التشجيع

التشجيع[1]
كثيرًا ما كلمتكم عن المنتصرين الغالبين، في روحياتهم، وفي علاقاتهم مع الله والناس. واليوم أحب أن أكلمكم عن الضعفاء والساقطين، وما ينبغي أن يقدم إليهم من تشجيع. إن التشجيع فضيلة كبري. وعنها يقول الكتاب: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ” (1تس 5: 14). هذه أول مجموعة تحتاج إلى تشجيع: الضعفاء وصغار النفوس.
الضعفاء وصغار النفوس
صغار النفوس هم الذين انهارت معنوياتهم من الداخل، وصغرت نفوسهم في أعينهم، فأحسوا بالعجز، وقاربوا اليأس…
هؤلاء يحتاجون إلى تشجيع، يحتاجون إلى من يمسك بأيديهم ويقيمهم، لئلا يفشلوا ويضيعوا…
كذلك الضعيف يحتاج إلى من يسنده، ويقويه.
لأن الذي يحتقر ضعيفًا ويتجنبه، أو يزدري به ويتهكم عليه، كإنسان فاشل أو ضائع، إنما يفقده، ويتركه إلى ضعفه بلا معين، فينتهي، ويستمر في سقوطه أو خطاياه… بينما الكتاب يقول:
“مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يع20:5).
أخوك الضعيف الذي يسقط كل يوم، حاول أن تنقذه من ضعفه وتقيمه… حتى إن جاهدت معه، ورأيت جهادك بلا نتيجة، ولا يزال هو مستمرًا في ضعفه وسقوطه، فلا تمل من العمل لأجله، ولا تطرحه من قدام وجهك، بل شجعه ليقوم…
ضع في ذهنك أن قيامه قد يحتاج منه إلى وقت، ويحتاج منك إلى طول أناة…
إن الخطايا التي ترسبت في النفس مدة طويلة، حتى تحولت إلى عادة أو إلى طبع، لا تنتظر أن هذا الضعيف سيتخلص منها بسرعة، مهما كان كلامك له مقنعًا!! لذلك فإن الرسول لا يقول فقط “اسندوا الضعفاء”، إنما أيضًا “تأنوا على الجميع”.
الذي خضع مثلًا لعادة التدخين، ربما يقتنع تمامًا بضررها، ولكنه مع ذلك قد يعجز عن التخلص منها!!
إنه يحتاج أن تسنده بصلواتك، وبنصائحك وتشجيعك، وأن تصبر عليه، ولا تيأس من خلاصه وتهمله!!
الخطية التي مدت جذورها في أعماق النفس، وسيطرت على الشعور والإرادة، قد يضعف الإنسان في مقاومتها، وبخاصة لو اشتدت عليه حروب الشياطين من الخارج، مع ميل للخطيئة في الداخل، فتضعف المقاومة… هذا يحتاج منك إلى تشجيع…
إن كثرة التوبيخ الذي تلقيه على إنسان ضعيف قد يحطمه…
مثل هذا يحتاج إلى نعمة، لا على اللوم. ربما ينطبق عليه قول الكتاب: “الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ… فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ” (رو7: 19، 20). هذا الإنسان مقيد بأغلال من العادة والطبع والرغبة. والرسول يقول: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
حاول أن تشجع هذا المقيد، وساعده على التخلص من قيوده، موقنا أننا كلنا تحت الضعف… وإن ساعدته، ووجدته متراخيًا في خلاص نفسه، أو ذا إرادة ضعيفة يقوم ثم يسقط، ثم يعاود القيام والسقوط، فلا تحتقر ضعفه، بل تذكر قول الكتاب: “قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ” (عب12: 12).
الأيادي المسترخية هي العاجزة عن العمل. والركب المخلعة العاجزة عن القيام وعن الحركة. وكلاهما يعبران بصورة متكاملة عن عجز الإنسان كله وعدم قدرته على عمل أي شيء…
ولعل بولس الرسول قد اقتبس هذه العبارة من قول الوحي الإلهي على فم إشعياء النبي “شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا” (إش35: 3). وقد اختبر أيوب الصديق هذا العمل الصالح، فقال له أليفاز التيماني “هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً” (أي4: 3). بل إن أعظم مثال هو ما قيل عن ربنا يسوع المسيح:
“قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” (مت12: 20).
