الأرواح جـ2
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة عن موضوع الروح وخلود النفس ورفض فكرة عودة التجسد (Reincarnation)، موضحًا المفاهيم الخاطئة التي انتشرت من الديانات والفلسفات الوثنية، ويقدّم الرد الأرثوذكسي الكتابي عليها، مؤكدًا أن خلاص الإنسان يتم مرة واحدة من خلال الفداء بدم المسيح، وأنه لا توجد حياة بشرية متكررة، بل قيامة ودينونة بعد الموت.
أولًا: وحدة الفكر في مصادر التناسخ
يشرح البابا أن معظم الكتب التي تتحدث عن “العودة للتجسد” تستمد فكرها من مصدر واحد، سواء عربية أو أجنبية، مثل مؤلفات رؤوف عبيد وعبد العزيز جادو وغيرهم، وجميعها تعتمد على نفس القصص والأدلة الخاطئة مثل المولود الأعمى أو يوحنا المعمدان وإيليا.
ويؤكد أن هذه الأفكار ليست ناتجة عن بحث روحي صادق بل منقولة من الفلسفات الشرقية القديمة.
ثانيًا: الإيمان بخلود النفس
يؤكد البابا أن الكنيسة تؤمن بخلود النفس وحياة أبدية بعد الموت، مستدلًا بالكتاب المقدس الذي يعلن أن النفس لا تفنى لأنها على صورة الله ومثاله.
ويرى أن عدل الله يتجلى في الحياة الأبدية، حيث يُعوَّض المظلومون وتُدان الخطايا، مشيرًا إلى قصة الغني ولعازر كدليل على وجود الجزاء بعد الموت.
كما يوضح أن شفاعات القديسين ومعجزاتهم بعد وفاتهم دليل حي على استمرار الحياة الروحية.
ثالثًا: بطلان النظريات المادية عن الروح
يفنّد البابا رأي الماديين الذين يعتبرون الروح مجرد “شحنة كهربائية” أو “جسم أثيري”، مؤكدًا أن الروح ليست مادة بل كيان روحي عاقل خالد.
ويرفض فكرة “تشتت الروح في النور” أو تجسدها في الأشباح، معتبرًاها خرافات لا تتفق مع منطق الإيمان، فالملائكة أرواح نورانية تظهر في النور دون أن تتلاشى.
رابعًا: رفض فكرة عودة التجسد
يفند البابا الاعتقاد بأن الروح تعود إلى جسد آخر لتحسين مستواها أو عقابها على خطايا سابقة، موضحًا أن ذلك يتناقض مع عقيدة الفداء التي أكملها المسيح على الصليب حين قال: “قد أُكمل”.
فالفداء محا الخطية ولا داعي لتكرار العقوبة في أجساد أخرى. كما أن فكرة عودة الإنسان في هيئة حيوان أو طير تهدم الإيمان بأن الإنسان مخلوق على صورة الله.
خامسًا: لا توبة بعد الموت
يوضح البابا أن فرصة التوبة والإيمان هي على الأرض فقط، مستندًا إلى الآية:
“وُضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة.” (عبرانيين 9:27)
ويرفض القول بأن هناك كرازة أو توبة بعد الموت، لأن الروح بعد مفارقة الجسد لا تعود لتجاهد أو تُجرَّب.
ويستشهد بصلاة الكنيسة: “توبى يا نفسي ما دمتِ في الجسد”، مؤكّدًا أن التوبة الحقيقية تكون للإنسان كله – روحًا وجسدًا – أثناء حياته.
سادسًا: الرد على فكرة الكرازة بعد الموت
يفسر البابا النصوص التي يستغلها البعض ليزعموا أن الرسل يبشرون بعد الموت، ويقول إن الدينونة تشمل الروح والجسد معًا، ولا معنى لتوبة روح منفصلة عن جسدها.
ويؤكد من خلال قصة الغني ولعازر أن بعد الموت لا توجد فرصة جديدة، لأن “بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أُثبتت”.
سابعًا: هل الروح مولودة أم مخلوقة؟
يناقش البابا الخلاف القديم بين القديس أغسطينوس وجيروم حول أصل الروح، موضحًا أن الإنسان ككل مخلوق من الله، روحًا وجسدًا، لأن أصله من آدم المخلوق.
ويستشهد بآيات مثل:
“الرب باسط السماء والأرض وجابل روح الإنسان في داخله.”
للتأكيد أن الروح مخلوقة منذ البدء، وليست فيضًا من اللاهوت ولا موجودة قبل الجسد.
ويُحذر من فكر أوريجانوس الذي قال إن الأرواح كانت موجودة قبلاً وسقطت، معتبرًا هذا الفكر بدعة غير كتابية.
خاتمة
يختم البابا بالتأكيد أن الإيمان المسيحي القبطي الأرثوذكسي يقوم على:
-
الإيمان بفداء المسيح الكامل.
-
الإيمان بخلود النفس والقيامة.
-
رفض كل فكر عن تناسخ الأرواح أو التوبة بعد الموت.
فالله خلق الإنسان على صورته ليرث الأبدية لا ليتكرر في أجساد مختلفة، ومن يفهم هذا يعيش بالتوبة والرجاء.


