الخادم الروحي

الخادم الروحي[1]
هناك سؤال يجول في نفسي وفي أعماقي: أحقًا نحن خدام؟
سهل أن يرتئي الواحد منا فوق ما ينبغي (رو12): ويظن بأنه خادم لله بينما الخدمة في أعماقها الروحية لها مقاييس عالية، ربما نحن لم نصل إليها أو ربما نكون قد بدأنا كخدام روحيين ولكننا لم نحتفظ بهذا الطابع على طول الطريق فلنبحث إذًا معًا من هو الخادم؟
الخادم الروحي هو لحن جميل في سمع الكنيسة وأيقونة طاهرة يتبارك بها كل من يراها. هو سلم يصل إلى السماء دائمًا يصعد عليه تلاميذه إلى فوق.
هو جسر ينقل غيره من شاطئ العالميات إلى شاطئ الروحيات أو ينقلهم من الزمن إلى الأبدية، هو صوت الله إلى الناس وليس صوتًا بشريًا بل هو فم يتكلم منه الله ينقل إلى الناس كلمة الله.
الخادم الروحي هو نعمة إلهية أرسلت من السماء إلى الأرض… هو زيارة من زيارات النعمة يفتقد بها الله بعضًا من شعبه يقدم لهم مذاقة الملكوت وطعم الحياة الحقيقية.
الخادم الروحي هو إنجيل متجسد أو هو كنيسة متحركة هو صورة الله أمام تلاميذه. هو نموذج للمثل العليا وقدوة للعمل الصالح ووسيلة أيضًا لكل الفضائل.
الخادم الروحي يشعر بالدوام أنه في حضرة الله وتكون الخدمة بالنسبة إليه كمذبح مقدس وعمله فيها رائحة بخور. مهمة الخادم الروحي هي إدخال الله في الخدمة وهو يردد في قلبه قول المرتل في المزمور: “إنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ البَيْتَ، فَباطِلًا تَعَبُ البَنّاؤُونَ” (مز126: 1).
الخادم الروحي له باستمرار شعور الانسحاق وعدم الاستحقاق.
يشعر أنه فوق مستواه أن يعمل على إعداد قديسين وأن يهيء للرب شعبًا مبررًا، مدركًا تمامًا أن تخليص النفوس البشرية أمر أعلى منه. إنه عمل الله. وأن اشتراكه مع الله في العمل وشركته مع الروح القدس في بناء الملكوت وفي تطهير القلوب كلها أمور لا يستحقها ولكنه على الرغم من شعوره بعدم الاستحقاق لا يهرب من الخدمة بل يدفعه هذا الشعور إلى مزيد من الصلاة حيث يقول للرب باستمرار: “هذه الخدمة يا رب هي عملك وليس عملي وأنت لا بد ستعمل بي أو بغيري وأنا مجرد متفرج أتأمل عملك وأفرح وأسرّ” (يو3: 29).
حقًا “لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي” (1كو3: 7) فاعمل يا رب عملك وفرح قلوب أولادك ولا تمنع عنهم روحك القدوس بسبب أخطائي أو ضعفاتي أو تقصيري وهكذا بلجاجته في الطلب ينال الخادم نعمة من الله وعندما تنجح الخدمة يعطي مجدًا للرب الذي عمل العمل كله.
الخادم الروحي هو باستمرار رجل صلاة:
بالصلاة يخدم أولاده وبالصلاة يحل مشاكل الخدمة وتكون الصلاة بالنسبة إليه كالنفس الداخل والخارج كما قال الآباء… بعض الخدام يظنون أن غاية الإخلاص للخدمة هي أن يعملوا… أما الخادم الروحي فيرى أنه غاية الإتقان هي أن يعمل الله… ليس معنى هذا أن يكسل ولا يعمل!! كلا بل هو يعمل بكل جد وبكل بذل ولكن ليس هو بل الله الذي يعمل فيه، كما قال القديس بولس الرسول: “لَكِنْ لاَ أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1كو15: 10)، وكما قال أيضًا: “أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20).
الخادم الروحي هو شعلة متقدة بالنار:
هو غيرة ملتهبة لخلاص النفس يقول مع داود النبي: “لا أدْخُل إلَي مَسْكنِ بَيْتي، ولا أصْعَدُ عَلَي سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا… إلَي أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ” في قلب كل أحد” (مز131: 3- 5).
الخادم الروحي هو رائحة المسيح الزكية (2كو2: 15).
يشتم منه الناس رائحة المسيح لأنه رسالته المقروءة من جميع الناس… هو محرقة رائحة سرور للرب (لا1) تشتعل فيها النار الإلهية نارًا تتقد ولا تطفأ حتى تحولها إلى رماد…
الخادم الروحي هو حركة دائبة دائمة متجهة نحو الله:
أو هو حركة داخل قلب الله بسبب حركة إلهية داخل قلبه… إنه يتعب دائمًا لأجل راحة الآخرين وراحته الحقيقية في أن يوصّل كل إنسان إلى قلب الله… هو شمعة تنير لكل من هو في مجال نورها وقد تذوب حرارة ونورًا وحبًا لكي يستضيء الناس بها ولكي يتحقق قول الرب: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ” (مت5: 14).
