الخطية الثانية

الخطية الثانية1
الخطية الثانية هي خطية لاحقة لخطية أخرى تسبقها. هي خطية مولودة من خطية أم.
والإنسان الحكيم في علاجه لخطاياه، لا يكتفي بعلاج سقطاته، إنما بالأكثر يبحث عن مسبباتها، عن الخطايا الأمهات التي ولدت منها تلك الخطايا وفي ذلك قال السيد المسيح لراعي كنيسة أفسس: “أذكر من أين سقطت وتب” (رؤ2: 5)
أي أنك لا تنظر إلى سقطتك فقط، وإنما إلى المصدر الذي أتت منه، لكي تقضي عليه. وذلك لأن الخطايا لم تأت من فراغ. كما أن الخطايا ليست عواقر.
الخطية في الواقع، أم ولود.
أم تلد أولادًا من جنسها، أو من جنس آخر، ابحث إذًا عن الخطية الأولى التي ولدت هذه الخطية الثانية التي وقعت فيها، وأبحث من أين أتت.
هذا الموضوع واضح منذ آدم.
نحن نعلم أن خطيئة أمنا حواء أنها قطفت من الشجرة المحرمة وأكلت وأعطت زوجها فأكل معها، ولكن هذه الخطية هي خطية ثانية سبقتها خطية أخرى. وتلك الخطية الأخرى سبقتها خطايا كثيرة. فالأكل من الشجرة سبقته خطية الشهوة، اشتهاء الألوهية والمعرفة. ونظرت المرأة فإذا الشجرة جيدة للأكل، وبهجة للعيون وشهية للنظر (تك3: 6) وطبعًا خطية الشهوة سبقتها خطية عدم الإيمان. إذ أن المرأة صدقت الحية أكثر من كلام الله. وهذا الشك سبقته الخطية الأولى، وهي المعاشرات الردية، أعني الجلوس مع الحية أحيل حيوانات البرية، والرضى بالإنصات إلى كلام ضد وصية الله…
إذًن خطية حواء بدأت منذ الجلوس مع الحية والموافقة على الإنصات إلى شكوكها وإلى إغرائها، هذه هي الخطية الأم.
فعليك أنت إذًن أن تستفيد من هذا الدرس. ولا تركز على خطيتك الحاضرة إنما ابحث عن جذورها وأصولها ومسبباتها والطرق الموصلة إليها. جائز أن خطيئتك هذه خطية ثانية، ابنة لأم تعرفها أو لا تعرفها، ولنضرب لذلك أمثلة:
الأحلام والأفكار:
لنفرض أن إنسانًا حلم حلمًا شريرًا وذهب ليعترف بهذه الأحلام الخاطئة ويسأل أهي خطية، مع إنه ارتكبها بغير إرادته.
في الواقع لا نستطيع أن نقول إن الأحلام خطية غير إرادية بالمعنى المطلق البعض يسميه شبه إرادية، أو نصف إرادية، لأنها إن لم تكن حربًا مباشرة فلابد أنها ثمرة لخطية إرادية سابقة.
هي إذًن خطية ثانية، تولدت عن خطية أخرى، ربما تكون قراءات خاطئة أو سماعات خاطئة، أو ما جمعه البصر من مناظر خاطئة أو ما جمعته باقي الحواس. وقد تكون نتيجة لمشاعر واحساسات خاطئة في القلب.
كل تلك الأخطاء تجمعت في العقل الباطن وتولدت عنها الأحلام الشريرة. مستحيل إذًا في هذه الحالة، أن نقول إنها خطية أولى، أو أنها خطية غير إرادية، لأنه لو لم تكن في القلب خطية مشابهة سابقة لها، ما أمكن أن يتم الحلم، وكان لابد للشخص أن يستيقظ قبل أن يتمه، لأن قلبه وعقله يرفضانه.
وما نقوله عن الأحلام الخاطئة، نقول ما يشبهه عن الأفكار الخاطئة.
فهي إن لم تكن حربًا مباشرة من الشيطان، لابد أنها تكون خطية ثانية ابنة لخطية سابقة قد ولدتها. فإن أتتك الأفكار الخاطئة، ابحث عن أسبابها وأذكر من أين سقطت وتب؟!
أمثلة من الكتاب:
الخطية كما قلنا هي أم ولود.
