الالتقاء بالله والهروب منه

الالتقاء بالله والهروب منه1
أبونا آدم كان أول الهاربين من الله وهرب خوفًا.. الذي يهرب من الله: إلى أين؟ وإلى متى؟ الشيطان يجعل اللقاء مع الله صعبًا، لكي يبذر اليأس.. حاول أن تلتقي بالله كما أنت، ولا تنتظر.. لا تنتظر حتى تتوب، إنما قابله ليمنحك التوبة.
كثيرون لم يعرفوا الله لأنهم يهربون ومع ذلك فما زال الله كما هو القلب الكبير الذي يسعى وراء الكل سواء منهم الذين يسعون إلى اللقاء به أو الذين يهربون.
والهروب من الله قصة بدأت ببدء تاريخ البشرية.
وكان أبونا آدم أول إنسان هرب من الله.
لقد أخطأ، وشعر أنه عريان فبدأ الخوف يدخل إلى قلبه ولما سمع صوت الله في الجنة، هرب من وجه الله، واختبأ وراء الأشجار، وقال للرب سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لإني عريان فاختبأت (تك3: 10).
كان هروب آدم سببه الخوف ولم يكن هذا الهروب في صالحه.
والخوف شيء جديد على الإنسان، لم يكن في طبيعته، حين خلقه الله على صورته ومثاله. وسوف لا يكون في طبيعة الإنسان حين يسترد صورته الأولى، وأيضًا لن يكون هناك خوف في الأبدية، بل الخائفون يطرحون خارجًا (رؤ21: 8) ويبقى الحب يربط بين الله والإنسان، كما كان. على أن الناس توارثوا من آدم في خطيئتهم هذا الخوف وهذا الهروب.. بينما من الواضح أنه من مصلحة الخاطئ، أن يسعى إلى الله، ليخلصه من الخطية، من الموت، لا أن يهرب فيبقى كما هو بعيدًا عن الخلاص. وفي قصة يونان النبي، نراه أيضًا قد هرب من الله، في بادئ الأمر ولسبب آخر.
هرب يونان لتمسكه بكرامته.
خاف أن يذهب إلى نينوى، وينادي عليها بالهلاك، فتتوب ويغفر الله لها فلا تهلك وفي هذا تسقط كلمة يونان! وهناك من يهربون من الله بسبب شهوة عالمية تجذبهم بعيدًا عن الله.
كالشاب الغني الذي مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة.
وكان هذا الشاب قد التقى بالرب في زيارة من زيارات النعمة لمست قلبه، ثم عاد وهرب من الله، لأن طريق الله كان سيحرمه من محبة المال “بحسب أسلوبه” وبأسلوب أدق، كان سينقيه من محبة المال. وما كان الشاب الغني يريد لنفسه هذه النقاوة.
والعجيب أن البعض يهربون من الله بسبب التواضع…!
كما اعتفى موسى من خدمة الله، وأراد أن يهرب قائلًا: “أنا إنسان ثقيل الفم واللسان ولست صاحب كلام” (خر4: 10)
وكذلك إرميا النبي الذي قال للرب “إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد” (إر1: 6)
وكثيرون يهربون من العمل مع الله، ومن حمل مسئوليات يعهد بها إليهم، محتجين بضعفهم، وبأنهم لا يعرفون، وبأنهم لا يستحقون..
وفيما هم يهربون يفقدون اختبارًا عمليًا هو عمل الله في ضعفهم.
أما الذين ألقوا بضعفهم في يدي الله، فهؤلاء اختبروا كيف تعمل نعمة الله في الضعف، وتحوله إلى قوة وهذا هو الذي حدث مع جهال العالم الذين أخزى الرب بهم الحكماء وضعفاء العالم الذين أخزى بهم الأقوياء.
وبنفس المنطق يهرب الإنسان من التناول، على اعتبار أنه غير مستحق ويهرب من الصلاة على اعتبار أنه لم يصل إلى المستوى الذي يتكلم فيه مع الله. وبنفس الأسلوب لا يصوم بحجة أن صومه غير مقبول.
على أن قدسية الأسرار وقدسية العبادة، تدعو الإنسان إلى الاستعداد لها وليس الهروب منها.
شعور الإنسان بضعفه، أمر جميل من خصائص الاتضاع. ولكنه يدعو الإنسان إلى الاقتراب من الله لكي ينال منه قوة، وليس لأن يهرب من الله فيبقى في ضعفه.
البعض يهربون من الله بسبب شهوة تحاربهم، كالابن الضال الذي ترك بيت أبيه إلى كورة بعيدة، من أجل شهوة الحرية “كما يظن”
والبعض يهرب من الله خجلًا، ويقول: بأي وجه التقي مع الله. حسن هذا الخجل، ولكن ليس حسنًا أن يستغله الشيطان في إبعاد الإنسان عن “الله”
إن العشار كان في خجل لا يستطيع معه أن يرفع نظره إلى فوق، ولكنه لم يهرب من الله، بل قال له في خجله “ارحمني يا رب فإني خاطئ”
على الإنسان أن يواجه الواقع ولا يهرب منه تاركًا الله.
ومواجهة الواقع تحتاج إلى صراحة وتحتاج أيضًا إلى شجاعة
والابن الضال في توبته – واجه واقعه، في حكمة، وفي اتضاع. وذهب إلى أبيه كما هو، بالنتائج السيئة التي جرتها عليه خطيئته، كثيرون هربوا من المسيح، لأن نوره كان يكشف ظلمتهم، وما كانوا يريدون لأنفسهم أن ينكشفوا.
