الاشتراكية في الكنيسة..!

الاشتراكية في الكنيسة..!1
صورة رائعة لحياة الشركة الأولى
إن المسيحية هي أول من نادى بالحياة الاشتراكية وعاشها. والكنيسة كانت أول مجتمع روحي اشتراكي، وصلت في حياة الشركة المقدسة إلى سمو عجيب لم يصل إليه أحد في العالم بعد.
وكانت الاشتراكية المسيحية مبنية على دعامتين أساسيتين هما الزهد والمحبة: الزهد من كل القلب في المال والمقتنيات والأملاك وكل ما في العالم، ومحبة القريب من كل القلب حتى يهبه الإنسان كل ما له ويهبه النفس أيضًا.
وهكذا قدم لنا سفر أعمال الرسل صورة ناصعة الجمال لحياة الشركة في الكنيسة الأولى فقال: وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا (أع2: 45) … وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا… لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ” (أع4: 32، 34، 35)
لم يكن في الكنيسة الأولى غني وفقير… عن الأغنياء يقول الكتاب: “لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ”. انتفت من الكنيسة الأولى عبارة “الجيب الخاص”.. ومن جهة الفقراء يقول الكتاب “لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا”.
ولم يكنز الناس مالًا، وإنما كان كل واحد يأخذ “كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ”.
صورة رائعة، لم يصل إليها أي مجتمع، ولن يصل… لأن عظمة هذه الصورة وعمقها كانت في أن كل ذلك تم عن زهد وعن حب، ومن عمق القلب…
والرسل الذين كانت توضع جميع الأموال عند أقدامهم، عاشوا فقراء. كانت الأموال عند أقدامهم، ولكنها لم تكن في أيديهم ولا في جيوبهم، ولا في خزائنهم… إنما كانت توزع أولًا بأول على من يكون له احتياج. وهكذا قال بطرس “لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ” (أع3: 6). وقال بولس “كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2كو6: 10).. لقد تشبهوا بربهم الذين من أجلنا افتقر وهو الغني.
هل تحيا الكنيسة حاليا حياة الشركة المقدسة؟
هل اشتراكية العصر الرسولي موجودة الآن في الكنيسة؟ هل توجد في مجتمنا المسيحي؟ وهل توجد في محيط الإكليروس؟
إني أسأل. وقد يبقى السؤال بلا جواب، أو له جواب، ولكني أخجل من تسجيله. على أنني سأضع أسئلة تفصيلية توضح الإجابة:
توجد إيبارشيات غنية، وتوجد إيبارشيات فقيرة. كما توجد أديرة غنية وأديرة فقيرة، فهل تنال الفقيرة مساعدة من الغنية للقيام برعايتها. أم أن الشعور الإقليمي ينسينا الصالح العام؟!
نفس الكلام قد يقال عن المدينة والقرية: توجد كنائس في المدن تأتيها إيرادات ضخمة، بينما هناك كنائس في القرى تحتاج إلى ألزم الضروريات فلا تجدها. فهل يمكن أن تنفق كنيسة المدينة على احتياجات كنيسة القرية؟ أم تبقى الكنيسة الغنية رافلة في غناها، وتزركش في كل يوم مبانيها وتستكمل زينتها وبهاءها، غير عابئة باحتياجات الرعاية في القرية؟؟!
وهنا نسأل: ما هو عمل الأسقف إذن؟ أليس هو المشرف والمدبر للكل؟ ينبغي على كل أسقف أن يعرف جيدًا أن في إيبارشيته نوعين من الكنائس: كنائس تأتي بإيراد ضخم، وكنائس تحتاج إلى أن ينفق عليها. ومن واجبه هو أن يأخذ من هذه ويعطي تلك، ويحفظ الميزان الاقتصادي معتدلًا بين الاثنتين. كأب لكلتيهما… ذاكرًا أننا جميعًا “أعضاء في جسد واحد”.
على أننا نجد الفارق واسعًا بين حالة كاهن وآخر: هناك كهنة لا يجدون القوت الضروري وكهنة يعيشون في ترف ويقتنون الكماليات ولهم أملاك ومؤسسات!! هناك كاهن في كنيسة يأتيه منها أكثر من المئة جنيه شهريًا، وكاهن آخر لا يحصل إلا على قروش معدودة من كنيسته!! فمن هو مقيم العدل بين الاثنين؟ أليس هو الأسقف وكيل الله؟ فماذا فعل الأسقف؟!
أقول في ألم وفي خجل، وليتني أستطيع أن أمحو هذا الذي أقوله فلا يصل إلى عيني القارئ… أقول إن الأسقف أحيانًا يستبقي الحالة كما هي، فلا يصلح حال الكنيسة المعدمة بل أكثر من هذا قد يستخدمها كمكان للإذلال، ينقل إليها الكاهن الذي يغضب عليه. وتتحول الكنيسة من مجال للرعاية إلى مجال للإذلال والتشريد يشعر فيه الكاهن أنه أبعد عن رزقه كما أبعد عن رعيته!!
مشكلة مالية خطيرة أخرى، وهي ماذا يكون مصير زوجة الكاهن وأولاده إن تنيح وتركهم بلا عائل؟ هل وضعت الكنيسة نظامًا ماليًا لرعاية هؤلاء؟ إنها لم تضع. ولذلك وقع بعض الكهنة في قلق على مصير أولادهم فأخذوا يخزنون المال أو يبنون البيوت أو يلجأون إلى طرق أخرى لتأمين مستقبل أولادهم!! كما أن خدمة الكهنوت أصبحت لبعض هذه الأسباب ولغيرها مصدر قلق، يخاف الكثيرون من الاقبال عليها أو تخاف زوجاتهم..!!
إن كنا نقول هذا عن الكهنة فإن ما نقوله عن خدمة القيم والمرتل (العريف) أمر مؤلم يطول شرحه…
إن الأسقف في الكنيسة هو أب للجميع، للكهنه وكل الأكليروس والشعب. كلهم أولاده، يجب أن يسأل عنهم، ويطمئن على معيشتهم.
إننا في كثير من الأحيان أو في كلها، ننظر نظرة فردية… كل إيبارشية عندنا، وكل دير، وكل مدينة، وكل قرية، وكل كنيسة، عبارة عن وحدة مستقلة قائمة بذاتها في ماليتها، لا علاقة لها بغيرها، لا في الأخذ ولا في الاعطاء!! فأين المشاركة الأخوية، وأين التعاطف، وأين حياة الشركة المقدسة؟! لماذا لا يوجد وضع عام يرتب الأمور، بدلًا من هذه المعيشة الفردية، كأننا لسنا جسدًا واحدًا إن تألم فيه عضو تتألم بقية الأعضاء؟!
إنني أسأل أخيرًا: ما هو النظام المالي في كنيستنا؟ وإن كان لا يوجد حاليًا نظام مالي، فمتى يوجد؟! إني أسأل…
شنوده
أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية – العدد العاشر ديسمبر 1966م



