الدموع في حياة القديسين

الدموع في حياة القديسين1
1- القديس أرسانيوس من القديسين الذين اشتهروا كثيرًا بالبكاء…
حتى قيل إن رموش عينيه تساقطت من كثرة البكاء. وتكوَّن أخدودان (حفرتان) على كل خده من كثرة البكاء. وكان في الصيف يبلل الخوص بدموعه. وكان يضع على ركبتيه قطعة من القماش تسقط عليها دموعه.
وفي ساعة موته بكى كثيرًا، فقال له تلاميذه: “حتى أنت يا أبانا تخاف من هذه الساعة؟!”، فقال لهم: “إن فزع هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة”…
إن كان القديس العظيم أرسانيوس يبكي هكذا، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟
وماذا نقول عن فزع تلك الساعة الذي كان يلازمه؟! ويلازم من؟ يلازم أرسانيوس العظيم مثال الوحدة والصمت في بستان الرهبان، الذي كان البابا ثاؤفيلس يشتهي أن يقابله. وكان القديسون يقولون له: “لماذا تهرب منا يا أبتاه؟!” فيجيب: “يعلم الله أنني أحبُّكم جميعًا. ولكنني لا أستطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت”.
أرسانيوس العظيم الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب، والشمس وراءه، ويظل واقفًا يصلّي حتى تشرق أمامه من جديد، ويقضى الليل طوله في الصلاة…
أرسانيوس المتضع، مُعَلّم أولاد الملوك، الذي كان يستشير ذلك المصري الأمي، ويقول له إنه لم يعرف بعد ألفا بيت التي يتقنها ذلك المصري. بل يقول أيضًا إنه تعلم اللاتينية واليونانية، ولكنه لم يعرف بعد كيف يُنقي الفول مع رهبان الإسقيط.
أي خطايا فعلها القديس أرسانيوس حتى كان يبكي ويفزع من تلك الساعة؟!
هل بعد كل هذا نُسرع نحن إلى العزاء والفرح من مبدأ الطريق، ونتباهى بأن خطايانا قد غُفِرت؟! ونبحث عن المواهب؟! ونطالب بنصيبنا في الميراث؟! وننسى أنفسنا!!
صدق داود النبي الذي اختبر الدموع جيدًا في حياته فقال: “الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ”(مز5:126).
قيل إنه لما حانت وفاة القديس، البابا ثاؤفيلس، قال: “طوباك يا أنبا أرسانيوس، لأنك بكيت طول حياتك من أجل هذه الساعة”.
2- وعندما سمع الأنبا بيمن أن القديس أرسانيوس قد تنيح، قال: “طوباك يا أنبا أرسانيوس لأنك بكيت على نفسك في هذا العالم…”.
“لأن الذي لا يبكي على نفسه في هذا العالم، لا بدَّ سيبكي إلى الأبد في العالم الآخر. أما بكاؤه ههنا فباختياره. ولكن هناك بسبب ما يناله من عقاب“. “ولكن من المحال أن يفلت إنسان من البكاء هنا وهناك”.
صدق داود النبي الذي اختبر الدموع جيدًا في حياته فقال: “الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ”(مز126: 5).
3– من أشهر الأمثلة أيضًا في الدموع: القديس إيسيذورس قس القلالي.
كان تحت إشرافه ثلاثة آلاف راهب. وكان يرى رؤى. وكانت الشياطين تخافه وتهرب منه، وبسهولة كان يخرج الشياطين…! وفي إحدى المرات ظهر له الشيطان وقال له: “أما يكفيك أننا لا نستطيع أن نمر على قلايتك، ولا على القلاية التي جوار قلايتك، وأخ واحد كان لنا في البرية، جعلته يعتدي علينا بصلاته في النهار والليل”…
ومع ذلك كان القديس إيسيذورس يبكي بدموع غزيرة. وكان يجهش بالبكاء بصوت عالٍ، لدرجة أن تلميذه في الغرفة المجاورة سمعه يبكي، فدخل عليه وقال له: “لماذا تبكي يا أبي؟”، فأجابه القديس: “إنني يا ابني أبكي على خطاياي”… فقال له التلميذ: “حتى أنت يا أبانا، لك خطايا تبكي عليها؟!”، فأجابه: “صدقني يا ابني، لو كشف الله لي كل خطاياي، ما كان يكفي لو اجتمع ثلاثة أو أربعة معي للبكاء عليها”!
هؤلاء القديسون كانت لهم حساسية شديدة من جهة أن الخطية خاطئة جدًّا، وأنها تجرح قلب الله المحب.
ما كانوا يفكرون في عقوبة الخطية، إنما كانوا يفكرون في مشاعر الله، وأنهم لم يرضوه بعد، على الرغم من السمو العظيم الذي وصلوا إليه في الحياة الروحية. ويرون أن هذا (التقصير) إذا ما قيس بالكمال الذي يتطلعون إليه، هو الخطية التي يبكون عليها بدموع…
4– ومن القديسين الذين بكوا بدموعهم القديس باخوميوس أب الشركة.
حتى إن تلاميذه – بعد صلاته – وجدوا الأرض التي كان واقفًا عليها مبللة بالدموع.
5- وكان القديس مقاريوس الكبير مشهورًا أيضًا بالدموع.
