البدعةُ كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!!

البدعةُ كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!!1
إنه سؤال عرضه “ڤنسان دي لورين”، أحد مشاهير الكُتَّاب في القرن الخامس الميلادي، عن قيام الهرطقات وقوِّتها:
لماذا يسمح الرب بقيام الهرطقات، ولماذا يسمح أن يكون أصحاب الهرطقات شخصيات لها تأثيرها في الجماهير ولها مواهبها؟
وفي إجابته عن هذا السؤال استعرض شخصيات هرطوقية ضخمة مثل نسطور، وأوريجانوس، وأبوليناريوس، وغيرهم. واستشهد بآية جميلة في سفر التثنية، حيث شبَّه الوحي الإلهي هؤلاء الهراطقة بالأنبياء، وشبَّه تعالميهم بآلهةٍ أخرى، فقال:
“إذا قام في وسطِك نبيٌ أو حالم حلمًا، وأعطاكَ أية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلَّمك عنها قائلاً: لنذهب وراءَ آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كلِّ قلوبِكم ومن كل أنفسكم” (تث 13: 1-3).
إنَّه يتكلَّم عن نوعٍ من المعلمين الذين لهم امتياز خاص.. ينظر سامعوه إلى تعليمه، كأنَّه فائقٌ للوضعِ البشري. كأنَّه آيةً أو أعجوبة. ينظرون إلى ذلك الشخص كأنَّه نبي..
حتى إن وُجِد هذا الشخص، وقدَّم للناس آية أو أعجوبة، بتعليمه لهم تعليمًا منحرفًا.. هل يتبعونه أم يتبعون الله؟ هنا الامتحان “لأَّن الرب إلهكم يمتحنكم، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كلِّ قلوبكم ومن كلِّ أنفسكم”.. هل تفضِّلون الله، أم تفضِّلون هذا الإنسان؟ هل العقيدة والإيمان هما الأساس عندكم، أم الأساس هو الشخص. هل يُبهركم الرجل، أم محبة الله هي التي تقودكم؟ هل تضحّون بالله، أم بهذا النبي أو صاحب الأعجوبة؟
إنَّه امتحان: حيث يكون الله في كفة، والإنسان في كفةٍ أخرى، بكلِّ مواهبه – إن وُجِدت – أيهما تختارون؟
ويتابع الكتاب المقدَّس نفس الامتحان، فيقدِّمه بصورةٍ أخرى، وهي إن صدر هذا الإغواء من شخص حبيب إليك جدًا، فيقول: “وإذا أغواك سرًا أخوك ابن أمك، أو ابنك، أو ابنتك، أو امرأة حِضنك، أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك” (تث 13: 6)..
فما هو موقفك في هذا الامتحان؟ بين الإيمان والإنسان؟
يقول الوحي الإلهي “فلا ترضَ منه، ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه، ولا ترِق له، ولا تستره.. يدك تكون عليه.. لأنه التمس أن يطوِّحك عن الرب إلهك..” (تث 13: 8-10). هكذا كانت عقوبة العهد القديم على مثل هذا المبتدع الذي يُزيغ النفس عن إيمانهم، هي القتل..
أمَّا في العهد الجديد فيحكُم عليه الكتاب بالحُرم “ليكن أناثيما”، أو على الأقل يُحكَم بعزله عن شركة الإخوة لكي لا يزيغهم. فيقول يوحنا الرسول: “إن كان أحد يأتيكم، ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلِّم عليه، يشترك في أعماله الشريرة” (2 يو 10، 11).
الناس قد يفعلون هذا بالنسبة إلى الغرباء، بالنسبة إلى الطوائف الأجنبية، إلى غير المعتمدين من الكنيسة.. ولكن ماذا يحدث إن كان هذا الشخص من الآباء؟ إنَّه نفس الامتحان، ونفس الحكم، إذ يقول الرب في ذلك: “من أحب أبًا أو أمًا، أكثر مِنِّي، فلا يستحقَّني” (مت 10: 37).
وفي تاريخ البدع كان هناك آباء، وآباء مشهورون، لهم مكانتهم، ولهم قدرتهم في الوعظ، مثل أريوس، وأبوليناريوس، ونسطور، ومقدونيوس، ومثل معلِّم ضخم كبير هو أوريجانوس..
فهل خجلت الكنيسة من هؤلاء أو جاملتهم؟! كلَّا، بل كانت هرطقاتهم امتحانًا للكنيسة: هل تحب الله أم تحبهم.. لو اتَّضع هؤلاء الأقوياء، واعترفوا بأخطائهم، ما قامت لهم بدعة، ولكنَّهم بسببِ كبريائهم وعنادهم وإصرارهم على أخطائهم، حاولوا أن ينشروا البدعة.
هكذا كانت البدعة ابنة للكبرياء.. وكانت مثلها “كل قتلاها أقوياء” (أم 7: 26).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الحادي والعشرون 26-5-1978م




