التلمذة والتعلم

التلمذة والتعلم1
سُئلت – هذا الأسبوع عن (التلمذة والتعلم).. ولما كان هذا الموضوع مهمًا. فإنني أريد أن أحدثكم عنه…
إن الحياة المسيحية هي حياة تلمذة. وكل الذين آمنوا بالمسيح تسموا (تلاميذ) للرب… والسيد المسيح لما ألقى العظة على الجبل ألقاها لتلاميذه إذ يقول الكتاب: “تقدم إليه تلاميذه. ففتح فاه وعلمهم قائلًا…”
والذين آمنوا عن طريق يوحنا المعمدان. تسموا (تلاميذ يوحنا).
والسيد المسيح، لما أرسل الرسل، قال لهم: اذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم…
ذلك أن الحياة المسيحية هي حياة تلمذة، (فالمولود أعمى) عندما دافع عن المسيح قالوا له: إنك تريد أن تصير له تلميذًا… بل أنهم شتموه وقالوا له: أنت تلميذ ذاك ونحن تلاميذ موسى!
إن الذي يتبع المسيح، هو تلميذه، وفي عهد الرسل يقول الكتاب: (كان عدد التلاميذ يتكاثر جدًا) بمعنى عدد المؤمنين… مفروض أن الإنسان يتتلمذ على حياة المسيح، والتلمذة ليست معناها أن تسمع محاضرات وكلامًا أو دروسًا… إنما التلمذة معناها أنك تتتلمذ على حياة وتعاليم تمتصها وتعيش بها… وليس مجرد سماع فقط… فكل المؤمنين يسمعون الإنجيل في القداسات والصلوات، لكن، هل بهذا صاروا تلاميذ للمسيح؟
للإجابة على هذا السؤال، نبحث الشروط… فإن المسيح قد أعطى شروطًا معينة للتلمذة.. إذ قال في (يو8: 31): (إن ثبتم في كلامي، فبالحقيقة أنتم تلاميذي) بمعنى أنه ليس لمجرد سماع كلامه أنك صرت تلميذًا له… لكن المهم أن تثبت في هذا الكلام وتتدرب عليه وتحوله إلى حياة… هذه هي التلمذة…!
والمسيح أيضًا يقول: أن هناك أنواعًا من الناس لا يمكن أن يكونوا تلاميذ له… منهم:
* من لا يترك أباه وأمه.
* من يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء.
* الذي لا ينكر ذاته ولا يحمل صليبه.
التلمذة إذًن ليس معناها مجرد أن تسمع كلامًا… فإن لم تنكر ذاتك، وتحمل صليبك وتترك كل شيء من أجل المسيح لا تستطيع أن تكون له تلميذًا….
ويضع المسيح قاعدة أخرى أمام الرسل – للتلمذة – حين يقول لهم: (بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض).
التلمذة إذًن حياة معينة، يتتلمذ فيها الإنسان على تعاليم وعلى وصايا، ويقتبس شيئًا ليحيا به…!
ونحن نريد أن نرى أنواع التلمذة:
أول هذه الأنواع… الإنسان الذي يتتلمذ على الكلام… على معلم يأخذ منه إرشادات ونصائح وتعاليم…، ومن هذا النوع كان كثير من الرحالة يسافرون البر والبحر ليأتوا إلى آباء البرية ليأخذوا من أحدهم (كلمة منفعة)!
هذا النوع من الناس، يأخذ الكلمة، ويبدأ يدرب نفسه عليها، ويجعلها دستورًا لحياة… كل كلمة طيبة يسمعها يحفظها في قلبه ولا ينساها… هذا تلميذ طيب… أما الذي ينسى الكلام والمعلومات فهو تلميذ فاشل…!
وهناك أشخاص يتتلمذون طول العمر، فالتلمذة في المسيحية ليست فترة معينة وتنتهي، إنما هي طوال العمر نتتلمذ على وصايا الله وكلماته، والروح الذي نأخذه من المُثل العليا مهما نال الإنسان من مركز ومهما بلغ من العمر… إننا – في ذلك نسمع أن البابا ثاؤفيلس البابا الثالث والعشرين – كان يذهب إلى البرية للرهبان ليتتلمذ وليسمع كلمة منفعة…، ونسمع عن أشخاص كبار جدًا كانوا يبحثون عن التلمذة وعن المنفعة، ويلتقطونها من أي مصدر… والكتاب المقدس في ذلك يقول أن: (الاستماع أفضل من التكلم) …!
