التجربة والاختبار (1)

التجربة والاختبار1
من يوم الإثنين – غدًا – تبدأ الأربعون يومًا المقدسة… وصوم الأربعين هو الصوم الذي صامه الرب يسوع، إذ يذكر الكتاب المقدس أن السيد المسيح قضى أربعين يومًا، في الجبل صائمًا، ويجرب من إبليس…
وإذا كان الإنسان يستعد في الصوم، لكي يسلك سلوكًا روحيًا، فإن الشيطان أيضًا يستعد لمقاتلة هذا الإنسان، ومحاربته، لكي يسقطه في المعصية… أعني أن الاستعداد هنا متبادل… استعداد من جانب الإنسان للسلوك في طريق الله، واستعداد من جانب الشيطان، لمحاربة هذا الإنسان! ولذلك فنحن نجد كثيرًا من الصائمين يتعرضون لحروب روحية، في حالة الصوم بالذات.. ولهذا، فإن الإنسان أحيانًا يستغرب ويتساءل: كيف يتعرض لهذه الحرب، رغم أنه في حالة الصوم.. ولكن السبب هو أن الشيطان يريد أن يجربك في الصوم…!
وأنت، إذا أردت أن تسلك سلوكًا روحيًا، فأعلم أن الشيطان لا يتركك، لأنه لا يُسَر بأن يجد إنسانًا يسير في طريق الله. والشيطان دائمًا يعطل كل عمل روحي، ويعطل كل من يسير في طريق الله…!
لا تتضايقوا إذن من التجارب التي توجد في الصوم، لأن التجارب لابد أن تأتي في الصوم.. فذلك دليل على أن صومكم له مفعوله، وإن سلوككم الروحي له أثره، الذي يزعج الشيطان…!
بل على العكس، يجب أن تتضايقوا عندما لا تحدث التجارب، فهنا يجب أن تتساءلوا: لماذا يتركنا الشيطان بدون تجارب؟ هل هو يحتقر جهادنا؟ وهل صيامنا وصلاتنا لا تخيف الشياطين، ولذلك يتركوننا؟
إن حاربتك الشياطين في الصيام الكبير، فاطمئن، واعرف أن صيامك ناجح، ولذلك لم يتركك الشيطان، وحسد روحياتك لنجاحك في صومك.. فقام بتحرك مضاد.. ليوقعك في التجربة ويشن عليك الحرب!
أحسبوه كل فرح يا أخوتي إن وقعتم – أثناء الصيام- في تجارب… وأعلموا أن الرب يسوع نفسه – عندما صام – تعرض للتجربة، وظل الشيطان يجربه طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة.. لم تهدأ خلالها التجربة…!
ولذلك، فإن الرهبان يقولون: إن فترة الصيام هي فترة التجارب…!
وإن وجد إنسان نفسه أنه يتعب في الصيام، فلا يغضب، ولابد أن يعرف أنها محاربة من الشيطان..
إن التجارب ضرورية، فلابد أن تختبر روحيات الإنسان، ولذلك فإن الله يسمح بالتجارب، اختبار روحياتنا… ويسمح بأن يحاربنا الشيطان لكي نختبر، وتختبر حريتنا، هل هي سائرة في طريق الخير، أم هي تسير في طريق الشر..
والله يسمح بأن يحاربنا الشيطان، لكي تختبر إرادتنا، ولكي تختبر محبتنا لله.. فلابد أن يوجد “الاختبار” في حياة الإنسان، ولابد أن يختبر الله حياتنا، ومحبتنا له، وإرادتنا…!
لابد من الاختبار.. في كل شيء.. فالذهب يُختَبَر بالنار.. والتلميذ يُختَبَر بالامتحان، والرجل يختبر بالمرأة، والمرأة تختبر بالرجل.. والإنسان الروحي يختبر بالتجارب.. ولابد له أن يدخل في حروب الشيطان، ويجاهد وينجح…!
لقد وضع الله مبدأ الاختبار، منذ البدء.. فمنذ آدم، سمح الله له أن يختبره الشيطان ويجربه، ويجرب حواء معه.. هل هما ثابتان في محبة الله وإتباع وصيته من عدمه!
