الالتقاء بالله

الالتقاء بالله1
كنا نتكلم في الأسبوع الماضي عن “حياة التسليم”، وعن “الالتقاء بالله”… ونريد الليلة أن نستكمل الحديث عن “الالتقاء بالله”…
في حياة الإنسان الروحية، لابد أن يلتقي الإنسان بالله، ولابد أن يعرفه ويعاشره… ولابد أن يراه.
كثيرون يصلون ويصومون ويقرأون، ولكن بدون علاقة مع الله… لم يشعروا يومًا أنهم التقوا به، أو أحسوا أنهم دخلوا إلى قلب الله، أو أن الله قد دخل قلوبهم.. لا تلامس أو رؤيا.. إنه إحساس إنسان بأنه بعيد عن الله، والله بعيد عنه، إنه يشعر بأنه في واد والله في واد آخر.. إنه يشعر بأنه يصلي وبينه وبين الله أميال وأستار وحواجز.. لا يوجد التقاء، ومثل هذا الإنسان يعيش متعبًا في حياته الروحية، لأنه لم يلتق بالله بعد، ولم يختبره، ولم يعش معه.
* وهناك من عاشوا حياتهم مع الله مثلما قال الكتاب عن أخنوخ “وسار أخنوخ مع الرب..”
ومثل إبراهيم الذي أسموه خليل الله، بمعنى صديق الله، وهناك من التقى بالله في وقت معين مثل موسى النبي، الذي كان يسير عاديًا وفي لحظة لا يعرفها ناداه الله من العليقة وقال له: “أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، اخلع حذاءك من رجليك لأن المكان الذي أنت فيه واقف مكان مقدس”.
وكذلك مثل شاول الطرسوسي الذي قابله الله في الطريق وقال له: “يا شاول لماذا تضطهدني”.
ومثل زكا الذي قابله الله أيضًا وقال له: “أسرع وأنزل”.. ولقاءات أخرى مع المرأة السامرية ونيقوديموس.
وهكذا فإن كثيرين التقوا بالرب وعاشوا معه. وكثيرين حياتهم كلها خالية من الله ولم يعرفوه بعد.
ولكن هل معنى هذا أن الله لم يمر عليهم في الطريق ولم يقابلهم؟ أم أن حواسهم غير مدربة على رؤية الله؟
تأملوا الكتاب الذي يقول: “لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون”.
في قصة سدوم، مر ملاكان على سدوم ولم يحس أهل سدوم بهما.. وفي خلال فترة وجود المسيح على الأرض يقول يوحنا: “في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه”.. هو موجود ولم يحسوا به ولم يعرفوه.
** هناك لقاءات كثيرة تحدث في حياة الإنسان ولا يحس أو يشعر بها لأن حواسه غير مدربة على الإلهيات فلا يدركها،
ولذلك فإن كثيرًا من زيارات النعمة تأتي إلى الإنسان فيزوره روح الله في وقت من الأوقات ولا يحس به أو يشعر، ويفارقه دون أن يدري.
ولابد للإنسان أن يكون يقظًا لهذه اللقاءات.. وفي اللقاء مع الله، لابد أن تشعر أنه قد دخل إلى حياتك، ولابد أن تلمس يده العاملة معك، ولابد أن يكون لك هذا الإحساس.
ونحن أحيانًا لا نشعر بهذا، لأن عقلنا البشري في كثير من الأوقات يعلم الأمور بتعاليم عالمية.. بمعنى أن الله يكون قد جاء في حياتك وقام بعمل تعلله أنت بتعليل عادي لا تحس معه بوجود الله معك.
وهناك إنسان يتحسس الله في حياته، ويشعر كيف أن يد الله تعمل بكل أسلوب، فيكون فرحًا جدًا ويقول: أنا يا رب سعيد بك.. أنا أحس أنك موجود في حياتي، وأنك ترعاني.. أنا أتلمس يا رب خطاك في هذا الدرب وهذا الطريق.
إنسان آخر يعمل الله معه كثيرًا، فلا يحس به أو يراه.. عيناه مغمضة..
