الإيمان

الإيمان1
بمناسبة اجتماعنا في قاعة القديس أثناسيوس الرسولي للمرة الأولى في اجتماعاتنا الروحية، نود أن نتأمل في إحدى الفضائل التي كانت للقديس أثناسيوس، وكانت من فضائله البارزة.
فمن فضائله: الإيمان بالفكرة… إنه إنسان آمن بمبدأ وتشبع به، وملك عليه هذا المبدأ كل قلبه وتفكيره وإرادته، وأعطاه هذا الإيمان قوة جبّارة استطاع بها أن يشق طريقه في الحياة لا يبالي بشيء.
لقد قامت الدنيا عليه فلم يتزعزع، لأنه كان مؤمنًا بالمبدأ الروحي الذي ملك قلبه وتفكيره وإرادته.
قام عليه الأباطرة والقياصرة والمجامع… وقامت عليه قوى الشر، ودبرت المؤامرات والدسائس والاتهامات الباطلة، واستطاع أن يصمد… وكان صموده لأنه كان مؤمنًا بمبدأ من المبادئ.
إن سر قوة القديس أثناسيوس الرسولي يكمن في إيمانه، والإيمان يمكن أن يصنع الأعاجيب مهما كانت العقبات.
إن المهم في الإيمان… هل هناك إيمان أم لا؟
وسأضرب لكم أمثلة على هذا الإيمان.
لقد سار السيد المسيح على الماء ووصل إلى السفينة، وقال له بطرس: يا رب أريد أن أسير معك… فأجابه المسيح: “تعال”. وبهذا الإيمان القوي مشى بطرس على الماء ولم يخف، لأنه مؤمنًا بأن يده في يد المسيح، ولكن عندما بدأ إيمانه يضعف أخذ يغرق.
وخذوا مثلًا آخر كلكم تعرفونه: إن رواد الفضاء يؤمنون إيمانًا أكيدًا بأن هناك منطقة انعدام وزن، ليس فيها جاذبية، ونتيجة لهذا الإيمان بمنطقة انعدام الوزن، نجد أحدهم يخرج من سفينة الفضاء ليسير دون أن يسقط.
إنها مسألة إيمان إذًا، إنها قوة الإيمان التي تجعل الإنسان يسير حتى على الهواء وليس على الماء!… حقيقي أن العلم يقول إن هناك منطقة ينعدم فيها الوزن، ولكنها قوة الإيمان التي جعلت رواد الفضاء يسيرون في الهواء، وأعطتهم عزيمة جبارة.
إن الإيمان يُعطي قوة، وعدم الإيمان يعطي خوفًا، وفي الكتاب المقدس نجد أنه بالإيمان استطاع موسى أن يمشي في البحر الأحمر ولو لم يكن له هذا الإيمان لما أمكنه ذلك.
إن الإيمان يعطي قوة عجيبة تجعل الإنسان يدخل في الصعوبات والعقبات بقلب قوي، لا يخاف، قلب مؤمن بالنتيجة التي سيصل إليها.
خذوا مثلًا نوح، عندما كان في الفلك، وصحب معه الأسود والفهود والوحوش …اثنين اثنين، فلولا أنه مؤمن بأن هذه الوحوش لن تؤذيه ما كان قد أخذها معه، إن نوح لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل إلا بالإيمان القوي… الإيمان بأن الله سيحفظه في الفلك… إيمان بأن الوحوش لن تسبب له أذى.
إنه الإيمان القوي الذي يجعل الإنسان لا يخاف أو يرتعش أو يقيم وزنًا للصعوبات والعقبات.
يستطيع الإنسان دائمًا، عندما يكون لديه إيمان، أن يعمل ما لا يستطيعه غيره.
إن الفرق بين أشجع الناس، وأخوف الناس، هو الإيمان… الشخص الجريء لديه إيمان بأنه لن يحدث له شيء، أما الجبان فعكس ذلك.
يستطيع كل إنسان أن ينجح في عملٍ ما إذا آمن إيمانًا قويًا بهذا العمل… والذين نجحوا آمنوا بعملهم وساروا في طريق العمل بإيمان.
في كل الحالات لابد من الإيمان… فالمريض الذي لديه الإيمان ينجو، ومن ليس لديه الإيمان ينهار ويضعف.
