الثبات من الله

…تكلمنا في المرة الماضية عن “الجهاد” في الحياة الروحية، لكي يصل الإنسان إلى علاقة حقيقية مع الله… ونحن نلاحظ أن الإنسان – بعد ما يكون علاقة مع الله- أحيانًا يرجع عن هذه العلاقة… وذلك موضوع يجب ملاحظته… وهو موضوع “التذبذب في الحياة الروحية”… لكي يكون الإنسان في علاقته بالله ثابتًا، وبولس الرسول يقول: “كونوا ثابتين غير متزعزعين”!!
الثبات من الله1
ينبغي أن يثبت الإنسان مع الله، والجهاد الروحي، ليس فقط جهادًا للتخلص من الخطية، ولكنه أيضًا جهاد للثبات في الله، والسيد المسيح يقول: “اثبتوا فيَّ، وأنا فيكم”!
إن الله يريد منا الثبات فيه، ويريد ألا نرجع إلى الوراء، ونحن نعرف أن الله قد لام ملاك كنيسة أفسس، وقال له: “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى”… بمعنى أنه قد عاد إلى الوراء… مع أنه عاد أيضًا وتاب!
وهناك أناس يتراجعون عن طريق الله، ويضيعون، مثل “ديماس”، الذي قال عنه بولس الرسول: “ديماس تركني لأنه أحب العالم الحاضر”…!
ونحن لا نريد الإنسان الذي يسلك في طريق الله أن يرجع مرة أخرى إلى الوراء… فإن “امرأة لوط” عندما نظرت إلى الوراء هلكت وصارت عمود ملح…
ولقد أظهر الله سخطه على بني إسرائيل، الذين رجعوا بقلوبهم إلى الوراء، واشتهوا الكرات والبطيخ واللحم في مصر، وقالوا ليتنا كنا في أرض مصر…
وهناك إنسان يرجع للوراء -عن طريق الله – بالفعل… بينما إنسان آخر يرجع عن هذا الطريق بالفكر وشهوة القلب!… تمامًا مثل الذي ينذر نفسه لله، ثم يرجع ويندم، أو ينذر شيئًا لله، ثم يندم عليه…
وهناك أُناس، بعدما يسيرون في طريق الله بعض الوقت، يندمون ويشتهون حياة الخطية…
لماذا يحدث التراجع عن طريق الله؟
المفروض في حياة الإنسان الروحية، ليس فقط ألا يرجع، بل أن يتقدم باستمرار، وبولس الرسول يقول: “أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام”!
ولقد شبه الله الإنسان الذي يتراجع ويعود إلى الوراء، “بالكلب الذي يرجع إلى قيئه، وبالخنزيرة التي ترجع إلى حمأتها”!!
نحن نريد الإنسان الذي يمشي في طريق الله، أن يتقدم باستمرار إلى قدام، ولا يرجع إلى الوراء… فلقد قال الملاك للوط وبنيه: “لا تقفوا في كل الدائرة، ولا تنظروا إلى وراء”.
وإبراهيم – أبو الآباء – لما قال له الله: اترك أهلك وعشيرتك وأهل أبيك واذهب إلى الأرض التي أريك إياها… لم يرجع إلى الوراء، ولا إلى الأرض التي خرج منها…!
ولقد قال الله لكل نفس بشرية: “اسمعي يا ابنتي وانظري واميلي سمعك وانسي شعبك وأهل أبيك لأن الله اشتهى حسنك، وله تسجدين”!
كثيرون بعد ما يمشون مع الله، ترجع لهم أفكار العالم، كأهل إسرائيل… فما هي الأسباب التي تجعل الإنسان يرجع إلى الوراء؟
من هذه الأسباب، استبقاء بعض أسباب الخطية… فيوجد إنسان يسير في طريق الله، ويستبقي بعض أسباب الخطية عنده… تمامًا مثل “راحيل”، التي خرجت من بيت أبيها، لكنها استبقت معها بعض الأصنام، فلم تخرج بقلب خالص.
