التجربة على الجبل

دروس روحية من
التجربة على الجبل
موضوعنا في هذه الليلة، بعض تأملات مستوحاة من التجربة على الجبل
في الحقيقة كلما اتأمل هذا الموضوع، أتعجب جدًا من صبر الله وطول أناته العجيبة في معاملته للشيطان.
طول أناة الله في معاملته للشيطان:
تجرأ الشيطان أن ينافس الله، فقال: “أصير مثل العلي” (أش 14) وأراد أن يوقع الإنسان الأول في نفس هذه الخطية، فقال لآدم وحواء: “تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر” (تك 3)… ثم استمر يحاول تحطيم ملكوت الله في البشر، ويجتذب آلافاً وملايين من الناس إلى مخالفة الله.
كل ذلك، والله صابر، لا يبيد الشيطان ولا يفنيه.
أزاغ الشيطان عددًا لا يحصى من الناس، في الالحاد، وفي عبادة الأصنام، وفي الفساد، وفي كل أنواع الانحراف والتجاديف، وما يزال الله يطيل أناته عليه… لم يأت بعد، اليوم الذي سيلقيه فيه في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت…
وفي هذا كله، يعلمنا الله أن نصبر على أعدائنا ومقاومينا، ونطيل أناتنا على مكائدهم ومحارباتهم…
العجيب أن الشيطان بعد كل هذا، يجرؤ أن يندس وسط أولاد الله، في قصة أيوب، ويقف بلا خجل ولا حياء، ليخاطب الله الذي طالما حارب هذا الشيطان ملكوته…
والأعجب من هذا أن الله كلم الشيطان، دون أن يلعنه، أو حتى يوبخه، ودون أن يجرح شعوره بكلمة شديدة، بل على العكس أعطاه فرصة أخرى يمارس فيها هوايته في محاربة الملكوت!!
إن سماح الله للشيطان أن يكلمه في قصة أيوب، أخف بكثير جدًا من سماحه له أن يجربه على الجبل، وأن يختار المكان المناسب للتجربة. حتى أنه من استهانة الشيطان نتيجة لهذا السماح، طلب من السيد أن يسجد له!!!
وهنا إنتهره الرب، فذهب. وكان يمكن أن ينتهره ويطرده من أول التجربة كلها… وكما أطال الرب أناته على الشيطان، ما يزال يطيل أناته على أعوانه وجنوده في كل زمان…
كل هذا لكي يعلمنا كيف نتعامل مع أعدائنا… فلا نكافئ الشر بالشر، ولا القسوة بالقسوة، ولا العداوة بالعداوة…
إن الله لم يحطم الشيطان حتى الآن، فما يزال يعمل… وسيظل يعمل حتى تأتي ساعته التي لم تأت بعد…
مبدأ التجربة والاختبار:
الدرس الثاني الذي نتعلمه هو التجربة ذاتها، ولزومها…
الله اختبر أبانا إبراهيم عدة اختبارات: اختبره حينما طلب إليه أن يقدم ابنه ووحيده محرقة… ومع معرفته بقلب إبراهيم، إلا أنه جربه…
وكذلك فعل مع أيوب الصديق.
إنه يجرب الإنسان، لكي يتزكى، ولكي يتكل، ولكي يكون قدوة لغيره، ولكي ينسحق قلبه من التجربة ويتضع، ولكي يتدرب على الصلاة، ويتدرب على الاحتمال…
كل هذا بالنسبة إلى الإنسان… أما تجربة ابن الله، فكانت لها أسباب أخرى، لعل في مقدمتها أن الشيطان أراد أن يعرف من هو هذا الذي شهد له الروح القدس في العماد… أحقاً هو ابن الله…؟ وإن كان كذلك، فلماذا لا يستخدم سلطانه كإبن! وما لزوم الجوع والوحدة والصوم…!
إن كان المسيح نفسه قد جرب، فلنقبل التجارب بدون تذمر، ولننصت إلى قول القديس برصنوفيوس:
إن كنا خطاه فبالتجارب نؤدب. وإن كنا أبرارًا، فبالتجارب نتزكى. وعلى كل حال فالتجارب نافعة لنا.
ثالث درس نأخذه من التجربة على الجبل هو
الجبل في حياة السيد المسيح:
كان السيد المسيح يحب الجبال، وتمثل الجبال أهمية في حياته: كما كانت التجربة على جبل، كانت العظة أيضًا على جبل، وكانت تأملاته وصلواته على جبل الزيتون في بستان جثسيمانى. وكان مجده على جبل التجلي، وكان صلبه على جبل الجلجثة…
إن الجبال بطبيعتها، لها متعتها الروحية، إذ لم تتدخل يد الإنسان فيها لإفسادها… ان الذي جرب فيكم القفر والبرية والهدوء والسكون والطبيعة الهادئة البعيدة عن يد البشر، يعرف ما للجبال من تأثير…
قال مار اسحق: “إن مجرد نظر للقفر، يميت من القلب الحركات العالمية”. “إنها الجبال البعيدة عن سجن الحواس..”
ما أجمل قول الكتاب عن الرب: أساساته في الجبال المقدسة. عاش القديسون في الجبال، الجبال المقفرة، التي ليس فيها مناظر تستهوي الحواس، في مكان بلا ماء، وموضع غير مسلوك”.
وهناك إذ لم تنشغل حواسهم بما يغريها، انشغل فكرهم بالعمل الإلهي، وانشعل قلبهم بمحبة الله، بدون معطلات.
