حياة التواضع والوداعة الحسد …!

حياة التواضع والوداعة
الحسد …!1
الحسد هو أن تغير من الذي يتمجد أكثر منك، وتحكي عنه بالشرور. لأنك تغير من تكريمه، وتريد أن تنقص كرامته، والعين الرديئة هي الضمير الذي ينظر برداءة إلى صلاح الآخرين. “أحد تلاميذ مار اسحاق”.
كيف يطعم القلب المتكبر؟ إن كان إنسان متكبرًا، فلابد أن يكون حسودًا، ولا يمكن أن يكون غير هذا. الكبرياء هي أم الحسد، لا يمكن إلا أن تلده، ودائمًا تعيش معه. لذلك فكل إنسان متكبر هو حسود.
وإن كان حسودًا فهو يتغذى على مصائب الآخرين. لهذا يقول الرسول: “فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا” (غل5: 15) القديس أوغسطينوس (مز101).
قال أبا مقار الكبير: “افرحوا بكمال أخوتكم، واتضعوا لهم، تشبهوا بهم. واحزنوا عليهم إن كان فيهم نقص.
وقال أنبا أشعياء: لأن التقي يحب أن يكون الناس كلهم أتقياء. أما الذي في قلبه ألم الحسد، فلا يرى أحدًا نقيًا، بل كنحو أوجاعه يفكر في قلبه من جهة كل أحد. وإن سمع مديحًا في أحد يحسده. بستان الرهبان.
محبة الكرامة؛ هي ينبوع الحسد من وجد الحسد، فقد وجد معه الشيطان الذي وقع فيه منذ القدم.. الذي يصدق أن من الشرارة الصغيرة تشتعل النار، فليحذر لئلا يجمع في قلبه نار الحسد، لئلا تحرق كل ما فيه، ودخانها يعمي أعين كثيرين. مار اسحاق.
الذي يريد أن يهدئ وحشية الحسودين، ويسلمهم بنقاوة حبه الإلهي، فليحفظ ضميره بسلام طفولي، ويقابلهم أولًا بالمديح والعطايا، ويلاقيهم بالتبجيل والكرامة باتضاع، ويخجل وجوههم، بتقديم المائدة حسبما تأمر الكتب الإلهية. مار اسحاق.
بعض الخطايا تتولد من خطايا أخرى غيرها: كالحسد والمحارنة والمغالبة، فإنها تتولد من محبة مجد الناس. فإن الذي يحب مجد الناس، اذ رآهم يمجدون غيره أكثر منه، يحسده ويقاومه. فإذا رأى إنسان أنه قد جاهد الحسد ولم ينقطع فليعلم أن أصله ثابت. فإذا قطع الأصل بالاتضاع، فإن الفروع لا تعود تنبت. القديس باسيليوس الكبير.
الشخص المتضايق بسبب خطأ عُمل ضده، يمكن تهدئته بإرضاء متضع له. ولكن ماذا يمكن أن يعمل لشخص يستاء أكثر إذ يراك أكثر اتضاعًا أو أكثر رحمة.. ويثار من نجاح غيره وسعادته؟! من الواضح إذن أن الحسد أسوأ من كل الأخطاء، وأصعب في القضاء عليه. لأنه يتهيج أكثر بالأدوية التي يعالج بها غيره. من هو الذي يود أن يفقد تقدمه لكي يرضي حاسده؟! لذلك ينبغي أن نبتهل باستمرار إلى المعونة الإلهية التي لا يستحيل عليها شيء لكيما لا تحطم هذه الحية كل ما هو مزدهر فينا. الأب بيامون.
لا تحسد نجاح إخوتك، فإن الرسول يقول: “ليس فرح أعظم من هذا أن أسمع أن أولادي سالكون في الحق”. من يحسد أخاه على نجاحه، يفصل ذاته عن الحياة الدائمة.
الذي ليست فيه غيرة ولا حسد، ما يغتم قط بنجاح آخرين. وإذا أكرم آخر، فما يضطرب هو. وإذا أعلي شأن آخر، فما يكتئب هو. لأنه يحتسب الكل متقدمين عليه، ويقدم إكرام الكل على ذاته، ويحتسب ذاته آخر الكل وغير مستحق لشيء. من لا حسد فيه يعاون الناجحين، ويستريح بالسالكين حسنًا. إن أبصر أخًا ينمو في فضيلة، لا يعوقه وأن عاين أخًا في غلطات، ما يشجبه.