لاقت هذه الصفة سرورًا لدى الله الأب، فقال فيها عنه: “مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي… قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ” (أش42: 1، 3) أي أنه لا يقطع رجاء أحد، حتى لو كان قصبة مرضوضة، يربطها ربما تستقيم… حتى لو كان فتيلة مدخنة، ربما تهب عليها ريح فتشتعل…
إذن شجع الكل، ولا تثبط همة أحد، فالكتاب يقول:
“لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ” (مي7: 8).
فما أسهل أن يقوم الإنسان من سقطته، بالإرشاد والتشجيع والصبر، وعمل النعمة فيه، ويتابع ميخا النبي كلامه فيقول “إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي”. حقًا إن الكلام الذي يفيض أملًا ورجاءً، يقوي القلب، ويشجعه على القيام مهما سقط، ومهما استمر سقوطه. فقال الحكيم في سفر الأمثال:
“الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ” (أم24: 16).
فإن وقع الساقط في اليأس، ذَكّره بهذه الآية. واحذر من أن تدينه في سقوطه.
“هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلَكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ” (رو14: 4). قل له:
حتى إن كنت لا تريد خلاصك، فالله يريد لك الخلاص. وهو قادر أن يخلصك…
الله الذي “يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً” (إش40: 29)، الذي “جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10) … معزية جدا هذه العبارة الأخيرة… إنه لم يقل: يخلص من قد ضعف، أو من قد سقط، بل يخلص ما قد هلك. إنه لأمثال هؤلاء الناس قد جاء. ويقول عن رسالته في سفر إشعياء:
“… مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ” (إش61: 1).
نعم، لقد جاء المسيح من أجل المساكين، المنكسري القلوب، المسبيين والمأسورين. جاء يحمل إليهم بشرى طيبة، كلمة تشجيع… جاء ينادي لهم بالعتق والإطلاق، بفك أسرهم وسبيهم. بل يقول أيضًا: “لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ… لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ” (إش61: 2، 3)
نعم، هذا هو عمله كراع حنون شفوق على رعيته، مهما ضلت وجُرحت وكُسرت. إنه يقول:
“أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16)
احفظ هذه الآية، وشجع بها الضالين والمطرودين، والمنكسري القلوب الذين جرحهم العدو. إنه يجول يبحث عن كل هؤلاء، ليردهم إليه ويريحهم. لذلك إن قابلت أحدًا منهم، قل له:
لا تخف. أنت لست وحدك. إن الله لن يتركك. سيرسل لك نعمة خاصة، ويفتقدك…
إن الله يهتم بالضعفاء، ويبحث عن الساقطين.
الســــاقـطين
لقد كان يجلس مع العشارين والخطاة، وقال في ذلك:
“لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ”.
“لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى” (لو5: 32، 31).
فإن كنت من هؤلاء المرضي، الخطاة، الضالين والمطرودين… إن كنت كسيرًا وجريحًا، ثق أنك من الذين جاء المسيح لأجلهم. إنه يفرح “بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ” (لو15: 7).
ما أجمل ما فعله الرب مع الخاطئة أورشليم في (حز 16).
وجدها مطروحة بكراهة نفسها، مدوسة بدمها… فلم يتركها، وإنما قال: “بَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ، وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ، فَصِرْتِ لِي. فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ… وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ… وَوَضَعْتُ.. تَاجَ جَمَال عَلَى رَأْسِكِ… جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ” (حز16: 6-14).
هذا هو أسلوب الله: يشجع الخطاة على طريق التوبة ويقويهم ويعدهم بوعود جميلة فيقول:
“أَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ…
وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ…
وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ.
وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي” (حز36: 25-27).
تشجع إذن. إن خلاصك ليس هو عملك أنت وحدك، إنما بالأكثر عمل الله فيك. لدرجة أن الرسول يقول: “إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ” (2تي2: 13).
