الآباء الكهنة – المسئولية

المسئولية[1]
عبارة جميلة قيلت في (الدسقولية) عن واجب الأسقف وهي:
“فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”.
والأسقف يهتم بكل أحد عن طريق كهنته وشمامسته..
وهذا آخر يدعو إلى الافتقاد الدقيق لجميع أفراد الشعب: للعائلات وللأفراد، والاهتمام بالأطفال والشبان والعمال والعاطلين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم. ليس بمجرد إستيفاء شكليات، وإنما باهتمام قلبي وعملي.
غير أن كثيرًا من الكهنة تعطلهم مشغوليات عديدة من اهتمامهم الروحي بالشعب.
إما مشغوليات طقسية من عشيات، وخدمات طقسية، وخطوبات، وأكاليل، وجنازات.. ويتركون العمل الروحي. وإما تشغلهم أمور أخرى خاصة بالبناء والتعمير، وأعمال إدارية كثيرة، وخدمات اجتماعية، وأنواع من الأنشطة يحب أن يقوم بها بنفسه ولا يتركها لغيره. وفي كل ذلك لا يجد وقتًا للعمل الروحي ولقيادة الناس إلى التوبة.
وهؤلاء الذين يهملهم بسبب مشغولياته قد تلتهمهم الطوائف.
مسئولية الكاهن في الرعاية أيضًا أن يقدم لشعبه الطعام الروحي.
وفي ذلك قال السيد الرب: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!” (لو12: 42، 43). وعن هذا الطعام الروحي يقول المرتل في المزمور عن الله الراعي الصالح: “فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ” (مز23: 2، 3). فهل كل أب كاهن يفعل هكذا؟! يطعم أولاده. ويعطيهم طعامهم في حينه. لا يتأخر عليهم… ولا يترك نفوسهم تذبل بدون ماء الحياة؟! ولا يترك فترة من فترات العمر، تمر على أولاده بدون الطعام الذي يناسبها… في حينه… هل يستطيع الكاهن أن يقول:
“هَئَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ” (أش8: 18).
ومن أهمية هذه العبارة، كررها بولس الرسول بالنسبة إلى الراعي الصالح (عب2: 12). وأيضًا هل يستطيع الكاهن أن يقول عبارة أخرى هي “أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15). ويكون المقصود بعبارة (بيتي) ليست أسرته الصغيرة، وإنما بيت الله كله. إنه مسئول عن كل عضو في هذه الأسرة الكبيرة التي هي “جماعة المؤمنين”.
الكاهن لا بد سيقدم حسابًا لله عن كل نفس يرعاها..
ويدخل في اهتمامه بشعبه: العمل الفردي، لئلا يضع الفرد وسط زحمة الجماهير..
إن مثل الخروف الضال يعطينا مثلًا رائعًا عن الاهتمام بالفرد الواحد. من ذا الذي يستطيع- إن نظر إلى مجتمع من مائة- أن يلاحظ أن واحدًا من بين المائة غير موجود؟! (لو15).
كثير من الكهنة يفرحون جدًا بالتسعة والتسعين الحاضرين، ويرون أنها نسبة حضور ممتازة. ووسط فرحهم هذا ينسون الواحد الغائب!
إن السيد المسيح كان الجماهير تزحمه بالآلاف. ولكن ذلك العدد الكبير، لم ينسه فردًا واحدًا هو زكا العشار، فناداه باسمه، ودخل إلى بيته، لكي يحدث خلاص لأهل ذلك البيت. وقال عن ذلك العشار: “إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” (لو19: 9).
إن الإعتذار بالمشغولية، لا يعفي إطلاقًا من المسئولية.. وينبغي أن يدرك الكاهن أهمية وقيمة النفس الواحدة.
إن كل نفس واحدة، قد اشتريت بثمن غال، هو دم المسيح. فلا يصح الاستهانة بهذا الدم الغالي الذي دفعه من أجل نفس، نهمل نحن في رعايتها! ولهذا قال القديس بولس الرسول لرعاة كنيسة أفسس: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28). لقد أضاف عبارة (التي اقتناها بدمه) لكي يظهر لهم أهمية تلك النفوس التي يرعونها…
ينبغي أن نحرص على هذه النفوس التي ائتمنا الله عليها، حتى لا يهلك منها أحد.
ولهلاك بعض النفوس أسباب. ولا نود أن يكون ذلك بسببنا، لئلا يطالبنا الله بدمهم، كما سبق وأنذرنا (حز3: 18) (حز33: 8). لذلك فإن بولس قال لرعاة أفسس الذين استدعاهم من ميليتس: “أُشْهِدُكُمُ الْيَوْمَ هَذَا أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْجَمِيعِ. لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ” “اسْهَرُوا مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 26، 27، 31).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث، صفحة الآباء الكهنة: المسئولية (2)، 28/ 1/ 1994