أما المجروح من الحسد والغيرة، فذلك شقي. لأنه شريك للشيطان الذي به دخل الموت إلى العالم. هو معاند للكل. ما يفضل عليه أحدًا. يستصغر النجباء، ويضع نقائص للسالكين حسنًا: يدعو الصائم معجبًا، والنشيط في الترتيل يسميه محبًا لإشهار صوته. القديس مار افرام السرياني.
من يفرح بحسنات كل إنسان تفيض عليه كل الحسنات من الرب. ومن يخسر بصالحات آخرين، لا تعوزه شرور، وبسرعة يكون انكساره.. الحسود لا يرى النور، لأنه بحسده يلوم المضيئين. وهو دائمًا يتذمر. الشيخ الروحاني.
الحسد والرياء يظهران لي مرضين أكثر رداءة من الغضب. حيث أن الشر المخفي هو أكثر خطرًا من الشر الظاهر. فالحسد يتغذى سرًا في أعماق القلب مثل نار مخفاة، بينما من الخارج يبدو كل شيء في خداع. إنه في الداخل- إلى وقت- بلا لهيب، وتحرق القريب منها فقط.
قد يخفي الإنسان هذا المرض بدافع من الخجل، إلا أنه لا يستطيع أن يخفيه على الدوام. ولكن مثل دخان حاد، تظهر المرارة النابعة عن الحسد، في نظرات صادقة وسحنة معبرة. وإن صادف المحسود سوء حظ حينئذ يكشف الحاسد مرضه فيجعل حزن الرجل موضوع فرحه وسروره. القديس اغريغوريوس النيصي.
وما هو سبب هذا المرض؟ هو أن أخًا أو صديقًا أو جارًا يعيش في سعادة!! ما الذي أصابك أيها المخلوق الشقي – هكذا أحب أن قول لك – لماذا أنت في نوبة: تحملق بعين شريرة في الخير الذي صادفه جارك؟! تفرك راحتيك في غضب، وتضم قبضة يدك، وتضطرب في ذهنك، وتئن بألم في أعماقك! لا تجد بهجة في متع الأشياء الموضوعة أمامك! مأكلك لا طعم له، وبيتك كئيب، وأذناك مستعدتان أن تسمعا عيبًا يلصق بالرجل. ولكن إن قيل عنه شيء حسن، فلمثل هذه الكلمات تسد أذنيك! القديس اغريغوريوس النيصي.
الحسود ما يفرح قط بنجاح رفيقه. أن أبصر أخًا متنيحًا يثلبه.. قلبه كل حين مفعم بالهم، ولون وجهه يبيد، وقوته تفنى. وهو مر بإزاء الكل، وعدو للكافة. يرائي الكل، يتغير نحو الكل. سم رديء هو الحسد والغيرة. لأنه منهما تتولد البغضة والوقيعة والقتل.
لماذا يثقل عليك أيها الإنسان تشريف المنجب؟ هل بسقوط هذا أو ذاك من الخلاص، تخلص أنت؟! أم إذا أغلقت ملكوت السموات مفردًا، تملك أنت وحدك.؟! أم أنت وحدك يسعك ملكوت السموات مفرداً، أم لك وحدك أعد نعيم الفردوس؟!
إن النية الشيطانية هي التي تحزن على نجاح الناس. لأن الشياطين المبغضين لهم يحرصون على هلاك الكل معًا. أما القديسون المتشبهون بسيدهم، فيريدون أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. لأنهم لما تتوجوا بالمحبة، أحبوا القريب كمحبتهم لأنفسهم. “القديس مار أفرام السرياني”.
الذي يحسد في مقدوره ألا يحسد، إذا لم يضع العظمة في شيء ما سوى حب الله.
فلا تحسد، لئلا تتعذب بالحسد. لأن عربون الجحيم هو حسدك. فإن كان يعذبك هنا بهذا المقدار، فكم يكون مقدار تعذيبه هناك؟ “القديس يوحنا الأسيوطي”.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العددان الأول والثاني – يناير وفبراير 1966



