الثبات في الرب

أريد أن أكلمكم في هذه الليلة عن الثبات في الرب، والأسباب التي تدعو إلى زعزعة النفس عن ثباتها. إن الرب لم يكتف بأن يقول لنا” أنتم في، وأنا فيكم” (يو14: 20)، وإنما قال أكثر من هذا ” اثبتوا في، وأنا فيكم” (يو15: 4). ومدح السيد تلاميذه قائلًا “أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي”.
الثبات في الرب1
فما هو هذا الثبات؟ وما أهميته وخطورته؟ وما الذي يعوقنا عن الثبات في الرب.
إن الروحيين يكونون دائما ثابتين في الرب، لا يتزعزعون أطلاقا. ينصحهم الرسول قائلًا “كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حين…” (1كو15: 58).
يشبه الرب ثباتهم فيه بالغصن الذي يثبت في الكرمة، تجري فيه عصارتها، ويصير واحدًا معها، ولا تكون له حياة إلا بثباته في الكرمة. وإن انفصل عنها جف ومات… ويعطي بولس الرسول مثلا عن الغصن الذي صار “شريكا في أصل الزيتونة ودسمها”. ويقول له “أنت بالإيمان ثبت… هوذا لطف الله وصرامته… أما اللطف فلك، إن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضا ستقطع” (رو11: 17- 22). وكما يشبه الرب الإنسان المؤمن بالغصن الذي ثبت في الكرمة، يشبهه أيضًا بالبيت الذي بني على الصخر (متى7).
هذا البيت: نزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت كلها عليه وصدمته، فلم يسقط، لأجل ثباته، لأجل أصله القوي، إذ هو مؤسس على الصخر… أما البيت المؤسس على الرمل، فلم يكن له ثبات…
واعطانا الرب تشبيهًا آخر، هو الزرع الجيد في مثل الزارع.
هذا الزرع الجيد الذي له جذور ثابتة في الأرض، أعطى ثمرا ثلاثين وستين ومائة. أما الذي لم يكن له أصل، فقد جف. والذي لم يكن ثابتا في التربة، وإنما ملقى على الطريق، فقد التقطته الطيور، كذلك الذي خنقته الأشواك…
أما أولاد الله فأنهم دائما ثابتون، لا تقوى عليهم الطيور، ولا الأشواك، ولا الجفاف.. لا تزعزهم العثرات ولا التجارب..
هناك مثل لبعض تلاميذ المسيح الذين بعد أن ساروا مدة، رجعوا إلى الوراء، إذ عندما تحدث المسيح عن التناول من جسده ودمه، رجع كثيرون إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه، حتى أن الرب قال للاثني عشر” العلكم أنتم أيضا تريدون أن تمضوا…؟!” (يو6: 66، 67).
هؤلاء الذين مضوا لم يكونوا ثابتين في الرب. أما الثابتون فقالوا له” إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك”.
امرأة لوط أيضًا مثال للذين لم يثبتوا، لأنها نظرت إلى الوراء. كذلك الشعب الإسرائيلي في البرية، لأنهم عادوا فاشتاقوا الى أرض العبودية، وتذمروا على الرب…
-لذلك نرى الكتاب يقول “من يضع يده على المحراث، لا يرجع إلى الوراء”. ويشبه هؤلاء الراجعين “بالكلب الذي يرجع إلى قيئه، والخنزيرة التي ترجع إلى حمأتها”… لا شك أن امرأة لوط لم تخرج بكل قلبها من أرض سدوم، لذلك لم تثبت، ونظرت إلى الوراء.
إن بولس الرسول يعطينا مثلًا رائعًا عن الثبات في الرب، فيقول في استغراب واستنكار، وفي تعجب واندهاش:
“من سيفصلنا عن محبة المسيح: أشدة أم ضيق، أم اضطهاد، أم عري أم خطر… لكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا” (رو8). فيرى أن كل هذه الشدائد، ليست فقط لا تزعزع الثبات في الرب، بل أن فيها كلها يعظم الانتصار…!
وهكذا يستطرد الرسول الثابت في الرب، فيقول في ثقة: فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا”…
نفس الدرس نأخذه من الشهداء والمعترفين الذين تعرضوا لكل أنواع التعذيب والآلام، وظلوا ثابتين في الايمان لم يتزعزعوا..
لم تستطع كل قسوة التعذيب من سلخ وجلد، ونزع الأظافر والأسنان، والحرق والسحل… أن تنال من قلوبهم الثابتة القوية. بل قابلوا كل ذلك بفرح، وكانوا يرتلون في السجون..
إن الإنسان الثابت في الرب، هو الثابت في محبته. علاقته بالله ليست مجرد شكليات أو ممارسات، أو طاعة أو قهر للذات.
إنما هي محبة ملتهبة، من النوع الذي قال عنه الكتاب” المحبة لا تسقط أبدا” “مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها” “المحبة قوية كالموت”.