هناك إنسان يمشي في طريق الله، لكنه يستبقي له صديقًا معثرًا…أو قراءات معثره، أو علاقات، أو مجالات أو عادة خاطئة، أو أي شيء من الخطايا أو أسبابها!!
لقد قيل – في وقت من الأوقات – أن أولاد الله أخطأوا وعبدوا الأصنام، ذلك لأن بعض الكنعانيين كان ما زال بعضهم في الأرض… ولذلك قال الله لهم لا تستبقوا أحدًا…!
هناك إنسان يترك الخطية، لكنه يستبقي أسبابها، فترجع الخطية إليه، أو يعود هو إليها… مثل “سليمان الحكيم”، الذي استبقى بعض النسوة الأجنبيات في بيته، فضاع … وكذلك “شمشون”… ضاع أيضًا… ففي كثير من الأحيان أنقذه الله، لكنه كان يستبقي “دليلة”… أي سبب الخطية… فقضت عليه!
ابحث في حياتك الروحية: هل توجد في حياتك “دليلة” مثلًا؟ … وهل تركت الخطية؟ … أما لا تزال تعيش في مجالها؟
سبب آخر من أسباب الرجوع عن طريق الله… هو محاولة الجمع بين الله، والخطية …. إنسان يحب الله، ولكنه يحب الخطية أيضًا، إنه يحب الاثنين في وقت واحد… كأن يحب الجهاد والراحة في نفس الوقت، ولمثل ذلك يقول الله: “أية شركة للنور مع الظلمة والمسيح مع بليعال”؟
فإذا أردت أن تسير في طريق الله، فاترك الماضي كله، واغلق عليه بسبعة ختوم، لأن الكتاب المقدس يقول: “هوذا الكل قد صار جديدًا”.
لذلك إذا ترك واحد منكم الخطية، وأراد أن يعيش طاهرًا مع الله، فينبغي أن يتخلص من الخطية، وأسبابها، والجذور الداخلية لها!
وهناك كثيرون يعالجون “الأسباب الخارجية”، ولكنهم لا يعالجون الأسباب الداخلية، للخطية… فابتعدوا عن مجالات الخطية وأسبابها، ومار إسحق يقول: الذي يستبقي مادة الخطية، يكون له عدو من الداخل، وعدو من الخارج… والأثنان يقويان عليه ويسقطانه!
سبب آخر من أسباب الرجوع عن طريق الله… هو أن كثيرًا من الناس عندما يعيشون مع الله يظنون أن الحياة الروحية هي مجرد “ممارسات طقسية” في العبادة فقط…!
إنهم يأخذون المظهر الخارجي، والجانب الطقسي فقط في العبادة، ولا يدخلون إلى العمق…
والذين يمارسون الطقوس الخارجية ويتركون الجانب القلبي الروحي، ويتركون الحب نحو الله… هؤلاء يمكن أن يرجعوا ويسقطوا مرة أخرى… ولذلك فإن الله يقول: “يا ابني أعطني قلبك”… فليست المسألة إذًا مسألة طقوس وعبادات… فإن الله يقول: “هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا”… هؤلاء مثلهم كمثل الذي يملأ بيته بمصابيح كهربية وثريات… ولكنه ينسى التيار الكهربائي!… وهذا التيار – هنا – هو العلاقة مع الله، حب الله، والخير، والفضيلة… إنها شهوة الروحيات… إنها القلب المقدس بالله من الداخل… وهذا ما نريده، وليس فقط الممارسات!
هذا بالإضافة إلى أن الذي يعيش بالممارسات، قد يصاب بالغرور وتصبح حياته جافة! وهناك – أيضًا – من أسباب الرجوع عن طريق الله “الاكتفاء”… بمعنى الوقوف عند درجة واحدة، وعدم النمو… والذي لا ينمو في حياته الروحية، معرض للرجوع عن طريق الله، فالحياة الروحية نمو مستمر ولا يتوقف…
ونحن نريد الدفعة الدائمة التي تدفع الإنسان باستمرار إلى قدام… والذي لا يتقدم كل يوم إلى الأمام…إنما هو يرجع إلى الوراء!
