الآباء الكبادوكيين
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن الآباء الكبادوكيين، الذين برزوا في القرن الرابع الميلادي كأعمدة لاهوتية وروحية عظيمة في الكنيسة، ودافعوا عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الهرطقات، وبخاصة الآريوسية.
👑 من هم الآباء الكبادوكيون؟
يشرح قداسة البابا أن “الآباء الكبادوكيين” هم ثلاثة قديسين كبار خدموا في منطقة قيصرية كبادوكيا، وهم:
-
القديس باسيليوس الكبير – رئيس أساقفة قيصرية كبادوكيا، وأقوى شخصية لاهوتية بعد القديس أثناسيوس الرسولي.
-
القديس غريغوريوس النزينزي (الناطق بالإلهيات) – صديقه الأقرب ورفيق دربه الروحي والعلمي.
-
القديس غريغوريوس النيسي – شقيق باسيليوس، وكان من كبار المدافعين عن الإيمان.
🌿 نشأة القديس باسيليوس وأسرته
ولد القديس باسيليوس سنة 330م بعد مجمع نيقية بخمس سنوات، من أسرة مسيحية عريقة متدينة أنجبت عشرة أولاد، أصبح أربعة منهم من رجال الكنيسة القديسين، وأخته مكرينا الكبرى راهبة ومرشدة روحية للأسرة كلها.
كانت جدته “مكرينا الكبيرة” تلميذة للقديس غريغوريوس العجائبي، مما يظهر عمق الإيمان في هذه العائلة المباركة.
🎓 تعليمه وثقافته
درس باسيليوس في قيصرية، القسطنطينية، وأثينا، فبلغ أعلى درجات العلم والفلسفة والبلاغة، وهناك توطدت صداقته مع القديس غريغوريوس النزينزي، وكانا مثالًا للشباب الطاهر الملتزم، حيث قال غريغوريوس:
“لم نكن نعرف في المدينة إلا شارعين: واحدًا إلى المدرسة، وآخر إلى الكنيسة.”
✝️ تحوله إلى الحياة النسكية
بعد فترة من المجد الدنيوي والتعليم، قادته أخته القديسة مكرينا إلى التوبة، فاختار طريق الزهد والرهبنة، وكتب لصديقه غريغوريوس قائلاً:
“استيقظت من سباتي العميق، وعرفت فضيلة الإنجيل وتفاهة هذا العالم.”
باع كل أملاكه ووزعها على الفقراء، وبدأ حياة الوحدة والتأمل على نهر الإرس، حيث أسس أديرة ووضع قوانين للرهبنة ما زالت مؤثرة حتى اليوم.
🕊 خدمته الأسقفية ودفاعه عن الإيمان
انضم باسيليوس إلى رئيس أساقفة قيصرية “أوسابيوس” وساعده في مقاومة الهرطقات، ثم خلفه سنة 370م رئيسًا لأساقفة كبادوكيا.
واجه الإمبراطور فالنس الآريوسي بشجاعة نادرة، وقال له عندما هدده بالنفي:
“كل أرض هي أرض الله، ولن أُنفى من حضرته.”
وعندما هدده بالمصادرة، أجاب:
“أنا راهب لا أملك شيئًا.”
هذه المواقف أظهرت قوة الإيمان الأرثوذكسي أمام السلطة الزمنية.
❤️ أعماله الاجتماعية والروحية
أسس مؤسسات لخدمة الفقراء والمرضى والمسافرين، وباع ممتلكاته ليعول الجائعين في زمن المجاعة.
كما كتب مؤلفات كثيرة، منها:
-
كتب ضد الآريوسية (خاصة ضد يونويوس).
-
كتاب عن الروح القدس في 30 فصلًا.
-
تفسير المزامير وكتاب “الستة أيام” (الهيكسايمرون).
-
القداس الإلهي المعروف باسم “قداس باسيليوس” الذي تصليه الكنيسة القبطية إلى اليوم.
🕯 نياحته وإرثه
تنيّح القديس باسيليوس في أول يناير سنة 379م بعد حياة مليئة بالجهاد، وقد رثاه صديقه القديس غريغوريوس النزينزي بكلمات مؤثرة.
ظل تراثه الروحي واللاهوتي والرهباني علامة خالدة في تاريخ الكنيسة الجامعة.
✨ الخلاصة الروحية
القديس باسيليوس الكبير مثال للقداسة المتوازنة بين الرهبنة والخدمة، بين العمق اللاهوتي والعمل الاجتماعي، وبين السلطة الروحية والتواضع الحقيقي.
لقد وحّد الفكر والعقيدة والرعاية، وعلّمنا أن الإيمان الحقيقي يُثبت بالفعل والتقوى قبل الكلمة.



