الإرادة لماذا تضعف؟ وكيف تقوى؟

الإرادة..
لماذا تضعف؟ وكيف تقوى؟1
كثيراً ما يرغب الإنسان في ان يسلك حسناً، ولكنه لا يستطيع. أو أن يعرف خطأ أو خطورة أمر من الأمور، وأنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكنه لا يقدر. والسبب في كل ذلك أن إرادته ضعيفة. كإنسان واقع تحت سيطرة عادة رديئة، ويعجز عن التخلص منها.
يعرف مثلاً أن التدخين يتعب الصحة، ويضيع ماله، ويفقده إرادته، وتبقى رائحته في فمه وأسنانه ومع ذلك لا يقدر على إبطال التدخين. يود ذلك، ولكنه لا يستطيع.. إنها حالة إنسان عاجز عن مقاومة الخطيئة، وعاجز أيضاً عن فعل الخير.. إرادته ضعيفة في الحالين.
أسباب ضعف الإرادة:
1-أول شيء يضعف الإرادة هو الشهوة.
ولا نقصد شهوة معينة، إنما أية شهوة، سواء شهوة الجسد، أو شهوة المال والاقتناء، أو شهوة المناصب وتعظم المعيشة، أو شهوة الانتقام.. كلها وغيرها شهوات تتسبب في إضعاف الإرادة.
فعندما تدخل الشهوة إلى القلب تؤثر على الإرادة وتجذبها إليها. وكلما ازدادت الشهوة، تضعف الإرادة عن مقاومتها، وبتوالي ضغط الشهوة على الإرادة، ربما تنهار الإرادة تماماً، وتستسلم للشهوة، والعلاج هو البعد عن هذه الشهوات بقدر الإمكان، وإن حورب الإنسان بها، يسرع في مقاومتها والبعد عنها.
2- البعد عن مصدر الخطية ومادتها.
قد تأتيك حرب الشهوة من داخل قلبك، وعلاج ذلك أن تقوى حياتك الروحية، محاولاً أن تصل إلى نقاوة القلب بقدر استطاعتك. أما إن صرت قريباً من مادة الخطيئة أو مصدرها، فحينئذ تقوم عليك حربان: إحداهما من الداخل، والأخرى من الخارج، ويتعاونان معاً على إسقاطك وعلى إضعاف إرادتك، وإضعاف مقاومتك للخطأ.. ولذلك على الإنسان الحكيم أن يبعد عن مغريات الخطيئة، وعن الأوساط المعاشرات الرديئة التي تسهل له السقوط وتدعوه إليه.
3- ومما يضعف الإرادة بالأكثر: طول المدة في جو الخطيئة.
إن عنصر السرعة هام جداً في البعد عن مصادر الخطيئة ومن يساعد عليها.. وهذا واضح جداً في كل مشاكل الإدمان بشتى أنواعه.. وواضح أيضاً بالنسبة إلى محاربة فكر الانتقام أو شهوة الجسد.
فإن حاربتك الخطيئة وقاومتها للوقت، ولم تستبق فكرها عندك لا لحظة ولا لحيظة ، تجد إرادتك قد قويت وتخلصت من الإغراءات.. أما إن تركت الشهوة ترعى في قلبك، وتلعب بعواطفك، وتقنع عقلك، فإنها بطول المدة تقوى عليك. فتضعف إرادتك عن مقاومتها.. وحتى إن انتصرت، إنما يكون ذلك بمجهود كبير تبذله، وبمعونة إلهية تنقذك.. سهل أن تنتزع عشباً من الأرض، ولكن يصعب الأمر عليك إن تركته حتى يتحول إلى شجرة: تتأصل جذورها في الأرض، ويرتفع جذعها في الهواء، وتنتشر فروعها هنا وهناك.
السرعة لازمة لتقوية الإرادة في عمل الخير أو في مقاومة الخطية.
لا تتباطأ في عمل الخير ولا تؤجل ذلك، لئلا يغريك الشيطان بإعادة التفكير، وربما يحاول تغيير فكرك. فالشيطان لكي يبعد الإنسان عن فعل الخير، أو يضعف إرادته في ذلك، لا يقول له لا تفعل، بل يقول له: انتظر فكر.. لا تندفع ولنناقش الأمر معاً. وهكذا يدفعه في عمل الخير إلى شيء من التردد، تضعف الإرادة فيه، وبالتباطؤ يتحول قلب الإنسان من العزيمة إلى التفكير. وربما يفتح المجال أمام حرب مضادة تمنع الإنسان من فعل ذلك الخير!!
وقد يتسع الأمر إلى نقاش تفصيلي: لماذا فعل الخير لهذا المكان بالذات؟ ولماذا لهذا الشخص بالذات؟ ألا يوجد من هو أحق؟ ألا يوجد مشروع أفضل، ووسط هذا النقاش وأمثاله تتقاعس الإرادة وتضعف!
مثال ذلك: نصيب الله في مالك:
إن عزمت بسرعة على دفع نصيب الله من مالك، حالما يصل إليك مرتبك، أو أي إيراد جديد، تجد إرادتك قوية لتنفيذ الوصية الإلهية.
