التجربة على الجبل (4)

التجربة على الجبل (4)
- اذهب يا شيطان (مت4: 10) * لا نأخذ من يد الشيطان
- أمثلة نجرب بها الرب * الشيطان لا يعطي مجانًا
- تجربة الملك * نصرة الرب وفوائدها
- هل يمكن استخدام السلطة لنشر الكرازة؟ *الرب ينتهره في حياتنا
- المسيح رفض المُلك مرات * تجارب يمنعها قبل وصولها
- كان ملكًا على خشبة * إن وجدت نفسك في راحة
- ماذا عن الملك الألفي؟ * جحد الشيطان في المعمودية
- الشيطان: هل هو يعطي، أم هو يأخذ؟! * الذين يطردون الشيطان عنك
- الذين لا يقولون: اذهب لينتهرك الرب يا شيطان
- كيف تنتهره عمليًا
تحدثنا في العدد الماضي عن تجربة جناح الهيكل، وكيف رد الرب على الشيطان قائلًا: «لا تجرب الرب إلهك». وشرحنا كيف أن محبة الله لنا لا يجوز أن تُوضع موضع الاختبار، وأننا يجب أن نحب الله حتى وسط التجارب والضيقات والآلام. على أننا أحيانًا نجرب الله.
أمثلة بها نجرب الله:
- في حالة مرض: قد يرفض إنسان أخذ الدواء، أو استشارة طبيب، ويقول: أنا تارك الأمر لله ليشفيني بدون واسطة!
كلا. لا تجرب الرب إلهك. فهو نفسه قال: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى (مت9: 12).
ومع أن هذه الآية قيلت في معنى روحي، إلا أنها تعني ضمنًا موافقة الرب على احتياج المريض إلى طبيب.
ونلاحظ أن بولس الرسول وصف لتلميذه تيموثاوس علاجًا (1تي5: 23). ولم يكتف بمجرد الصلاة التي ذكرها الرسول (يع5: 14).
- مثال آخر: تلميذ لا يذاكر! ويطلب من الله منحه النجاح بمعجزة، وإذا حدث أن الامتحان لم يأت من الصفحات القليلة التي ذاكرها، يشك في محبة الله وفي معونته! بينما الله دعانا أن نكون أمناء في عملنا. ومن ذلك الأمانة في المذاكرة.
- مثال ثالث: إنسان يذهب إلى مكان معثر، ويقول: الله قادر أن ينجيني من السقوط!! ويضرب أمثلة بالقديس إبراهيم الذي نجا مريم، والقديس يوحنا القصير الذي أنقذ بائيسه… وينسى أنه ليس في مستوى أولئك القديسين.
كما ينسى قول الكتاب: «طوبى للرجل الذي لا يقف في طريق الخطاة، وفي مجلس المستهزئين لا يجلس» (مز1).
لا تُدخِل نفسك في تجربة، وتطلب من الرب أن ينقذك منها. ولكن إن دهمتك التجارب بدون خطأ، فالله ينقذك.
- مثال رابع: قد يجرب الرب الذين يجدون له علامات معينة!!
إن كان هذا الأمر قد حدث مع جدعون في ظروف معينة قاسية (قض6)، فلا تطلب أن يحدث ذلك معك أيضًا. ولا تجعلها قاعدة.
التجربة الثالثة
تجربة المُلك:
يقول الكتاب إن الشيطان أخذ السيد المسيح إلى جبلٍ عالٍ، وأراه جميع ممالك الأرض ومجدها، وقال له: «لك أعطى هذه كلها إن خررت وسجدت لي» فانتهره الرب..
تجربة يمكن استخدامها في الكرازة! يمكن أن تصير ملكًا، وتسن القوانين لإلغاء الوثنية ولمنع الرذائل. فيسود الحق على الأرض!
ولكن الرب رفض هذا؛ رفض أن يسير الناس في طريق الخير، عن طريق السلطة والأمر والقانون. إنه يريد الناس أن يحبوا الله من أعماق قلوبهم. وأن يحبوا الخير ويفعلوه عن رضى، وليسوا مرغمين على ذلك بالقانون.
