الخادم داخل الأسرة

الخادم داخل الأسرة[1]
نشرنا محاضرتين من قبل عن العمل الفردي… واليوم نتحدث عن مجال آخر من العمل الفردي، وهو:
الخادم داخل الأسرة
وضع خاطئ:
العجيب أن كثيرًا من الخدام عندهم ازدواج في الشخصية: فهم في محيط الخدمة بطريقة، وداخل الأسرة بطريقة أخرى عكسية:
في مدارس الأحد: ملاك طاهر، إنسان لطيف، بألفاظ كلها اتضاع ورقّة، كأن يقول: “صلوا من أجلي، أنا الخاطئ، أنا الضعيف غير المستحق”…
أما داخل الأسرة فهذا الخاطئ غير المستحق يبدو على حقيقته: الغضب والعنف، وربما الانتهار والشتيمة والضرب…!! لذلك فالشخص الذي يرشح للكهنوت من الخدام، لا تكفي فكرة زملائه الخدام فيه، إنما أيضًا رأي أفراد أسرته فيه… ربما يحاول أن يكون قدوة خارج الأسرة ولكنه في أسرته غير ذلك. قد يفتقد ويخدم الكثيرين خارج الأسرة. ولكن لا خدمة له داخل أسرته.
وأحيانًا يخدم داخل أسرته، فيتحول إلى رقيب على كل أحد، عنيف في رقابته، معلّم ومؤدّب، يأمر وينهي، بطريقة تنفر من الدين.
أتذكر خادمًا في أيامنا، رأى عند أخته في البيت أدوات مكياج، فثار عليها، وشتمها وصفعها على وجهها، وألقى بأدوات المكياج من البلكون!!
فهل هذا أسلوب روحي في الخدمة؟! وهل هذه طريقة تجعل أخته تحب التدين، أو تحترم خدام الكنيسة… بل لا مانع عند مثل هذا (الخادم) من أن ينتهر أباه وأمه، إن كان تصرف أحدهما لا يعجبه.
فهو إما أنه لا يخدم داخل الأسرة، أو يخدم بكبرياء وعنف وقد ينطوي على نفسه داخل أسرته، ويشكو من أنه يُعثَر من الأسرة، وأنه على خلاف بينهم في كل المبادئ الروحية. وقد يحدث أن أسرته تمنعه من الخدمة ومن الكنيسة، لأنها ترى أن (تديّنه) قد حوّله إلى الصلف وإلى العنف، والبعد عن المحبة واللطف. أو ترى إنه قد أهمل دروسه وواجباته بحجة الخدمة ومواعيدها ومتطلباتها… بل إن أسرته هي التي تُعثَر منه ومن تصرفاته!
هنا ونسأل من الناحية الإيجابية عن كيفية الخدمة داخل الأسرة.
كيف يخدم؟
1- بالتعاون مع أهل البيت:
هناك خادم يعطي درسًا عن السامري الصالح في مدارس الأحد، ولكنه لا يكون سامريًا صالحًا في بيته. إن الدين ليس مجرد معلومات تُلقى على الناس. إنما هي حياة نحياها… لذلك كن خدومًا ومتعاونًا في البيت.
تدخل البيت، فلا تجد والدتك قد انتهت من تجهيز الطعام بعد… فلا تغضب ولا تُلق محاضرة في المواعيد، إنما أدخل وساعدها في تجهيزه. كن معها أيضًا في إعداد المائدة. وإن انتهيت من تناول طعامك، فلا تتركهم يحملون بقاياك ويغسلون أطباقك. إنما اشترك في ذلك. هل الأمر يكلفك بضع دقائق؟ إنها شيء بسيط تساهم به في مساعدة والدتك وأخواتك.
بل تنال بركة دعاء الوالدة ومحبتها لك لأنك تساعدها ولا تتركها وحدها.
بعض “الخدام” لا يكتفون بعدم تعاونهم في خدمة البيت، بل يحملون أهل البيت ثقلًا في خدمتهم.
