التلمذة والتعلم – 2

التلمذة والتعلم1
كنا نتكلم في الأسبوع الماضي عن التلمذة والتعلم، وأوردنا أنواعًا منها.. التلمذة والتعلم عن طريق الإرشاد والنصح، والتلمذة والتعلم عن طريق الحياة.. وعن طريق الكتب.. وبقي أن أتحدث لكم اليوم عن نوع آخر من التلمذة هو التلمذة والتعلم عن الطبيعة.. والتلمذة والتعلم عن الأحداث.
في الحقيقة إن الطبيعة يمكن أن تعطي للإنسان دروسًا كثيرة. فالكتاب المقدس يقول: ” السموات تتحدث بمجد الله، والفَلَك يحدث بعمل يديه..”.
يمكن للإنسان أن يستمع إلى أحاديث السماء والفلك ويأخذ درسًا.. فعلى الأقل إن الطبيعة تسير بنظام عجيب لا يخل، وممكن أن نأخذ منها درسًا في النظام.. وتصوروا مثلًا الأرض في دورانها، وكذلك القمر.. إنهما يدوران بنظام دقيق لا يختل لحظة، حتى أن الناس – من هذا النظام – يستطيعون أن يتنبأوا بما يحدث في الطبيعة.. من نور وظلمة وبرد وحر، وشتاء وصيف.. إن ذلك يعطينا درسًا في النظام… كذلك، فإن الطبيعة في عملها، تُنَفِذ إرادة غيرها في استسلام عجيب، وفي طاعة عجيبة.. طاعة الله.. الذي نخاطبه نحن في صلاتنا قائلين: “لتكن مشيئتك” كما في السماء.. كذلك على الأرض.
إن الطبيعة تنفذ – في عملها – مشيئة الله وإرادته.. فالسماء والكواكب والنجوم والشموس والجمع غير المحصي للأجرام السماوية. هذه كلها وغيرها، تنفذ إرادة الله.. بينما الإنسان – هو الكائن الوحيد – بعد الشيطان الذي يهتم بمشيئته الخاصة، ويخالف إرادة الله!
كذلك نستطيع أن نأخذ من نظام الطبيعة درسًا في “الحركة والسكون”.. إن الأرض – مثلاً – تدور حول محورها منذ آلاف السنين ولا تتوقف عن الدوران.. وكذلك القمر والنجوم.. كلٌ له فَلَك يدور فيه.. شيء عجيب فالأرض تدور حول نفسها، وتدور في نفس الوقت حول الشمس بنظام دقيق، وفي حركة لا تختل ولا تتوقف!!
ليت الإنسان يأخذ درسًا من الطبيعة في الحركة والنشاط وعدم التوقف عن العمل…!
وقد يقول الإنسان أن الجبال ثابتة لا تتحرك ولكن الجبال وغيرها.. تعطينا – أيضًا – درسًا في الصمود والثبات والصمت…!
وهكذا نستطيع أن نأخذ من الطبيعة دروسًا لا تنقطع..
وكذلك.. لاحظوا أن الطبيعة وهي تعمل، فإنما تعمل من أجل غيرها وليس من أجل نفسها.. ذلك أمر قَلَّ ان يوجد في الإنسان.. وهو درس.. فالقمر يضيء لغيره.. بينما هو ذاته معتم.. والمطر يسقط من أجل أن يرتوي الزرع وينتفع الإنسان، والكواكب تضيء لنا.. وهكذا كل الطبيعة تعمل من أجل نفع غيرها…!
إننا نستطيع أن نأخذ دروسًا روحية عجيبة من الطبيعة.. ومن هذه الدروس: “العمل الجماعي”.. كفريق يعمل كله متكاملًا مع بعضه من أجل غرض واحد.. “كالحرارة” و “الضغط” و “الأمطار”.. الأرض تسخن بالحرارة فيسخن الهواء المحيط بها.. فيجف، ويخف، ويرتفع فتأتي الرياح، وتتشبع بالبخار، ويحدث المطر، ويرتوي الزرع.. وهكذا.. عمل جماعي عجيب كل واحد يقوم فيه بدوره!
