الأنبا كيرلس

الأنبا كيرلس1
نقدم في هذا العدد رجلًا بارًا عاش في جيلنا، وهو:
رئيس أساقفة إثيوبيا
كان رجلًا تميز بالهدوء العجيب، والصمت والتأمل، والدموع، والصلوات الروحية العميقة، وحياة الاتضاع… كما تميز أيضًا بمعجزاته الكثيرة.
هرب من سيامته مطرانًا، وسُيم على الرغم منه، وهو سابح في دموعه، وكان رجل ضيقات وآلام، وقد قضى السنوات الأخيرة من حياته بعيدًا عن كرسيه، في مسكن متواضع على سطح الإكليريكية بمهمشة…
نشأته:
ولد في بلدة دير النغاميش، مركز البلينا، وباسم سيداروس، وتربى تربية مسيحية حقة. درس في كتاب القرية، وتعلم الألحان وحفظ المزامير بصورة تسترعي الانتباه. وكان من صغره يميل إلى الاعتكاف والتأمل، وممارسة الصوم حسبما يحتمل جسم طفل.
رهبنته:
ترهب في سن مبكرة وهو شاب صغير، في دير الأنبا أنطونيوس.
فأحبه الجميع لدماثة خلقه وطاعته وصمته.
وفي مدرسة الدير ببوش، درس العلوم اللاهوتية والأدبية وبعض اللغات ومالبث أن سُيم كاهنًا باسم القس سيداروس ثم قمصًا.
واختير القمص سيداروس سنة 1903 ليباشر المهام الروحية بدير السلطان بالقدس وتولى الإشراف على الرهبان الأحباش هناك.
وكان محبوبا جدًا في القدس، على أنصحته لم تساعده على البقاء طويلًا، إذ مرض مرضًا عضالًا لمدة سنتين، كان غذاؤه فيهما قليل من اللبن لا يتناول سواه.
ثم عمل وكيلًا لوقف الدير في بهجوره، في قلاية هادئة فوق كنيسة العذراء، فكانت قلايته هدف النفوس الطالبة بركته.
سيامته مطرانًا لإثيوبيا
أخيرًا وقع الاختيار عليه ليكون مطرانًا لإثيوبيا، وطلبه غبطة البطريرك الأنبا يؤانس التاسع عشر لسيامته، فاعتذر متجاهلًا القراءة والكتابة، وذكر أنه لا يعرف شيئًا عن الطقوس الدينية. ولما رفضت كل اعتذاراته، وانعقدت النية على سيامته هرب عدة مرات، واختفى في مكان. لا يعرفه أحد.
وأخيرًا ذهب لمقابلة غبطة البطريرك توفيق (باشا) دوس وبعض من أراخنة الأقباط، فأتفق معهم أن يبذلوا كل الجهد للبحث عن القمص سيداروس واحضاره إليه لسيامته مطرانًا.
وبعد بحث طويل، استطاعوا فعلًا أن يعثروا عليه، فلما عرف سبب مجيئهم، توسل إليهم أن يساعدوه ويتوسطوا لدى غبطة البطريرك حتى يعفيه من هذه السيامة. فوعدة توفيق باشا بذلك. ولكن حدث أن أصبع (الباشا) جرح وهو يفتح باب العربة فتأخر ريثما يضمده. وهكذا وصل الركب قبله إلى البطريركية.
وكانت النية مبيته على أنه بمجرد وصول القمص سيداروس إلى البطريركية، يضع غبطة البطريرك يده على رأسه مباشرة ويتلو الرشومات وتتم الصلوات الابتدائية.
وحدث ذلك فعلًا، ودعي باسم الأنبا كيرلس مطران إثيوبيا. ولم يجد الراهب القديس أمامه سوى الدمع الغزير، فبكى حتى أبكى معه قداسة البابا والحاضرين من أعضاء المجلس الملي وأراخنة الشعب.
وبعد أيام تمت مراسيم السيامة في البطريركية وسُيم معه أربعة أساقفة من الإثيوبيين، كمعاونين له. وفي 19 يونيو سنة 1929 سافر الجميع إلى أديس أبابا حتى كان في استقباله جلالة الملك الذي قدم له وزراء المملكة وعظماءها، وأقيمت له الاحتفالات الكبري وقوبل بكل تجلة واحترام من الجميع.