الخادم الروحي هو إنسان دائم الصراع مع الله:
يجاهد مع الثالوث القدوس من أجل نفسه ومن أجل الناس… لكي يأخذ منه وعدًا لأجل المخدومين حتى تصير أنفسهم ناجحة (3يو2) ومقبولة أمام الله…
الخادم الروحي هو روح وليس مجرد عقل:
ليس مجرد مدرس ولا مجرد حامل معلومات ينقلها إلى الناس بل هو روح كبيرة اتحدت مع الله واختبرت الحياة معه وذاقت ما أطيب الرب… وتريد أن تنقل هذه الحياة إلى غيرها… تنقلها بالمشاعر بالمثال الحي بالقدوة الصالحة بالصلاة والابتهال لأجل المخدومين.
إنه لا يلقي دروسًا بل هو نفسه الدرس.
إنه العظة قبل أن يكون واعظًا… إنه يدرك أن تحضير الدروس أو العظة ليس هو مجرد تحضير المعلومات إنما هو تحضير ذاته لتكون صالحة لعمل الروح فيها… يذكر باستمرار قول الرب: “لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ” (يو17: 19)، ويضع أمامه العبارة التي قالها القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاؤس الأسقف: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ اذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا”(1تي4: 16).
الخادم الروحي لا يحتاج تلاميذه إلى افتقاد:
لأنهم من تلقاء ذاتهم يشتهون درسه اشتهاء وعندما يرونه في الكنيسة، يكونون كمن وجد غنائم كثيرة. إنهم ينتفعون من منظره ومن معاملاته كما ينتفعون من كلامه وربما أكثر، كما أنه يستطيع أن يربطهم بالحب برباط قوي يجذبهم بشدة إلى الكنيسة وإن درسه شهوة لنفوسهم ولأرواحهم ولقلوبهم ولعقولهم.
الخادم الروحي يحب تلاميذه ويحب خلاص نفوسهم:
محبته لهم هي جزء من محبته لله وملكوته. وهو يحبهم كما أحب المسيح تلاميذه وقيل عنه أنه: “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو13: 1). الخادم الروحي يحب الله من كل قلبه. ويريد أن تلاميذه يحبون الله مثله. فإن أحبوا الله تزداد محبته لهم اشفاقًا عليهم وسعيًا لانقاذهم.. وبهذا الحب كله يعطيهم صورة مشرقة عن الدين وعن الله.
الخادم الروحي أولاده روحيون مثله:
لأنه يربيهم في حياة الروح فيكونون على شبهه ومثاله وعلى نفس القياس… الخادم الاجتماعي أولاده اجتماعيون والخادم العقلاني لا يهتم إلا بالعلم، يكون أولاده مجرد كتب تحمل معلومات، ما أصدق قول الكتاب في قصة الخليقة إن الله خلق “شَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ… شَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ” (تك1: 11، 12) إن كان الأمر هكذا فلنحترس نحن كيف نكون… لأنه على شبهنا ومثالنا سيكون أولادنا.
الخادم الروحي يشعر أن أولاده أمانة في عنقه:
سيعطي عنهم حسابًا أمام الله في يوم الدين إنهم أولاد الله وقد تركهم في يديه ليقوم بخدمتهم ويعطيهم طعامهم في حينه (لو12: 42)، لذلك هو يعمل على الدوام بخوف الله شاعرًا بمسئوليته.
أريد من كل خادم أن يسأل نفسه عن ثلاثة أمور: روحانية خدمته، روحانية حياته، روحانية أولاده.
روحانية حياته من أجل أبديته وخلاص نفسه وبسبب تأثير حياته على مخدوميه، وروحانية خدمته حتى تكون ذا تأثير مثمر في إيجاد جيل روحاني. أما عن روحانية أولاده فتحتاج منه إلى جهد وصبر وطول أناة.
الخادم الروحي يطيل باله جدًا حتى تنبت بذوره وتنمو:
وحتى تخضر وتزهر وتثمر. ولا يضيق صدره ولا ييأس إن تأخر إنباتها أو إزهارها أو إثمارها إنما يجاهد على قدر ما يستطيع ويشرك الله معه ويضع أمامه قول الرسول: “يَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ” (رو15: 1).
إن بعض النفوس لا تعطي ثمرًا وبعضها لا يستطيع أن يتخلص من أخطائه بسرعة. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى من يطيل روحه عليهم حتى يخلصوا، كما يطيل الله أناته علينا ليقتادهم إلى التوبة (رو2: 4). قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “إن كان الجنين الجسدي يحتاج إلى شهور طويلة إلى أن يتكامل نموه ويخرج، فلنصبر إذًا على الجنين الروحي حتى يكمل نموه”.
وبعد، لست مستطيعًا أن أكمل كل ما قيل عن الخادم الروحي في هذا المقال وحده، فإلى اللقاء في المقال المقبل إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الخدمة (3) – الخادم الروحي”، وطني 12 سبتمبر 1993م.