إنه يريد أن يكون الإنسان مسيرًا ولو في طريق الخير، إنما يريد له نقاوة القلب التي بها يفعل الخير بتلقائية الحب. فالسلطة قد تؤدي إلى مظهرية نقية خارجية. وقد يكون القلب غير ذلك تمامًا، مملوءًا بالشهوات والخطية.
طريق النقاوة الداخلية طريق طويل وصعب، ولكنه أكثر ثباتًا من الطاعة الخارجية.
وتجربة المُلك لم يرفضها السيد المسيح مرة واحدة على الجبل، إنما مرات عديدة..
فبعد معجزة إشباع الجموع، يقول الكتاب: «ولما رأى يسوع أنهم مهتمون بأن يأتوا ليختطفوه ويجعلوه ملكًا، انصرف إلى الجبل وحده» (يو6: 15).
وتكرر الأمر في يوم الشعانين، إذ استقبلوه كملك في أورشليم. ولكنه رفض هذا المُلك، لأنه لم يأت ليملك ملكًا عالميًا، بل ملكًا روحيًا على القلوب. لذلك قال: «مملكتي ليست من هذا العالم» (يو18: 36).
وهكذا عاش المسيح على الأرض بلا لقب، بلا سلطة عالية… مجرد معلم ينشر الروحانية والحب وسط الناس. لا يستخدم السلطة، وإنما يستخدم الاقناع. وتدخل كلماته إلى القلوب في عمق. يدعو الناس إلى الإيمان وإلى التوبة وإلى الملكوت، بخدمة الكلمة وليس بالأمر. بالعمل الداخلي وليس بالضغط الخارجي…
ومع ذلك كان ملكًا. وكيف؟
إنه مَلَكَ على خشبة (مز95). على الصليب صار ملكًا، حينما اشترى الكل بدمه، فصاروا له… دفع الثمن، واستخلص الفريسة كلها من يد الشيطان الذي كان يُدعى: «رئيس هذا العالم» (يو16: 11).
وفي سفر الرؤيا دُعِيَ الرب «ملك الملوك ورب الأرباب» (رؤ19: 16) ولكن بالمعنى الروحي وليس بالمعنى الذي أراده الشيطان.
وما زالت تجربة المُلك تطارد المسيح حتى بعد صعوده إلى السماء، وذلك في ما يسميه البعض بالمُلك الألفي. إذ يتصورون أن المسيح سيأتي ليحكم على الأرض ألف سنة!! بينما مُلك المسيح لا يمكن أن يكون ملكًا أرضيًا مثل القياصرة والأباطرة! إنه رفض أن يجلس على عرش في الهيكل، فهدفه لم يكن العرش، إنما تطهير الهيكل..
إنه يريد أن يملك على القلوب. وليس أن يملك بالتيجان والعروش.
مسكين هيرودس الملك الذي ظن أن المسيح سينافس في مُلك أرضي، لذلك قتل كل أطفال بيت لحم، من أجل وهم في قلبه لا وجود له في عالم الحقيقية..
إن السيد المسيح كان أعلى وأسمى من الملك الأرضي. وكل مماليك الأرض ومجدها التي اهتم الشيطان بإظهارها، لم تكن لها قيمة في نظره. ولم يكن لها الإغراء الذي يراه محبو العالم وما فيه من تعظم المعيشة. (لو4: 6)
على أننا نجد في كلمات الشيطان عبارة يحسن أن نقف عندها لنرى ما فيها من زيف.. وهي:
لك أعطي هذه كلها
الشيطان يَدَعي دائمًا في يده شيئًا يمكن أن يعطيه، وأن يغري به!
وهل حقًا كانت في يده كل ممالك الأرض ومجدها، وكان بإمكانه أن يهبها لشخص ما، أيًا كان؟!
والسيد لم يناقش معه هذه النقطة، كما لم يناقش سابقاتها.
من المعروف أن الشيطان يكذب. والكذب هو إحدى وسائله. وقد قال عنه الرب: “أنه كذاب وأبو الكذاب” (يو8: 44). وهو يكذب أيضًا في ادعائه أنه سيعطي.
الشيطان لا يعطي أبدًا، وإنما يأخذ! أو يأخذ أكثر مما يعطي!