اصلاحاته كمطران
وجه عنايته إلى محاربة أكبر عادة سيئة كانت منتشرة بين عامة الإثيوبيين وهي تعدد الزوجات والطلاق بطريقة لا تمت إلى الدين وطقوسه بصلة.
فعالج الأمر بوسائل متعددة منها: الحرمان، والإكثار من إلقاء العظات في هذا الشأن، وكتابة المقالات لشرح أن هذه العادة خروج على الدين.
ومسعاه في هذا المضمار وإن لم يكن قد أتى بالثمار الكاملة، فيكفي أنه أحدث هزة عنيفة في تمسكهم بهذه العادة.
كذلك حارب إدمان الخمر. وكان من أعماله أيضًا إقامة مطرانية داخل أسوار على أرض مساحتها 15 فدانا.
بسالته في الاضطهاد
قامت الحرب الإيطالية الحبشية، ودخل الإيطاليون أرض إثيوبيا، وضغطوا على المطران بشتى الطرق، ليحملوه على تهدئة الشعب ليرضى بحكم الإيطاليين، فرفض. ولم تزده اضطهاداتهم إلا صلابة.
فطلبوا إليه فصل الكنيسة الحبشية عن الكنيسة القبطية، واعدين إياه بمساعدته وإعطائه سلطة رئاسة الكنيسة. فقال لهم “هذا مستحيل. لا أقبل أن أخون أمانة موضوعة في عنقي، ووكالة اؤتمنت عليها وحافظ عليها 114 مطرانًا من قبلي”…
جاءه المارشال جرازياني ومعه قوة كبيرة من الجيش، فرسان ومشاة ودبابات وطائرات، أحاطت بدار المطرانية، وظل يفاوضه بالتهديد لمدة ساعتين دون جدوى.
وفي مرة أخرى أخذه إلى غابة مخيفة، وهدده بالموت إن لم يعترف بالإمبراطورية الإيطالية وينفصل عن الكنيسة المصرية، فقابل الأمر ببسالة ووبخهم على تهديد رجل أعزل وقال للقائد “افعل ما تريد، ومر بقتلي. أما أنا فلا أقبل ما تعرضه مهما كانت النتائج”.
ولما رأوا التهديد لا يُجدي، حاولوا استمالته بالوسائل المادية، فرفض.
وفي إحدى المرات انفجرت قنبلة وأصابته بعض الشظايا، ونقل إلى المستشفى، وأوعزوا إلى الطبيب الألماني بقتله، ولكن الرب حفظه.
فأرسلوه إلى رومه للتفاوض مع موسليني. فأصر على نزوله بمصر أولًا لمقابلة غبطة البطريرك، ولكنهم رفضوا طلبه. وفي رومه قابل موسليني، ودعوه إلى المجلس الفاشستي الأعلى، وتكلم هناك ثابتًا على موقفه.
وهناك طلبوا إليه مقابلة بابا رومه، فرفض لأنهم لم يسمحوا له بمقابلة رئيسه بابا الإسكندرية.
وأخيرا أبلغوه أنه لا مانع لديهم من رجوعه إلى مصر، فعاد إلى مصر وقضى بقية حياته في مسكن متواضع في الكلية الإكليريكية بمهمشة…
العابد الروحاني الزاهد
كان الأنبا كيرلس رجلًا روحانيًا يحب العزلة والهدوء، صورة حية للوقار، صورة حية للشيخوخة الهادئة. لا تشبع العين من التطلع إلى وجهه الطاهر.
لم يكن يتكلم كثيرًا، لأنه كان يحب أن يسمع وأن يتأمل. فإذا ما انفرجت شفتاه عن كلام، فهو دعوات صالحة ونصائح غالية، وكلام مأثور مشبع بالحكمة.
وكان لا يصلي إلا في الكنائس النائية، ولا يسمح بأن يعلن عن صلاته.
وكان يقف طوال القداس، لا يجلس أبدًا، تاركًا غطاء رأسه ينسدل على جبهته وعينيه، فلا يرى وجه أحد من المحيطين به.