إن الذي “يكتفي”، يمكن أن يرجع إلى الوراء… ونحن نريد الناس أن يكونوا باستمرار في نمو، وحركة، وتقدم، فهؤلاء لا يرجعون عن طريق الله…!
أريدكم – يا إخوتي – أن تدخلوا في حياة النمو والتقدم إلى الأمام، وفي الدفعة المقدسة التي تدفعكم في نمو مستمر، فذلك ما يوصل إلى الله… ولذلك أقول لكم: تقدموا في حياتكم الروحية… تقدموا… وكونوا مثل “بولس”، الذي لم يكن ينظر إلى الوراء… فإن طريق الله هو طريق سير-أو جري – مستمر… وليس طريق وقوف…لأنك إن وقفت في طريق الله، فهناك خوف من أن تعود إلى الوراء. والشخص الذي ينشغل بنموه وتقدمه في حياته الروحية، لا يفكر في “فتوره” والفتور درجات، منها “فتور القديسين”… وهو “بطء النمو”، وفتور الخطاة”…وهو رجوع إلى الوراء…
كذلك من بين أسباب الرجوع عن طريق الله، الانشغال بغير الله… فهناك إنسان يرجع عن طريق الله بسبب أنه مشغول بغير الله… والله بالنسبة له في غير الدرجة الأولى من الأهمية…
وهذا النوع من الناس، ينقسم إلى قسمين:
– الأول: مشغول بالعالميات.. وهذا في خطورة الرجوع.
– والثاني: مشغول بالآخرين… وهذا النوع يتعب، لأنه لا يفكر في نفسه، وينساها ويعثر…
فالكتاب المقدس يقول: “ماذا ينتفع الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه”؟!
حاولوا- خصوصًا في هذه العطلة الصيفية – أن تعطوا المشغولية الأولى لله… وتختزنوا من الروحيات لفترات الجفاف…!
إن حياة “التخزين الروحي” نافعة لفترات التخزين والضغط، والذي يرجع إلى الوراء عن طريق الله، إنسان ليس عنده “تخزين روحي ولا رصيد روحي”!
ومن الأسباب الأخرى التي تقود الإنسان إلى الوراء…”الضمير الواسع”… ذلك الضمير الذي يجد تبريرًا لكل خطية، وكل سقطة.
كذلك من بين هذه الأسباب، “المفاهيم الخاطئة عن الروحيات”… كالإنسان الذي يتصور “الاعتراف” – مثلًا – هو مجرد أن يقول خطايا فقط دون أن يعرف أن الاعتراف هو توبة
وإدانة للذات، وعزيمة صادقة لترك الخطية …
إننا نريد الإنسان الذي يفهم الحياة الروحية فهمًا سليمًا…
وسبب آخر من أسباب الرجوع عن طريق الله… هو أن يبعد الإنسان عن “انسحاق القلب”… وطالما أن الإنسان في انسحاق قلب، فهو محفوظ من السقوط، أو الرجوع إلى الوراء…
يا إخوتي: احتفظوا بانسحاق القلب، لأنه يحفظ الإنسان من السقوط، ويديمه في الحياة الروحية.
أيضًا من بين الأسباب التي تؤدي إلى الرجوع عن طريق الله: “الأمور الصغيرة”… تلك الأمور التي لا يأبه الإنسان بها وينساها… ولكنها تعوقه، إن لم تسبب خطرًا عليه… ولهذا، فإن الكتاب المقدس يقول: “خذوا لنا الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم”!
أرجو أن يعيننا الله، لاستمرار التقدم في الحياة الروحية… إلى قدام.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 18-6-1972م




