مقدمة كتاب حياة التواضع والوداعة، كتب قداسة البابا شنوده الثالث: "فكرت في هذا الكتاب في أواخر الخمسينيات، منذ أكثر من أربعين عامًا، قبل أن أنزل إلى عمل الأسقفية. وقرأت له كل ما استطعت قراءته من كتب الآباء، وترجمت الكثير منها، وأعددت كارتات عديدة لكافة نقاط الموضوع. ثم أعلنت عنه في الستينيات بعد أن صرت أسقفًا. الفكرة بدأت في حياتي الرهبانية، والتفكير في النشر كان في حياتي الرعوية.
وواجهتني مشكلة أساسية، وهو أن التواضع والوداعة في المفهوم الرهباني أصعب من احتمال العلمانيين الذين سيُنشر الكتاب بينهم.
فكيف أوفق بين المثالية في عمقها، وبين الإمكانية العملية للناس في التنفيذ؟!
ومع ذلك فحياة التواضع والوداعة مُطالب بها الكل. الراهب الذي مات عن العالم وعن كل ما فيه من كرامة، وكذلك الذي يعيش في العالم، ويجاهد أن يكون له مركز، وطموح، وتدرج في الترقي.. وفي نفس الوقت يود أن يمارس هذه الفضيلة التي اتصف بها السيد المسيح نفسه، وأوصانا أن نتعلمها منه (مت11: 29). ودعا إليها الجموع في أول عظته على الجبل (مت 5: 3، 5).
وظللت أتصفح أوراقي العديدة الخاصة بالموضوع، والتي ملأت حقيبة بأكملها. وأخذت أصوغ الفكر بحيث يكون مقبولًا وممكنًا، مع الاحتفاظ بمثاليته. وتخليصه بقدر الإمكان من الدرجات التي لا تقوى عليها سوى الرهبنة".
إرادة الله
إرادة الله
أراد الله بعد ذلك أن يسير قداسة البابا شنوده طريقًا آخر، غير حياة الوحدة والانفراد في البرية. ولكن ظلت نبضات قلب البابا شنوده، تضخ اشتياقًا إلى هذه الحياة حتى آخر لحظات حياته، وعن هذا قال القمص بولس الأنبا بيشوي - سكرتير قداسة البابا شنوده الثالث خلال الفترة الأخيرة من حياة قداسته: "ذات يوم بالدير قرأ أمامنا قصيدة حُرمت البراري (التي كتبها قبل نياحته بسنوات قليلة) لكي ينشرها في مجلة الكرازة، وحين كان يقرأها كان يهز رأسه أسفًا وهو يسترجع هذه الأيام وسألته: "للدرجة دي يا سيدنا الأيام دي كانت جميلة؟" فقال وعيناه تدمعان: "يا أبونا دا أنا اتحرمت من أجمل أيام عمري".
حرمت البراري[1]
حُرِمْتُ البراري وأجواءها |
| حُرِمْتُ الجبال حُرِمْتُ المغارة |
[1] نظمها قداسة البابا في كيليفلاند سبتمبر 2008م، ونُشرت بالكرازة في 12 ديسمبر 2008م