وكان كثير الدموع في صلاته. يصلي في خشوع من عمق روحه تهز صلاته أركان الهيكل. وهو منصرف إليها بكل حواسه.
وحين ينتهي من القداس، كان يخرج من الباب الخلفي للهيكل كلما أمكن، وكان البعض يعاتبونه على هذا الانزواء وهذا الهروب من الناس خصوصًا بعد القداس حين كان الجميع يتلهفون على نوال بركته.
وكان الذين يزورونه، يخرجون وقد امتلأت نفوسهم بالقوة الروحية. وكان من عادته أن يقضي كل سنة فترة في خلوة كاملة حيث لا يعرف مكانه أحد. وحينما كان يعود منها كان النور الروحي يشع من وجهه، حتى يتذكر الناس موسى النبي حين نزوله من الجبل.
وكان رجل أصوام ومطانيات على الرغم من ضعف صحته.
وكان يحتمل ضيقاته الكثيرة في هدوء. ويقابل كل ما يقال عنه بجملة واحدة هي “الله يسامحهم. نشكر الله”.
تواضعه
كان إنسانًا متواضعًا وديعًا مع الكل.
* في أحد المرات طلبه تليفونيًا في الكلية الإكليريكية أحد الآباء المطارنة وكان قد سُيم حديثًا، وإذ لم يكن هذا المطران يدري من يكلمة سأل أنا المطران الأنبا (فلان)… وأنت مين؟ فأجاب “أنا كيرلس” فاستفسر “كيرلس مين؟”. فأجابه القديس في اتضاع “كيرلس اللي فوق سطح الإكليريكية”…
* وفي ذات يوم ذهب ليزور بعض أصدقائه. فدق جرس الطابق الأول خطأ، بدلًا من جرس الطابق الأعلى. فخرجت إليه خادمة وظلت تشتم وتغلظ القول. وفي تلك الأثناء كان الناس الذين ينتظرون هذا الضيف العظيم قد فتحوا بابهم ونزلوا لاستقباله. فدهشوا إذ سمعوه يقول للخادمة في هدوء تام “سامحيني يا بنتي”. وكان أطفالهم يريدون أن يضربوها ولكنه منعهم من ذلك.
ذلك الرجل العظيم الذي لم يتراجع أمام الملوك والقواد، كان يطلب المسامحة من خادمة صغيرة…
* وفي قداساته كان قبل، أن يلبس الحلة الكهنوتية البيضاء ينتحي بكاهن الكنيسة جانبًا، ثم ينحني أمامه ويطلب الحل. وكان يسمعه البعض وهو يقول للكاهن بإلحاح: “اطلب من أجلي في صلاتك يا أبانا القمص كي يرحمني الله ويغفر خطاياي” فكان الكاهن بدوره يقف حائر، ثم يقبل يده ويطلب بركته.
* لم يكن يسمح لمرتل الكنيسة أن يتلو ما يخصه من عبارات مديح في ألحان الكنيسة ومرداتها.
* وكان يرد على من يطلب صلواته بقوله “اذكرني أنت يا ولدي”. وأحيانا كان يقول: “ربنا يذكرنا جميعًا بمراحمه”.
كان الله معه
* حكى لبعض مدرسي التربية الكنسية بمهمشة أنه في إحدى المرات أحاط به الإيطاليون حتى أرهقوه جدًا بعد أن يئسوا من ضمه إلى صفوفهم. وكانوا قد حولوا أديس أبابا إلى شعلة من نار من النهب والقتل.
وقال “تضايقت! تضايقت! تضايقت!”. ثم مد ذراعيه تجاه صورة العذراء وهي تحمل المسيح، وثبت نظره فيها لحظة وقد سكنت نفسه.
ثم أكمل حديثه: وخاطبني المسيح: “لماذا أنت غاضب؟ هل أنا تركتك؟” فنكست رأسي وأنا أتمتم “لا يا سيدي”.
* وفي مرة سأله الأخ أنيس اسكاروس بمهمشة عن ذكرياته أثناء الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا. وكان قد رأى آثار عمليات جراحية في ساقيه وبعض ثغرات في عكازه.