يقول الكتاب: “حبيبي تحول عني وعبر. طلبته فما وجدته” أريدكم أن تتدربوا على الإحساس بوجود الله، حاولوا أن تتحسسوا يد الله في حياتكم.. المسوا يد الله في الأحداث والأخبار، وفي كل ما يحدث لكم ولغيركم.. تأملوا الله في عمله في الكون وكيف يعمل.. لا تفسروا كل الأمور تفسيرًا عالميًا، إنما فسروه تفسيرًا إلهيًا، وحينئذ يمكنكم أن تلتقوا بالله وتحسوا به.
* عمل الله في الدنيا هذا أمر لا شك فيه.. وكذلك عمل الله في حياتك حقيقة لا شك فيها، أدركت أم لم تدرك أو تعِ.
إن الله يعمل في حياتك.. ولكن يبقى عليك أن تحس وتلمس، وكلما أحسست عمل الله فيك ومن أجلك، ازدادت محبتك إلى الله حينئذ وارتباطك به.
وكثيرون يحسون بيد الله في التجارب والضيقات، ويرون كيف ينزل الله ويعمل.. إليشع ربما لم ير القوات الإلهية، وسواء رأى هذه القوات أو لم يرها، فإنها كانت تعمل، وكان فرحًا لأن يد الله كانت تعمل، إلى أن صلى وقال: “افتح يا رب عينيه ليبصر”.
حقيقة أن هناك من لهم عيون، ولكنها لا تبصر!… كثير من الملائكة تحيط بنا ولكننا لا نبصر.. وعلى الأقل إن لم نكن نبصرها من الناحية المادية، فيجب أن نبصر عملها من الناحية الفعلية.. وإذا كنت لا تبصر بالقلب أو بالحس، فأنت لاريب ستعيش محرومًا من التعزية الإلهية.
** ولنعد إلى القول بأنه ينبغي على الإنسان أن يتقابل مع الله.. وإذا تقابل معه، فإنه يعيش سعيدًا ويملك العزاء في قلبه..
ولكن كيف يتقابل الإنسان مع الله؟
إن العالم – في الحقيقة – مشغول عن الله.. صدقوني لو مر الله أمامكم فربما لا تعرفونه.. العالم مشغول عن رؤية الله أو البحث عنه! إن في عقل العالم وحواسه ألف موضوع، ولا وقت عنده للبحث عن الله!
فإذا أردت أن تتقابل مع الله، تفرغ إلى الله.. وأعطه من قلبك ومن وقتك.. أعطه من فكرك وتأمل فيه وعش معه.. عش معه بالقلب.. بالحياة.. وعندئذ تلمس يد الله.
وإذا كان الله يقول.. مددت يدي طول النهار لشعب معاند.. فكم بالحري من يطلبونه؟
أريدكم – أيها الأخوة – أن تتقابلوا مع الله، وأن تذوقوه والمزمور يقول: “ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب”.
أريدكم أن تعرفوا الله.. وستسعدون بعشرته لو جربتموه.. فهل جربتم الله وذقتموه؟
* إنك تصلي أحيانًا، لكن صلاتك بعيدة عن الله.. إنها لا تزيد عن كلام، ولهذا فإنك لم تشعر بالصلة وأنه أمامك وأنت تكلمه، وقد سمعك واستجاب ورد عليك.. فماذا استفدت من صلاتك؟ إنك مثل شخص يصرخ في واد سحيق ولا أحد يرد عليه، وترجع إليه كلماته أصداء.. صوته يعود إليه.. ويتساءل أكلم من؟ لست أدري..
صل وصمم أنه لابد أن تلتقي مع الله في هذه الصلاة بأي طريقة، وقل: لن أتركك وسأظل واقفًا إلى أن ترد عليَّ.. إلى أن ألمسك وأشعر بك في قلبي وحسي.. أشعر بتعزياتك تلذذ نفسي.. أطلبك وأراك.
هناك إنسان يحس بالملل من الصلاة.. إنه لم يتلامس مع الله لأنه لا صبر أو انتظار وطول أناة عنده لمجيء الله..
إن الالتقاء مع الله يحتاج إلى قلب مفتوح وإلى انتظار وصبر.. وإلى ترقب الله إلى أن يجيء.. ولابد أن يجيء ولو في الهزيع الرابع.