إن الطبيعة تفعل هكذا أيضًا داخل جسم الإنسان، فمثلًا عندما يتناول الإنسان غذائه، يتحرك في الجسم كل عضو ليقوم بدوره في “عملية الهضم”.. إلى أن يتحول الغذاء إلى دم ونسيج في جسم الإنسان!!
“عمل جماعي” نراه حولنا في الطبيعة.. بينما الإنسان هو الذي لا يعرف أن يعمل جماعيًا.. والطبيعة فيها من حولي ذلك العمل الجماعي…!
ومن فضائل الطبيعة أيضًا، أنها تعمل دون رأي الآخرين فيما تعمله.. وذلك ليس موجودًا في الإنسان.. فالمطر – مثلًا يهمه أن يؤدي واجبه المرسوم.. دون الاهتمام برأي الناس فيه سواء كانوا يستريحون له أو لا…!
وكذلك الشمس تؤدي واجبها.. تشرق وتغرب في مواعيدها دون اهتمام برأي الناس فيها سواء كانوا يتضايقون منها في حر الصيف، أو يستريحون لها في برد الشتاء…!
كذلك يمكن أن نأخذ من الطبيعة درسًا في “الحكمة”.. لقد وقفت أنا مرة أتفرج على شجرة.. ووجدت كم هي حكيمة! لقد تأملت كيف أن هذه الشجرة – ككل شجرة – تنفض أوراقها في الشتاء وتورق في الصيف.. فعرفت أنها تنفض الأوراق في الشتاء حتى تُيَسِر وصول الشمس للناس.. ثم تورق في الصيف لتتيح للناس ظلًا تحتها!!
لقد عمل الله في هذه الطبيعة عجبًا، وكلما تأملنا الطبيعة، وجدنا فيها دروسًا لا نلاحظها.. دروسًا في النظام والحكمة والطاعة والصمود، والعمل الجماعي وهكذا.. إلى جوار دروس أخرى جزئية.. فنحن مثلًا نأخذ من “جذر الشجرة” أعظم درس في نكران الذات، وإخفاء الفضائل.. فالجذر يحمل الشجرة كلها الجذع والساق، والفروع والأوراق والثمار.. كما أنه يعطي الغذاء.. ولكنه مع كل ذلك يختفي تحت الأرض يؤدي عمله في اتقان، وفي اختفاء عجيب تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار!!
إن الناس يحبون أن يكونوا “ثمرة” أو ساقًا، أو فروعًا.. ولا أحد يحب أن يكون “جذرًا”.. لأن الكل يريد الظهور!
أشياء أخرى كثيرة يمكن أن نأخذها من الطبيعة ودروس.. وهي كلها تحتاج إلى تأمل…!!
أذكر أنني في أول مرة يعهد فيها إليَّ بالتدريس في الكلية الإكليريكية، أن أول درس قمت بتدريسه عن الروحيات التي نأخذها من “نهر النيل”.. رسمت خريطة النهر، وقلت ان أصله مجرد قطرات مطر، نَزَلَت من السماء وكونت هذا النهر الجبار.. ومعنى ذلك أن كل عمل كبير جبار يبدأ بنقطة، وأكبر مشوار يبدأ بخطوة…!
قلت ان مجموع النقط والقطرات نزلت على جبال الحبشة، وحفرت لها طريقًا.. وتساءلت: كيف لهذه النقطة من الماء الضعيفة الهينة، تشق لنفسها طريقًا في الصخر؟
إن ذلك يعطي معنى المثابرة والثبات باستمرار في متابعة بغير توقف.. ومعنى ذلك أيضًا ألا نخاف من الصعاب، لأنه يمكن – حتى لقطرة الماء – أن تشق لها طريقًا في الصخور…!
إن رحلة النيل من أعماق أفريقيا.. قد استغرقت آلاف السنين، ظل طوالها يشق طريقًا حتى وصل البحر الأبيض المتوسط..
خذ يا أخي لنفسك من نهر النيل درسًا.. فتعمق وتعمق.. يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، إلى أن تشق لنفسك طريقًا، وتحفر لنفسك مجرى فأصبر.. وعَمِّق المجرى إلى أن تستقر!!
