البشاشة

في مناسبة العيد، أحب أن أكلمكم عن الفرح، الفرح بالرب، الذي يكون به الإنسان دائم البشاشة. لذلك فليكن موضوع تأملنا اليوم هو البشاشة.
البشاشة1
† البشاشة هي دليل الفرح الداخلي، الفرح ثمرة من ثمار الروح القدس (غل5: 22).
والبشاشة دليل على السلام الداخلي، والسلام هو ثمرة من ثمار الروح القدس.
إذن الشخص البشوش إنسان يسكن فيه روح الله ويصنع ثماره..
† الوجه البشوش يشيع السلام حواليه، وليس داخل نفسه فقط. الوجه البشوش تعزية صامتة للقلوب الحزينة.
الوجه البشوش يبعث الطمأنينة في قلوب الآخرين، ويدل على أن صاحبه شخص مريح، يدل على نفسية مرتاحة من الداخل.
أما الكآبة والتعب وفقدان السلام، فهي دليل على ضعف الإيمان داخل القلب. لأن القلب المؤمن مهما أحاطت به المتاعب، بل مهما انتصر عليه الشيطان، عنده أمل ورجاء وإيمان أن كل الأمور ستنتهي بخير، لذلك يكون بشوشًا.
† الإنسان البشوش لا يعيش في التعب الحاضر، إنما بالرجاء يعيش في الفرح المقبل. إن لم يعش سعيدًا في الواقع، يعيش سعيدًا في الخيال والأحلام…
يتخيل المسيح ماشيًا على المياه، ينتهر الريح، ويزجر الأمواج. ويتخيل المسيح آتيًا في الهزيع الرابع من الليل. ولا يكون خياله وهمًا، وإنما حقيقة مبنية على الإيمان.. إنه لا شك يأتي ولا يبطئ. لأن وعود الله صادقة، والبشوش يعتمد عليها.
“اذكر لي كلامك الذي جعلتني عليه أتكل، هذا الذي عزاني في مذلتي (مز 199).
والإنسان البشوش لا يسمح للمشاكل أن تحصره داخلها، إنما يكسر دائرتها، ويفتح له بابًا ليخرج منها.
† أحيانًا ترتبط البشاشة بالزهد ” فالقلب الزاهد لا يحرص على شيء، ولا يحزن على فقدان شيء. ولا يشتهي الحصول على شيء. لذلك لا يوجد شيء يتعبه…
الإنسان البشوش لا يحكم عقله، وإنما يحكم إيمانه… لا يحكم على الأمور بتفكيره الخاص، إنما يحكم عليها في ظل الإيمان بالله صانع الخيرات، محب البشر… لابد أن الله يعمل خيرًا، حتى إن كنت لا أرى هذا الخير.. قد يكون ذلك مجرد قصور في نظري…
† الإنسان البشوش، حتى لو كان قلبه مملوءا بالأحزان، يقول: وما ذنب الناس حتى يرونني عابس الوجه فيحزنون؟!…
الإنسان النبيل يحتفظ بحزنه لنفسه، ويقدم بشاشته لغيره. يشرك الناس في أفراحه، وليس في أحزانه.
† البشوش يفيض على الناس بشاشة، ويجعلهم بشوشين مثله.
يشيع حوله جوًا من الفرح، ومن السلام، ومن الاطمئنان.. وينسي الناس أحزانهم…
الإنسان الذي يحب البشاشة، يحبها لغيره أيضًا…
† لذلك فهو دائمًا يوجد حلولا لمشاكل الآخرين…
يعطيهم تفسيرًا مريحًا لكل الضيقات، ووجهًا مشرقًا لكل المتاعب. إنه يفرح ويفرحهم مهما حدث.. كل ما يحدث لا يستطيع أن ينزع فرحه منه.
† الإنسان البشوش يخفف من المتاعب ولا يحسب لها ثقلًا، أما الكئيب فيضخمها ويكبرها…
البشوش ينتصر على المتاعب. أما الكئيب فتنتصر المتاعب عليه. البشوش لا يقع في الحصر النفسي، ولا تكون نفسه عدوة له في الداخل
† البشوش عقله صديق له، دائمًا يريحه. أما الكئيب فعلقه ألد أعدائه، لأنه يصور له متاعب لا وجود لها، ودائمًا يضخم له الشر، ويغلق أمامه أبواب الحلول…
يقول له إن أراد أن يخرج من بيته إن “الأسد في الطريق” لقد قال السيد المسيح “تعالوا إلى يا جميع المتعبين وأنا أريحكم. وقال الكتاب “ألق على الرب همك وهو يعولك”.
† الكئيب يحمل همومه. أما البشوش فيتركها للرب يحملها عنه
البشاشة تقف إلى جوار الآية التي يقول “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” “لا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم”.
† البشوش الحقيقي هو الذي يتمتع بالبشاشة الداخلية، كما يتمتع بالبشاشة الخارجية.
