الإيمــــــــان والأباطــــــرة

سؤال وجواب
الإيمــــــــان والأباطــــــرة1
ســــــــــؤال:
هل حقًا إن “بداءة عثرات الكنيسة، كانت يوم احتمائها في قسطنطين الملك في القرن الرابع، ليتولى حماية الإيمان بالسيف؟”! كما قرأت لأحد الآباء الرهبان؟!
وهل حقًا “جاء بعده الملك ثيئودوسيوس ليأمر بهدم معابد الوثنيين بقوة العسكر، بدل البشارة بالمسيح والإقناع بكلمة الإنجيل، حسبما ذكر الأب الراهب؟!
الجــــــــــواب:
لم يحدث في يوم من الأيام، في تاريخ الكنيسة كله، أن الكنيسة المقدسة الجامعة التجأت إلى سيف الأباطرة، لحماية الإيمان، أو لنشر الإيمان!! هذا الكلام خطير.!
وعجيب أيضًا أن يقال هذا الكلام عن القرن الرابع، وهو من أزهى عصور الكنيسة، سواء من جهة عدد وقوة شهدائه القديسين، أو من جهة آباء الرهبنة المملوئين بالروح، أو من جهة أبطال الإيمان وعمق الآباء الناطقين بالإلهيات…
فهل يقال إن القرن الرابع بداءة عثرات الكنيسة، وهو أعظم قرون المسيحية، بعد العصر الرسولي؟!
إن الإيمان المسيحي كان قد انتشر في كل أنحاء العالم، قبل أن يتولى قسطنطين الحكم. وكان سلاحه في ذلك الكرازة والاستشهاد، حيث تحمّلت المسيحية اضطهادات مُرّة من الأباطرة.
منذ العصر الرسولي، في القرن الأول للمسيحية، “والرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع2: 47) “مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ” (أع5: 14) والرب يجري على أيدي الرسل آيات وعجائب (أع5: 12).
“وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ” (أع6 :7). والكنائس كان لها سلام وكانت تبنى وتتكاثر (أع9: 31).
وحتى وقت استشهاد القديسين بطرس وبولس سنة 67م. في عهد نيرون بكل عنفه، كانت المسيحية قد امتدت في كل أرجاء العالم. ملأت الشرق الأوسط، وامتدت غربًا في أوروبا حتى أسبانيا، وفي آسيا حتى الهند، وجنوبًا في مصر والنوبة والحبشة “وإلى اقصى المسكونة بلغت أقوالهم” (مز19).
وما كان الإيمان محتاجًا إلى قسطنطين أو غيره…
وحروب قسطنطين كانت مدنية بحتة، لا علاقة لها بالإيمان.
كان يقاتل منافسيه في السلطة، ولم يكن قد تعمّد بعد، ولم تطلب إليه الكنيسة في يوم ما أن يحارب. وإن كان الله قد نصره في حروبه فهذا أمر بينه وبين الله. ولا علاقة للكنيسة به… قسطنطين تظهر له رؤيا أنه سينتصر، وينتصر فعلا، في حروب سياسية مدنية بحتة…
هذا أمر لا علاقة له بحماية الإيمان…
كان الإيمان منتشرًا بدون سيفه، ومن أمثلة ذلك:
يكفي أن البابا الكسندروس (البطريرك القبطي التاسع عشر) عقد مجمعًا مكانيًا ضد الأريوسية (قبل مجمع نيقية المسكوني)، حضر هذا المجمع مائة من أساقفة الكرسي الإسكندري. وهذا يدل على مدى انتشار المسيحية في الكرازة المرقسية وحدها.
ويكفي أن مجمع نيقية المسكوني كان يضم 318 أسقفًا، من مندوبي الكنائس، مجرد مندوبين وليس الكل! كم كان إذًا عدد الأساقفة في العالم وقتذاك على الرغم من الاضطهادات السابقة، ولم تمض سوى 12 سنة على مرسوم ميلان؟!
إن قسطنطين لم يقم بحماية الإيمان، بل تعرض الإيمان بسببه للخطر، من جراء تأثير الهراطقة أعداء الإيمان على قسطنطين…
الذين احتموا بقسطنطين هم الأريوسيون أعداء الكنيسة، وليست الكنيسة. وكلهم حاربوا الإيمان، وأمالوا قسطنطين إلى جانبهم:
1- تظاهر أريوس بالتوبة، مقنعًا قسطنطين بها، فطلب من القديس أثناسيوس قبول أريوس، فرفض أثناسيوس طلبه، فغضب الإمبراطور. واضطر أثناسيوس أن يسافر إلى نيقوميديا ليشرح الأمر للإمبراطور.
2- بسعاية من أنصار أريوس وأنصار يوسابيوس، أمر الإمبراطور بعقد مجمع في صور لمحاكمة أثناسيوس، مما هدّد سلام الكنيسة، وكاد يعطي فرصة للأريوسيين لتحطيم إيمان الكنيسة. واضطر القديس أثناسيوس أن يسافر إلى القسطنطينية، ويقابل الإمبراطور قسطنطين ويقول له: “الله يحكم بيني وبينك”.
3- بسعاية أخرى من الأريوسيين، أمر الامبراطور قسطنطين بنفي القديس أثناسيوس إلى تريف ولم يرجع إلا بعد وفاة قسطنطين.
4- بتدخل آخر من الأريوسيين أعداء الايمان، أمر الإمبراطور قسطنطين القديس ألكسندروس بطريرك القسطنطينية بقبول أريوس في شركة الكنيسة، فأجابه بنفس عبارة القديس أثناسيوس “إن الذي حرمه مجمع مسكوني، لا يحلّه إلا مجمع مسكوني” وأصر الإمبراطور على أمره الذي كاد يهدد إيمان الكنيسة كلها.. لولا أن الله تدخل وقبل صلوات المؤمنين ومات أريوس.
هل لجأت الكنيسة إلى قسطنطين لحماية الإيمان، أم لجأ إليه أعداء الكنيسة، فقاست الكنيسة منهم ومنه؟!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية عشرة – العدد السادس والثلاثون 5-9-1980م