ربما كانت ابتسامة لمريض تعطيه الأمل فيقوّي إيمانه ويُشفى… ربما عبارة من حبيب أو كاهن تعطي قوة إيمان للإنسان يحتمل بها المرض فيشفى.
وحتى في العدوى… إن من يؤمن بعدم العدوى يذهبون إلى أشد الناس مرضًا ويأخذونهم في أحضانهم ولا يخافون من العدوى.
الكهنة لا يؤمنون إطلاقًا بالعدوى، ولديهم إيمان عجيب في ذلك، مهما كانت حالة المريض.
ومن الذين لديهم إيمان كبير، ولا تهمّهم العدوى، الأمهات… إن الأم تنام بجوار ابنها المريض ولا تتركه، إنها لا تؤمن بالعدوى، إنها تؤمن بالحب… وبهذا الشكل لا تخاف إطلاقًا.
يعوز الناس في حياتنا الإيمان… يعوز الناس أن يؤمنوا بأنه لا خوف ولا ضرر… أن يؤمنوا بأنه لا تعب… وهكذا بالإيمان يزول الخوف.
تأملوا عمال البناء في العمارات العالية… إن هؤلاء لا يخافون من السقوط، ولو قام إنسان آخر بهذا العمل فإنه يخاف… إنه يخشى الرياح والعواصف والجاذبية فيدق قلبه… إنه عدم الإيمان.
إن الفرق بين أقوى إنسان، وأضعف إنسان هو الإيمان… هل عندك إيمان أم لا…؟
الإيمان هو أنك مؤمن وواثق في أعماقك بأنه لن يحدث لك شيء في التجارب والضيقات، نجد أن التجارب تهز البعض، بينما لا تؤثر في البعض الآخر… إن من لا تهزه التجارب لديه إيمان بأنه لن يحدث له شيء، بينما من هزتهم التجارب ليس لديهم هذا الإيمان.
إنسان تأتي له تجربة فيقول إنها ستنتهي بخير… هذا الإنسان شجاع لا يخاف، بينما إنسان آخر تأتي له التجربة فيتخيل مخاوف لا وجود لها.
يعوز الناس في الحياة الكثير من الإيمان حتى يستطيعوا أن يعيشوا.
ينجح الإنسان الذي يؤمن بفكرة وتسيطر هذه الفكرة على أعماقه فتعطيه قوة شديدة وتدفعه نحو الخير.
خذوا مثلًا المبشرين الذين ذهبوا إلى بلاد في مجاهل أفريقيا، وإلى بلاد بعيدة فيها. ظروفها قاسية جدًا من حيث طبيعتها ومناخها، ولكن لإيمانهم بالفكرة وخيرية العمل الذي يقومون به ذهبوا وعاشوا وبشّروا باسم المسيح فيها.
إنهم يؤمنون بأهمية العمل وخطورته، إنهم يؤمنون بأن هناك نفوسًا لابد أن يأتوا بها إلى الله وبتأسيس مملكة الله وسط هؤلاء الوثنيين.
لقد أعطى الإيمان لهم قوة… لم تهمهم الغربة أو الوحوش أو قسوة المناخ.
إنهم آمنوا بالفكرة تغلي في قلوبهم كالنار… وآخرون مهما شجعتهم على القيام بمثل هذا العمل فلا فائدة لأنهم لا يؤمنون.
إنه يعوزنا الإيمان… الإيمان بالفكرة… الإيمان الذي يغلي داخل القلب… الإيمان الذي يؤمن بملكوت الله.
كيف بشر الرسل بالمسيح، إنهم مؤمنون بالملكوت ورسالته، ولابد أن يذهبوا ويبشروا ويشهدوا لله، لقد ذهبوا إلى بلاد ليس فيها أحد وقاموا بالعمل.
ليس فقط المبشرون بل أيضًا المصلحون في كل مكان… ما الذي دفع المصلحين إلى الإصلاح؟ إنه الإيمان بالفكرة والجهاد في سبيل هذه الفكرة التي يؤمنون بها.
“غاندي” الذي كان يؤمن بالسلام وعدم استخدام العنف… لقد آمن بفكرته واستطاع أن يحرر الهند بها، وأوجد جيلًا من الروحانيين الذين يؤمنون بعدم العنف.