ان الثابت في الايمان والمحبة لا يتزعزع، بل يعبد الله حتى لو وقف وحده: مثلما فعل نوح في جيل غرقه الله بالطوفان0
ومثلما فعل موسى وسط شعب صلب الرقبة، ويوسف وسط أجواء الخطية والإغراء، وإرميا في جيل قال الرب عنه” لا تصل من أجل هذا الشعب، ولا ترفع من أجلهم طلبة، فإني لا أسمع لك”.
هناك أشخاص كانوا كبارًا، ومع ذلك اهتزوا، ولو إلى فترة…
مثال ذلك ملاك كنيسة افسس الذي قال له الرب” عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى”: ومثال ديماس مساعد بولس الرسول الذي تركه “لأنه أحب العالم الحاضر” … وهلك.
الإنسان الثابت في الله، ليست علاقته به، علاقة واجبات، وأوامر ونواه، لكنها علاقة شخصية، علاقة ابن بأبيه، محبة وإيمان.
هذه العلاقة لا تؤثر عليها علاقاته الأخرى بباقي البشر..
فلا يقل أحد غالبية الناس هكذا، هل أقف وحدي…؟ ما شأنك يا أخي بالأغلبية؟! أغلبية الناس صلبت المسيح، فهل تصلبه مثلهم؟ غالبية الناس غرقت بالطوفان، فهل تغرق مثلهم؟ إن قدوتك الأولى والعظمى هي حياة السيد المسيح، ثم سير القديسين الذين كملوا في الإيمان..
لا يصح أن تسير مع التيار، فتعلو بعلو الناس، وتهبط بهبوطهم، وتعثر بأخطائهم. كن ثابتا في الرب ولا تعثر بأحد…
لا تتأثر بالناس. فليسقط من يسقط، وقل “أما أنا وبيتي، فنعبد الرب”.
الإنسان الثابت في الرب، هو إنسان ليس فقط لا يرتد إلى الوراء وإنما دائما يمتد إلى ما هو قدام. نموه المستمر يعطيه حرارة والتهابا ودفعة لا يلتفت فيه إلى ما حوله. بل يثبت وجهه دائما نحو أورشليم.
الإنسان الثابت في الله، له أهداف ثابتة لا تتغير. هو شخص أقوى من الحرب، وأقوى من العثرة والأغراء…
مثال ذلك: كوب ساخن تضعه على المائدة قد يبرد. أما إناء موضوع فوق النار فإن السائل الذي فيه لا يبرد أبدا..
كن باستمرار مشتعلا بالنار، نار الروح. كن مثل المحرقة في سفر اللاويين التي قيل أن نارها تتقد دائما على المذبح، لا تطفأ…”
هي المحرقة، تكون على الموقد فوق المذبح، كل الليل حتى الصباح… والنار على المذبح تتقد عليه. لا تطفأ. ويشعل عليها الكاهن حطباً كل صباح… ويوقد عليها شحم ذبائح السلامة. نار دائمة تتقد على المذبح. لا تطفأ” (لا6).
إن أردت أن تكون ثابتاً في الرب، كن كالمحرقة التي تشتعل فيها النار، ويضاف عليها الوقود باستمرار، وكذلك شحم ذبائح السلامة. ولا تقصر في أية واسطة من وسائط النعمة…
إن أردت أن تكون مشتعلًا باستمرار، عاشر الأقوياء، الحارين في الروح، المدققين في كل شيء، المملوءين حبًا وإيمانًا…
إن لم تجد أشخاصًا أقوياء تعاشرهم. عاشر سير القديسين، لأنها مثل الوقود على مذبح المحرقة، تشعل القلب حبًا، وتثير فيه الغيرة. إن سيرة القديس أنطونيوس عندما نشرت في رومه، أدت إلى نشر الرهبنة فيها، وتسببت في توبة أوغسطينوس…
ارجع إلى القراءات التي كانت تؤثر فيك قديما، وإلى ما كان يؤثر فيك من تأملات وعظات وقداسات وألحان…
اعرف نفسك، واعرف الأشياء التي تقويها، والتصق بها… لا تترك نفسك بدون وقود يشعلك…
لا تتراخ ولا تتهاون. فان الذين تراخوا وتهاونوا وتكاسلوا، وصلوا إلى الاستهتار وإلى اللامبالاة بعد حين..
إن كان انسان يهبط عزيمتك أو يضعف روحياتك، اهرب منه. فإن الكتاب يقول “إن كانت يدك اليمنى تعثرك، اقطعها وألقها عنك” وكن ثابتاً، ولا تتزعزع. لا تعثر إن تعب غيرك في طريق الرب. قد يتعب هو ولا تتعب أنت. ربما له ظروف ومحاربات ليست لك.
لا تعثر من الذين سقطوا، بل بالحري صل من أجلهم، وكن ثابتًا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد السادس والثلاثون) 5-9-1975م




