التلمــــــــذة الروحيــــــــة

معالم الطريق الروحي
التلمــــــــذة الروحيــــــــة1
- أهمية حياة التلمذة في الكنيسة الأولى…
- عمل الأسرة والإشبين والكنيسة في التلمذة…
- سعي كل فرد إلى التلمذة من كل مصادرها…
- التلمذة على الحق أكثر من التلمذة على فرد…
- التلمذة عن طريق التعليم وعن طريق الحياة…
- الإنسان الروحي يستفيد من كل شيء ليتعلم…
تحدثنا في العدد الماضي عن أن بداية الطريق الروحي هي مخافة الله. والمخافة هي شيء داخل القلب غير أن بداية الطريق تحتاج إلى شيء آخر من الخارج هو الإرشاد الذي يمنح المعرفة والحكمة والإفراز وكل هذا يقودنا إلى الحديث عن التلمذة الروحية.
والإيمان هو حياة تلمذة يتدرب فيها المؤمن على السلوك في حياة جديدة ثابتة في الله.
والسيد المسيح حينما أرسل الأحد عشر للكرازة لم يرسلهم فقط لكي يكرزوا وإنما بالأكثر لكي يتلمذوا آخرين على حياة الإيمان وهكذا قال لهم (اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدهم وعلموهم ما أوصيتكم به) (مت28: 19، 20).
وهكذا في الكنيسة الأولى دعي المؤمنون تلاميذ…
الذين دعاهم الرب سماهم تلاميذه… والذين تبعوا يوحنا المعمدان من قبل قيل إنهم تلاميذ يوحنا، وانتشار الكرازة في بداية العصر الرسولي عبر عنه بتكاثر التلاميذ (أع6: 1). وقيل في ذلك (وكانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم) (أع6: 7).
وهكذا دخل المؤمنون جميعًا في حياة تلمذة، يتسلمون فيها الإيمان والمعرفة الروحية على (أناس أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا) (2تي2: 2).
الطفل يتتلمذ أولًا على والديه، والكبير على معلميه، وقد قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف (أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك الذي سكن أولًا في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي) (2تي1: 5).
وهنا تظهر أهمية الأسرة وبخاصة الوالدين في تنشئة الطفل وتلمذته.
ولهذا ينبغي أن يكون الوالدان على جانب كبير من المعرفة الروحانية، والحياة الروحية لتلمذة ابنهما.
ولما اتضح ضعف الوالدين روحيًا في بعض الحالات، ظهرت حينئذ وظيفة الإشبين الذي يستلم الطفل في يوم معموديته…
ويتعهد هذا الإشبين أمام الكنيسة أن يربي الطفل في مخافة الله ومحبته تربية روحية، وكثيرًا ما يكون الإشبين هو الأم أو الأب.
ولكننا نسأل في صراحة تامة: ما هو دور الإشبين عمليًا في تلمذة الطفل في كنيستنا؟ وهل هو يعلم مهام عمله وأهمية مسئوليته الروحية أمام الله والكنيسة المقدسة؟ هل هو حاليًا مجرد مظهر أو مجرد طقس؟ أم هو مسئولية لها دورها العملي في تنشئة أطفالنا.
أود بهذه المناسبة أن أرسل نبذة تعليمية لكنائسنا عن عمل الإشبين، ومسئوليته منذ يوم العماد.
واجب الوالدين واضح في الكتاب إذ يقول الوحي الإلهي في سفر التثنية (لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك) (تث6: 6، 7).
متى تجلس الأم في البيت، وتقص على أولادها من قصص الكتاب، وتعلمهم طريق الرب، كما كانت تفعل النساء القديسات؟ ومتى يفعل الأب هكذا؟ أم أن واجب الوالدين في تلمذة الابن روحيًا قد انقرض تمامًا بالاعتماد الكلي على التربية الكنسية؟
أيا كان هذا الإشبين فإنه لا يعفي الأب ولا الأم ولا الإشبين من المسئولية أمام الله عن دور كل منهم في تلمذة الطفل الذي تسلموه يوم عماده…
وكما على البيت مسئولية، كذلك على الكنيسة مسئولية أكبر…
فهذا ما قاله السيد المسيح (تلمذوهم وعلموهم جميع ما أوصيتكم به)
ويكون هذا عن طريق الاجتماعات الروحية والتعليم والعظات والكتابات… وأيضًا عن طريق الأبوة الروحية والارشاد الروحي في سر الاعتراف وفي كل أعمال الافتقاد والرعاية…
ليس فقط بالنسبة إلى الذين يحضرون اجتماعات الكنيسة وإنما بالأكثر الذين لا يحضرون. لأن الكتاب يقول (لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى) (مت9: 12).