كذلك – فمن بين دروس نهر النيل – أن مياهه المحمرة، المحملة بالطين، أنت ترفض أن تشربها.. لكن الأرض ترحب بها لأنها صالحة لها دسمة، كلها خير.. ومن هنا فأنت لا تستطيع أن تحتقر هذا الماء حتى وإن كان محملًا بالطين لا يصلح لك!
إنك تستطيع أن تتعلم من أي شيء وتجد درسًا في كل شيء، والمهم هو أنت.. وهل تحب وتريد أن تتعلم وتستفيد؟ إن كنت كذلك، فلسوف تجد فائدة في أي شيء.. وإن لم تكن كذلك فسوف تمر الفائدة من أمامك ولكنك لا تدركها!
هناك أشياء كثيرة يمكن أن تستفيد منها وإن كانت فائدتها غير ظاهرة… قال أحد الحكماء: “تعلمت الصمت من الببغاء!” قالوا له كيف؟ قال: لأن الببغاء كلما تتكلم كثيرًا – بغير فائدة… كلما أشعر أن الصمت أحسن!
وهكذا تستطيع أن تتعلم الصمت من الصامتين ومن الثرثارين أيضًا.. وتستطيع أن تأخذ درسًا من الشيء.. ومن ضده أيضًا…!
إن الإنسان الذي يستطيع أن يتتلمذ ويتعلم يستطيع ذلك حتى على الحيوانات والحشرات، ولذلك قال السيد المسيح: “كونوا بسطاء كالحمام، وحكماء كالحيات”. بل يقول الكتاب المقدس: “اذهب إلى النملة أيها الكسلان.. تأمل طرقها وكن حكيمًا، تعد في الصيف طعامها، وتجمع في الحصاد أكلها..”
إن النملة دائمة الحركة والنشاط لا تكسل ولا تتوانى.. وكذلك النحلة أيضًا، يستطيع الإنسان أن يتعلم منها النشاط والنظام العجيب.. إن النحلة في العجب العجاب الذي تدبر به مملكتها شيء غير معقول وأذكر عمالًا في الدنيا لا يصلون إلى مستوى النحل.. لدرجة أن شوقي (أمير الشعراء) نظم قصيدة كبيرة عن النحل قال في بدايتها:
| مملكة مدبرة تحمل في العمال أعجب لعمال يولون |
بامرأة مؤمرة والصناع عبء السيطرة عليهم قيصره! |
نحن نستطيع أن نتعلم من الطيور، والسيد المسيح قال: “تأملوا طيور السماء، لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأجران.. وأبوكم السماوي يقوتها، فكم بالحري أنتم يا قليلي الإيمان”.
كنت مرة.. في حديقة الدير، ووجدت عصافير.. وأمامها قمح كثير.. جاءت وأخذت حبة واحدة، وطارت.. مع أن أمامها كثيرًا.. إنها لا تعرف “التخزين” لأنه أسلوب الإنسان الذي يحب الكثرة والمخازن والكنوز.. أما العصفور فليس كذلك! إن العصافير واثقة أنها ستجد رزقًا في كل مكان تذهب إليه… والإنسان عندما يرى العصافير وهي تغني يُعجَب.. وهل رأيتم إنسانًا طوال حياته يغني كالعصافير؟
إنها تفعل ذلك.. تغني وتغرد مع أنها دائمًا معرضة للفخاخ والاصطياد والمطاردة.. ومع أنها لا تملك منزلًا ولا بيتًا، وحتى ولا عشًا.. ومع ذلك تغني.. لا تكترث ولا تحمل همًا.. فمن منا وصل إلى إيمان العصفور؟؟
نحن البشر– الذين اكتشفنا الذرة والمخترعات وطلعنا إلى القمر، والفضاء.. هل وصلنا إلى إيمان العصفورة وقناعتها.. بل.. من منا وصل إلى فرح العصفورة وبهجتها الدائمة؟
ومع ذلك نتشدق ونقول نحن رأس الخليقة، وأن الإنسان أكمل وأحسن مخلوق فأين نحن من العصفور الذي يعتبر كل شيء ملكًا لله!
إننا نستطيع أن نأخذ درسًا من العصافير ومن كل شيء.. ومن يريد أن يتعلم فسيجد درسًا في كل شيء.. والسيد المسيح يقول: “تأملوا زنابق الحقل ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها”!