بعد أن يعطي ممالك الأرض ومجدها، لكي يأخذ التجرد والقناعة.
يعطي الزنا لكي يأخذ العفة، يعطي متعة الجسد. وفي الواقع أنه يسلب متعة الروح.
يعدك أن يعطيك العالم، لكي يسلبك قلبك وأبديتك.
وأحيانًا لا يعطي شيئًا على الإطلاق، وإنما كل ما يقدمه هو الأماني الكاذبة وأحلام اليقظة. وحتى إن كان يعطي، نحن لا نقبل أن نأخذ شيئًا من يد الشيطان.
الإنسان الروحي لا يأخذ إلا من يد الله. لأن كل عطية صالحة، وكل موهبة تامة، هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار” (يع1: 17).
أما عطايا الشيطان فهي مرفوضة لأنها تُضَيِع من يأخذها، مثلما قدم للوط الأرض المعشبة التي كانت تبدو في عينيه كجنة الله كأرض مصر (تك13: 10). وكانت نهايتها الضياع..
وأيضًا: الشيطان لا يعطي مجانًا، إنه يشترط شروطًا مهينة يسلب بها الملكوت، لأنه قد حُرِمَ من هذا الملكوت، لذلك يحسد كل المتمتعين به. وهدفه الأول هو سبي الروح وإخراجها من محبتها لله..
وفي تجربته للمسيح جاوز اللامعقول فقال في جرأة لا يصدقها أحد: “إن خررت وسجدت لي”! ولعله كان يعرف تمامًا أن هذا العرض مستحيل. ولكن ربما إذ استشعر الهزيمة في كل تجاربه، لم يشأ أن يخرج منها مهزومًا بدون انتقام، فليقل ولو كلمة إهانة! والإهانة لا تصيب من يسمعها، بل هي في حقيقتها إهانة لمن يلفظها.
ولذلك انتهره الرب قائلًا: “اذهب يا شيطان” فذهب مدحورًا في خزي.. وهكذا كان الرب منتصرًا على طول الخط في كل تجارب الشيطان. وكانت كل تجربة لها الرد الحاسم من آيات الكتاب المقدس، وقد اختتمت كل منها بعبارة: “لأنه مكتوب..”
وأعطانا الرب قدوة صالحة في حياة الانتصار، كما قدم للآب أمثولة من البشرية الطاهرة، إذ الكل قد أخطأوا. وفي نفس الوقت أظهر للشيطان كم هو فاشل في تجاربه.
ونحن نصلي قائلين للرب:
كما هزمت الشيطان في كل تجاربه، أهزمه أيضًا في حروبه لنا، لأننا بدونك لا نقدر أن نفعل شيئًا. وكما مجدت طبيعتنا البشرية بتجسدك، وأعطيتها روح النصرة في كل تجاربك، كذلك قُدنا معك في موكب نصرتك (2كو2: 14).
وكما انتهرت الشيطان فذهب، كذلك قل له أيضًا في تجاربنا اذهب يا شيطان
لم تكن هذه العبارة التي قالها الرب على الجبل هي الوحيدة، بل كررها أيضًا حينما تحدث عن صلبه فقال له بطرس: “حاشاك يا رب”، فأجابه: “اذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لي..” (مت16: 22). كانت فكرة من الشيطان نطق بها بطرس، فانتهر الرب صاحبها، الشيطان..
بل عبارة: “اذهب يا شيطان” هي مبدأ روحي يقدمه لنا الرب في كل الحروب الروحية.
والرب في استخدام هذه العبارة، لم يفعل ذلك في تجاربه فقط، بل يفعل ذلك من أجلنا نحن أيضًا في حروبنا وتجاربنا..
انه ينتهر الشيطان الذي يحاربنا فيذهب عنا ويتركنا في هدوء.
لأنه لو أن الرب ترك الشيطان يحارب البشرية بكل حريته وبكل قوته، ما كان يخلص أحد، ولاستطاع الشيطان أن يحطم كل عمل روحي. مثلما يُفَك من سجنه ليضل الأمم كما قال الكتاب (رؤ20: 7).
