الأربعين يومًا

إن الأربعين يومًا التي تلت القيامة، كانت أيامًا مفرحة وسعيدة، عاش فيها التلاميذ مع الرب، يفتقدهم ويقويهم، ويزيل شكوكهم، ويثبتهم في الإيمان… عاشوا معه، وتمتعوا بعشرته، ورأوه ففرحت قلوبهم.. ليتنا نتأمل في تلك الأيام المفرحة…
الأربعين يومًا1
أول ما نلاحظ في الأربعين يومًا إنها كانت فترة افتقاد.
- فترة افتقاد ورعاية:
لم يشأ أن يترك تلاميذه للشك وللخوف وللضعف، وللهزات النفسية التي أحدثها تأثير الصلب…
الذين كانوا منهم في ضعف خاص، ظهر لهم خصيصًا…
بطرس الرسول كان في أزمة نفسية بعد إنكاره. كان يرعبه قول الرب: “من ينكرني قدام الناس، أنكره قدام ملائكة أبي في السموات”. لذلك ظهر الرب لبطرس، وطمأنه على رسوليته…
عندما قام السيد المسيح، لم يفكر في ذاته، وإنما في الآخرين…
لم يوبخ الذين تركوه والذين أنكروه، إنما عالج كل هؤلاء وافتقدهم في حب…
لقد جاز المعصرة وحده. تخلى عنه الكل. ولكنه لم يعتب عليهم.. أحباؤه ضعف إيمانهم، وخافوا. فلم يوبخهم على خوفهم وعلى ضعف إيمانهم، وإنما عمل على إدخال الإيمان إلى قلوبهم… مثال ذلك: عندما شك توما، لم يغضب الرب بسبب هذا الشك، وإنما ظهر لتوما، وأراه جروحه، وأزال شكه، وقال له: “لا تكن غير مؤمن، بل مؤمنًا” فصرخ توما: “ربي وإلهي”.
وهكذا أوصل توما إلى الإيمان، الذي ما كان ليصل إليه بالتوبيخ.
كانت فترة الأربعين يومًا فترة افتقاد ورعاية، وأيضًا…
ب- فترة وجود الله معنا وثباته فينا:
كان يمكن للسيد الرب أن يقوى إيمان التلاميذ في يوم واحد أو فى أقل، ولكنه قضى معهم أربعين يومًا، لأنه يحب أن يكون مع أولاده، مسرته في بني البشر… لقد قابلهم في العلية، وعند البحيرة، وفي الجليل… وزارهم مرارًا، وحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله.
وليس فقط يريد المسيح أن يكون مع أولاده، بل بالأكثر أن يكون فيهم، يحل فيهم، ويثبت فيهم وهم فيه إلى الأبد.
قال للآب عنهم:” أنا فيهم، وأنت فيَّ، ليكونوا مكملين إلى واحد” (يو17: 23). وقال لتلاميذه: “اثبتوا فيَّ، وأنا فيكم”. “أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير” (يو15: 4- 6).. وقال أيضًا: “من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيَّ وأنا فيه” (يوحنا6: 56).
إنها إذن ليست مجرد عشرة معه، وإنما ثبوت متبادل…
يحيا المسيح فينا، ونحن فيه، نوجد فيه. وكما قال بولس الرسول “لكي أحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا في” (غل2: 20).
عشرة ثابتة في الله، ليس في هذا العالم فقط، وإنما في الأبدية أيضًا، في العالم الآخر.
وهكذا طمأن السيد المسيح تلاميذه، فقال لهم “أنا ماض لأعد لكم مكانًا… وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا، وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 2، 3). وفي صلاته الطويلة إلى الآب لأجل تلاميذه، قال له “أيها الآب، أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا” (يو17: 24). وأورشليم السمائية قيل عنها إنها: “مسكن الله مع الناس” (رؤ21: 3).
وأما على الأرض، فقال الرب لتلاميذه: “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20). و”حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم”.
إذن يمكن أن يمكن أن نعتبر الأربعين يومًا “مذاقه للملكوت”… يذوقون فيها الحياة مع الرب، لكي يحيوا معه إلى الأبد… يحل فينا، ويتحد بنا، ويثبت فينا، ونحن فيه. وهكذا صارت فترة الأربعين يومًا هي فترة الوجود مع خاصته.
جـ- فترة الوجود مع خاصته:
من محبته لهؤلاء التلاميذ الذين جربوا عشرته، دعاهم خاصته.
فقال الكتاب إنه: “أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى” (يو13: 1). إنهم خاصته، لأنهم نصيبه، نصيب الرب، إنهم الإكليروس… اختارهم من بين العالم كله، ليكونوا خاصته. وقال لهم:” لستم أنتم الذين اخترتموني، بل أنا الذي اخترتكم”.
ولم يدعهم فقط خاصته، وإنما أيضًا أحباءه وإخوته…
قال: “لست بعد أدعوكم عبيدًا بل أحباء (أصدقاء)”. وقال الكتاب “إنه شابه إخوته في كل شيء”. وهو نفسه قال عنهم لمريم المجدلية: “اذهبي وقولي لإخوتي…” (يو20: 17).
إن فترة الأربعين يومًا ترينا عمق العلاقة التي بين الرب وخاصته.
كما أنها فترة الإعداد والتسليم لجميع الأسرار والتقاليد.