وهذا الأمر واضح في خطية أخاب الملك حينما قتل نابوت اليزرعيلي، وهذا القتل كان مجرد نتيجة تلقائية لمجموعة من خطايا كثيرة سبقتها… وكانت الخطية الأولى هي الشهوة “لا تشته ما لقريبك” (خروج20: 17)، كسر أخاب هذه الوصية، واشتهى أن يملك حقل نابوت. قادته هذه الخطية إلى المشورة الشريرة، وإلى الحيلة والكذب وتلفيق التهم، واستحضار شهود الزور، وأخيرًا إلى قتل نابوت (1ملوك 21)، إنها خطية ثانية أو رابعة أو خامسة. وليست نقطة البدء. بنفس الأسلوب عن إنكار بطرس للسيد المسيح.
إنكار بطرس ليست خطية أولى، إنما سبقتها خطايا كثيرة أدت إليها من ذلك خطية الخوف. فلولا الخوف ما كان قد أنكر المسيح، وخطية الخوف سبقتها خطية أخرى هي محبة الحياة الأرضية، وعدم الاهتمام بالحياة الأبدية أو عدم فهم الحياة الحقيقية ما هي، وهناك خطية أخرى وهي تفضيل الذات على المسيح… نتيجة لكل هذه الخطايا أنكر المسيح…
الذي يقول لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح (في1: 21) هل هذا يهمه الموت؟! كلا بلا شك.
هكذا كان الشهداء: لا يخافون الموت، ولا يهتمون بالحياة الأرضية، لذلك لم يحدث أنهم أنكروا إيمانهم، بل استطاعوا أن يصمدوا ضد كل وسائل التعذيب والتخويف والإغراء… وهكذا أيضًا القديس بطرس الرسول فيما بعد حلول الروح القدس وبدء الكرازة.
إن إنكار الإيمان ليس خطية أولى بل هناك خطايا كثيرة لابد تسبقه، والمهم هو علاج تلك الخطايا كلها، حتى يكون القلب مستعدًا للثبات في الإيمان بغير زعزعة ولا سقوط.
نقدم مثالًا آخرًا من الكتاب للخطية الثانية وهو سليمان الملك.
يقول عنه الكتاب “وكان في شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى…” (1مل11: 4) فهل كان ذهابه وراء عشتاروت وملكوم خطية أولى؟! كلا وإنما سبقتها خطيتان: الأولى زواج سليمان بنساء أجنبيات عابدات للأصنام. والثانية أن محبة سليمان لنسائه جعلته يجاملهن على حساب الإيمان. ثم نتيجة لهذا بدأ يتورط في هذه المجاملة حتى سقط عمليًا…
بعد كل هذا علينا أن نبحث تأثير موضوع الخطية الثانية في الحياة الروحية…
التأثير في الحياة الروحية:
في الاعتراف مثلاً: ربما يعترف إنسان بخطية ارتكبها، دون أن يعترف بالخطايا الكثيرة التي سببت له السقوط في تلك الخطية، وربما تكون أخطر.
وليس الأمر في الاعتراف فقط، إنما بالأكثر في العلاج الروحي، ربما يظن إنسان أنه قد تاب، لأنه قد ترك ممارسة خطية معينة، بينما هو لا يزال مستبقيًا أسباب هذه الخطية والينابيع التي تتغذى منها. لذلك ما أسهل أن يعود.
التوبة ليست فقط ترك الخطية، بل ترك الخطايا التي سببتها أيضًا.
إنسان تأتيه مثلًا خطية شك في أب اعترافه، وهي ليست خطية أصلية، إنما هي خطية ثانية. وقد تكون الخطية الأولى هي تضايقه من أب اعترافه لأنه منعه من السير حسب هواه، أو وقف ضد إحدى رغباته الخاطئة! أو قد تكون الخطية الأولى هي سماحه لنفسه أن يجلس مع آخرين شوهوا له صورة هذا الأب، فاستسلم لأفكارهم…
الخطايا الأمهات:
قد تلد الخطية خطية أخرى، وقد تلد مجموعة من الخطايا. فنقول عنها إنها إحدى الخطايا الأمهات.
وقد تكون الخطية ابنة وأمًا في نفس الوقت “نتيجة وسببًا”
مثال ذلك الخوف. الخوف قد يلد عدم الإيمان. كما أن عدم الإيمان قد يلد خوفًا. وهكذا يتبادلان الوضع وينتج كل منهما عن الآخر، أو يجتمعان معًا في نفس الوقت. ولا تدري أيهما هو الخطية الأولى؟ وأيهما هو الخطية الثانية؟!
احترس من الخطايا الأمهات ولنضرب مثالًا لذلك بخطية الكبرياء.
الكبرياء خطيئة أم، قد تلد عديدًا من الخطايا، وتصبح لها أسرة كبيرة من أبنائها، فالكبرياء تلد محبة المديح، ومحبة الكرامة، ومحبة المال والمناصب كما تلد الحديث عن النفس وتلد أيضًا الرياء ومحبة المظاهر الخارجية وربما تلد أيضًا الحسد والغيرة. وقد تلد الغضب والكراهية إذا ما وقف أحد ضد محبتها للعظمة.
