التجربة والاختبار (2)

التجربة والاختبار “2”1
تحدثنا ــ في الأسبوع الماضي ــ عن ” التجربة والاختبار ” في مستهل الحديث عن تجربة المسيح على الجبل، وكان حديثنا ذلك عن مبدأ التجارب التي يسمح الله بأن نتعرض لها، لاختبار محبتنا له وثباتنا فيه.
ونريد – اليوم – أن نتكلم عن التجربة الأولى، على الجبل.. يقول الكتاب المقدس عن السيد المسيح: “ثم أُصعد يسوع إلى البرية من الروح، ليُجَرب من إبليس. فبعدما صام أربعين يومًا وأربعين ليلةً، جاع أخيرًا، فتقدم إليه المُجرِّب وقال له: إن كنت ابن الله فقُل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا… فأجاب يسوع وقال له: “مكتوبٌ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”.
أصعد يسوع إلى البرية، ليُجَرَّب من إبليس، ولذلك يقول الكتاب المقدس: “فيما هو مُجَرَّب، قادر أن يعين المجَرَّبين”…!
إن الإنسان الذي يُجَرَّب، يشفق على الذين يُجَرَبون.. وأحيانًا توجد أنواع من “الكبرياء الروحية”، بمعنى أن إنسانًا بارًا، يعرف عن نفسه أنه لم يسقط في خطية معينة، فيستهزئ بالذين يسقطون في تلك الخطية… أو يحتقرهم ــ أو يدينهم ــ أو يتكلم عنهم بالسوء…
مثال ذلك إنسان لم يجربه شيطان الغضب، فتجده يتضايق جدًا من الذين يغضبون.. بينما لو أن الله قد سمح لهذا الإنسان نفسه بالتعرض لهذه التجربة… فلربما يتحطم.. هذا الإنسان لو تعرض في التجربة، فإنه سوف يشفق على الآخرين الذين يتعرضون للتجربة ويعطف عليهم!
فالذين يُجرَّبون يشفقون على المُجَرَّبين… ويقدِّرون ظروفهم، ولهذا، فنحن نرى أن السيد المسيح لم يوبخ مريم ومرثا عندما وجدهما تبكيان لموت أخيهما أليعازر.. مع ما في البكاء والحزن من تعارض مع روح الإيمان!
أما أنت، فلا تنتظر حتى تجَرَّب في كل خطية لكي تشفق على المجَرَّبين، بل ينبغي أن تشفق عليهم من نفسك، وبولس الرسول يقول: اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضًا مثلهم، وأذكروا المُذلين كأنكم أيضًا بالجسد”…
لقد اختبر السيد المسيح طبيعتنا الجسدية، وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطية، ولكنه يعرف حقيقتنا جيدًا..
من عدة نواحي:
+ إنه يعرف حقيقتنا، لأنه هو الذي خلقها، ولذلك فهو يعرف حقيقة خلقه…
+ ويعرف حقيقتنا باعتباره “أقنوم المعرفة”.
+ ويعرف حقيقتنا، لأنه أخذ طبيعة مثلنا، و” بالخبرة”، فقد ذاق هذه الطبيعة بكل صفاتها، فيما عدا الخطية…
وعلى ذلك، فقد أُخذ إلى البرية ليُجَرَّب من إبليس!!
بعض الناس يتصورون أن الرهبان الذين يذهبون إلى البرية، إنما هم يهربون من العالم.. ولكن الواقع، هو عكس ذلك، فالذين يعيشون في البرية يتعرضون لتجارب أصعب من تجارب العالم.. في نوعيتها..
أريد أن أقول إن التجارب موجودة.. في كل وقت، وفي كل مكان.. ولكن، إذا كانت توجد التجربة، فأيضًا توجد المعونة من الله…!
إن التجربة هي نصف الحقيقة.. ومعونة الله هي النصف الآخر من هذه الحقيقة!
وإذا كان أحدكم يتعرض للتجربة، فلا يتضايق، وعليه أن يذكر أن السيد المسيح نفسه قد جُرِّب أيضًا.. ولكن المسيح قد جُرِّب وقابل التجربة في صمود، وفي قوة، وفي ثقة.. لم تهزه التجربة، ولم تزعزعه، وإنما جازها في انتصار عجيب، لقد جرَّبه الشيطان، ولكنه استطاع أن ينتصر على الشيطان، وهزم الشيطان..
والسيد المسيح ــ في هزيمته للشيطان ــ لم يجرح الشيطان بكلمة واحدة.. وإنما هزمه في لطف وفي هدوء… وأجابه إجابات فصيحة واعية هزمت الشيطان!