يستيقظون من النوم، ويخرجون إلى العمل، ويتركون كل شيء مبعثرًا في حجرتهم، لمن يتولى عنهم ترتيبه! لماذا لا ترتب فراشك حالما تستيقظ من نومك؟ ولماذا لا ترتب ملابسك ومكتبك قبل أن تخرج من البيت. لماذا تعتبر أن الخدمة هي فقط تحضير الدروس وإلقاؤها. أليست الخدمة هي أيضًا التعاون مع أهل البيت؟
لماذا لا تتعاون مع إخوتك الصغار في أن تشرح لهم دروسهم أو تساعدهم فيما يحتاجون إليه. وهكذا يحبونك ويتعلقون بك. وبهذا الحب يمكنك أن تفيدهم روحيًا.
لماذا لا تتعلم بعض الهوايات التي تستطيع بها أن تصلح بعض الآلات الكهربية في البيت أو ما يشابهها، فتساعدهم اقتصاديًا بدلًا من إنفاقهم على ذلك؟
2- نقطة أخرى في خدمتك للبيت هي البشاشة والمحبة.
كن في بيتك بشوشًا، تشيع جوًا من البهجة والفرح في البيت، وتجعل الكل يحبونك، وبخاصة الصغار، بوجهك البشوش الحلو، وبابتسامتك اللطيفة، وما تقصّه، على إخوتك من حكايات وألغاز، بمرحك ولطفك.
ولا تكن مثل أولئك الذين لا يحفظون من بستان الرهبان غير عبارة “أدخل إلى قلايتك وابك على خطاياك”، ولا يحفظون من الكتاب المقدس سوى قول الحكيم “بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ” (جا7: 3). وهؤلاء يكتفون فقط بحياة التجهم والكآبة والتزمُّت والبكاء، بل يريدون أن يكون كل أهل البيت مثلهم مكتئبين!!
ويشيعون أن الضحك خطية! ويلومون كل من يضحك!
وإن ضحك أهل البيت، يعتبرون هذا منهم انحلالًا!! وينسون قول الكتاب: “وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ” (جا3: 4)، وقول الكتاب: “اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا” (في4: 4). وإن من ثمار الروح “مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ” (غل5: 22).
إن القديس أرسانيوس اشتهر بالدموع، ولكنه أمام الناس كان بشوشًا. فلا تجعل أهل بيتك يظنون أن كل من يدخل في الحياة الدينية، تتحول حياته إلى كآبة، لئلا يخافوا من التدين بسببك!! بل أعطهم فكرة عن البشاشة الروحية وسلام القلب.
3- نقطة ثالثة في خدمتك للأسرة هي احترامك للكل:
احترس من أن يكبر قلبك بسبب تدينك فتحتقر الآخرين أو تدينهم أو أن تكلمهم من فوق! لأن كثيرين حينما دخلوا إلى محيط الخدمة، وضعوا في ذهنهم لافتة مكتوب عليها: “وَبِّخِ انْتَهِرْ عِظْ” (2تي4: 2). وبهذا الانتهار، أصبح أهل البيت يحترسون من ألفاظهم القاسية، وتعبيراتهم الخالية من الاحترام بالنسبة إلى الكبير والصغير. وينسون أن هذه العبارة قد أرسلها القديس بولس الرسول إلى تلميذه القديس تيموثاؤس الأسقف، وذكر له الأسلوب “بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” (2تي4: 2).
فهل أنت تقيم نفسك أسقفًا للبيت، أم أنت مجرد خادم؟
وحتى الأسقف لا يكون دائم التوبيخ، بل قيل له بالنسبة إلى الكبار: “لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا، بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ، وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ، وَالأَحْدَاثَ كَإِخْوَةٍ” (1تي5: 1)، بل قيل عن الأسقف أيضًا أنه يكون “مُحْتَشِمًا حَلِيمًا غَيْرَ مُخَاصِمٍ” (1تي3: 2، 3) ولا يكون غضوبًا (تي1: 7).
فلا تجعل الخدمة تخرجك عن فضيلة الأدب واحترام الغير.
والرسالة الروحية التي تريد أن تنقلها إلى الآخرين، قدمها لهم بكل محبة ولطف واحترام، وفي عفة اللسان، وبتواضع القلب… حتى إخوتك الصغار، إن طلبت منهم طلبًا، وقلت للواحد منهم: “عن إذنك… لو تسمح… ممكن كذا”. هو نفسه سيتعلم منك هذا الأسلوب الرقيق، ويستخدمه في حديثه مع غيره. وبهذا تكون قد خدمته عن طريق القدوة العملية.