أما إن تباطأت، وقلت: ننتظر قليلاً حتى ندبر بعض الأمور، أو أخذت تفكر لمن تدفع المال؟ هل إلى بيت الله مباشرة أم إلى بعض الجمعيات الخيرية والملاجئ المحتاجة أم إلى الطلية الفقراء أو إلى الأسرات المستورة، أو… ربما في أثناء هذا التباطؤ قد تتردد، وتقول لنفسك، أنا أريد أن أفعل الخير، ولكنى لا أدرى كيف؟ وإلى من؟ وإلى أين؟ وقد لا تفعل شيئاً.. وربما تنسى ما تريد أن تدفعه، وقد يضيع منك قبل أن تبت في الأمر، وتضعف إرادتك.
4– الإرادة يضعفها عنصر التردد.
سواء الإرادة في فعل الخير، أو في البعد عن الخطية، أو حتى التردد في القيام بالواجب. كتردد التلميذ في استذكار دروسه يوماً بيوم، أو التردد في القيام بواجب مجاملة في تعزية حزين، أو في زيارة مريض، أو في إعانة محتاج.
التردد يضعف العزيمة، ويضعف الإرادة في التنفيذ ويربك العقل في اتخاذ القرار، ويغرس الشك في القلب: هل أفعل أم لا أفعل؟ وهل الآن أم فيما بعد؟ وهل يجب أم لا يجب؟ … وفى كل هذا، تضعف الإرادة وربما لا تنفذ على الإطلاق.
لذلك عالج التردد في نفسيتك بصفة عامة، وفى قيامك بعمل الخير بصفة خاصة، كذلك لا تتردد على الإطلاق في السرعة بمقاومة كل أسباب الخطية، وكل مصادرها بشرية أو مادية.
5- مما يضعف الإرادة في مقاومة الخطية: التدرج في جو الخطية.
إن الانحدار المفاجئ أو السريع هو أمر ملحوظ، ولكن الانحدار التدريجي قد لا تلحظه. ربما لا تدرك مثلاً أنك لا تنزل عشرات الأمتار في الطريق الصحراوي من وادي النطرون إلى القاهرة أو إلى البحيرة المالحة في الإسكندرية.
هكذا في الحياة الروحية: قد تنزل تدريجياً من الحرارة الروحية، إلى الفتور، إلى البرودة فالسقوط، حيث تنهار إرادتك، وانت لم تلحظ كيف ضعفت بالتدريج، ولم تعد إرادتك بالخير. أحترس إذن لنفسك… إن وجدت أنك ترفض تلقائياً خطايا معينة، وبسرعة أعرف أن إرادتك لا تزال قوية.
ولكن إن وجدت أنك ترفض الخطأ، ولكن بعد تردد، اعرف أن إرادتك للخير قد بدأت تفقد قوتها الأولى، وبدأت تضعف.
لم يعد لك البعد المباشر للخطية، ولا البعد التلقائي عنها.. وإن وجدت أنك تسير مع فكر الخطيئة بضع خطوات ثم تستيقظ لنفسك وتمتنع عن الاستمرار، اعرف أن إرادتك ضعفت ولكنها شعرت بذلك ولم تستمر. سقطت ولم تكمل درجات السقوط.
أما إن سقطت ولم تعرف كيف تقوم، أو لا تريد أن تقوم! فاعرف أن إرادتك قد انهارت وأصابها العجز، وأصبحت في حاجة إلى علاج قوى وسريع.
إن الخطيئة قد لا تحاربك دفعة واحدة وبوجه مكشوف، لكي لا ترفضها إرادتك الصالحة. ولكنها قد تخدع هذه الإرادة بالتدرج.
لهذا تتدرج معك تدرجاً طويلاً، ربما لا تشعر به. وفي كل ذلك تضعف إرادتك بقبول ذلك التدرج.. إلى أن توقعك في الهوة.
وربما تكون الخطية الأولى التي تقودك إلى الخطية، ليست خطية في ذاته، بل هي خطوة مخادعة مستترة، وبتدرجها تخدع إرادتك فتقبلها وتفقد هيبتك الأولى وتسلبك قوة الإرادة بالتدريج حتى تستسلم أخيراً.
إذن مما يضعف الإرادة عدم الحزم والحسم من أول خطوة.
وبسبب التهاون والتراخي، تفقد الإرادة قوتها، وتقف في ضعف. فينبغي على الإرادة أن تصد كل أسباب الخطية من بادئ الأمر، ببصيرة حكيمة تتفهم العواقب وتدركها قبل وقوعها.
كيف تقوى الإرادة؟
1- مما يقوى الإرادة أن يعيش الإنسان في جو يساعده على الخير.
سواء من جهة الأشخاص الذين يساعدونه على الثبات في عمل الخير، وبتقديم القدوة الصالحة له التي تشجعه أو تقوى إرادته، أو بتوبيخه إن مال ولو قليلاً عن الطريق الخير، وضعفت إرادته.. كذلك تقوى الإرادة بجو الفضيلة التي تحيط به، والتي يؤمن بها قلبه.
