الآباء اللاتين – القديس أوغسطينوس

تَتَنَاوَلُ الْمُحَاضَرَةُ سِيرَةَ الْقِدِّيسِ أُوغَسْطِينُوسَ، أَحَدِ أَهَمِّ آبَاءِ الْكَنِيسَةِ، مُسَلِّطَةً الضَّوْءَ عَلَى حَيَاتِهِ وَتَحَوُّلِهِ الرُّوحِيِّ وَأَبْرَزِ كِتَابَاتِهِ.
نَشْأَتُهُ وَحَيَاتُهُ الْمُبَكِّرَةُ
وُلِدَ أُوغَسْطِينُوسُ سَنَةَ 354م فِي مَدِينَةِ “طَاغَسْتَ” بِالْجَزَائِرِ، وَتُوُفِّيَ (تَنَيَّحَ) سَنَةَ 430م عَنْ عُمْرٍ يُنَاهِزُ 76 عَامًا. كَانَ شَابًّا ذَكِيًّا جِدًّا وَمُتَفَوِّقًا فِي دِرَاسَتِهِ، وَلَكِنَّهُ عَاشَ حَيَاةَ طَيْشٍ وَخَطِيئَةٍ فِي شَبَابِهِ. دَرَسَ الْخَطَابَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالْحُقُوقَ فِي قَرْطَاجَنَةَ، وَانْضَمَّ إِلَى الْفَلْسَفَةِ الْمَانَوِيَّةِ ثُمَّ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ الْحَدِيثَةِ فِي بَحْثِهِ عَنِ الْحَقِيقَةِ. عَاشَ حَيَاةً خَاطِئَةً وَأَنْجَبَ ابْنًا اسْمُهُ “أَدْيُوَاتُوسُ” مِنْ عَلاقَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ.
أَجَّلَ عِمَادَهُ عَمْدًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلِالْتِزَامِ بِتَعَالِيمِ الْمَسِيحِيَّةِ. وَجَدِيرٌ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ أَيًّا مِنَ الْمَجَامِعِ الْمَسْكُونِيَّةِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى (نِيقِيَةَ 325م، الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ 381م، أَفَسُسَ 431م) لِأَنَّ تَوَارِيخَهَا كَانَتْ إِمَّا قَبْلَ وِلَادَتِهِ أَوْ قَبْلَ عِمَادِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
أَسْبَابُ تَوْبَتِهِ وَنُقْطَةُ التَّحَوُّلِ
كَانَتْ رِحْلَتُهُ إِلَى مِيلَانُو نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ حَاسِمَةٍ فِي حَيَاتِهِ، حَيْثُ الْتَقَى بِالْأُسْقُفِ أَمْبْرُوسْيُوسَ الْفَصِيحِ وَتَأَثَّرَ بِعِظَاتِهِ الْعَمِيقَةِ. وَتُوجَزُ الْأَسْبَابُ الَّتِي دَفَعَتْهُ إِلَى التَّوْبَةِ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ رَئِيسِيَّةٍ:
- دُمُوعُ أُمِّهِ: صَلَوَاتُ وَدُمُوعُ أُمِّهِ الْقِدِّيسَةِ مُونِيكَا الْمُسْتَمِرَّةُ، حَتَّى قَالَ لَهَا الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوسَ: “إِنَّ ابْنَ هَذِهِ الدُّمُوعِ لَنْ يَهْلِكَ”.
- مَرَارَةُ الْخَطِيئَةِ: شُعُورُهُ بِالْمَلَلِ وَالتَّعَبِ مِنَ حَيَاةِ اللَّذَّةِ الْجَسَدِيَّةِ وَإِدْرَاكُهُ لِمَرَارَتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ.
- سِيرَةُ الْقِدِّيسِينَ: تَأَثُّرُهُ الْبَالِغُ بِقِرَاءَةِ سِيرَةِ الْقِدِّيسِ الْأَنْبَا أَنْطُونْيُوسَ، الَّتِي أَظْهَرَتْ لَهُ جَوًّا رُوحِيًّا يَسْمُو عَلَى كُلِّ الْمُتَعِ الْعَالَمِيَّةِ.
- الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ: تَأَثُّرُهُ بِرَسَائِلِ بُولُسَ الرَّسُولِ (خَاصَّةً رُومِيَة 13) وَنَصِيحَةُ أَمْبْرُوسْيُوسَ لَهُ بِقِرَاءَةِ سِفْرِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ، بِمَا فِيهِ مِنْ عِتَابٍ إِلَهِيٍّ وَنُبُوءَاتٍ عَنِ الْمَسِيحِ.
كِتَابَاتُهُ وَرُوحُ التَّوَاضُعِ
بَعْدَ تَوْبَتِهِ، تَعَمَّدَ سَنَةَ 387م، وَتَحَوَّلَ فِكْرُهُ تَدْرِيجِيًّا مِنَ الْفَلْسَفَةِ إِلَى اللَّاهُوتِ. وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ تَصِلُ إِلَى 260 مُؤَلَّفًا، وَلَكِنْ تَبْرُزُ رَوْعَةُ تَوْبَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ فِي كِتَابَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ:
- كِتَابُ الِاعْتِرَافَاتِ (Confessions): نَشَرَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ أُسْقُفًا، وَفِيهِ كَشَفَ بِشَجَاعَةٍ وَأَمَانَةٍ عَمِيقَةٍ كُلَّ خَطَايَاهُ وَسَقَطَاتِهِ وَضَعَفَاتِهِ وَانْحِرَافَاتِهِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ أَمَامَ الْعَالَمِ كُلِّهِ، لِيُعْطِيَ مَجْدًا لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ.
- كِتَابُ التَّرَاجُعَاتِ (Retractationes): أَلَّفَهُ فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ، وَفِيهِ رَاجَعَ كُلَّ كِتَابَاتِهِ السَّابِقَةِ لِيُصَحِّحَ أَيَّ أَخْطَاءٍ فِكْرِيَّةٍ أَوْ لَاهُوتِيَّةٍ قَدْ يَكُونُ وَقَعَ فِيهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَوَاضُعٍ فِكْرِيٍّ وَرُوحِيٍّ عَظِيمٍ، وَرَغْبَةٍ فِي أَنْ يُقَدِّمَ حِسَابًا نَقِيًّا أَمَامَ اللهِ.
خَاتِمَةٌ
تَدَرَّجَ أُوغَسْطِينُوسُ فِي الْخِدْمَةِ فَرُسِمَ كَاهِنًا سَنَةَ 391م، ثُمَّ أُسْقُفًا مُسَاعِدًا، وَأَخِيرًا أُسْقُفًا لِإِيبَرْشِيَّةِ “هِيبُو” سَنَةَ 396م. اسْتَطَاعَ أَنْ يُخْضِعَ عَقْلَهُ الْفَلْسَفِيَّ الْجَبَّارَ لِلْإِيمَانِ، وَأَصْبَحَ مُفَسِّرًا لِلْكِتَابِ، وَمُرْشِدًا رُوحِيًّا، وَمُدَافِعًا عَنِ الْعَقِيدَةِ ضِدَّ الْهَرْطَقَاتِ مِثْلَ الْمَانَوِيَّةِ وَالْبِيلَاجِيَّةِ، وَتَرَكَ لِلْكَنِيسَةِ تُراثًا غَنِيًّا يَعْكِسُ رِحْلَةَ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ.
(للمساعدة في ترجمة أفضل يمكن التواصل مع المركز).