فإن وقعت في شيء من هذا غالبًا ما تكون خطية ثانية.
للتغطية وللوصول:
الخطايا الثانية تكون أحيانًا خطايا للتغطية أو للوصول. كإنسان مثلًا يحاول أن يغطي خطية بخطية، أو يرتكب خطية لكي توصله إلى خطية أخرى، وسنضرب مثالًا بخطية الكذب.
خطية الكذب:
خطية الكذب هي دائمًا وبدون استثناء خطية ثانية هدفها التغطية أو الوصول…
فلو أنا كنت أب اعتراف، وجاءني إنسان يقول لي أنا قد كذبت، لابد أن أسأله: لماذا كذب؟ هل هناك خطية سابقة أراد أن يغطيها بالكذب. لقد وقعت في هذا الأمر أمنا سارة كما وقع فيه أبونا إبراهيم…
أمنا سارة حينما سمعت وعد الرب بأن يعطيها نسلًا، شكت في وعد الله وضحكت في قلبها قائلة “أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ” (تك18: 12) فلما سأل الرب عن سبب ضحكها، “أنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنها خافت” (تك18: 15).
وهنا نرى خطية الشك وعدم الإيمان ولدت خطية الخوف. وخطية الخوف ولدت الكذب، وكان الكذب خطية ثالثة…
وبالمثل حدث مع أبينا إبراهيم في أسفاره حينما قال لزوجته سارة “قولي أنكِ أختي” (تك12: 13) لأنها كانت جميلة جدًا، فخاف إن عرفوا أنها زوجته أن يقتلوه ويأخذوها وهكذا خطية الخوف سببت خطية الكذب.
وصار الكذب هنا خطية ثانية للخوف كما كان الخوف خطية ثانية لخطية أخرى… تتضح من قول أبينا إبراهيم “إني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله البتة فيقتلونني لأجل امرأتي” (تك20: 11) فلماذا يا أبانا إبراهيم تذهب إلى موضع تعرف أنه ليس فيه خوف الله البتة، وتذهب إليه بدون إذن من الله. فتكون نتيجة ذلك أنك تخاف؟
هنا إذًن خطية تؤدي إلى خطية فلو أن الإنسان تفادى الأولى، ما وقع في الثانية.
وخطية الكذب كما قلنا قد تكون للتغطية أو للوصول.
فمن جهة التغطية، يستخدم الإنسان الكذب لكي يغطي على الخطية لكي لا تظهر، فهو يخاف من انكشاف الخطية ومن فضيحة الخطية أو يخاف من عقوبة الخطية، فيكذب.
والأفضل أن الإنسان لا يرتكب الخطية، التي يخاف من انكشافها فيكذب ليغطيها…
وهنا نجد أمامنا ثلاث خطايا: الخطية الأولى، ثم خطية الخوف ثم خطية التغطية بالكذب. وتكون المسألة قد تطورت ويكون مرتكب الخطية الأولى قد تورط، وأصبح ينزلق من خطية إلى أخرى بسبب الخطية الأولى.
والكذب كما هو خطية ثانية للتغطية هو أيضًا خطية ثانية لمحبة الوصول. تاجرًا مثلاً يُحب المال، ويريد أن يحصل على ربح أكثر. فيكذب من جهة السعر، ويقول إنه بالسعر المعروض لن يربح شيئًا بل سيخسر! أو يكذب من جهة نوع السلعة التي يعرضها فيدعي جودة ليست لها!
أو إنسان يريد أن يصل إلى منصب فيكذب مجموعة من الأكاذيب، من جهة خبراته مثلًا. وقد يطلب من آخرين أن يكتبوا له شهادة خبرة ويقودهم معه إلى الكذب.
أو إنسان يكذب ليحصل على بدل وقت إضافي، أو بدل مواصلات أو ما شابه ذلك.
أو الكذب الذي يتضح في الغش الخاص بالزواج، لكي يتم الزواج… وأنواع الغش في الزواج كثيرة. وكذلك الغش في المعاملات والغش في البيع والشراء، ولا داعي للدخول في تفاصيل كل ذلك…
المهم أن الكذب قد يكون سببه خطية سابقة أو خطية لاحقة…
خطية سابقة يريد صاحبها تغطيتها أو خطية لاحقة يريد أن يصل إليها. وقد تكون هذه أيضًا سابقة من جهة شهوة الوصول، ويكون الكذب هو الوسيلة.
