الاضطهاد الخلقيدوني للكنيسة الأرثوذكسية
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة التاريخية عن الاضطهاد الخلقدوني الذي تعرّضت له الكنيسة الأرثوذكسية بعد مجمع خلقيدونية سنة 451م، موضحًا كيف تسبّب تدخل السياسة في الدين في انقسام الكنيسة، واضطهاد الآباء والشعب بسبب الإيمان بطبيعة واحدة للمسيح.
1. خلفية الأزمة
بدأت المشكلة عندما أراد مجمع القسطنطينية (381م) مساواة كرسي القسطنطينية بكرسي روما، معتبرًا العاصمة الجديدة “روما الجديدة”، مما أضعف مكانة الكرسي الإسكندري الذي كان رائدًا في اللاهوت ووضع قانون الإيمان على يد الشماس أثناسيوس في مجمع نيقية.
لكن بعد أن صارت القسطنطينية مركز الحكم الإمبراطوري، بدأ الصراع على الزعامة الكنسية، ودخلت السياسة في أمور العقيدة.
2. مجمع خلقيدونية (451م)
في هذا المجمع تدخل الإمبراطور وزوجته والسلطة العسكرية، وأُجبر الآباء على قبول ما سُمِّي بـ طومس لاون، الذي قال إن للمسيح طبيعتين منفصلتين — لاهوتية وإنسانية — وهو ما رفضته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الكنيسة القبطية تؤمن بأن للمسيح طبيعتين متحدتين اتحادًا حقيقيًا لا يُفصل، أي “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كما قال القديس كيرلس الكبير. ولذلك، لم تكن الكنيسة “مونوفيزية” (منكرة للناسوت)، بل تؤمن بالطبيعتين دون انفصال أو امتزاج أو تغيير.
3. بداية الاضطهاد
بعد رفض الإسكندرية مجمع خلقيدونية، بدأ اضطهاد شديد شمل:
-
النفي والقتل والضرب والتعذيب.
-
نُفي البابا ديسقورس إلى جزيرة غاغرا بعد أن ضُرب وكُسرت أسنانه.
-
قُتل في الإسكندرية نحو 30,000 شخص في يوم واحد دفاعًا عن الإيمان الأرثوذكسي.
كما نُفي البابا تيموثاوس (26) وأخوه أناطوليوس، ثم البابا بطرس الثالث، وتتابع نفي البطاركة الأرثوذكس، بينما كانت تُعيَّن بطاركة ملكانيون (أي خاضعون للملك والإمبراطور).
4. بطولة الشعب والآباء
لم يقتصر الثبات على البطاركة فقط، بل أظهر الشعب بطولة عظيمة برفضه أي عقيدة مخالفة.
كان الآباء يختبئون في الأديرة مثل دير الزجاج غرب الإسكندرية، يرعون المؤمنين سرًا، ويثبتونهم في الإيمان رغم المطاردات.
من أمثلة الأبطال:
-
القديس مينا أخو البابا بنيامين، الذي عُذِّب بالنار وقلعوا أسنانه لإجباره على قبول الإيمان الخلقدوني.
-
القديس صموئيل المعترف الذي فُقئت إحدى عينيه لأجل الإيمان.
5. الأبعاد السياسية والدينية
حاول الإمبراطور يوستنيانوس إغراء البابا ثيؤدوسيوس (33) بأن يجعله واليًا وبطريركًا على كل إفريقيا بشرط أن يقبل “طومس لاون”، لكنه رفض قائلاً:
“للإمبراطور سلطان على جسدي فقط، أما المسيح فله سلطان على روحي وجسدي معًا.”
6. الملكانيون واستيلاء الكنائس
عُيِّن بطاركة ملكانيون يخضعون للقسطنطينية والملك، وكانوا يجمعون بين السلطة المدنية والدينية مثل المقوقس الذي عاصر دخول العرب إلى مصر.
استولى الملكانيون على كنائس الأرثوذكس وختموها بخاتم الملك، ومنعوا القداسات والمعموديات، حتى اضطُروا لاحقًا لفتح بعض الكنائس غرب الإسكندرية.
7. المصالحة الحديثة
يختم قداسة البابا بالتأكيد أن تلك الحقبة كانت قاسية، لكنها انتهت الآن بتفاهم لاهوتي بين الكنائس.
فقد تم توقيع اتفاق كريستولوجي عام 1988 في دير الأنبا بيشوي بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، وأُكدت فيه وحدة الإيمان في طبيعة المسيح.
كما عُقدت لقاءات لاهوتية في جنيف وسويسرا، وشاركت فيها شخصيات مثل نيافة الأنبا بيشوي، مما أعاد روح المحبة بين الكنائس.
8. الخلاصة
يوضح البابا شنوده أن الكنيسة القبطية دفعت ثمن إيمانها غاليًا بالدم والدموع، لكنها بقيت أمينة للعقيدة الأرثوذكسية. ورغم آلام الماضي، فإن روح الوحدة والحوار اليوم تُظهر أن الإيمان الأرثوذكسي هو إيمان واحد أصيل غير منقسم.