حاول أن تكون لك علاقة مع الله قائلًا.. إنه ليس معقولًا أن تأتي إلى الأرض كلها ولا أراك.. لابد أن أراك، ولابد أن تدخل حياتي وأن أدخل إليك مثلما قال يوحنا الحبيب: “الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا”.. لابد أن تكون لي هذه العلاقة.
وإذا لم تكن لك هذه العلاقة مع الله، فإن حياتك تصبح جافة وشاقة.
كلنا يدخل الكنيسة ويحضر القداس.. ولكن من منا يلمس الله ويراه في الكنيسة والقداس؟
** ولكي نلتقي بالله، فإننا نحتاج إلى قلب محب، وضمير بسيط.. قلب محب لأن المحبة هي الرابطة القوية التي تربط الإنسان بالله، وأنا أعني بالقلب المحب ليس القلب الذي يحب الفردوس أم الملكوت، بل القلب الذي يحب الله نفسه.
إننا أحيانًا نأخذ الله وسيلة توصلنا إلى غايتنا.. الله في هذه الحالة ليس غاية، إنه وسيلة توصلني إلى السعادة الروحية والقداسة، ولست أقصد الله ذاته.
إن البعض يصلي ليطلب من الله أشياء، أي أن الله وسيلة للوصول إلى طلبات.. وليت من يصلي يقول: “يا رب أنا أريدك أنت.. أنا لا أريد طلبًا.. أنت طلبي الوحيد.. إنني لا أصلي لأكون قديسًا، بل لأجل أن أعيش فيك وتعيش فيَّ.. أحس بك وأتمتع بك.. أنت هدفي وأكلمك لأتمتع بك ولا أريد شيئًا غير ذلك لا أرض ولا سماء..”
هذا هو الإنسان الذي يريد أن يتقابل حقًا مع الله.. وبعدئذ يعلن الله ذاته.. حذار أن تتخذوا الله وسيلة إلى أغراضكم، وأنه جهاز تنفيذي لتحقيق أغراضكم وطلباتكم.. حاول أن تطلب الله نفسه.. تقول له: “طلبت وجهك، وجهك يا رب ألتمس.. لا ترد وجهك عني.. أريدك أنت”.
فإذا وصلت إلى الحب الذي تريد به الله نفسه، فإنك حتمًا ستلتقي بالله.. ولكن أن تجلس مع الله من أجل غرض، فإن هذا لا يوصلك إليه.
* الله حنون وطيب.. وهو يستجيب لطلبك وصلواتك فتسعد، ولكنك لم تأخذ الله.. أنت تريد وهو يعطي. أما أن تريد الله نفسه فهذا أمر آخر.
من منكم يصلي ليطلب الله نفسه وليس شيئًا آخر؟ أنت تصلي من أجل أن تصبح قديسًا، فأنت إذًا تريد القداسة.. وربما أوصلتك القداسة والنقاء إلى الله، ولكن يبقى أن القداسة والنقاوة مجرد وسيلة.
إن الشخص الذي يطلب القداسة إنما يطلب وسيلة. يجب أن يكون الهدف الوحيد هو الله نفسه فتقول: “أريدك أنت.. أريد عشرتك وصداقتك، وأن أظل معك ولا أريد شيئًا آخر”.. حتى لو قيل هذا إنسان غير طبيعي.. وداود يقول في المزمور 73:”كنت كبهيمة عندك، ولكني معك في كل حين”.. يهمني أن أكون معك بأي صورة مثلما سار داود مع الله “إن سرت في ظل وادي الموت فلا أخاف شرًا لأنك أنت معي”.. إنني أشعر بك وإنك داخل في حياتي وإنك هيأت قدامي مائدة.. إنك ترسلني لموارد خضراء وماء.. وأشعر بوجودك في حياتي.
** أريدكم – أيها الأخوة – أن تطلبوا الله نفسه.. إن طلباتكم كثيرة من الله، ولكنكم لا تطلبون الله.. اطلبوا الله وفكروا فيه وعيشوا معه.
ولكن هل يجيء الله إليك وأنت لا تريده؟ إنه لا يتطفل على قلب إنسان لا يريده.. إنه يأتي عندما تقول.. أنا أريدك.. عندما تقول أريدك أنت.. فيعطيك الله حينئذ ذاته.
صادقوا وعاشروا وجربوا الله.. واجلسوا مع الله، ولتكن حياتكم معه.