حاول في خدمتك العائلية أن لا تجرح شعور أحد.
ولا تتكلم بكلمة تجرح شعور إنسان. بل احترم الكل، فيحترموك ويتعلموا منك احترام غيرهم، ويتعلموا أيضًا اللطف في الحديث، وأدب التخاطب، والنصح الهادئ.
وإن كانت هناك نصيحة تقدمها لأبيك أو أمك، أو من في مستواهما، فاحرص جيدًا ألا تتكلم كمعلم…!! احتفظ بتوقير من هو أكبر منك سنًا أو مقامًا.
4- يمكن – بالنسبة إلى الكبار – أن تقدم التعليم غير المباشر.
كأن تحكي قصة هادفة من قصص الآباء، أو تأملًا في آية معيّنة دون أن توجهها إلى أحد معين، أو خبرة لحكيم، أو فكاهة لطيفة تؤدي نفس الغرض، مع حذف كل عبارة موجعة يتصادف وجودها فيما تقصه من القصص.
واحذر من أن تجلس إلى أبيك وتقول له: “أريد يا بابا إني أكلمك كلمتين من أجل خلاص نفسك”… كما لو كان خلاص نفسه في خطر، أو كأن هالكًا يحتاج إليك أن تنقذه… بل يمكن أن تحكي قصة لإخوتك الصغار، ويسمعها أبوك عفوًا أو قصدًا.
5- يجب في خدمتك العائلية أن تتصف بالتواضع والحكمة.
لا شك أن الحكمة تعلمك التواضع، وتعلمك الأسلوب المهذب الذي تتكلم به، ولا تظن أنك لكي تصلح الكبار تتجرأ عليهم، أو لكي تصلح الصغار تتسلط عليهم. ولا تستخدم أسلوبًا – فيما تحاول به أن تخلص غيرك -تهلك نفسك.
كن صغيرًا باستمرار في محيط أسرتك. لا تشعرهم فيما تقدمه من نصائح. أنك أصبحت أوسع منهم فكرًا، وأكثر معرفة، أو أنك أكثر منهم روحانية، وأنقى منهم قلبًا…!
إنك بهذا الأسلوب المتعالي، تخسر صداقتهم، وتخسر نفسك ماذا تستفيد إن كانت طريقتك في الخدمة قد علمتك السيطرة، وعوّدتك على الغضب والانتهار وقساوة القلب، وأوجدت حاجزًا بينك وبين قلوب الآخرين؟! تعلّم إذًا البشاشة واللطف، قبل أن تبدأ أية خدمة.
واعرف أن كل نفس حساسة، وعليك إذًا أن تراعي حساسيتها في خدمتك لها.
6- واعرف أن عملك هو الإقناع وليس الإرغام:
أنت مجرد شاهد للحق، كما أمرنا الرب قائلًا: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8).
أما أن ترغم أهلك وإخوتك على السلوك السليم، فليس هذا هو عملك، بل إن الله نفسه قائلًا للشعب: “اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ”…
“قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا” (تث30: 15، 19).
فإن اقنعتهم بالخير، وفعلوه باختيارهم، ينالون أجرهم على ذلك. أما إن فعلوا الخير اضطرارًا بضغط منك، وبدون اقتناع، فأي أجر ينالونه؟!
لا تظن خدمتك أن تنصح، وترغم، وتوبخ، وتهدد، وتعاقب ليس هذا هو أسلوب خدمة تتخذه مع إخوتك الصغار أو أخواتك، أو مع الكبار بأسلوب أقل. وإلا فسوف تقول الأسرة عنك “ليته ما دخل في محيط الخدمة. لقد كان قبل ذلك أكثر لطفًا وحبًا واحترامًا لغيره”.
في خدمتك، لا تفقد أحدًا حريته، إنما ساعده أن تتجه حريته نحو الخير.
ساعد أفراد أسرتك أن يحبوا الله. وإن أحبوه، سوف يحبون الخير، وسوف يفعلون الخير تلقائيًا، دون إرغام، ودون توبيخ، وستكون إرادتهم قد تطهرت.
