الخلوة في حياة الكاهن

الخلوة في حياة الكاهن[1]
لا بد لكل من هو في درجة من درجات الكهنوت أن يأخذ لنفسه فترات من الخلوة. ليس فقط فترة الأربعين يومًا التي يبدأ بها خدمته بعد سيامته مباشرة، كما بدأ السيد المسيح خدمته بأن قضى على الجبل أربعين يومًا صائمًا في خلوة.
بل يكون مبدأ الخلوة ثابتًا في حياته، بين الحين والحين.
يمكن يوم في الأسبوع – لو أمكن- يقضيه في خلوة.
ولا أقصد خلوة عن عمل الرعاية، بينما زوجته في البيت تجلس لتحكي له أمورًا كثيرة، وكذلك أولاده… إنما يخلو حتى عن أسرته. يجلس وحده في خلوة مع الله.
يجلس في خلوة مع نفسه، ومع الله الساكن في نفسه.
لكي يفحص ذاته، ويعرف ما ينبغي له أن يعمل.
وإن لم يستطع أن تكون له خلوة أسبوعية، فعلى الأقل ينتهز فترات يقضيها في مكان خلوة كالدير مثلًا…
يأخذ شحنة روحية كناحية من التجديد الروحي والذهني…
في فترة من الامتلاء… من مراجعة النفس… من الهدوء، والبعد عن الضوضاء، والبعد عن المشاكل والمشاغل والزحام… البعد عن دوامات الخدمة، وعن الاحترام المقدّم له من الناس.
وفي الخلوة أيضًا يجد سببًا للاتضاع.
لأن الأب الكاهن قد يظن أحيانًا أنه لا يمكن الاستغناء عنه يومًا واحدًا!! كما لو كانت الدنيا سترتبك لو أنه غاب! وأن القيم ستضيع، وتهتز الكنيسة!! ثم يجد أنه غاب في خلوته بضعة أيام، ولا تزال الكنيسة كما هي من غيره، فيتضع…
والخدمة أيضًا نافعة له للاهتمام بأبديته.
لأنه قد ينشغل بالناس فقط وينسى نفسه. ينسى العمل لأجل أبديته. أما في الخلوة فيراجع أفكاره، ويراجع معاملاته للناس. يراجع علاقته بالله. يحاسب نفسه. يضع لذاته خطة روحية لا يحيد عنها. يبحث تقصيراته وأخطاءه…
أما إن فكّر في الخدمة، فيكون ذلك لمجرد التنظيم أو التخطيط، يعمله في هدوء.
وعليه أن يفكر في من يحل محله أثناء غيابه.
وهذا الأمر يمكن أن يتعاون فيه الآباء الكهنة معًا، بحيث تكون خلواتهم بالتناوب، يحل فيها الواحد محل الآخر. أو أن يكون في بعض الكنائس كاهنان يتعاونان معًا. أو أن الأب الأسقف هو الذي ينظم موضوع الخلوة من أجل روحيات كهنته.
أقول هذا لأن كثيرًا من الآباء الكهنة يرهقون من العمل المتواصل.
فيتعبون جسديًا أو عصبيًا أو روحيًا. ويكون لهذا كله تأثير على خدمتهم أو على تعاملهم من الناس، أو يجلب لهم شيئًا من الضيق. بينما يكون في الخلوة هدوء يريحهم، ويريح الشعب الذي يتعامل معهم كلون من الــ Relax.
السيد المسيح نفسه كانت له فترات خلوة.
ليس فقط في الأربعين يومًا بعد العماد. بل في مناسبات عديدة… كان يختلي على الجبل، أو في بستان جثسيماني، أو في البرية، أو في جبل الزيتون. ومن أجمل الآيات في ذلك قول الكتاب: “فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ” (يو8: 1). وكان يمضي الوقت في الصلاة، في مناجاة مع الآب، في أمور أعلى من أن أتحدث عنها.
يمكن أيضًا أن بعض الكهنة يذهبون في خلوة معًا.
على شرط أنهم لا يختلطون ببعضهم البعض، إلا في الوقت الذي يصلون فيه معًا. أو يتخذون موضوعًا للتأمل يتأملون فيه معًا… وباقي الوقت يكون فيه كل واحد منهم في خلوة…
لكن لا يذهب الأب الكاهن للخلوة. ويقول له أحدهم: “خذني يا أبي معك!” ويضيّع له خلوته في أحاديث أو في اعترافات أو في بحث مشاكل خاصة أو عامة.
ليت موضوع الخلوة هذا يبحث في بعض سيمنارات الآباء الكهنة.
أو بعض اجتماعاتهم الشهرية التي تعقد في الإيبارشيات. ويبحثون كيف ينفذونه عمليًا، أو أين تكون الخلوة ومتى…
وحبذا لو نُظمت أماكن الخلوة هذه، وأمكن تدبير كل وسائل الراحة لها من حيث هدوء المكان، ووسائل الخدمة فيه، وتدبير ما يلزم من الطعام والشراب وخلاف ذلك. وأيضًا من حيث التنظيم وتفادي الأسباب التي تعطل الخلوة.
ويمكن أن يضع الأب الكاهن نظامًا لنفسه.
ويشمل هذا النظام برنامجًا للصلاة والتأمل، وللقراءة، وللتفكير الهادئ. بل أيضًا للتدريبات الروحية التي يضعها لنفسه من واقع خدمته ومعاملاته. ويمكن أن يخصص وقتًا للحفظ: حفظ آيات وصلوات ومزامير، وبعض قطع من القداس تغنيه عن فتح الخولاجي.
وما أجمل أن يرجع إلى شعبه بعد فترة الخلوة، وقد ظهرت آثارها في حياته وروحياته.
ويشعر الكل أن أباهم قد عاد بنور روحي يظهر في أسلوبه معهم، ويظهر حتى في عظاته، وفي إرشاده لأبنائه في الاعتراف، كما يظهر في تعامله…
وفي الخلوة يستطيع الكاهن أن يضع لنفسه خطة في تنظيم مواعيده: من حيث الخدمة، وحاجة أسرته، وحياته الخاصة.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الخلوة في حياة الكاهن، مجلة الكرازة 18/ 10/ 1996



