البدعة كالكبرياء كل قتلاها أقوياء !! -2

البدعة كالكبرياء كل قتلاها أقوياء !! -2-1
عرضنا في العدد الماضي إلى ما ورد في (تث13: 1- 7) “إن قام في وسطك نبيًا أو حالم حلمًا…”. وكيف أن الرب قد جعل هذا لامتحاننا هل نطيع هذا المعلم الخاطئ المشبه بالنبي أم نطيع الله. وسنضرب أمثلة لبعض هؤلاء المعلمين الذين كانت لهم مكانة كبيرة وأخطأوا ونذكر من بينهم
أوريجانوس
لا شك أن أخطاء أوريجانوس كانت امتحانًا شديدًا للكنيسة. مثل هذا المعلِّم الذي كان مديرًا للمدرسة اللاهوتية الإسكندرية، وكانت له سلطة جبَّارة في التعليم، وله مدرسة مشهورة في التفسير، وقد تتلمذ عليه عددٌ كبيرٌ من الأساقفة، وكانت له مؤلفات عديدة جدًا، حتى قيل أنَّه لم يوجد العقل البشري الذي يستطيع أن يعي كل ما كتبه أوريجانوس.. أوريجانوس هذا الذي لم يوجد أحد في أيامه قد درس الكتاب المقدس مثلما درسه هو، والذي وضع كتابه المشهور “الهكسابلا” Hexapla من 6 أعمدة، وجمع على مدى 28 سنة أشهَر نُسخ الكتاب وترجماته، وقارنَها وعلَّق عليها.
أوريجانوس هذا كان في صغره يستأجِر المكتبات، ويبيت فيها طوال الليل يقرأ، وفي مؤلفاته كان يستطيع أن يُملي على عددٍ من النُسَّاخ في وقتٍ واحد.. وكان منشغلاً بالعلم.. بالقراءةِ والإملاء، حتى أثناء تناوله الطعام..
أوريجانوس هذا تتلمذ عليه القديس غريغوريوس صانع العجائب والمعجزات، وتتلمذ على كتبه القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي، ودافع عنه فيما بعد يوحنا ذهبي الفم.
أوريجانوس لم يكن فقط عالمًا كبيرًا فحسب، وإنَّما كان من أسرة متديِّنة، استشهد أبوه، ونُهِبت أمواله لأجل المسيح، وهو نفسه يُعتبر من(المعترفين) إلى جوار فضائله الكثيرة.
كان كثير المواهب، وكان مشهورًا بالاتِّضاع وبالصبر والاحتمال، وبالعفة. وكان معلِّمًا للفضيلة كما كان معلِّمًا للاهوت. وقد مدحه القديس غريغوريوس أسقف قيسارية الجديدة، ومدح فضائله أيضًا العلامة چيروم في كتاباته الأولى، كما مدحه القديس كيرلس رئيس أساقفة أورشليم.
أوريجانوس الذي طاف في أماكن عديدة للتعليم. وكلما كانوا يطردونه من مكان، كان يذهب إلى غيره، فيحاربه غير المؤمنين، حتى خشى أصحاب المباني من تأجير قاعاتهم له. وهو يحتمل كل هذا من أجل الكرازة، وقد كتب كتابًا يحث فيه الناس على الاستشهاد..
أوريجانوس الذي فاق كل عصره، فلم يوجد مثله في العبقرية، ولا في المعرفة وسِعة الاطلاع، ولا في القدرة على التأليف، ولا في العمق والتأمل. ولم يوجد مثله في الفلسفة وفي الجدل العقلي واللاهوتي..
أوريجانوس الذي أتقن اليونانية والعبرية. وكان في أسلوبه في غاية البلاغة والتأثير.. وقال عنه “ڤنسان دي لورين” أن الشهد هو الذي كان يخرج من فمه وليس الكلام.
أوريجانوس الذي كان يتناول أصعب الموضوعات، فتصير سهلة في يديه، وواضحة في تعبيره.. الذي لم يوجد معلِّم استخدم آيات الكتاب أكثر مما استخدمها هو..
أوريجانوس الذي تخرَّج في مدرسته معلِّمون وكهنة ومعترفون وشهداء، بلا عدد، وكان موضع إعجاب الكل.. الذي كان يسعى إليه أساتذة اللاهوت وعلماء عصره من أقصاء المسكونة ليتذوَّقوا العلم على يديه، وكان موضع ثقة العالم المسيحي كله..
كان يقابَل بكلِّ توقيرٍ من الجميع، كمعلِّم، وكفيلسوف، وينظرون إليه كما لو كان نبيًا، ولم يحترمه عامة الشعب فحسب بل في القصر الإمبراطوري أيضًا، كانت أم الإمبراطور ألكسندر تعجب بالحكمة التي فيه. وكان من المعجبين به أيضًا الإمبراطور فيليبس (أول أمير روماني صار مسيحيًا).
بل حتى فلاسفة الوثنيين كانوا يُعجبون أيضًا بعلمِه وذكائِه ومعرفته، حتى قال عنه “بروفيرى” أنَّه وصل إلى قمةِ المعرفة الإنسانية.. وهكذا كان مشهودًا له من الجميع.. ويعوزنا الوقت إن أحصينا كل امتيازات هذا المعلم الكبير..
مثل هذه العظمة، كانت بلا شك امتحانًا للناس في أيامه.. من يستطيع أن يترك هذا المعلِّم الذي فاق الكل، مهما نُسِبت إليه من أخطاء..
ثم وقع أوريجانوس في أخطاء، وحرمه البابا ديمتريوس الكرَّام (البطريرك12)، وحرَّم كتبه، أو على الأقل كتاب (المبادئ). ودافع البعض عنه، وقالوا إن الخطأ الموجود في الكتب هو خطأ من النُسَّاخ وليس من أوريجانوس.
وكان حرم أوريجانوس امتحانًا للكنيسة: هل تثبت على محبة الله، أم تثبت في محبة هذا الإنسان العبقري؟.. فثبتت في الله..
وبقى أوريجانوس محرومًا من القرن الثالث إلى يومنا هذا، ولا يجرؤ أحد أن يسميه قديسًا على الرغم من تعبه لأجل الكنيسة. ولما دافع عنه بعض الآباء في القرن الرابع، جدَّد البابا ثاوفيلس البابا (23) حَرمه. وكتب ضده القديس چيروم، وقاد الحركة ضده القديس أبيفانيوس أسقف قبرص، كشخص أخطأ في الإيمان..
وانتصرت الكنيسة في الامتحان.. وفضَّلت العقيدة لا المعلِّم. وأروع ما قيل فيه عبارة: أيها البرج العالي: كيف سقطت؟!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الحادي والعشرون 26-5-1978م