وربما يكون سبب الكذب هو الإحراج أو قلة الحيلة. وقد لا تكون قلة الحيلة خطية بل ضعفًا، كذلك الإحراج، وهنا يسأل البعض سؤالًا هامًا وهو:
هل إخفاء بعض الحقائق يعتبر كذبًا وخطية؟
في بعض الحالات يكون الإنسان مطالبًا أمام ضميره وأمام الناس بعدم إخفاء بعض الحقائق، فلابد أن يقول الحق كل الحق، ولكن في أحيان كثيرة لا يكون إخفاء بعض الحقائق خطية، كما لا يكون فيه شيء من الكذب ومثال ذلك:
1– كل إنسان له أسراره وخصوصياته. وليس كل إنسان مطالبًا بالحديث عن أسراره، فإن كنت تُسأل عن أسرارك الخاصة ولا تتحدث عنها، فهذا من حقك. وبخاصة لأن هناك كثيرين من محبي الاستطلاع يريدون أن يعرفوا كل شيء عن أسرار غيرهم، ويسألون أسئلة محرجة جدًا تدخل في خصوصيات حياة الآخرين ويلحون إلحاحًا شديدًا ويضغطون بغية المعرفة. ويحاولون أن يعصروا محدثهم عصرًا حتى يعرفوا كل أخباره.
هؤلاء الفضوليون أو محبو الاستطلاع من حقك أنك لا تجيبهم…
يمكن أن تصمت ولا تجيب، ويمكن أن تحول مجرى الحديث إلى موضوع آخر، ويمكن أن تعتذر عن الإجابة في هدوء. كذلك يمكن أن تتفادى ملاقاة هؤلاء، أو أن تختم الجلسة معهم بطريقة ما، أو أن تنتهز فرصة حديثهم مع آخر وتنصرف. وفي كل ذلك أنت لا تكذب…
وأمثال هؤلاء ننبههم في هذا المقال إلى عدم التدخل في أسرار غيرهم. لأنهم بتصرفهم هذا يكونون عثرة: إذ قد يدفعون محدثهم إلى الكذب بكثرة إلحاحهم وضغطهم عليه في التحدث عما لا يريد أو قد يسببون له إحراجًا فيتكلم ويندم لأنه قال.
نقطة أخرى من حقك أن تخفي فيه بعض الحقائق وهي:
2– هناك أسرار للآخرين من واجبك أنك تحافظ عليها ولا تعلنها. وإن كنت تخفي مثل هذه الأمور فهذه فضيلة وليست خطأ. ويمكن أن تكون صريحًا في أن تقول لا أستطيع أن أتكلم عن أسرار الناس…
فالذين يلحون في معرفة أسرار الناس يكونون عثرة لغيرهم.
إن قال لك أحد منهم لماذا تصر على الإخفاء؟ قل له وأنت لماذا تصر على معرفة أسرار غيرك؟
بعض الذين يضطرون إلى الكلام، إما يكونوا قليلي الحيلة أو يكونوا ضعيفي الشخصية، ولا يجوز للإنسان الروحي أن يكون كذلك.
فالأسرار التي اؤتمنت عليها، واجب عليك أن تخفيها مهما سئلت.
لا يحرجك أبدًا أن يقول لك سائلك إذًا أنت لا تحبني ولا تأتمني على السر لذلك تخفي عني!
لا تتأثر بهذا الكلام. فعلى الرغم من قوله لك هذا، سيحترمك في داخله لأنك تحفظ أسرار الناس. ويثق أنك بنفس الطريقة تحافظ على أسراره التي يقولها لك، وحتى إن تضايق، احتمل هذا من أجل أمانتك لغيرك. لأنه ليس حقًا أن ترضي أحدًا على حساب آخر!
3– أيضًا هناك أمور ربما يكون من الضرر كشفها، أو هي من اختصاص المسئولين، يعلنونها في الوقت الذي يرونه مناسبًا.
إذًن هناك أمور من حقك أنك لا تقولها، كأسرارك الخاصة. وأمور من واجبك أنك لا تقولها مثل أسرار الآخرين أو الأمور التي يسبب إعلانها ضررًا…
والإنسان الذي لا يضغط على الناس في معرفة الأسرار التي لديهم، هو إنسان رقيق واجتماعي، ويحبه الآخرون.
أما الذي يضغط لمعرفة أسرار الناس فضغطه هذا خطية ثانية، وراءها خطايا كثيرة أخرى، فليسأل نفسه: لماذا؟ …
حتى في الاعتراف، لا يجوز لأب الاعتراف أن يضغط لكي يعرف، إنما هو يساعد المعترف على الاعتراف، دون أن يضغط عليه. إنه أب وليس محققًا رسميًا…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 20-4-1986م