إن الشيطان مقيد، بالعبارة التي قالها له الرب: “اذهب يا شيطان“. والرب يقول له اذهب، حتى لا ينتصر الشر على الخير.
ويقول له اذهب، حينما يراه قد تجاوز حدوده، وأرهق الإنسان.
فالله يريد أن تكون حروبنا في حدود المعقول، وفي طاقة احتمالنا. وكما يقول الكتاب: “ولكن الله أمين، لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون. بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو10: 13).
فإن وجد أن الشيطان قد ضغط على الإنسان بقسوة فوق احتماله، ينتهره بسرعة ويقول له: اذهب يا شيطان.
وكثير من تجارب الشيطان، يمنعها الرب قبل وصولها إليك.
إنك تشكر فقط على التجارب التي تعرفها وقد نجاك الرب منها. ولكن هناك تجارب أخرى أنت لا تعرفها، قد منعها الرب من أن تصل إليك. كان الشيطان يحملها لزعزعتك.. وفيما هو في الطريق قال له الرب: “اذهب يا شيطان”.. اذهب بعيدًا عن هذا الإنسان ولا تضره بشيء.
ومثال ذلك ما قيل في المزمور: “لا تدنو ضربة من مسكنك” (مز90). ومثاله أيضًا ما ورد في قصة أيوب.
إذ قال الرب للشيطان في التجربة الأولى عن أيوب: “هوذا كل ماله في يدك. إنما إليه لا تمد يدك” (أي1: 12)”. وفي التجربة الثانية قال له: “ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسه” (أي2: 6)”. ولم يستطع الشيطان أن يمد يده حيث منعه الرب..
إذن ليتنا نشكر على هذا الإنقاذ الذي لا نعرفه.
فإن وجدت نفسك يومًا في راحة لا تجارب، ولا أفكار، ولا شهوات ولا سقوط، ولا فتور، اعرف أن الرب قد انتهر الشيطان المحارب لك قائلًا: اذهب يا شيطان.
وحاذر من أن تنسب راحتك الروحية إلى نقاوتك وتقواك، أو إلى قوتك، فلو أن الحرب قامت عليك، ربما كنت تتعب جدًا.
ولكن الله من فرط محبته وحفظه، لا يشاء أن نكون على الدوام محاربين أو مهزومين، لئلا من شدة القتال يقع الإنسان في اليأس أو في الاستسلام، أو أن كثيرين يقولون له: ليس له خلاص بإلهه” (مز3: 2).
إن الله يسمح للشيطان أن يجربنا، لكي نشعر بضعفنا فنتضع ونصلي، ونشفق على المجربين. ولكن لا يسمح أن نيأس ونسقط.
وأحيانًا يكون الإنسان في حرب قاسية، وعلى وشك السقوط. ثم يجد نفسه قد نجا من هذه الحرب، دون أن يشعر كيف! وكما قال القديس باسيليوس عن هذه الحالة: إن هذا الإنسان قد أُعينَ من النعمة..
فلنطمئن إذن في حروبنا، ولا نظن أن الشيطان له قوة غير محدودة! حاشا.
فقد أعطانا الرب سلطانًا على جميع الشياطين (لو9: 1) نستطيع أن نقول للشيطان اذهب، فيذهب..
وواجبنا أن نستخدم هذا السلطان وننتهر الشيطان كلما حاربنا. لا نخاف منه، ولا نستسلم له، ولا نفتح له أبوابنا، ولا نقبل التفاهم والتفاوض معه، بل نقول له كما قال الرب: “اذهب يا شيطان”.
أول علاقة لنا بهذه العبارة هي جحد الشيطان في المعمودية.
حيث تحمل الأم طفلها، وتتجه نحو الغرب. وتقول للشيطان: أجحدك أيها الشيطان، وكل حيلك الشريرة، وكل أفكارك الرديئة والمضلة، وكل جيشك وكل سلطانك، وكل بقية آفاقك. أجحدك أجحدك. أجحدك. يا ليت كل أم تقول جحد الشيطان بكل قلبها، وتحض ابنها على الدوام بجحد الشيطان. وكلما يحارب ابنها تقول له: اذهب يا شيطان.