فقال “طُلب إليَّ أن أتوجه لمقابلة القائد الإيطالي. وما أن وطئت قدماي القاعة حتى فتحت البنادق السريعة الطلقات أفواهها”. واستطرد: “الرجل الذي عن يميني وقع، والذي عن يساري وقع، وحامل مظلتي وقع أيضًا. كل من كان حولي وورائي وقع. فاعتمدت برأسي على عكازي والرصاص ما يزال ينهال حولي، فأصاب ساقي وذراعي، ثم ارتدت رصاصة وسقطت على الأرض، كانت موجهة إلى القلب، وردتها علبة النظارة الصفيح!!”.
ثم اخرجها من جيبه… وتعجب الحاضرون كيف استطاعت علبه رقيقة عتيقة أن تمنع اختراق الرصاص. ولكنها نعمة الله.
معجزات متنوعة
كان الله يمنحه أحيانا قراءة الأفكار ومعرفة أمور مخفاة…
* قال أحدهم “عولت مرة أن أساله عن مستقبلي حين أتشرف بمقابلته لاعتقادي في تقواه وقداسته، وكان في حضرته كثيرون. ففكرت أن انتهز أول فرصة لأوجه إليه سؤالي، وبينما أنا أفكر، إذا به يوجه إلى الحديث قائلًا “ها أنا معك الآن، ولكني لا أستطيع أن أعرف مستقبلي، لأن المستقبل في يد الله” فتعجبت.
* وكثيرة جدًا هي معجزات الشفاء التي أجراها الله على يديه. وكان يستخدم في ذلك الماء المصلي الذي يسميه “ماء البركة”.
بعض هذه المعجزات حدثت في بهجوره وبعضها في القاهرة. وبعضها لغير المسيحيين، إذ كان الجميع يعتقدون في قداسته وشفاعة صلواته.
* قص الأخ متواضع يعقوب شنوده من أعيان بهجوره كيف شفاه القديس بماء البركة من مرض عضال ألم به وحار فيه أطباء مصر ونجع حمادي. وكيف شفى أيضًا ابنه ووالده وآخرين.
* وقال أيضًا: أشرفت زوجة أحد أصدقائنا على الموت بعد أن مات الجنين في بطنها وهو في الشهر التاسع. وقرر الأطباء أنها ستموت بعد ساعات فأسرع إليها القديس. وما أن سقاها من ماء البركة، حتى خرج جنينها الميت بقوة خفية، وعادت نفسها إليها.
* وحكى الأخ نصيف مجلع بالبلينا قصص شفاء أخرى.
وكان الناس الذين لا يستطيعون المضي إلى القديس، يطلبون إليه أن يرسل لهم بعضًا من الماء المقدس، فيشربون منه بإيمان ويشفون.
وقد شفى امرأة من بلدة الكشح كانت معذبة بروح نجس لازمها ثلاثين عامًا.
* وظلت موهبة الشفاء معه حتى آخر ليلة من حياته. إذ بصلاته شفيت امرأة بالمستشفى القبطي. وكان هو نفسه مريضًا بهذه المستشفى وقد تنيح في تلك الليلة.
نياحته
تنيح مطران الحبشة البار يوم 22 أكتوبر سنة 1950 الموافق 12 بابه سنة 1667، في نفس يوم تذكار القديس متى الرسول الذي بشر إثيوبيا أيضًا.
وكان اليوم الثالث لنياحته هو تذكار القديس فيلبس الذي بشر الخصي الحبشي وعمده.
ودفن هذا البار بكنيسة أبي سيفين بمصر القديمة.
تحية لروحه
وفي هذا المقال نوجه تحية لروحه الطاهرة من الكلية الإكليريكية التي قضى بها سنواته الأخيرة، ومن مدارس التربية الكنسية التي كان يحبها ويؤمن برسالتها، التي قال عنها لمدرسيها:
“الحقيقة يا أولادي للكنيسة آمالًا واسعة في هذا الغرس اليانع في حقل مدارس الأحد. وكم يلذ لي أن أجلس بينكم لأرى أعمال الله معكم”.
نيح الله نفسه مع قديسيه، ونفعنا جميعًا ببركاته.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية – العدد السادس أغسطس 1966م