إن الرب الذي اختار المجدلية، وكان عليها سبعة شياطين (مر16: 9)، وجعلها من خاصته، وظهر لها بعد القيامة. وكلفها بأن تبشر الرسل (مت28: 10)
وهو الذي اختار متى العشار، ليكون أحد الإثنى عشر. وأشفق على زكا، ودخل بيته وقال: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ” (لو19: 9).
ولما طُرح عليه موضوع قلع الشجرة غير المثمرة، قال: “اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا” (لو13: 8).
أي أعطيها فرصة أخرى “حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا”. إنه لا يشجع فقط، وإنما أيضا يقف على الباب ويقرع (رؤ3: 20).
إنه يشجع الضعفاء والخطاة، وحتى اليائسين.
اليــــائســــين
من أبرز المواقف لليائسين، تشجيع موسى النبي للشعب، الذي وجد نفسه محصورًا ما بين البحر الأحمر، ومركبات فرعون الستمائة التي تسعى وراءه… وهوذا الموت ينتظره لا محالة. وهنا يقول موسي النبي.
“قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ” (خر14: 13، 14).
ونفس الوضع بالنسبة إلى داود النبي في المزمور الثالث حيث يقول: “يَا رَبُّ لمَاذَا كَثُرَ الَّذِينَ يُحْزِنُونَني. كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلَهِهِ”، ولكن حالًا يتكلم الروح في قلبه مشجعًا فيقول: “فَأَنْتَ يَا رَبُّ هُوَ نَاصِري، مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي. بِصَوْتِي إِلَى الرَّبِّ صَرَخْتُ. فَاسْتَجَابَ لِي مِنْ جَبَلِ قُدْسِهِ. (مز3: 1 – 4).
كذلك ما أجمل مزمور “يَسْتَجيبُ لكَ الرَّبُّ في يَومِ شِدَّتكَ…” (مز19 [20])
كله تشجيع… لقد نشرت لكم كتابًا عن التأملات في هذا المزمور المملوء رجاء وتشجيعًا… اقرأ أيضًا مزمور “لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كانَ مَعنا (مز123: 1، 7) الذي يقول فيه المرتل: “نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا…”.
كل المزمور عبارات مشجعة. وما أكثر المزامير التي من هذا النوع…
حتى الذين يئسوا لطول المدة، أعطاهم الرب تشجيعًا ورجاء في مجيئه في الهزيع الرابع من الليل لإنقاذ التلاميذ (مت14: 25).
الخائفــــــين
كثيرون كانوا يقفون خائفين، حتى في مجال دعوتهم للخدمة. فلم يرفضهم لخوفهم وضعفهم. إنما كان يشجعهم ويعدهم، ويثبت دعوته لهم. ومن أمثلة ذلك:
موسي النبي. خاف لأنه ثقيل الفم واللسان.
لقد خاف من لقاء فرعون، كيف يكلمه؟ وكيف يجيب عن أسئلته وأسئلة الشعب. وقال للرب: “لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ” (خر4: 10) “هَا أَنَا أَغْلَفُ الشَّفَتَيْنِ. فَكَيْفَ يَسْمَعُ لِي فِرْعَوْنُ؟” (خر6: 30).
ولكن الرب شجعه. ومنحه أخاه هرون معينًا له، وقال له: “فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ… وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا” (خر4: 17).
إرميا أيضًا خاف وقال: “لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ” (إر1: 6).
ولكن الرب شجعه وقال له: “لاَ تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ، لأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ… لاَ تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ لأُنْقِذَكَ”، “هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ. اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ” (إر1: 7- 10).
بل أكثر من هذا، رفع معنوياته جدًا وقال له: “هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ… فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ” (إر1: 18، 19).
يشوع أيضا كان خائفًا بعد الفراغ العظيم الذي تركه موسى النبي بوفاته.
ولكن الرب شجعه، وقال له: “تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ”، “لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ… أَمَا أَمَرْتُكَ؟ تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ” (يش1: 5-9).