د- فترة الإعداد والتسليم:
في هذه الفترة كان السيد المسيح يعد تلاميذه للعمل الرسولي الذي سيقومون به، وكل ما فيه من أمور الكهنوت المسيحي الجديد. لذلك سلمهم فيها كل الأسرار والطقوس والتقاليد…
حدثهم عن كل هذه الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3). هذه الأسرار ليست لكل أحد، ليست تعليمًا عامًا يلقيه على الكل مثل العظة على الجبل، وإنما هي أولًا للقادة. هم يتسلمونها منه، ثم يسلمونها للأجيال فيما بعد كما قال بولس الرسول عن سر الافخارستيا “لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم”(1 كو11: 23). كما تسلم موسى من الرب على الجبل كل الرسوم والطقوس الخاصة بخيمة الاجتماع والعبادة فيها. وصنع كل شيء حسب المثال الذي أخذه.
ه- كيف نستقبل هذه الأيام؟
أهم شيء في هذه الأيام المقدسة، أن نستقبل المسيح في قلوبنا كما استقبل الرسل… أن نكون خاصته كما كانوا… وأن نحيا حياتهم.
شاول الطرسوسي لم يكن واحدًا من الاثني عشر، ولكن استعداده الداخلي، جعله ينال من الرب ما ناله الرسل، وأن يفوق كثيرين منهم. فلنطلب من الرب أن يعلن لنا ذاته، كما ظهر لهم، لكي نقول معهم “الذي رأيناه، الذي سمعناه، الذي لمسته أيدينا”. أو لنطلب من الرب أن يفتقدنا في هذه الأيام المقدسة كما افتقد تلاميذه الأطهار، بكل رعاية وحب.
الله يعطي أكثر مما ننتظر:
النسوة أحببن المسيح، وأحضرن الأطياب والحنوط لقبره. وهناك نلاحظ ملاحظة عجيبة: هل كان النسوة في ذلك لهن الإيمان الكامل بالقيامة.
لا شك أنهن لو كن يؤمن إيمانا كاملًا بالقيامة، ما كن يحضرن معهن الحنوط والأطياب؟! لأن الحنوط تستخدم للأجساد المائتة، وليست للأجساد القائمة من الموت!!
لقد ذكر السيد المسيح من قبل أنه سيقوم من الأموات في اليوم الثالث. ولهذا قال الملاك للمريمتين: “إنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال“(مت28: 6). ولهذا أيضًا قال الملاكان للنسوة: “لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟! ليس هو ههنا، لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل، قائلًا إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أُناس خطاه ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم.. فتذكرن كلامه”(لوقا24: 5- 8).
إن عبارة “فتذكرن كلامه” تعني أنهن كن ناسيات أمر هذه القيامة، لذلك ذكرهن الملاك لكي يؤمن بها…
ولكن المسيح المحب، لم ينظر إلى هذا الإيمان الناقص بالقيامة، وإنما نظر إلى الحب داخل القلب. نظر إلى محبتهن له، واهتمامهن بإحضار الحنوط، وشجاعتهن، وعدم خوفهن من اليهود، وتعريض أنفسهن للخطر من أجله، وتبكيرهن في المجيء إلى قبره، على الرغم من الجنود والحراس والأختام والحجر الكبير وقسوة أعداء المسيح…
وإذ كانت عندهن محبة، ولا يوجد ايمان بالقيامة. قبل منهن الرب هذه المحبة، ثم أعطاهن الإيمان كهبة من عنده…
إن هذا الحب الذي أظهره السيد المسيح نحو النسوة، وهن في ضعف إيمانهن بالقيامة، وهذا الحنو نفسه الذي أظهره نحو توما في شكه وعدم إيمانه، ونحو التلاميذ في عدم تصديقهم للقيامة. هذا الحنو فيه تعزية كبيرة لنا إن ضعف إيماننا أو حاربتنا الشكوك…
إن عبارة “ليكن لك حسب إيمانك”، كانت تخيف البعض…
ماذا أفعل إذن إن كان إيماني ضعيفًا؟ هل معنى هذا إنني لا أنال شيئًا؟! لا شك أن الرب لو حاسبنا في كل حين بحسب إيماننا، لكان مصيرنا إلى الضياع…
ولكن السيد المسيح أرانا أن المحبة أعظم من الإيمان. يكفي أولًا أن تحب، ولا مانع أن يهبك الله الإيمان مكافأة لحبك…
هذا يرينا أن المسيح لا يعمل فقط مع الكاملين. إنما يعمل أيضًا مع الناقصين لكي يكملهم… تلميذا عمواس لم يكن عندهما الإيمان، لذلك قالا عن المسيح إنه: “كان إنسانًا نبيًا مقتدرًا في الفعل والقول” (لو24: 19)، مجرد نبي، مجرد إنسان مقتدر في الفعل والقول!! فلا آمنا بلاهوته، ولا آمنا بقيامته، ولا عرفاه… ولكن المسيح وهبهما هذا الإيمان، من عنده…
حسن أن نؤمن أن الله يمكن أن يهبنا الإيمان، ويمكن أن يقوي ضعف إيماننا، ولا يعاملنا بحسب إيماننا الضعيف أو المفقود… كما نرى أن الإيمان – كأية فضيلة – يمكن أن ينمو، فلا يبدأ بالكمال. إنما قد يبدأ بضعف، ويجاهد ليصل إلى هذا الكمال.
إن المسيح، يأخذ القليل الذي عندنا، يرضى به، ويباركه وينميه… يأخذ حبة الخردل، ويجعلها شجرة عظيمة تتآوى فيها طيور السماء كلها. من كل هذا نرى أن فترة الأربعين يومًا كانت مصدرًا لنعم كثيرة تدفقت على الكنيسة. منحنا الله فيها الإيمان والقوة والوعود، وتركنا بعدها في رعاية الروح.
بركة هذه الأيام المقدسة تكون مع جميعنا، آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الحادي والعشرون) 23-5-1975م