يقول الكتاب المقدس: إن السيد المسيح ظل مُجَرَّباً طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة.. وفي آخرها – عندما جاع أخيرًا – تقدم إليه المُجَرِّب.. بمعني أن المجَرِّب ينتهز الفرصة.. وهنا كانت فرصة الجوع الذي أحس به السيد المسيح، ظرفًا مواتيًا للشيطان، سارع لانتهازه.. لأنه يعرف أن فترات الجوع متعبه، وعليه أن يستغلها…!
وهناك جوع روحي.. وجوع جسدي.. “الجوع الروحي” يحسه إنسان ترك صلاته وقراءاته وتأملاته وعبادته، فيتقدم إليه المُجَرِّب.. و” جوع جسدي”، كالذي أحسه السيد المسيح.
وعندما يتقدم الشيطان من “شخص جائع”، لا تكون عند الشيطان رحمة.. إنه خالٍ من الرحمة، وإن كان يتظاهر بها، فهو يصب السم في العسل!
قال الشيطان للمسيح: “إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا.. وتظاهر بأنه مشفق على جوعه.. وكأنه يقدِّم له نصيحة!
وما أكثر النصائح التي تُقَدَّم إلينا من الشيطان.. فاحترسوا منها.. فالشيطان يحلو له ــ أحيانًا ــ أن يُنَصِّب نفسه مرشدًا روحيًا لكثيرين، ويعطي نصائح روحية.. تمامًا عندما يحدث ــ على سبيل المثال ــ لإنسان يذهب لصلاته ليلًا وهو متعَب يشعر بنُعاس، فيأتيه الشيطان و”ينصحه” بأن الله لا يقبل مثل هذه الصلاة…!
وأحيانًا يأتيك الشيطان في صورة صديق عزيز ليقدِّم لك نصيحة.. وقد فعل ذلك مع السيد المسيح نفسه، عندما جاءه لينصحه ــ على لسان بطرس يوم قال للسيد: حاشاك أن تُسَلِّم نفسك للصليب، فرد عليه المسيح قائلاً: اذهب عني يا شيطان!
فلقد كان الشيطان هو الذي ينطق على فم بطرس الرسول في ذلك الوقت!
ما أكثر النصائح والإرشادات التي لا تنتهي مما يقدِّمه الشيطان.. إنه يجرِّب الروحيين بنصائح روحية.. ويجرِّب الفلاسفة بنصائح فلسفية.. وهكذا..
لأنه يريد أن يكسب ــ على كل حالٍ ــ قومًا.. ولا ييأس من أحد.. حتى السيد المسيح نفسه.. تقدم إليه الشيطان ليجرِّبه في شكل نصيحة.. عندما قال له: “إن كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا..”
وفي هذه العبارة، لاحظوا أن الشيطان يفهم تمامًا معنى “ابن الله” بالنسبة للسيد المسيح.. إنه ابنه الوحيد، الخالق، القادر أن يُحَوِّل الحجارة إلى خبز!
هذه العبارة ــ من الشيطان ــ في مظهرها عطف ونصيحة، وفي باطنها حيلة شيطانية.. أنه يريد أن يتأكد ما إذا كان المسيح “ابن الله”.. وما إذا كان المسيح سيُطيع الشيطان.. فإن التجربة يمكن أن تكشف ذلك كله..
+ حقيقة أن السيد المسيح ــ ابن الله ــ كان يستطيع أن يحوِّل الحجارة خبزًا.. بل إنه كان يستطيع أن يأتي بالخبز من حيث يشاء.
+ بل إنه كان يستطيع أن يقيم من “الحجارة” أولادًا لإبراهيم…!
لقد كان المسيح يصنع المعجزات، ولكنه كان يصنعها من أجل الناس، وليس من أجل راحته الشخصية.. ولم يستخدم قوته الإلهية من أجل راحته الشخصية.. فلقد أعلن ــ له المجد ــ منذ البداية، مبدأً هامًا سار عليه طوال فترة تجسده، وهو أنه لم يستخدم لاهوته من أجل راحته الشخصية… ولذلك فقد تعب، وجاع، وعطش، وتألم… ولم يستخدم لاهوته للتخلص من أي من ذلك.. وإنما استخدم المسيح لاهوته لخير البشرية!
إن ذلك المَسلك من السيد المسيح ــ له المجد ــ جديرٌ بأن يعطينا فكرة، عن كل صاحب سُلطة.. هل هو يستخدمها لأجل كرامته الشخصية وراحته الذاتية؟ أم لأجل الآخرين.. لأجل الصالح العام؟!
كذلك، لاحظوا أن السيد المسيح لم يكن يصنع معجزات كثيرة، إلا وقت الضرورة.. من أجل حكمة.. فلم يكن يستخدم سلطانه كيفما اتفق.