آدم بدأ حياته في الجنة. وفي الجنة مناظر تغري الحواس، فحورب بالأكل وبشهوة الثمار. ونظر فإذا الشجرة جيدة للأكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر.. وبدأ يحب العالم والمادة.
أما المسيح فلم يبدأ خدمته بالجنة كأدم، إنما بدأها بالقفر، بزهد في المادة، بعيدًا عن الثمار والأزهار…
ليت الجبال تكون موضع تأمل لكم، وموضع صلاة وخبرة. وليتكم تقضون فيها عطلاتكم بدلًا من أماكن العثرات والشهوات.
السيد المسيح بدأ خدمته بالوحدة والهدوء والصمت.
ترك جميع الناس، وجلس وحده على الجبل. ترك أمه العذراء، وأبناء خالته يعقوب ويهوذا ويوسي، ترك الكل…
كانت محبة كبيرة من العذراء، أنها لم تعرقل وحدة ابنها…
إنه ابنها الوحيد، وكانت تحبه. ولكنها تركته وحده. لم تقف عائقاً أمام عمله الروحي. كان يرن في أذنها قوله وهو صبي “ينبغي أن أكون فيما لأبي”.
ما أنبل الأم التي لا تقف في طريق ابنها الروحي، ولو ضحت بعواطفها، وأبعدت أمومتها عن الأنانية، ومزجتها بالحكمة.
رضيت العذراء أن ينفرد ابنها على الجبل، مع الوحوش، بعد الاعلان المجيد الذي صاحب عماده. وقبلت أن يترك البيت، ويجول من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ليس له أين يسند رأسه. وقبلت أن يكون مكانه المفضل هو جبل الزيتون… إن المسيح الذي اختار الجبل والصمت والهدوء، اختار له أيضًا أماً صامته هادئة.
كلمة الله، وحكمة الله ونطق الله، جلس صامتًا…!
ولكنه صمت متأمل، وصمت مدبر… إن صمت الابن، هو حديث الابن إلى الآب… يصمت فمه، ويتكلم قلبه، يصمت لسانه، وتنشغل مشاعره بالإلهيات…
وهكذا عاش المسيح 30 سنة، لم نسمع أخباره خلالها.
لأن العمل الجواني لم يسجل لنا في الأناجيل، إنما سجلت لنا الأحداث والأحاديث. ولعله بنفس الوضع كان يوحنا المعمدان، الذي قضى 30 سنة في البرية قبلما يبدأ خدمته…
وشاء المسيح أن يولد من فتاة صامتة أيضًا…
ترى كثيراً، وتتأمل كثيراً، دون أن تتكلم… “تحفظ كل تلك الامور، متأملة بها في قلبها”
هذا الصمت العجيب، كان مظهرًا للعمق الداخلي…
كان مجالًا للصلاة، وللتأمل، وللعمل الجواني وللتدبير الهادئ… إن الصمت مظهر للاتزان وللحكمة والروية والهدوء… وفترة الهدوء هذه، كانت فترة الاستعداد للخدمة، فترة التدبير قبل العمل…
إن في صمتك سراً لن يرى… قدس أقداسه إلا الصامتون.
هكذا كان المسيح، وكانت أمه، والملاك الذي أعد له الطريق.
إن الإنسان العميق يرى أن “الاستماع أفضل من التكلم”. في صمته يفكر، وفي صمته يصلي، وفي صمته يدخل إلى أعماق الأمور. في صمته يجلس مع الله، ويجلس مع نفسه. وفي صمته يبعد عن أخطاء اللسان.
والمسيح لم يصمت بعدًا عن أخطاء اللسان، ففيه كل كنوز الحكمة والمعرفة… ولكنه صمت عمقًا، وصله مع الآب…
لسنا ندري أعماق هذه الأربعين يوماً التي جلسها المسيح صامتاً.. كل يوم منها كان قدس أقداس، بل كل ساعة، بل كل لحظة. من يستطيع أن يدخل إلى لجة هذا الصمت المقدس، وما يحويه من أحاسيس ومشاعر وأفكار، وما يحويه من حب ومن حكمة… ومن أسرار.
في هذه الأربعين يومًا وضع السيد المسيح أسس الخدمة التي يسير عليها… كانت في قلبه، ووضعها كمبادئ راسخة يمكن أن يقتدي بها كل خادم روحي.
إن السيد المسيح يعطينا فكرة عن أهمية الخلوة قبل الخدمة. أهمية الأربعين يوماً التي يقضيها الكاهن في الدير قبل خدمته، وأهمية ساعة الصلاة التي يقضيها كل خادم في مخدعه قبل أن يتحدث إلى الناس أو يفتقدهم…
حياة الانتصار:
إن فترة الأربعين يومًا التي قضاها المسيح على الجبل، لم تكن فقط فترة هدوء وتأمل وصلاة، وإنما أيضًا كانت مثلًا لحياة النصرة التي اجتازها في حروبه مع الشيطان…
أعطانا مثالًا كيف نرد على الشياطين ونغلبهم. وبرهن لنا عملياً، كيف أن الشيطان ضعيف في تجاربه وحروبه، ضعيف في منطقه وحجته، ضعيف في مناقشاته وفي اغراءاته، ضعيف أمام عبارة: اذهب يا شيطان إن الشيطان يحارب، ولكن ليست له قدرة على الروحانيين.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الحادي عشر) 12-3-1976م