هل نلقي إذًا كل المسئولية على الكنيسة؟ كلا بل إن هناك:
مسئولية كل فرد عن تلمذته…
كل إنسان تبدأ معرفته بالله، لابد أن يبحث عن طريقة للتلمذة.
يبحث عن المعرفة الروحية من كل مصادرها ويسعى إلى ذلك بكل قوته. ولا يكتفي بمصدر واحد حتى لا يكون صورة كربونية من إنسان معين.
إنه كالنحلة تطوف على الزهر أينما وجد، تمتص من كل زهرة رحيقًا…
مثلما كان يفعل القديس أنطونيوس في بدء رهبنته: كان يطوف على النساك يتعلم من أحدهم الوداعة ومن الثاني الصلاة ومن الثالث الصمت، ومن الرابع السلام الداخلي… وهكذا…
والإنسان الروحي يسعى دائمًا إلى أن يتعلم ولا يكتفي بمرحلة معينة قد وصل إليها كأنما قد انتهي زمان تلمذته وأصبح عارفًا يرتفع عن السؤال…
فالتلمذة هي منهج الحياة كلها وليست هي فقط للمبتدئين…
وهي تحتاج إلى تواضع قلب يرغب في أن يتعلم وأقصد التواضع الحقيقي لأنك قد تجد إنسانًا يقول (إنني أحب أن أتعلم وأن أقضي حياتي كلها أتتلمذ فإن وجهته بسبب خطأ ما ثار وضج واعتبر توجيهك هذا إهانة له لابد أن يثأر لنفسه منها…
المتواضع الحقيقي هو الذي يحب التلمذة ويحب النصح والتوجيه…
أما الذين قد كبروا في أعين أنفسهم أو في أعين الناس فإنهم يرفضون التلمذة ويرفضون التعليم ويرفضون النصح والتوجيه والنقد. ويثورون لكرامتهم إن كشف لهم أحد أي خطأ فيهم كأنما قد ارتفعوا فوق مستوى الخطأ هؤلاء يصلون إلى العناد وإلى التشبث بالرأي، ويبتعد عنهم كل مخلص في نصيحته، إذ يخاف أن يغضبهم!
وهكذا يقف نموهم الفكري ولا يتقدمون في الطريق الروحي بل على العكس قد يرجعون إلى الوراء.
المتواضع لا يرفض التلمذة، حتى لو كان في مركز القيادة…
وسعيد هو الإنسان الذي يكون مستعدًا أن يتعلم حتى ممن هم أصغر منه سنًا أو مقامًا ما دام لهم فكر ناضج يمكن الاستفادة به.
كونوا إذًا واسعي الصدر راغبين في الانتفاع فالتلمذة هي منهج حياة من المهد إلى اللحد كما يقولون
والتلمذة على أنواع منها:
1-التلمذة على الكلام
أي على الإرشادات والنصائح والتعليم مثل أولئك الرحالة الذين كانوا يسافرون مسافات بعيدة، ويعبرون البحر والبر لكي يجدوا إنسانًا حكيمًا أو ناسكًا له صلة بالله يطلبون منه – كلمة منفعة -ويدربون أنفسهم عليها، حتى يحولوها إلى حياة، وهؤلاء يضعون أمامهم عبارة:
(الاستماع أفضل من التكلم)
ومن الكبار الذين كانوا يطلبون كلمة منفعة، القديس البابا ثاؤفيلس، الذي ذهب مرة إلى القديس أرسانيوس يطلب منه كلمة، ومرة أخرى إلى القديس ببنوده، ومرة ثالثة إلى أب جبل نتريا. وما كان يستنكف مطلقًا أن يتتلمذ على أحد الرهبان وهو بطريرك الكنيسة كلها.
نذكر أيضًا القديس الأنبا أنطونيوس الكبير الذي أخذ كلمة منفعة من امرأة لم تستح أن تخلع ملابسها أمامه لتستحم فلما أشار إليها بالحياء أمامه كراهب قالت له (إن كنت راهبًا أدخل إلى الجبل فهذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان).
فانتفع القديس أنطونيوس بكلمتها واعتبرها صوت الله موجهًا إليه.