وآخرون ذهبوا إليه وكشفوا أنفسهم بأنفسهم، لأنهم أرادوا منه تطهيرًا وشفاءً وغفرانًا.
فمن أي نوع أنت.
لأن تنتظر أن تتنقي أولاً ثم تذهب إلى الله. إنما اذهب إليه كما أنت لكي ينقيك…
لا تنتظر حتى تتوب ثم تذهب إلى الله، وتكون معه علاقة وتصلي وتصوم… وإنما اذهب إلى الله كما أنت وقل له: أنا يا رب أضعف من أن أتوب بإرادتي إنما “توبني أنت فأتوب”
قل له: أنا آتيك يا رب كما أنا، بلا عزيمة، بلا قوة، بلا إرادة وربما بلا رغبة في حياة البر. إنما أنا قد جئت أطلب منك كل هذا. أطلب منك قوة لضعفي، وطهارة لنفسي، وتوبة من خطيئتي، ونعمة تقود حياتي في طريقك…
لا تنتظر أن تعرف الله ثم تكون علاقة معه، إنما اطلب منه أن يعطيك المعرفة به.
قل له في جهلك به أنا يا رب لم أعرفك حتى الآن. وكيف لي أن أعرفك، إن لم تكشف لي ذاتك وتمنحني هذه المعرفة بروحك القدوس، أنا يا رب أقف أمامك كما أنا، بكل ما في نفسي من نقائص وعيوب، طالبًا أن تعمل أنت في هذه النفس.
حاول أن تلتقي بالله بأي الطرق ولا تؤجل.
اذهب إليه كما أنت، واعرض عليه حالتك. ابدأ صلاتك ولو كانت صلاة لا حرارة فيها، ولا عمق، ولا إيمان ولا خشوع، ولا تأمل. وقل له: اقبلها يا رب، كما قبلت فلسي الأرملة فليس لي ما أعطيه إنما أنت لك الكثير، تستطيع أن تمنحني الحراسة والحب والعمق والخشوع والإيمان والتأمل فآخذ هذا منك، وأقول لك من يدك أعطيناك.
إن كنت يا رب إله القديسين فأنت أيضًا إله الخطاة.
إن إلهًا واحدًا هو للفريقين بل الخطاة هم في حاجة إليك بالأكثر لأنه “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” ولولاك ما صار الخطاة قديسين. وأنت قد قلت “ما جئت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” هذا هو ما تقوله لله.
وفي التقائك به لا تستصعب الطريق ولا تخف ولا تيأس.
لا تقل كيف أصل إلى حياة القداسة وإلى حياة الكمال؟ فهذا أمر صعب بل مستحيل!!
ولا تقل كيف أحيا في ضبط النفس وأنا ضعيف؟ وكيف أدخل من الباب الضيق؟ وكيف أجاهد كل الحياة؟ وكل هذه أمور لا أقدر عليها ولم أتعودها!
اعرف تمامًا أن الله سيكون معك في كل جهادك.
أنت سوف لا تجاهد بضعفك، إنما بقوة الله العاملة فيك. يكفي أنك تطلب الرب وهو مستعد أن يمنحك من النعمة ما يساعدك على المسير، وهو أيضًا يمنحك أن تحبه وأن تحب الخير والكمال، وعندئذ لا يصير الباب ضيقًا كما تراه الآن.
الله هو الذي يمسك بيدك ويقودك في الطريق كله.
وما أجمل قول الكتاب.
الجبل العالي أمام زربابل يصير سهلًا.
إن الشيطان يريد أن يصعب الطريق أمامك حتى تيأس ولا تسير فيه. إنما انس صعوبة الطريق وضع في أذنيك باستمرار قول السيد المسيح “تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”
ما أصدق قول أحد القديسين: إن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير.
يكفي أن تريد والرب يكمل معك كل الطريق، لأن الله لا يشاء أن يدفعك بغير رغبتك في طريقه، ولا يشاء أن يرغمك على الخير وحتى إن كنت لا تريد. اركع أمام الله وقل من أعماق قلبك:
أعطني يا رب أن أريد الخير.
ضع محبة الخير في قلبي وضع محبتك أنت في قلبي أنا بدونك سوف لا أريد. وبدونك سيضع الشيطان إرادات خاطئة كثيرة في قلبي.
إنما أنت يا رب، امنحني مجانًا من عندك، أن أريد الخير، ويكون الفضل كله لك، حتى الإرادة.
وقوتك يا رب لا تظهر في القديسين كما تظهر في الضعفاء، الذين يعرفون تمامًا أنهم بدونك لا يستطيعون شيئًا وحتى القديس أيضًا إن لم يضع في قلبه هذا الفكر، فلا يمكن أن يثبت في قداسته.
هكذا يلتقي الإنسان بالله أما إذا هرب منه، فماذا يستفيد.
والذي يهرب من الله إلى متى يهرب وإلى أين؟
هل حقًا يستطيع إنسان أن يهرب من الله؟ هوذا المرتل يقول “أين أهرب من روحك؟ ومن وجهك أين أختفي؟!”
وإن ظن أحد أنه سيهرب حاليًا من الله، فهل سيهرب من الأبدية؟ وهل سيهرب من ذلك اليوم الذي تفتح فيه الأسفار، وتكشف الأسرار وتقرأ الأفكار؟!
فخير لكل أحد أن يلتقي بالله من الآن. فأمامه فرصة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 25-5-1981م