ولما قرُبت أيام انتقاله، سأله الآباء أن يأتي إليهم ليتباركوا منه قبل رحيله، بدلًا من أن ينتقل كل سكان الجبل إليه. فلما جاءهم، تجمعوا حوله، وطلبوا منه كلمة منفعة فبكى القديس وقال لهم: “فلنبكِ يا إخوتي، ولتفض عيوننا بالدموع، قبل أن نذهب إلى المكان الذي فيه تحرق دموعنا أجسادنا”.. فبكوا كلهم وسقطوا على وجوههم قائلين: “صَلّ عنا أيها الأب”.
6- ومن الذين اشتهروا بالدموع: القديس بفنوتيوس تلميذ وخليفة القديس مكاريوس الكبير.
وكان منذ شبابه المبكر ناميًا في حياة القداسة، وكان كل الآباء معجبين به ويحبونه، حتى إنه أصبح رئيس الإسقيط بعد القديس مقاريوس.
حكى هذا القديس لأولاده فقال: “حينما كنت صبيًّا، وجدت خيارة وقعت على الأرض من الجمَّالين، فأخذتها وأكلتها. وكلما تذكرت هذه القصة أبكي”… حدث هذا وهو صغير، وترهَّب، ونما في النعمة، وصار رئيسًا للإسقيط، وكان يخرج الشياطين، وكان البابا ثاؤفيلس يشتهي سماع كلمة منفعة من فمه… ومع ذلك كلما تذكَّر تلك القصة يبكي…
ليس البكاء هنا لكي يغفر له الرب خطية. فإن داود النبي قد بكى بعد أن غفر له الرب خطيته. بعد أن قال له ناثان النبي: “الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ”(2صم13:12).
إن الإنسان الحساس لا يبكي فقط من أجل طلب المغفرة. إنما يبكي حزنًا على نفسه وكيف وصل إلى مستوى السقوط، وكيف أحزَنَ الروح القدس الساكن فيه، وبكل جرأة كسر وصايا الله المحب، الذي خلقه على صورته ومثاله، ففقد هذه الصورة بخطاياه.
ابْكِ يا أخي ههنا لكي يمسح الرب عينيك.
ولكنك إن لم تبكِ ههنا، فما الذي سيمسحه المسيح من عينيك في العالم الآخر؟! إن الذي لا يبكي ههنا، تنفجر من عينيه ينابيع دموع اليأس التي لا يمسحها أحد. دموع لا تستطيع أن تطفئ النار المحيطة به. مما يدعو إلى الملاحظة أن الكنيسة تدعونا إلى البكاء على خطايانا في كل يوم، في صلاة الهجعة الثانية من صلاة نصف الليل، حيث نقول: “أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة، واجعلني مستحقًّا أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة، وأقدم لك طيبًا فائقًا، وأقتني لي عمرًا نقيًّا بالتوبة”..
وهكذا نضع أمامنا إنجيل المرأة الخاطئة (لو7). لنصليه كل يوم في نصف الليل ونأخذ درسًا من دموعها وتوبتها. ويقف كل منّا ليصلي أمام الله ويقول: “أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، لأبكي على كبريائي وغضبي وقسوتي ونجاستي، وتقصيري، وأخطائي باللسان والقلب والفكر… محبتي لك وللناس، وقلة جديتي في روحياتي، وقلة حرصي على حفظ وصاياك”…
ما أكثر ما قاله الآباء القديسون عن البكاء والدموع.
سأل أخ القديس الأنبا بيمن قائلًا: “ماذا أفعل من جهة خطاياي؟” فأجابه: “إن الذي يريد أن تُمحَى خطاياه، يستطيع هذا بالبكاء. لأن البكاء هو الطريق الذي علَّمنا إياه الكتاب. والآباء أيضًا كانوا يبكون باستمرار. ولا يوجد طريق آخر غير هذا”.
سأل الأنبا نوح القديس مقاريوس: “قل لي كلمة منفعة”. فقال له الشيخ: “اهرب من الناس”. فسأله الأنبا نوح: “ماذا تعني يا أبي بأن أهرب من الناس؟”. فقال له الشيخ: “اجلس في قلايتك وابكِ على خطاياك”.
وقال الشيخ الروحاني: “طوبى للذين احترقت خدودهم بدموع محبتك. فإن هذه الدموع تروي الأرض الناطقة التي احترقت بالنار، فتعطي ثمار الروح”.
إن الله يطلب منا أن نبكي باستمرار، ويقول لنا في سفر يوئيل النبي: “ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ”(يوئيل12:2). ويقول في سفر ملاخي النبي: “مُغَطِّينَ مَذْبَحَ الرَّبِّ بِالدُّمُوعِ، بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ”(ملا13:2).
نحن محتاجون إلى هذه الدموع، طالما نحن على الأرض، يكفي أن ربنا يسوع المسيح قال في تطويباته: “طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ…”(لو21:6) … وعبارة (الآن) تعني هنا على الأرض. وعبارة: “لأنكم تتعزُّون” تعني هناك في السماء. لأن الدموع من ثمارها العزاء…
هذه الدموع التي يجب أن يتصف بها كل إنسان في حياته: لها عوامل تقويها، وعوامل تضعفها.
فما هي هذه وتلك؟
<hr size=2 width=”100%” align=center>
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة عشرة – العددان 7، 8 (2-3-1990م)