لابد من أن يختبر الإنسان.. فالتجارب والصعوبات، والألم، والشهوات، والمال، والجسد، والفكر.. وغيرها، نواح يختبر فيها الإنسان، من أجل معرفة مدى ثباته في الله، وسلوكه في طريقه حسب وصاياه…
إننا – في قصة أيوب الصديق – نشعر بالاختبار واضحًا.. فلقد جاء الشيطان وقال لله: إن أيوب يعبدك من أجل الخيرات التي أعطيته إياها.. من أجل ماله وبنيه، وراحته وعزه.. أنه لهذا يعبدك.. وليس يعبدك هكذا مجانًا.. فإن أخذت منه ذلك.. وسحبته منه.. سوف لا يثبت.. وإنما سيرتد.. ولابد من اختباره.
.. وسمح الله باختبار أيوب، وكان اختبارًا شديدًا قاسيًا.. كانت فيه يد الشيطان عنيفة وقوية.. ولكن ظهر أن أيوب معدنه طيب، وثبت، قال: الرب أعطى، والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا.. وبارك اسم الله في وقت الضيقات!!
ونجح أيوب في الاختبار، وتغلب على التجربة…
كذلك إبراهيم – أبو الأنبياء- اختبر اختبارًا شديدًا جدًا، وقاسيًا، واجتاز امتحانًا صعبًا.. عندما قال له الله.. خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه اسحق.. وطلب منه أن يقدمه بنفسه محرقة…!
هكذا اختبرت طاعة إبراهيم، فنجح في الامتحان، وقدم لنا مثالًا عجيبًا في طاعة الرب…!
يوسف الصديق أيضًا، تعرض للامتحان، فإن التجربة عرضت عليه نفسها، وألحت عليه وحاصرته.. من سيدته التي لها سلطان عليه.. وفي ظروف خطية سهلة وميسرة وسهلة.. ومع ذلك فقد صمد، وقبل أن يُلقَى به في السجن وتذاع عنه تُهَم رديه.. قَبِلَ ذلك كله، على أن يقع في الخطية..
لقد اختبر يوسف اختبارًا شديدًا قاسيًا.. ونجح…!
كذلك تعرض بطرس الرسول والتلميذ للاختبار.. فعندما افتخر، وقال للسيد: حتى لو أنكرك الجميع أنا لا أنكرك.. ولو أدى الأمر لأموت معك.. في هذه الحالة سمح الله له بأن يتعرض للتجربة والاختبار، لكي يظهر أمام نفسه، ولكي يعرف حقيقة ذاته وضعفه!
أحيانًا يكون عند الإنسان غرور، فيختبره الله ويسمح بأن يسقط، ليعرف الانسحاق ولا يفتخر باطلًا…!
هناك أناس اختبروا، ووُجِدوا بالموازين إلى فوق.. مثل ديماس، صديق بولس الرسول، الذي قال عنه بولس: “ديماس تركني لأنه أحب العالم الحاضر”.
وهناك أيضًا أناس آخرون.. مثل الذين قال عنهم يوحنا: “منا خرجوا ولكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا”.
وأحيانًا تكون التجارب لاختبار الأصدقاء والأعداء.. على نحو ما يقوله الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير ….. عرفت بها عدوي من صديقي
لا تظنوا أن التجارب للبشر فقط.. وإنما الملائكة أيضًا تعرضوا للتجارب، وبعضهم سقط فأصبحوا شياطين، وبعضهم ثبت وظلوا في بهائهم الملائكي وتكللوا.
إن حياتنا على الأرض كلها اختبار.. ونحن لا نختبر فقط في فترة الأربعين يومًا المقدسة.. وإنما نحن نُختَبر طول العمر.. لكي تظهر نقاوة قلبنا، ومدى ثبات إرادتنا في محبة الله…
إن القديسين – في البرية – جازوا اختبارات كثيرة، وعلى حسب الاختبارات التي جازوها وتعرضوا لها، اكتسبوا خبرة.. لقد جربوا الحياة الروحية، وحروب الشياطين – حروب الفكر، وحروب القلب – ولذلك أصبحوا مرشدين روحيين.. أقوياء.. لأنهم مختبرين مجربين…!
وفي الرهبنة، يقولون عن الاسترشاد بالشيوخ.. لأن هؤلاء الشيوخ جربوا الحروب الروحية.. وحروب الأفكار والشياطين، والمتاعب، وعرفوا حيل الشياطين، ولذلك يقول بولس الرسول عن الشيطان: “إننا لا نجهل حيله”.. فقد أصبح – بالتجربة – فاهمًا للشيطان عارفًا لأساليبه وحيله!
إن الاختبار، يعطينا خبرة، وقوة، ولذلك فلا يجب أن نتضايق من الاختبارات، لأننا – في كل اختبار- نخرج بفائدة.. فقط من يريد أن يستفيد.. وكل ضربة من ضربات الشيطان نأخذ منها درسًا.. وكذلك من كل سقطة، ولذلك قال أحد القديسين: “لا أتذكر أن الشياطين أضعفوني في خطية واحدة مرتين!”.