لا تنشغلوا بغير الله كثيرًا.. حاولوا أن تنشغلوا بالله كثيرًا.. كم مرة تحدثت عنه واعتمدت عليه؟ كم مرة استخدمت الله في حياتك ومناقشاتك؟
لكي تصل إلى الله وتراه.. اجعل الله بالنسبة لك هو كل شيء.
اجعل الله بالنسبة إليك هدفك.. اجعل حبك ومشغولياتك وأملك وكيانك كله.. ولكن لا تجعله وسيلة توصلك إلى أغراضك.
* لكي تعيش مع الله كن معه صريحًا جدًا، افتح قلبك كله وأسرد له كل ما بك، كل ضعفاتك ونقائصك وقل “تعال احلل فيَّ وعش معي.. تعال أعمل في هذا القلب”.
* حاول أن تحدث الناس جميعًا عن الله..
إننا كثيرًا ما نتحدث عن الفضيلة وليس عن الله، نحدثهم عن طريق الله ولكن ليس عن الله نفسه، نحدثهم عن كلام الله ووصاياه ولكن لا نحدثهم عن الله نفسه.
وأوقات كثيرة ندور حول الله دون أن ندخل إليه أو يدخل إلينا.. الله بالنسبة إلينا ليس له موضع يسند فيه رأسه، لم ندخل بعد إلى العمق بالنسبة له لكي ندركه ونفهمه ونتأمل فيه.
* مريم ومرثا كان بينهما فرق كبير، إن مريم تطلب المسيح نفسه، تجلس معه وتنظر إليه وتفرح به.. أما مرثا فإنها مشغولة بأشياء كثيرة جدًا، إنها لم تستطع أن تتمتع بالمسيح مثلما تمتعت به مريم.
هل جلست معه مثل مريم وتركت مشغولياتك الكثيرة؟
هناك إنسان يعمل في الخدمة كثيرًا، ومع ذلك لا يصل إلى الله..
لقد تحدثت مرة وقلت: “لنفرض أنك ذهبت لتهدي إنسانًا خاطئًا.. إنك تسأل نفسك.. إلى أين أذهب؟ فإذا قلت إنك ذاهب لحل مشكلة هذا الخاطئ فإنك بذلك تكون مشغولًا بالخاطئ ومشكلته.
وإذا أجاب آخر قائلًا.. أنه مشغول بالله، وأنه يريد أن يجد الله موضعًا في قلب هذا الإنسان الخاطئ.. فإن الاهتمام يكون هنا بالله، إنه يبحث عن مكان لربنا في نفس هذا الإنسان الخاطئ، إنه يريد أن يوصله إلى الله. المشغولية هنا هي الله وليس هذا الإنسان.
وصدقوني إن أقدس الناس يتحدثون عن الخير ولا يتحدثون عن الله.. يتحدثون عن الفضيلة ولا يتحدثون عن الله.. عن طرق الله.. وليس عن الله صاحب الطريق مثلما قال أديب روحي لإنسان متعب في خدمة الكنيسة:
“قضيت عمرك من أجل بيت الرب فمتى تطلب رب البيت؟”
إن أكثر الناس ينشغلون بكنيسة الله دون إله هذه الكنيسة فنقول كنيسة ربنا.. والأفضل أن تقول رب الكنيسة.
* لا يصح أن تكون كلمة الله بالنسبة لكم نظرية.. أدخلوا إلى أعماق الله لكي تعرفوه وتحسوا به.
تأملوا قصة الابن الضال الكبير وليس الابن الضال الصغير لقد كان يخدم في بيت أبيه “اخدمك سنين هذا عددها وقط لم تعطني جديًا لأفرح به مع أصدقائي”.
لم تكن لهذا الابن علاقة مع أبيه، لقد كانت تشغله حقول الأب وليس الأب، لقد شغلته خدمة الأعمال المتصلة ببيت هذا الأب، وليس أب البيت!
إننا نعمل.. ولكن أين الله؟ إننا لم نره بعد…
إن الناس تتحدث عن الله دون أن تكون لهم علاقة شخصية معه.
إننا نريد أن نعيش مع الله، وأن نتمتع به ونتقابل معه، ونصر على أن يكون له مسكن في حياتنا وقلوبنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 1-4-1973م