كذلك انتفع القديس مار افريم السرياني من كلمة قالتها إمراه كانت تنظر إليه. وانتفع القديس مقاريوس الكبير من كلمة طلبها من زكريا الصبي ولما استحى ذلك الصبي قائلًا (أنت مصباح البرية وسراجها وتطلب كلمة مني؟؟) أجابه القديس في اتضاع أنا أعرف من الروح القدس الساكن فيك، أنه يوجد عندك شيء ينقصني.
انتفع إذًا من كلام العارفين وإن لم تسمعه ابحث عنه في الكتب…
والذي يبحث عن كلام المعرفة بنية صادقة، لابد أن يجده.
وليس المهم فقط أن تسمع الكلام إنما الأهم أن تتلمذ عليه.
كل هذا يدعو الإنسان إلى تخير الكتب التي يطالعها وينتقي المبادئ السليمة التي يغرسها في ذاكرته، ويحفظها في قلبه… كما يمكن أن يتتلمذ على آيات مختارة من الكتاب، يجعلها كمبادئ تنير أمامه الطريق. وكما يتتلمذ على كلام المعرفة، هناك أيضًا…
2- التلمذة على الحياة
أي التلمذة على القدوات الصالحة أينما وجدت، إن القديس أرسانيوس كان صامتًا ولم يكن يتكلم كثيرًا.
وكان صمته درسًا ينتفع منه الكثيرون كذلك يمكنك أن تنتفع من النظر إلى وجه إنسان وديع هادئ… كما قال أحد الرهبان للقديس أنطونيوس يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي.
وفي ذلك قال القديس أثناسيوس الرسولي- مَنْ مِنَ الناس كان مر النفس، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ قلبه بالسلام.
أذنك إذًا ليست الوسيلة الوحيدة لتلقي المعرفة، فعيناك وسيلة أخرى
أنظر كيف يتصرف الحكماء وأفعل مثلهم حتى دون أن تسألهم ومن هنا كانت محاكاة الأبرار لونًا من التلمذة تلاميذ الأنبا شيشوي ما كان يأمرهم بعمل شيء ولا كان يزودهم بالنصائح والارشادات الكثيرة معه فيتتلمذون على حياته، يرونه كيف يتصرف، ويأخذون من ذلك دروسًا.
افعل انت هكذا وتعلم الفضيلة من الفضلاء بمحاكاتهم.
ولسنا نقصد التقليد أيًا كان…
كمن يعبدون شخصًا، فيقلدونه حتى في أخطائه، إن أنتقد ينتقدون وإن ثار يثورون وإن عادى أناسًا يعادونهم معه بلا سبب… إنما نقصد التلمذة على الفضائل، ليس من شخص معين بالذات، إنما حيثما وجدت.
التقط الحياة من مصادرها البارة
التقط من فم إنسان: الابتسامة الحلوة والإجابة الهادئة والتقط من ملامح إنسان آخر مافيها من وداعة وسلام… والتقط الأمانة في العمل من شخص ثالث والحكمة والتصرف من شخص رابع وهكذا دواليك.
وكما تجول النحلة باحثة عن الرحيق من شتى الأزهار كذلك جُل أنت باحثًا عن المثل العليا في حياة الناس وتتلمذ عليها عمليًا، وثق أنك ستجد أمثلة طيبة في كل مكان يمكنك أن تأخذ منها شيئًا…
وإن نقصت أمامك أمثلة الأحياء، خذ مثالًا من التاريخ ومن سير القدسين.
وكما قال بولس الرسول (انظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم) (عب13: 7) وحياة الآباء والأنبياء والشهداء والرعاة والنساك فيها نماذج سامية للحياة الروحية. ولكن خذ من سير كل أولئك ما يناسبك وما يتفق مع حالتك وسنك ومستواك حتى لا تقفز إلى مستويات أعلى منك بغير حكمة وبغير تدرج (فترتئي فوق ما ينبغي) (رو12: 3).
اقرأ بعمق وتأمل واقتبس…
استفد من الأمثلة الطيبة في محاكاتها، واستفد من الأمثلة الساقطة في تجنب أسباب سقوطها أي خذ درسًا حتى من أخطاء الآخرين وكما قال المثل تعلمت الصمت من الببغاء.
وكما تنفعك التلمذة، ثق أنك تدان على أمرين: إذا رفضت أن تتعلم وإذا حاكيت القدوات الخاطئة.
وكما يمكنك التلمذة على كلام المنفعة وعلى الحياة هناك أيضًا.