7-وفي خدمتك احترس من الحرفية في التعليم:
لا تكن فريسيًا في تعليمك، سواء في داخل البيت أو خارجه ونذكر بهذه المناسبة موقفك من وسائل الترفيه في داخل الأسرة أو في خارجها. لا موقفًا حرفيًا يكون سبب نكد وعكننة على الأسرة كلها، ولا موقفًا متسيبًا لا قدوة فيه ولا ضوابط. إنما تصرف بحكمة، بخط واضح سليم بين الخير والشر. بحيث تكون مقنعًا، لا متطرفًا في رأيك، ولا مستبدًا بفكرك بدون إقناع. من حقهم أن يكون لهم ترفيه. ومن واجبهم أن هذا الترفيه يكون نقيًا بلا خطأ.
لا تعاملهم كرهبان أو نساك زاهدين. وأيضًا نبّههم إلى مواضع الخطأ، بحكمة. وباستمرار أعط صورة مشرقة عن تديّنك لا تقدم لهم الدين كدواء مر يجب عليهم أن يشربوه لكي يشفوا ويصحّوا، إنما قدّمه كمتعة روحية لهم. ولا مانع من أن يتدرجوا في ذلك. كما فعل الآباء الرسل مع الداخلين في الإيمان من الأمم (أع15: 28، 29). وكما قال القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ” (1كو3: 2).
8- قدم لهم في خدمتك، أنموذجًا بنجاحك في حياتك:
سواء في حياتك الدراسية بتفوقك الذي تفرح به أسرتك، أو في حياتك الاجتماعية بكونك موضع محبة وثقة الآخرين، أو في حياتك الروحية بكونك بلا لوم، لا يمسك عليك أحد خطأ، أو في حياتك العملية بصفة عامة.
إن رأوك هكذا مثالًا طيبًا، يحترمون حياتك، وبالتالي يحترمون أيضًا أسلوبك ومبادئك، فيتخذونك قدوة لهم. وهكذا تكون قد جذبتهم عمليًا إلى طريق الرب الذي أحبّوه في حياتك.
تحبك أسرتك، وتفتخر بك، وتقبل كلامك إن تحدثت عن الله. وإن دعوتهم إلى الكنيسة، يذهبون معك. بل قد تجد أباك يقول لأخيك الصغير “تعلم من أخيك فلان، وانظر كيف هو ناجح ومحبوب ولا يخطئ في شيء”.
حينما تكون ناجحًا ومتفوقًا، وتأخذ حق الله من نفسك، قبل أن تأخذه من غيرك، حينئذ تكون موفقًا أيضًا في خدمتك لأسرتك لأنك ستكون إنسانًا متوشّحًا بالفضيلة، ولست مجرد متحدث عن الفضيلة.
وسوف تكون درسًا لغيرك، حتى لو كنت صامتًا لم تتحدث…
9- يمكنك بعد كل هذا أن تلقي كلمة الله:
ابدأ بإخوتك الصغار. إنهم يحبون الحكايات، وسيحبونك جدًا إن سمعوا منك حكايات من الكتاب، من سير القديسين، من قصص الحيوانات، من أخبار التاريخ… وأيضًا هم يحبون الأناشيد. علمهم تراتيل وألحانًا. حفظهم أيضًا آيات من الكتاب، وقدم لهم مسابقات وألغاز… وسوف يكوّنون فصلًا خاصًا لك. حتى لو بدأت بطفل واحد، ثم جر وراءه أطفالًا من فروع الأسرة، أو من أصدقائها وجيرانها.
وسيأتي وقت تحب والدتك أن تسمع حكايتك، منهم أو منك. وكذلك والدك… ويمكن أن تكون الحكايات أثناء الجلوس على المائدة، أو في حجرة المعيشة، مقدمة للأطفال، وسيسمعها الكبار معهم، بطريق غير مباشرة.
10- العبادة في محيط العائلة:
يمكن للأسرة المتدينة، أن يكون لها عبادة مشتركة، بصفة عامة، أو جزئية… إنه موضوع يحتاج إلى مقال خاص.
أما الآن فأكتفي بهذا، وإلى اللقاء في مقال مقبل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الخدمة (25) – الخادم داخل الأسرة”، وطني 13 فبراير 1994م، كما نُشرت بتاريخ 16 مايو 2010م.