ونحن نسمع أيضًا عن القديس مكاريوس الكبير الذي نشر الرهبنة في (الإسقيط) وله آلاف من أبنائه الرهبان… هذا القديس يقابل الصبي زكريا… ويقول له يا ابني يا زكريا، قل لي كلمة لكي انتفع… فسجد أمامه الصبي زكريا وقال له: يا أبي أنت سراج البرية ونورها وتطلب مني كلمة، وتسألني أنا ماذا أفعل لكي أخلص؟ فأجاب القديس قائلًا: يا بُنَي أن الروح القدس الساكن فيك أعلن لي أنه يوجد عندك شيء ينقصني، أريد أن أعرفه!
لقد كان القديس العظيم مثلًا لإنسان يريد أن يتعلم، والشخص الذي يريد أن يتعلم ويتتلمذ، يستفيد من أي معرفة روحية، أيًا كان مصدرها…! تمامًا مثل الأنبا أفرام السرياني – قابلته ذات مرة – امرأة خاطئة وظلت تنظر إليه فقال لها: يا امرأة أما تستحي أن تنظري إلىَّ بهذا الشكل، فقالت له: أنا أُخِذت من رجل، فأنظر إلى الرجل الذي أُخِذتَ منه، وأنت أخذت من التراب، فانظر إلى التراب الذي أخُذت منه!! واستطاع القديس أن يأخذ حكمة من كلامها.!
بل أن سبب سكن القديس أنطونيوس الكبير في البرية… امرأة خاطئة… فقد كان يسكن إلى جوار النهر… وجاءت امرأة وخلعت ملابسها ونزلت لتستحم. فقال لها القديس: أما تستحين أن تخلعي ملابسك أمامي وأنا راهب؟ فقالت له: لو كنت راهبًا لسكنت الجبال والبراري. وقد كان.!!
أن الشخص الذي يريد المنفعة والتعلم يلتقط الكلام أينما وجد ويستخرج منه الدروس لروحه التواقة إلى التلمذة.!!
كان ذلك أول نوع من التلمذة… التلمذة على الكلام… والنوع الثاني، هو التلمذة على الحياة! وهذا النوع معناه، أن يمتص المتعلم الحياة من الناس دون أن يتكلموا… حدث ذات مرة أن زار البابا ثاؤفيلس الدير، وقال الناس للأنبا بفنوتيوس– وكان مشهورًا بالصمت – قُل كلمة – لكي ينتفع البابا – فأجابهم قائلًا: إذا لم ينتفع من سكوتي، فمن كلامي أيضًا سوف لا ينتفع! وكان درسًا!
والأنبا شيشوي ذات مرة أتوا إليه بتلميذ جديد طالب رهبنة لكي يعلمه… فمكث التلميذ مدة كبيرة والقديس لا يقول له شيئًا… لا أوامر، ولا إرشادات ولا توجيهات… فشكاه للشيوخ الذين ذهبوا للقديس يستفسرون عن سبب ذلك الموقف، فقال لهم القديس: أنا لست رئيسًا، ولا مديرًا حتى آمره أمرًا من الأوامر… إنما أنا أشتغل أمامه وأعيش فما يراه يستطيع أن يفعل مثله ويتعلم!
لا تظن أن المعلم هو الشخص الذي يعطيك كلامًا كثيرًا… أبدًا… وإنما تتلمذوا على الحياة الفاضلة! تتلمذوا على الأمثلة الحية الطيبة التي ترونها أمامكم!
هكذا كان القديس أنطونيوس في بدء رهبنته، لم يكن هناك مرشدون لكي يسترشد بهم، وإنما عاش في وسط النساك يتعلم منهم… يأخذ من واحد فضيلة الصمت، ومن آخر فضيلة الوداعة ومن ثالث فضيلة الزهد… وهكذا… حتى لقد قيل عنه أنه كان كالنحلة التي تمر على الزهور المختلفة تأخذ من كل زهرة رحيقًا!
عيبنا أننا نريد أن نأخذ جميع الفضائل من شخص واحد… كل واحد يقابلك خذ منه صفة طيبة… هذا لمن يريد أن يتتلمذ… أن يمتص الحياة!