وليت الأب يفعل كذلك، وأيضًا جميع الأقارب والأحباء والأصدقاء، كلما يجدون تجربة شديدة تحيط بعزيز لديهم، فيصرخون قائلين: اذهب يا شيطان..
هذه هي ما نسميها شفاعة الأحياء في الأحياء.
على أن جحد الشيطان ينبغي أن يبقى ثابتًا في الإنسان المُعَمَد كل أيام حياته..
والمهم أن يقول الإنسان اذهب يا شيطان، ليس بلسانه فقط. إنما من كل القلب، وبكل الإرادة، وفي حزم.
يستطيع أن يقول للشيطان اذهب، ذلك القلب النقي الطاهر، الذي يرفض الشيطان وكل مغرياته، ولا يشتهي شيئًا يستطيع الشيطان أن يقدمه، فعبارة اذهب يا شيطان، إذا كانت تسندها نقاوة القلب، تصير لها قوة لا يحتملها عدو الخير.
وهذا الإنسان النقي، تكون له هيبة أمام الشيطان. لأنه ينتهر الشيطان بجدية وقوة.
ويعرف عدو الخير أنه لا مجال له إطلاقًا للتفاهم مع هذا الإنسان، وأن كل أبواب قلبه وفكره وحواسه ومشاعره مغلقة أمامه. تمامًا كما قيل في سفر النشيد: “أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم” (نش4: 11). إن قلب هذا الإنسان الطاهر هو الذي غنى له المرتل في المزمور قائلًا: “سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون.. لأنه قوى مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك” (مز147).
على أن البعض لا يشاءون أن يقولوا للشيطان: اذهب.
إما لأنه بينهم وبينه صداقة وتعاون، أو لأن في قلوبهم شهوات لا يحققها لهم إلا الشيطان، أو لأن الشيطان قد قيدهم بعادات وطباع خلال عشرته الطويلة معهم..
وإن قالوا له: اذهب، يقولونها في ضعف يفهمه الشيطان تمامًا ويدركه.
بل إن البعض إذا ذهب عنهم الشيطان، يطلبونه قائلين: اعبر إلينا وأعنا…!
هؤلاء قد دخلوا في عبودية العدو، وصاروا من جنده. هم مهزومون داخل قلوبهم. لذلك لا يمكنهم أن ينتصروا في الخارج. بينهم وبين الشيطان عمل مشترك يحبونه ويعينهم عليه. فكيف يقولون له: اذهب؟!
يحتاج هؤلاء إلى صلوات ليتدخل الرب ويقول للشيطان اذهب.
سواء كانت هذه الصلوات منهم أو من محبيهم، أو من الكنيسة على الأرض، أو صلوات من الملائكة والقديسين، مثلما شفع ملاك الرب في يهوشع الكاهن وقال: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب.. أفليس هذه شعلة منتشلة من النار” (زك3: 2).
والذي يقول للشيطان اذهب، عليه أيضًا أن يتخلص من كل ما يخص الشيطان عنده..
فلا يستبقي عنده شيئًا يمكن أن يحاربه به الشيطان، ولا يستبقي علاقة يمكن أن تسقطه فيما بعد، أو يبعد عن كل عشرة أياً كان نوعها، وكما قيل للوط عند خروجه من سدوم: “اهرب لحياتك. ولا تنظر إلى ورائك، ولا تقف في كل الدائرة” (تك19: 17).
وهكذا يمكن أن يقول للشيطان اذهب، ليس باللسان، إنما بالتصرف الروحي السليم.
فيبعد عنه كل من يستخدمه الشيطان لمحاربته، حتى إن اعثرته عينه أو يده (مت5: 29، 30) ويقول له اذهب عن طريق العمل الروحي، والانشغال بالصلاة والقراءة والاجتماعات والخدمة. فإن أتى الشيطان لمحاربته، يجده مشغولًا عنه جدًا، ولا وقت له يقضيه معه، فيذهب..
ويقول له اذهب بطرد كل أفكاره.
بسرعة، بغير إبطاء، وبحزم. وكما قال الرسول: “مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح” (2كو10: 5).
كان المسيح قويًا حينما طرد الشيطان فذهب، فأطرده إذن بقوة المسيح العاملة فيك.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 13-4-1986م