أمامنا في ميزان الحياة كفتان: كفة الخير، وكفة الشر.
فإن رجحت كفة الخير في حياتنا تقوى الإرادة، وإن رجحت كفة المغريات الشريرة، تضعف الإرادة.. تذكر إنك إنسان تتأثر بأشياء كثيرة حولك. وأنك أحياناً تشبه بندول الساعة، تارة تتحرك يميناً وتارة شمالاً، فاجعل ميلك نحو الخير هو العنصر الغالب في حياتك، تقوى به إرادتك.
2- مما يقوى الإرادة تداريب ضبط النفس.
إن لم تكن نفسك تميل بطبيعتها نحو الخير، فاضبطها بإرادة قوية. إن ضبط النفس تقوى الإرادة، وقوة الإرادة تضبط النفس إذا انحرفت وتعدل مسارها.. وذلك إن كنت في كل حين تعط نفسك كل ما تهواه – بدون حكمة – سوف تضعف إرادتك وتقودها الشهوات والرغبات! لذلك أغصب نفسك على عمل الخير، إن لم يكن لك ميل طبيعي نحو الخير، وكلما تغصب نفسك، تقوى إرادتك، وتصل أخيراً إلى محبة الخير.
إن التغصب هو نقطة البدء، ولكنه لا يستمر هكذا.
فالطفل الصغير حينما يرسلونه إلى المدرسة لأول مرة، قد يرفض ويبكي، لأنه سيبعد عن حضن والديه ومحبة أقربائه له، ويترك الجو الذي تعود عليه في بيته، ويذهب إلى جو غريب عنه. ولكنه بعد قليل يجد لذة في جو المدرسة أو في الحضانة أو روضة الأطفال، ويجد تسليات كثيرة وأصدقاء جدداً وما في الجو الجديد من دروس وتعليم، فيألفه ويشتاق إليه ويذهب إليه برغبة.. وهكذا في الجو الروحي التغصب أولاً يوصل الإنسان إلى محبة الخير.
اغصب نفسك على حياة التوبة، وستجد في التوبة ما يريحك.
3– من الأشياء التي تقوى الإرادة: مخافة الله ويقظة الضمير.
شعورك أن الله يراك في كل عمل تعمله، ويسمعك في كل كلمة تقولها، هذا يغرس مخافة الله في قلبك، ويقوى إرادتك نحو الخير، ويجعل ضميرك صاحياً باستمرار لا ينعس ولا ينام. والضمير الحي يقوى الإرادة وارتباطك بالله في حياتك، وبحياة التأمل والصلاة، وترديد كلمات الله في فكرك، وتشبعك بسير الأبرار من البشر.. كل ذلك يحفظه فكرك وقلبك في جو روحي يقوى إرادتك نحو الخير، ويجعلك بهذه الإرادة تشمئز من كل ألوان الخطية، وتكون قوياً في مقاومتها.
4- لكي تقوى الإرادة، لابد من قيم يتمسك بها الإنسان ويلتزم بها.
لابد أن تكون له قيم معينة، لو قامت الدنيا وقعدت لا يمكنه أن يتنازل عنها- فالإنسان الذي جعل الأمانة والصدق من القيم التي يتمسك بها، تكون إرادته في منتهى القوة إن حورب بإغراء ضد الأمانة.. أنه لا يستطيع أن يكون غير أمين أو غير صادق.
الشهداء مثلاً، الذين جعلوا الإيمان من القيم الثابتة في قلوبهم، هؤلاء تكون إرادتهم قوية جداً في الحفاظ على إيمانهم مهما قوبلوا بتهديدات، وما احتملوا من عذابات إرادتهم لا يمكن أن تضعف.
أما الذي بلا قيم ملتزم بها، فهو كإنسان تائه في صحراء، لا يعرف الاتجاه الذي يسير فيه، فتكون إرادته مزعزعة.
إن إرادتنا تضعف أحياناً، لأن بعض القيم في حياتنا قد ضعفت.
أما إن بقيت القيم في حياتنا قوية، وكان التزامنا بها قوياً، فإن إرادتنا تكون قوية أيضاً. هناك قيم مثل احترام القانون، وأحترم النظام العام، وأحترم الكبار. طالما توجد هذه القيم، تكون الإرادة قوية في الالتزام بها، فإن ضعفت إحدى هذه القيم، تجد الإرادة منقادة إلى الثورة أو الاحتجاج والعصيان.
إن الدين يقدم لنا قيماً معينة، تكون الإرادة قوية في تنفيذها.
مثال ذلك الصوم، تجد الإرادة القوية أثناءه في الامتناع عن الطعام، فهو وسيلة لتقوية الإرادة، كما أن الإرادة القوية وسيلة لممارسته. كذلك يتحكم في إرادة الإنسان قوة وضعفاً، مدى تدينه وقربه من الله أو بُعده.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة الجمهورية بتاريخ 29-10-2002م