أن غاندي يؤمن بفكرته وينفذها ويعلم جيلًا مهما قابل من عقبات… لقد قاوم غاندي الاستعمار الانجليزي، وطالب بحرية الهنود، إلى أن استطاع الحصول على هذه الحرية، وبعد ذلك طالب بتحرير المنبوذين في الهند، قائلًا: إنه لا يرضى بالظلم، وكان يصوم طويلًا لكي يحرر هؤلاء المنبوذين، وصام أيضًا من أجل المسلمين ونادى بضرورة أن تعيش الهند في سلام ومحبة، وفي إحدى المرات صام حتى قارب الموت.
هذا هو الإنسان المؤمن بالمبدأ بكل ثبات وصمود… ينشر مبدأه الذي يؤمن به ويكوِّن جيلًا من الصالحين.
هذا هو الإنسان الذي لديه فكرة فيصارع من أجلها لكي تثبت وتنتشر… وكل المصلحين يؤمنون بفكرة وينفذونها وينشرونها.
ما الفرق بين من يعمل ومن لا يعمل؟ … الفرق هو الإيمان بفكرة.
حتى في الأمور الروحية… خذوا الصلاة مثلًا، هناك إنسان هو رجُل صلاة يعيش بالصلاة، وهناك آخر لا ينجح في عمل الصلاة.
ما الفرق بين الاثنين؟ … الفرق هو في إيمان شخص بالصلاة… إنك تنجح في الصلاة إذا كنت تؤمن بالصلاة، وأنها الحل الوحيد لحياتك.
هناك من تأتي له مشكلة فيعالجها بذكائه وقدراته وخبراته، ثم الصلاة بعد ذلك… هنا الصلاة بغير إيمان.
وشخص آخر يحل مشكلته بقدراته والصلاة معًا… وشخص ثالث يقول إنه لا حل لمشكلته إلا بالصلاة، ويؤمن بالصلاة إيمانًا جبارًا… إنه يصلي من عمق أعماقه، شاعرًا بأن موضوعه يحل بالصلاة.
إن مشاكلنا لا تحلها الصلاة، لأننا لا نؤمن إيمانًا أكيدًا بالصلاة… هل نشعر بأن الصلاة هي الحل الوحيد لمشاكلنا…؟
إن الذين نبغوا في الصلاة، واستجاب الله لهم، كانوا يؤمنون بفاعلية الصلاة، ويشعرون وهم يصلون بأنهم استودعوا أمورهم في يد الله الحنون.
هل نؤمن بالفضائل الأخرى إيمانًا أكيدًا… وهل لها الثبات والرسوخ في قلوبنا؟
إنك على قدر إيمانك بالصلاة تنجح في الصلاة… وعلى قدر إيمانك بالله تنجح في علاقتك بالله، وفي أي فكرة على قدر إيمانك تنجح.
إن علاقتنا بأصدقائنا تصبح قوية إذا كان لدينا إيمان أكيد بهذه العلاقة، ومن يؤمن بالمحبة، فإن العواصف وقوى الشيطان والمعوقات لا تقوى عليهم، لأن هناك إيمانًا قويًا بهذه المحبة والعلاقة والصداقة.
ما الفرق بين الشخص الصالح والشخص الفاسد…؟
إن الشخص الصالح يؤمن بأهمية الحياة الأبدية بالنسبة إليه… إنه يؤمن بغربته على الأرض، وأهمية الحياة الأخرى والإعداد لها… وصدقوني لو كنا نؤمن الإيمان كله في عمقه بأهمية أبديتنا وحياتنا الأخرى، ما كنا نخطئ في يوم من الأيام.
إننا نخطئ لأن الأبدية مسألة ثانوية بالنسبة إلينا.
لقد نجح آباؤنا القديسون في الحياة الروحية لأنهم آمنوا بالحياة الأبدية… إذ “مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟”.
لقد آمنوا بالحياة الأبدية، واستطاعوا أن يسلكوا سلوكًا قويًا في حياتهم مع الله.
لماذا ننجح في حياتنا الروحية ونفشل مرة أخرى؟ … إن فشلنا يرجع إلى أننا لم نؤمن إيمانًا قويًا بعد بأهمية الأبدية وحياتنا الأخرى… إننا نؤمن بحياتنا على الأرض.
إن الذي يؤمن بالأبدية إيمانًا راسخًا. لا يخطئ.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 3-6-1973م