إن الذي يسقط باستمرار لا يستفيد.. والإنسان يستفيد حكمة من التجارب!
في الأربعين يومًا المقدسة، ربما نتعرض لتجارب متنوعة، علينا أن نصمد فيها بروح الصلاة، ونأخذ منها خبرة، وبركة…!
إن السيد المسيح نفسه، قد اختبر في فترة الأربعين يومًا المقدسة.. وجربه الشيطان طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة، ولكن السيد المسيح انتصر في هذه التجارب جميعها.. وعرف الشيطان، أنه صَلب العود، وليس سهلًا.. حتى عندما حاربه بالآيات المقدسة، فإن السيد المسيح كشف له أخطاءه…!
والشيطان في اختباره للإنسان، يختار الحرب التي يريدها هو.. في الوقت الذي يريده هو.. وبالإرادة التي يريدها هو أيضًا…
والشيطان ماهر في اختيار الأوقات، وأدوات الحرب، وطريقتها..
فكونوا أنتم أيضًا حكماء في القتال.. إن داود النبي قال: “أبارك الرب الذي عَلَمَ يدي القتال، وأصابعي الحرب!”.
ونحن يا أخوتي طول حياتنا معرضون للحروب الروحية.. ولا تظنوا أن سنًا معينة تنجو من حرب معينة.. إن الحرب الذي نتعرض لها هي حرب في أي شيء، وفي أي وضع، وفي أي مكان، وأي يوم، حتى لو كان يومًا مقدسًا.. بل أقول لكم: أن الإنسان قد يحارب بعد التناول مباشرة…!
إن الشيطان يحارب في أي وقت، وبأي طريقة… ولكن عليكم أن تتفهموا أساليب الشيطان.. فإذا علمتم أن السيد المسيح قد حاربه الشيطان، فأنكم تتقوون في الرب، وأعلموا أن نعمة الرب تشملكم وتعطيكم قوة.. لأنه هو يحارب عنا لننتصر، كما انتصر…!
عيشوا في الرب، وتقووا في محبته، وأدخلوا في حروب الشيطان ولا تخافوا…!
لا تخافوا من الشياطين، فهي مخلوقات ضعيفة، وهي تخاف منكم، لأنكم هياكل الله.. أنتم هياكل الروح القدس، وروح الله ساكن فيكم.. وهذا هو الذي يُرهب الشياطين…!
فأدخلوا في الحياة الروحية، وإن أتتكم التجارب أصمدوا لها…
إن التجارب قد تأتي من الشياطين.. وقد تأتي من داخل الإنسان.. وقد تأتي من الأخوة الكذبة.. أو هي تأتي من أهل بيتك، وقد قال الكتاب: إن أعداء الإنسان أهل بيته…!
كل هذا لا يهم.. وأدخلوا في التجارب ولا تخافوا متقوين في الرب.. بسطاء كالأطفال، حكماء كالحيات…!
بعض الناس يقولون إن الأطفال بسطاء.. ولكن الأطفال ليست لديهم تجارب، ولم يتعرضوا للاختبار… وهناك فرق بين إنسان لم يحارب ولم ينتصر، وبين إنسان حارب وقاتل وانتصر…!
لا تظنوا أن الله يحاسب كل الناس حسابًا واحدًا.. وإنما يحاسب كل واحد على قدر حروبه وقوته الخارجية.. ومدى استعداد هذه القوة لمواجهة الحرب، ومقدار المعونة التي تأتيه من الروح القدس!
وهو يعلم الضعفاء والمساكين!
إذا اختبرت، فاعرف أن الله دائمًا يختبرك.. ولكن الاختبار يكون:
- حسب قوتك، والكتاب يقول: “إن الله عادل لا يجربكم فوق ما تطيقون!”.
فاعلم أن الله يجربك حسب احتمالك!
2- التجربة بها المنفذ، والمشكلة تحمل في ذاتها مفتاح الحل.. فإن الله إذا أراد أن يجرب بإغراق السفينة، فإنه يعطي قارب النجاة.
3- وإن كل تجربة، معها إكليل وفائدة.. ولذلك فأفرحوا للتجارب، وابتهجوا…
إننا نرجو من الله، يسوع المسيح الذي انتصر في التجربة، واستطاع أن يقهر الشياطين، أن يعطينا قوة في تجاربنا حتى نصمد، وننتصر!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 20-2-1972م