† البشوش إذا أخطأ، بدلًا من أن يفقد بشاشته، يصلح نفسه وحينئذ يعيش في سلام داخلي وسلام مع الله.
† الكآبة ليست حلًا عمليًا للمشاكل. الشخص البشوش يبحث عن الحل العملي، الذي يتخلص به من المشكلة ومن الكآبة…
† الكئيب إذا سمع بموت لعازر، يقول كما قال توما “نذهب ونموت معه”. وهل إذا ذهب ومات معه، سيكون هذا حلًا للمشكلة، أم إضافة مشكلة جديدة إليها؟! أما البشوش فيقول مع المسيح “لعازر حبيبنا قد نام. نذهب ونوقظه”… لقد خفف عبارة “مات” لأنه لا يريد أن يحزن غيره…
† البشوش لا يفكر في المشكلة ومتاعبها، إنما يفكر في حلها فإن وجد الحل، تزول المشكلة ويفرح.
أما الكئيب فيفكر في المشكلة وأعماقها وأبعادها، وكيف حدثت، ومدى نتائجها السوداء، فيزداد كآبة. ولا يفكر مطلقًا في حلها. وإن فكر في الحل يستصعبه، ويضع أمامه العقبات، أو يتخيل أنه لآجل. أو تشل الكآبة تفكيره، فلا يبصر الحل وهو موجود. وهكذا يستمر في كآبته، بل تزداد هذه الكآبة ويستطيع أن يكون بشوشًا…
† البشوش إن لم يجد حلًا لمشكلته، يتركها لله، الذي عنده حلول كثيرة، وينساها بين يديه الإلهيتين.
أما الكئيب فلا يستطيع أن ينسى مشكلته. إنها قائمة دائمًا أمام عينيه، تتعبه وتزعجه. كلما فكر فيها، أرهقت أعصابه، وأتعبت نفسيته. لذلك فإن الأطباء النفسانيين قد يعطونه منومًا، كي ينام ولا يعود يفكر فيها، أو يعطونه مهدئات ومسكنات، لكي تستريح أعصابه. وكلها علاجات من الخارج، بينما الداخل في تعب…
† البشوش يعطي فرصة لله لكي يعمل..
إن أتعبته مشكلة، يقول للرب: جاء وقتك لكي تتدخل. لقد كنت ادخرك لوقت الضيق، وهوذا وقت الضيق قد جاء، فأعمل أنت يا رب. ويكون واثقًا أن الله سيعمل. لذلك لا يضطرب… أما الكئيب فينسى وجود الله وتدخله في وقت تعبه…
† البشوش يضع الله بينه وبين المشكلة، فتختفي المشكلة وراء الله. أما الكئيب فيضع المشكلة بينه وبين الله، فلا يري الله.
† البشوش لا يعطي المتاعب أهمية أكثر من وزنها الحقيقي لا تخيفه، ولا ترعبه. إنه إنسان مستريح الأعصاب، مستريح النفس، مستريح الفكر.. لا يقع مطلقًا في القلق أو الاضطراب أو الحيرة أو اليأس
ولكن لعل سائلًا يسال: إن كان هذا شأن البشاشة وأهميتها، فما معني قول الكتاب “بكآبة الوجه يصلح القلب؟
وما معني الحزن على الخطايا. وما معنى دموع القديسين؟ وما معنى “للفرح وقت، وللحزن وقت”؟ وما يشابه هذا كله من آيات ونصوص مقدسة؟
الإجابة على هذا بسيطة، وهي أن هناك فرقًا بين حزن وحزن، وكآبة وكآبة … والكآبة الروحية لها علامات تميزها عن الكآبة الخاطئة.
1- الإنسان الروحي يكتئب لأسباب روحية وليس لأسباب عالمية أو شخصية.
2- وكآبته مخلوطة بالرجاء، كما قال الكتاب “لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم”.
3- لذلك فإن رجاءه يولد له فرحًا، كما قال الرسول “فرحين في الرجاء” (رو 12).
4- وكآبته تؤول إلى فرح، كما قال الرسول “كحزانى، ونحن دائمًا فرحون”. كآبة تقود إلى التوبة، والتوبة تلد فرحًا.
إن الحزن الروحي ممزوج بالفرح، وليس هو حزنًا خالصًا. إنه ممزوج بالرجاء.. ثم هو لا يستمر طويلًا. هو مرحلة في الطريق، جسر يوصل إلى الفرح، وإلا فما معنى قول الكتاب “افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضًا افرحوا”.
وهو حزن يريح الإنسان، لا يتعبه كالكآبة التي تحطم النفس، وتقلق الفكر، وتمرض الأعصاب، وتبعد عن عمل الروح… وتنفصل عن الرجاء وعن الإيمان، وتنسى الله وتدخله..
إن الكآبة الروحية هي حساسية في العاطفة، ولكنها ليست انحصارًا في النفس، إنها تحمل الفرح داخلها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد التاسع عشر) 9-5-1975م




