الآيات التي يستخدمها الآريوسيين – أبي أعظم مني
سمعتم أني قلت لكم: أنا أمضي ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني.” (يو 14:28)
يشرح البابا شنوده أن هذه الآية كانت سبب جدل كبير في القرن الرابع الميلادي بسبب تعليم أريوس الذي قال إن الابن أقل من الآب في الجوهر.
لكن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واجهت هذه الفكرة بوضوح، إذ تقرأ هذه الآية في إنجيل الساعة الثالثة من الأجبية يوميًا، بلا خوف أو إخفاء، لأنها تؤمن أن معناها روحي وتجسدي وليس إنقاصًا للاهوت المسيح.
أولًا: السياق الذي قيلت فيه الآية
قال السيد المسيح هذا الكلام بعد العشاء الأخير وهو في طريقه إلى الجلجثة، في لحظات الاستعداد للصلب.
قالها لتلاميذه الحزانى:
“لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني أمضي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني.”
أي أنكم ينبغي أن تفرحوا برجوعي إلى المجد الذي كان لي قبل التجسد، لأن وضعي في الجسد هو وضع إخلاء الذات (فيليبي 2:6–9).
ثانيًا: معنى “أبي أعظم مني”
ليست مقارنة بين الآب والابن في الجوهر الإلهي، لأن الابن مساوي للآب في الطبيعة واللاهوت،
بل هي مقارنة بين:
-
حالة المسيح المتجسد في الاتضاع والألم، و
-
حالة الآب في مجده السماوي.
فالمسيح، في تجسده، أخلى ذاته من أمجاد اللاهوت لكي يتمم عمل الفداء، لكنه لم يفقد طبيعته الإلهية.
ثالثًا: أسانيد المساواة في الجوهر
الآباء يبدؤون بتأكيد مساواة الابن للآب في الكتاب المقدس:
-
“أنا والآب واحد” (يو 10:30)
-
“الذي رآني فقد رأى الآب” (يو 14:9)
-
“كل ما للآب هو لي” (يو 17:10)
-
“أنا في الآب والآب فيَّ” (يو 14:10)
-
“الابن الوحيد الكائن في حضن الآب هو خبر” (يو 1:18)
-
“به كان كل شيء” (يو 1:3)
-
“الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو 2:9)
كل هذه الآيات تؤكد أن المسيح مساوٍ للآب في الجوهر والطبيعة.
رابعًا: “أبي أعظم مني” في ضوء التجسد
عندما يقول المسيح “أبي أعظم مني”، يتحدث كإنسان متجسد،
في حالة الاتضاع التي قَبِلها بإرادته:
“الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد.” (في 2:6–7)
إذن العظمة هنا تتعلق بوضع التجسد لا باللاهوت.
خامسًا: المسيح وضع قليلًا عن الملائكة
استشهد البابا بالمزمور (8) وعبرانيين (2):
“وضعته قليلًا عن الملائكة… لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.”
أي أن حتى الملائكة، الذين خُلقوا بواسطته، صاروا في تلك اللحظة أعظم منه في الظاهر، لأنه قبل أن يتألم ويموت بالجسد.
لكن هذا الإخلاء مؤقت، إذ بعد الفداء تُوِّج بالمجد والكرامة.
سادسًا: معنى العظمة
العظمة هنا لا تعني الاختلاف في الطبيعة، بل الاختلاف في الدور والحالة:
-
الآب هو المرسل،
-
والابن هو المرسل الذي تجسد لأجلنا.
لكن في الجوهر هما واحد، كما أن الابن يرث طبيعة أبيه تمامًا، فالابن الإلهي يحمل ذات طبيعة الآب الإلهية.
سابعًا: تعليم الآباء
-
القديس بولس الرسول: “بهاء مجده ورسم جوهره” (عب 1:3).
-
القديس أمبروسيوس: يشرح أن الله حين أقسم لإبراهيم “بذاتي أقسمت” (تك 22:16) لم يجد أعظم من ذاته ليقسم بها — أي أن الابن الذي أقسم هو ذاته الله، فلا يمكن أن يكون هناك “أعظم”.
-
القديس كيرلس الكبير: بيّن أن “أبي أعظم مني” تتعلق بالتجسد، لا باللاهوت، لأن “الابن في ذاته هو مساوي للآب، لكن إذ صار إنسانًا، صار في وضع أدنى مؤقتًا.”
ثامنًا: الإخلاء مؤقت لا دائم
عملية إخلاء الذات كانت فقط لإتمام الفداء،
وبعد القيامة والصعود جلس عن يمين الآب في المجد ذاته.
فالقول “أبي أعظم مني” ينتهي بمجرد إتمام الصليب، إذ يعود الابن إلى مجد اللاهوت الكامل.
خاتمة
القول “أبي أعظم مني” لا ينتقص من لاهوت المسيح،
بل يُظهر عمق اتضاعه ومحبة فدائه.
فهو مساوٍ للآب في الجوهر، واحد معه في الطبيعة،
لكنه أخلى ذاته مؤقتًا ليذوق الموت عنا،
ثم عاد إلى مجده الأبدي حيث
“لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض.” (في 2:10)