إن الشيطان يفهم “البنوة لله” فهمًا خاطئًا، فهو يظن أنها لون من ألوان العظمة، والكرامة، والسُلطة.. و”استعراض العضلات”.. حتى إنه استصعب على المسيح عملية الصلب.. واستكثر أن يجوع المسيح.. وهو ابن الله!
إن الشيطان لم يفهم “البنوة لله” كنوعٍ من البذل والحب، والعطاء للآخرين، وهو يفهم “البنوة لله” على أنها نوعٌ من الراحة..
بينما المسيح يفهم “البنوة لله” على أنها تعب من أجل الآخرين.
ومن هنا، فإن رأي الله.. غير رأي الشيطان.
+ لقد رأى المسيح أنه لم يأتِ لكي يُخدَم من الآخرين، وإنما جاء لكي يخدِم هو الآخرين، ويبذل نفسه فداء عن كثيرين!
+ بينما رأي الشيطان كان: أن ابن الله لابد أن تُحيطه المعجزات ومظاهر العظمة والأبُهة والراحة!
“إن كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا”.. هكذا كانت التجربة الأولى التي تقدم بها الشيطان إلى السيد المسيح..
ولكن المسيح لم يأخذ التجربة على ظاهرها اللفظي، وإنما أخذها في حقيقتها… لأنه يفهم فكر الشياطين وحِيَلهم..
وليتكم جميعًا تعرفون حِيَل الشياطين! ادرسوا حِيَل الشياطين، وتدربوا عليها!
إن الشيطان يتدرَّب على ضعف البشر، ويجب أن يتدرَّب البشر على حِيَل الشياطين!
تدرَّبوا على فهم حِيَل الشياطين.. فلقد قال بولس الرسول عن الشيطان: “نحن لا نجهل حِيَله”!
إن كثيرًا من القديسين عاشوا في البريّة، وجَرَّبوا حِيَل الشيطان، وعرفوها…!
والشيطان لا ينقصه الذكاء، ولا الحيلة.. لا تنقصه السياسة، ولا اللباقة، أو الحذاقة، ولا تنقصه الفراسة، والكياسة.. ذلك هو الشيطان..
أما أنت ــ ابن الله ــ ومفروض أن تفهم حِيَل الشياطين..
ولو أنكم قرأتم سير القديسين، وفهمتم حيل الشياطين، فسوف تدركون – بالخبرة – قصد الشيطان…
تدرَّبوا على هذا.. فإن حِيَل الشيطان كانت مكشوفة أمام المسيح.. عندما رآه السيد المسيح يستخدم “أنصاف الحقائق”..
أن تأكل: ذلك نصف الحقيقة.. أما نصفها الآخر فهو: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله”!
لقد رد السيد المسيح على الشيطان بآية.. حتى يُلَجِّمه ويُفَحمه، لأن الشيطان لم يجادِل.. ولن يجادِل حتى لا يكشف نفسه.. ولم يرُد على المسيح!
جميلٌ جدًا أن تردوا على الشيطان بآيات ــ مثلما فعل السيد المسيح ــ ولو عرفتم تدريب الرد على الشيطان بآيات.. لانتصرتم في تجارب كثيرة وقهرتم الشيطان!
إن “مار أوريس” في كتابه “حروب الأفكار”، أعطانا أمثلة من تدريب الرد على الشيطان بآيات الكتاب المقدس..
إن الكتاب المقدس هو كلام الله، وكلام الله يُنقذ من حروب كثيرة، ولذلك كان “داود النبي” يفرح بكلام الله، ويقول: “لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي لهلكت ــ إذن ــ في مذلتي”…!
نحن نضعُف ــ ونسقط ــ عندما ننسى كلام الله.. لأن كلمة الله قوية، وفعالة، ومثل سيف ذي حدين..
اجعلوا كلام الله واضحًا أمامكم، وردوا على الشيطان بكلام الله..
خذوا ــ من التجربة على الجبل ــ درسًا في استخدام الآيات من الكتاب المقدس للرد على الشيطان..
احفظوا الآيات.. وليُعِد كل منكم الآيات المناسبة لضعفاته، ليستخدمها وقت اللزوم…!
قال السيد المسيح، وهو يُفحِم الشيطان: “مكتوبٌ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بكل كلمة تخرج من فم الله”!
ذلك، لأن الإنسان جسد، وروح.. فإذا كان الطعام لازمًا للجسد.. فكلام الله لازم للروح…!
واسألوا أنفسكم.. هل تهتمون في تربية أولادكم بالجسد وحده.. أم بالجسد والروح؟
لا تنسوا أنكم روحانيون، لأنكم نسمة خرجت من روح الله.. فاهتموا ــ إذن ــ بالروح ــ وطعام الروح ــ وأذكروا قول السيد ــ له المجد ــ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بكل كلمة تخرج من فم الله!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 27-2-1972م