وهكذا شجع الرب يعقوب، وهو خائف من ملاقاة عيسو…
لذلك قواه، ومنحه المواعيد، وظهر له، وأعطاه فرصة أن يجاهد معه ويغلب (تك32: 28). وكان في أول هربه قد ظهر له أيضًا رؤيا السلم والملائكة وقال له: “وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ” (تك28: 15).
أسلوب التشجيع عند إلهنا، هو أسلوب ثابت.
إنه لم يشجع فقط الضعفاء والمأسورين، والخطاة والخائفين واليائسين، وإنما أيضًا:
أصحـاب الـقلــيل
كما نصلي في أوشية القرابين ونقول: “أصحاب الكثير وأصحاب القليل. الخفيات والظاهرات”. وقد تعلمنا هذا الدرس من الرب نفسه.
لقد طوب الأرملة التي دفعت الفلسين.
وقال عنها إنها “أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ” وأن “الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا” (مر12: 43، 44).
وشجع اللص اليمين الذي جاءه في آخر ساعة من حياته.
لم يوبخ تأخيره في التوبة، ولا كل حياته القديمة الشريرة، وإنما قال له في محبة: “الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو23: 43).
وقال الآباء إن العنقود وإن كانت فيه حبه واحدة، ففيه بركة.
يكفي أن عصارة الكرمة (سلافها) لازالت تسري فيه. وعن هذه قال إشعياء النبي “كَمَا أَنَّ السُّلاَفَ يُوجَدُ فِي الْعُنْقُودِ، فَيَقُولُ قَائِلٌ: لاَ تُهْلِكْهُ لأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً. هكَذَا أَعْمَلُ لأَجْلِ عَبِيدِي حَتَّى لاَ أُهْلِكَ الْكُلَّ” (إش65: 8).
كم من الصغار قبلهم الرب، وقبل عطاياهم.
قبل التسبيح من أطفال بيت لحم، وقال: “إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!” (لو19: 40). وهكذا دافع عنهم. وقال: “دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (مت19: 14). وتقبل من طفل خمس خبزات وسمكتين، وصنع بهذه العطية البسيطة معجزة عظيمة (يو6: 9-14).
ومن تشجيع الرب اشفاقه على أصحاب الأمور المستعصية:
الأمــــور المســـــتعصية
مثل معجزات الشفاء للأمراض عديمة العلاج.
كمنحه البصر للمولود أعمي (يو9)، وشفاء مريض بيت حسدا الذي قضي 38 سنة مطروحًا إلى جوار البركة (يو5)، وصاحب اليد اليابسة (مت12: 10، 13). ونازفة الدم (مت9: 20، 22)، وكافة البرص والعميان والمفلوجين. ويقول القديس متى الرسول عنه في ذلك: “فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ” (مت4: 24) … يضاف إلى كل هذا معجزات إقامة الموتى.
وهكذا شجع المرضى أنه لا يأس ولا مستحيل.
وكذلك ما فعله الرب في حالات مستعصية مثل إلقاء دانيال في جب الأسود، (دا6)، وإلقاء الثلاث فتية في أتون النار (دا3)، وخلاصه العجيب في مناسبات عديدة… ما يفتح باب الأمل والرجاء أمام كل أحد…
وفي الكلام عن التشجيع، نذكر أيضا الوعود الإلهية.
الــوعــود الإلهيـــــة
كلها رجاء وتشجيع، تقوي المعنويات وتبعث الأمل، كقوله: “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت28: 20).
وكقوله أيضًا: “هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ” (إش49: 16)، “أَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ” (مت10: 30). ” شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ” (لو21: 18). وقوله: “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20).
وما أجمل مواعيد الرب في سفر المزامير، وهي كثيرة.
« « «
ليتنا من كل ما ذكرناه من أمثلة، نتعود كيف نشجع الكل، مهما كانت حالتهم. ونمنحهم رجاء يشتدون به، وتقوي عزائمهم وإرادتهم.
وبهذا ننقذ نفوسًا من اليأس والضياع.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: التشجيع بمجلة الكرازة 6/ 4 /1990