ذات مرة ذهبت مجموعة من الناس إلى القديس أنطونيوس لتتعلم منه.. وأخذ كل من أفراد المجموعة يوجه إلى القديس أسئلته.. إلا شخص واحد أمضى الجلسة كلها صامتًا يستمع… ولما سأله القديس عن سبب ذلك قال له: … يكفيني النظر إلى وجهك يا أبي!! ذلك أن هذا الشخص أراد أن يتعلم مما يراه من قسمات وجه القديس وسماحته وبشاشته
هل تظن أن أذنك فقط هي الوسيلة الوحيدة للتلمذة والتعلم، … عيناك أيضًا وسيلة جيدة لهذا الغرض، فأنظر، وتعلم … تعلم من الحياة!!
أن القديس أرسانيوس الكبير لم يكن يتكلم إلا نادرًا، وكان الناس يتعلمون منه وهو صامت… كانوا يتعلمون من سكوته ومن هدوئه ومن اجتهاده في العمل الروحي!
وهكذا كان المتوحدون الصامتون… كانوا هم أنفسهم عظات ودروسًا… بل أننا نأخذ دروسًا من حياة الذين رقدوا أيضًا… وليس فقط من الأحياء… ومن أجل هذا نقرأ سير القديسين لنتعلم من حياتهم… ومن ذلك لابد أن نذكر قول السيد المسيح: أن ملكة التيمن ستقوم في اليوم الأخير وتدين هذا الجيل، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهوذا أعظم من سليمان ههنا!!
درس ملكة التيمن أنها جاءت من بعيد لتسمع الحكمة وتتعلمها من سليمان… وهكذا، فإن الله أعطانا في الكتاب المقدس صورًا من حياة الأنبياء، ومن حياة الرسل لكي نتتلمذ من حياتهم ونتعلم…! والكتاب يقول لنا: أنظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بهم…!
إذًن… أنتم في حياتكم على الأرض، رأيتم وترون أُناسًا صالحين كثيرين، فإذا لم تستفيدوا وتتعلموا من هؤلاء الصالحين الذين رأيتموهم في حياتكم. فسيدينكم الله في اليوم الأخير وسيكون هؤلاء الصالحون دائنين لكم، تمامًا مثل ملكة التيمن التي قال المسيح: أنها ستدين هذا الجيل!!
والتلمذة ليست مجرد قراءة، وإنما هناك تلمذة على الحياة… كالأطفال الذين لا يقرأون ولكنهم يتتلمذون ويتعلمون من الحياة… ولذلك فأنك ستدان في اليوم الأخير إذا قدمت للأطفال دروسًا ضاره تتلف حياتهم، وإذا لم تقدم لهم القدوة الصالحة والمثل الطيب…!
خذ درسًا من كل صفة فاضلة تراها في إنسان ما… مسيحيًا كان أم غير مسيحي… مثلما دعانا المسيح أن نأخذ درسًا من “قائد المئة” الأممي الذي قال المسيح عنه: “لم أجد في اسرائيل كله إيمانًا مثل هذا الرجل) … ومثلما دعانا المسيح لنأخذ درسًا من: “السامرية”، ومن “المرأة الكنعانية”… خذ درسًا.. وتتلمذ على الحياة… الحياة التي تحياها وتراها، والحياة التي تقرأ عنها!
إن ذلك يعطينا فكرة عن “النوع الثالث من التلمذة”. هو التلمذة على الكتب ومنها الكتب التي فيها كل الفضائل والإرشادات والسير الحسنة، فاقرأوا الكتب وتعلموا منها وتتلمذوا عليها… إن لم يوجد من يعلمكم، فتعلموا من الكتب… والشخص الذي يريد أن يتتلمذ، عليه أن يقرأ كثيرًا ويتأمل ما يقرأ، ويلتهم المعرفة كالجائع الذي يقول عنه الكتاب المقدس: طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون.
لقد كان أوريجانوس العلامة الكبير، يستأجر المكتبات ليبيت فيها يقرأ حتى الصباح!
لدينا كثير من الكتب، فلماذا لا نقرأ… إن هذه المطبوعات الكثيرة، والكتب الوفيرة سوف تديننا في اليوم الأخير، لأننا رفضنا أن نتتلمذ وأن ندرس ونتعلم ونعرف!
اقرأوا يا أخوتي كثيرًا… وتتلمذوا وليكن تدريبًا روحيًا لكم أن تقرأوا كثيرًا!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 3-9-1972م