3- التلمذة على الطبيعة
تأمل الطبيعة تأخذ منها دروسًا…
تأخذ منها دروسًا في النظام العجيب الذي تسير عليه الأفلاك في دقة عجيبة وفي طاعة كاملة لخالقها. لا تنفذ مشيئة لها بل النظام الذي وضعه ذلك الخالق الحكيم. مدار الأرض والقمر والكواكب، هو هو منذ تكوينها لم تنحرف عنه لحظة بل خذ درسًا من النظام الذي تسلك به كل أجهزة الإنسان، إلا لو أتلفها هو بأسباب خارجية.
وكما تأخذ من الطبيعة درسًا في النظام، خذ درسًا من عملها لأجل غيرها.
الشمس والقمر والنجوم كلها تضيء لا لنفسها إنما للآخرين… والأرض ينبت زرعها لا لنفسه وإنما لغيره.
وهكذا كل الطبيعة تعمل لأجل غيرها.
الوردة تعطي الرائحة الجميلة لكل من يستنشقها. والشجرة تعطي الظل لكل من ينتفع به. وكذلك يفعل النسيم الهادئ، ومن أجل الغير يسقط المطر ويجري النهر فهل أنت كالطبيعة تعمل من أجل غيرك.
تعلم من الطبيعة أيضًا درسًا في العمل الجماعي، كفريق متكامل…
هكذا كل الأجهزة في جسم الإنسان تعمل معًا في تعاون عجيب من أجل صالح ذلك الجسد وأيضًا نرى تكاملًا مماثلًا في عمل الحرارة والضغط، والرياح والأمطار. فكل منها يسلم بداءة الطريق إلى غيره ليكمله كذلك نفس التعاون في عالم النبات وفي خلية النحل…
تعلم من جذر الشجرة درسًا في نكران الذات.
إنه يحمل الشجرة كلها ويغذيها… وينميها… ومع ذلك فهو يعيش في اختفاء تحت الأرض، لا يعلن عن ذاته ولا يحب الظهور، ولا يبحث عنه، ويترك الشجرة فوق الأرض تتباهى بمنظرها، وغصونها الوارفة، وأزهارها الجميلة، وثمارها الحلوة، يتحدث عنها الناس، دون أن يذكروا هذه الجذور المنكرة لذاتها.
تعلم النشاط من النملة وتعلم النظام وحسن التدبير من النحلة…
تعلم من الطيور ومن الزهور دروسًا وكما قال السيد المسيح تأملوا زنابق الحقل… تأملوا طيور السماء…
(مت6: 28، 26) … وقال أيضًا في التعلم من هذه الكائنات الصغيرة – كونوا بسطاء كالحمام، وحكماء كالحيات – (مت10: 16).
إن العصفورة قد تمر على أكوام من الحبوب فتلتقط حبة واحدة أو بعض الحبات ثم تطير تاركة أكوام الحبوب لا تخزن لنفسها منها شيئًا، بإيمان عجيب أن الله يقوتها حيثما سكنت… وهي تطير فرحة مغنية مع أنها بلا بيت، ومع أنها مهددة بالفخاخ، والصائدين…
فمن منا له إيمان العصفورة وقناعتها أو فرح العصفورة وبهجتها؟
ألا يليق بنا أن نتتلمذ عليها ونقتبس من حياتها دروسًا… نحن الذين قد صعدنا إلى القمر ودرنا حول الكون.
إننا نحتاج إلى شيء من التأمل لكي نستفيد دروسًا من الطبيعة ومن كل ما يحيط بنا.
إنك تدخل إلى الكنيسة وربما لا تعجبك العظة فلا تنتفع بها… ألا يمكنك أن تتلمذ على الشمعة وهي تذوب لكي تضئ للآخرين.
وهل لا تأخذ نفس الدروس من حبة البخور التي تحترق لتعطيك رائحة عطرة، ثم تظل ترتفع بدخانها إلى فوق لأنها ترفض أن تبقى في أسفل إنما ترتفع وتنتشر حتى ما تعود تراها
4- التلمذة على الأحداث
وهي موضوع طويل، ليست هذه الصفحة تتسع له إنما أقول لك أن كل حدث يمر بك، يمكنك أن تأخذ منه درسًا يضيف إلى حياتك علمًا وخبرة…
إن مصادر التلمذة كثيرة لمن يريد أن ينتفع وأن يتعلم…
غير أن المعرفة تعبر على كثيرين فلا يرونها ولا يدركونها ولا يستفيدون منها
إن العيب فينا نحن، إن كنا لا نلتقط دروسًا من كل ما يحيط بنا، من الطبيعة العاقلة أو الجامدة أقصد التي تبدو جامدة وكذلك من الأحداث.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 4-11-1984م