حولنا كل شيء عجيب.. ونحن الذين لا نريد أن نتعلم…!
إن الله عندما خلق آدم ووضعه في الجنة، وضعه في مكان كله دروس، ولكن آدم لم يستفد وقال: أنا رأس الخليقة وأتسلط على كل شيء… ثم أخذ يتسلط بدلًا من أن يتعلم…!
لو أردنا أن نتعلم، لاستطعنا أن نتعلم من كل شيء… فأنت مثلًا إن جئت إلى الكنيسة تستطيع أن تتعلم من “الشمعة” كيف أنها تذوب لكي تنير للآخرين، فتتعلم منها كيف تكون أنت نورًا مثلها…
وتستطيع أيضًا أن تأخذ دروسًا من الصور، والأيقونات… ومن البخور تستطيع أن تتعلم كيف أن البخور يحترق ليعطيك رائحة ذكية.. مثال للبذل العجيب…!
وتتعلم أيضًا من البخور.. الذي يرتفع ويصعد إلى أعلى.. كيف تسمو إلى فوق.. في صعود ونمو، وتتجه باستمرار إلى أعلى، وإلى السماء! ثم تعرف أن حياة الفضلاء كانت رائحة بخور.. وأن البخور لم يصل بخورًا إلا بالنار، فإذا أتتك “نار” فلا تتعب ولا تتضايق أنك تحترق وإنما قُل: فلأكن رائحة بخور ورائحة زكية!!
كذلك تستطيع في الكنيسة أن تأخذ دروسًا من الطقوس التي بها، وتستفيد من كل طقس..
وكلما تمشي في الطريق، أو تجلس في البيت، خذ دروسًا…!
إن الإنسان الذي يريد أن يتتلمذ ويتعلم يستطيع ذلك على النهر.. كما على السحاب فأنت إن نظرت إلى السحاب المرتفع، تذكر أنه كان في وقت ما بعض قطرات ماء تبخرت إلى فوق.. ولكنه، لا يتكبر لأنه سيتكثف، وينزل مرة أخرى قطرات.. وإذا نزل فإنه لا يصيبه صِغَر نفس…!
تستطيع أن تأخذ درسًا من كل شيء.. وصدقني حتى من القمامة والقذارة! إن الإنسان يستطيع أن يأخذ من القمامة درسًا.. لأنها يمكن أن تصير “سمادًا بلديًا”.. يتحول إلى جزء من نبات أنت تأكله.. ويصبح جزءًا من نسيج في جسدك!!
لهذا فأنظروا، ولا تحتقروا شيئًا ولا تستهينوا بشيء!
وكما يأخذ الإنسان دروسًا من الطبيعة ومن الحشرات ومن الطيور.. ومن كل شيء.. فإنه يستطيع أيضًا أن يأخذ دروسًا من الأحداث التي تمر به أو بغيره.. انتفع من الحوادث التي تمر بها… وانتفع من قصص التاريخ، ومن حياة الناس ومن كل ما يحدث!
عيبنا أن ذاكرتنا ضعيفة فننسى كثيرًا.. ولو كنا نتأمل يد الله في الأحداث، لكنا نرى عجبًا…!
إن عجائب الله في حياة كل واحد منا والدروس الروحية التي نأخذها من كل ذلك يجب ألا تفوتنا..
نحن أيضًا نستطيع أن نأخذ درسًا من كل إنسان نقابله.. وليتك تستطيع أن تقول لنفسك كلما قابلت أي درس: أستطيع أن آخذه من هذا الإنسان.. أو من ذلك الحدث!
إن الدنيا والطبيعة، والحياة، مليئة بالدروس. ولكن: أيٌ هو الشخص الذي يريد أن يتتلمذ وأن يتعلم؟
صدقوني، لو أن الإنسان يريد أن يتتلمذ ويتعلم، فسوف لا يستطيع إطلاقًا أن يحصي عدد أساتذته من الطبيعة والناس والحيوان والطيور والحشرات.. وكل شيء!!
إنني أدعوكم لكي تتتلمذوا وتتعلموا من كل شيء!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 10-9-1972م




